قال فريتز بصوت متعب يجرّ حروفه جراً، وقد أضناه الإرهاق حتى عجز عن قول شيء ذي بال: "هذا آخر ما ينتظر المرء منك أيها الحقير".
كم تمنّى لو ظفر بواحدة من جرعات التحمّل التي عثرا عليها، وكان حريّاً به أن يطلب من جين أن تترك له واحدةً. اشتعل الغضب في صدره حين ذكرته جين وهي راحلة بكل تلك الجرعات الثمينة، لكن فريتز جذب عقله المنهك وأعاده إلى حلبة القتال. وجاء في اللحظة المناسبة تماماً، إذ انطلقت النصال المظلمة شقاً إثر شق نحو خاصرته الجريحة.
بدا سيفه ثقيلاً في يده، بل أثقل ممّا ينبغي. دفعته الحيرة واليأس إلى استنهاض ما تبقى في خبايا قوته، فقذف بسيفه السمكي نحو ستيف. رماه بعشوائية كما يرمي أحدهم عصا لكلب صيد ليجلبها. أليس يقال إن كلاب الصيد تحب الجلب؟ هكذا سأله عقله المنهك بتلك الغرابة العابثة التي تطل برأسها عند حافة الانهيار العصبي.
تخلّص من ثقل السيف في يده فأحس بخفة مدهشة وحرية مفاجئة، واستطاع أن يطوح بنفسه إلى الخلف هارباً من موت محتّم تحت النصال المظلمة القادمة.
رنّ صوت اصطدام وصدحت شتيمة حين أصاب سويكسيلفر شيئاً ما، وليته كان ستيف، وترنح فريتز عائدل للوقوف على قدميه. طفق يبحث عن أي شيء يعينه؛ كان سيد ما زال يقاتل، أو بالأحرى يدور حول صاحب المطرقة كالدائرة، غير أن شيئاً آخر لم يلفت انتباهه.
ركّز فريتز بصره على ستيف المتقدم نحوه. كان سيل من الدماء ينزح بغزارة من جبهته ليسيل داخل إحدى عينيه بينما كان يتنفس بصعوبة بالغة. بدا أن سيفه السمكي قد أصاب ستيف وترك فيه جرحاً بليغاً قبيحاً.
حدّث فريتز نفسه بمرارة: "حسناً، حين أموت أكون على الأقل قد تركت ندبة".
رفع فريتز قبضتيه، فقادته الذاكرة العضلية وفنل القتال الجسدي إلى وضعية متراصة ومشدودة.
"التقنية، لقد نسيت أمرها، حسناً لنأمل أن ستيف ليس مستعداً لهجمات هذا المجنون".
انتظر يترقب وقته، ويبني طاقته ببطء بينما يرمق ستيف مرتقباً هجومه. أخبره عقله المتبلد أن الهجوم المضاد هو معركة حياة أو موت، وأنه ينبغي أن يسدد ضربة تحسب ثم يجهز عليه تماماً.
لم يطول انتظار فريتز. وثب ستيف المحتدم نحوه، واستهل هجومه بسيفه من دون أي أثر لنصال مظلمة تلوح في الأفق.
ظن فريتز: "لعلّه بدأ يكلّ، فقد ألقى بضع هجمات مسبقاً".
انطلق السيف إلى الأمام طعنة دقيقة مسددة مباشرة نحو قلب فريتز. انحنى إلى أسفل وإلى يمين، تاركاً السيف ينزلق فوق كفته اليسرى بقليل، ثم قبض فريتز بسرعة على معصم ستيف الآخر قبل أن يتمكن من رفعه وبقره بالخنجر. جذب يد ستيف إلى أسفل وإلى بعيد كاد يخلع الخنجر من قبضته. اطمأن نسبياً إلى أنه بات بمنجاة عن الطعن السهل، فدسّ ساقه خلف ساق ستيف، واستعد للصدمة، ثم دفع الرجل بكتفه ضارباً صدره بقوة شديدة.
أحسّ بكتفه كأنها تهشمت، اصطدم بالمعدن فارتدّت الصدمة إلى ذراعه المشقوقة، إذ تصدّت درع الصدر الفضية لأي ضرر حقيقي، ويا لأسف فريتز. غير أن إلحاق الضرر لم يكن همّ فريتز حين دفع بكل ما أوتي من قوة ليطوح بهذا الجرذ عن قدميه. تخبط ستيف حين هوى، وكاد يفقد أسلحته لكنه حافظ على قبضة محكمة عليها وهو يسقط على الأرض. رنّت درع صدره كجرس باهت حين اصطدمت بالحجر الصلب.
وحين استلقى صيده منبطحاً ومصدوماً عند قدميه، لاحظ فريتز أن ساعد الرجل يمتد فوق الفجوة التي صنعها قبل قليل. عدّ ذلك فألاً حسناً وفرصة ذهبية، فداس بكل ثقله على ساعد ستيف راجياً أن يعينه هذا العزم. التقى حذاؤه الثقيل بذراع الرجل، ووسط صوت طقطقة رطبة، انكسرت تحت عقبه، مهشمة كأنها لوح خشبي متعفن. صرخ ستيف وشتم، وتخبط يميناً ويساراً ليخدش ساقي فريتز بخنجره المظلم.
قفز فريتز مبتعداً خارج مدى الخنجر القصير. تعثر قليلاً من الإرهاق لكنه استوى واقفاً وأعاد يديه إلى وضعيتها المتراصة مجدداً، بينما كان كتفه وساعده يلتهبان ألما.
هدد فريتز بصوت أجش تفوح منه عزيمة صارمة: "الخنجر يا ستيف، لا تجبرني على قتلك، فلن أستمتع بذلك".
صرخ ستيف وهو ينهض ببطء على قدميه مخلفاً سيفه على الأرض ومتركاً ذراعه المكسورة تتدلى برخاوة: "اغرب عن وجهي يا فريتز! دعني وشأني فحسب! لمَ عليك كسر ذراعي اللعينتين؟! يا لك من وغد مدلل، تعال إذن. وحين أخرج من هذا السبيِر سأتعقب إخوتك وأخواتك، وحين أنتهي منهم سيلعنون اليوم الذي وُلدت فيه، هذا إن لم أشق حناجرهم قبل أن يصدروا صراخاً".
كان ذلك حسب فريتز وما يكفيه؛ فكل ما تفوه به من رغبة في عدم قتل ستيف تبخر تماماً فور أن اشتعل غضبه. ألا يكفي أذية أصدقائه وإيذاء فريتز نفسه، أما تهديد عائلته وتهديد طمأنينتهم في الملجأ، فهذا ما لا يطيقه قط، ولا حتى للحظة واحدة. رأى فريتز الدنيا حمراء فوثب على الرجل الذي يهدد إشقائه، ملقياً بجسده كله على درع ستيف اللامعة.
سقطا معاً، وعلت يد فريتز ليستقر فوق الرجل المرتجف ذي الوجه الشبيه بالجرذ، وبدا أن ستيف لم يضبط سمات القوة لديه أيضاً. ترك فنل القتال الجسدي يقوده، فأمسك بكلتا يديه باليد التي تحضن ذلك الخنجر الملعون. ضرب بتلك القبضة المغلقة بإحكام على الحجر الصلب، مرة بعد مرة بعد مرة، إلى أن استرخت قبضة ستيف وأسقط نصل العظام، لتتبخر الظلال التي تجمعت حول حافته في همس خفيض.
صرخ ستيف بغضب وردّ فريتز الصراخ إذ أفلت معصم الرجل وأخذ يانهش وجهه بوابل من اللكمات.
صاح فريتز متزامناً مع ضرباته: "إيّاكَ... أن... تهدّدَ... عائلتي... أبداً."
ارتدّ رأس ستيف الملطخ بالدماء عن الحجر، وتهشّم أنف وجنتاه ثم انكسرا بفعل الضربات المتكررة. لم يدري فريتز المدة التي استمرّ فيها بضرب الرجل، فقد غشيه الدوار واختفى اللون الأحمر ليحلّ محله السواد. ثم وجد نفسه ملقى على الأرض عاجزاً عن الحركة أو الكلام أو حتى التفكير.
فيما كان يهوي في العتمة طلع قمران أزرقان ساطعان، حاول التركيز عليهما لكن الأمر اصبح شاقاً للغاية، فأخذته العتمة الثقيلة. أنا ميت... ابنوني. أنا ميت.
* * *
كانت سيد تراقب معركة فريتز باحثة عن فرصة تستغلها لمساعدة الأحمق المتهور. غير أن كانت لها معركتها الخاصة لتعتني بها، فرجل المطرقة كان صلباً، ومن الواضح أن نقاط التحمل لديه تفوق ما تمتلكه، لكن لا بأس بذلك. فقد منحتها مهارة الركض السريع خفة فائقة مكنتها من الاندفاع مبتعدة ثم التقاط أنفاسها لبضع لحظات قبل أن يصبح رجل المطرقة في نطاق الهجوم مجدداً.
كان يملك نوعاً من المهارات التي تمنعها من إصابته بدقة بأسهمها، ولم يتبقَ لها سوى سهمها الأخير ولم ترد إهداره. استمرت لعبة القط والفأر حتى رأت فريتز يتلقى ذلك السيف في ساعده. لعنت سيد بصوت خافت وقررت خوض المخاطرة، فانحشرت خلف عمود وألقت بقوسها واستعدت بسيف الزعنفة الذي أعطاها إياه فريتز، أول هدية منه لها، هكذا فكرت بغرابة وهي تغلف النصل بقوة ضربة الريح.
حفيف الهواء حول سيف الزعنفة والتوى الهواء دقيقاً حول الحواف. لم يكن ليكون بفعالية السهم، حسبما عرفت سيد من بحثها، لكنه سيضيف شيئاً ما على أي حال. وذلك الشيء قد يكون كافياً لقلب المعركة لصالحها أو هكذا كانت تأمل على الأقل.
اختبأت منتظرة أن يخطو رجل المطرقة إلى مجال الرؤية. ظنت سيد أنها أفسدت الأمور حين سمعت فريتز وستيف يشرعان في الصراخ إحداهما على الآخر، لكن بدا ببساطة أن فريتز أثار غضب ستيف. وملوك يعلمون أنه يملك موهبة في ذلك.
فيما كانت تنصت محاولة تبين ما يقولونه، لاح ظل من الخلف. انحرفت ودارت تماماً كما هو مشروح في فنون القتال، غير أنها كيّفت التقنية أيضاً بطعن سيف الزعنفة بحركة التوائية مسددة الطعنة نحو أي شيء كان يلقي ذلك الظل الزاحف.
انزلق النصل بسهولة مع الحركة، وعززت ضربة الريح رشاقته وسرعته، واخترقت خاصرة رجل المطرقة الذي حاول التسلل خلفها من الجانب الآخر للعمود. تطاير الدم من الجرح بينما مزقت الريح محيط النصل، مفرقة اللحم وناثرة القرمز على سيد والعمود. تمتم الرجل بألم لكنه هوى بمطرقة النحاس على أي حال، والكراهية تطفح في عينيه الشاحبتين.
قفزت سيد إلى الخلف باصقة وهي تمسح الدم عن عينيها، وجاءت ضربة المطرقة الأولى قصيرة فأخطأت تماماً وتهشمت على الأرض باعثة بشظايا الحجر تطير. ومع صرخة غرغرة، استدار الرجل ماسكاً الفجوة المفتوحة في خاصرته وفر هارباً خلف العمود مثلما فعلت سيد سابقاً.
أدركت سيد أن المعركة قد انتهت، فذلك الجرح ينزف بغزارة، وما لم يكن لدى الرجل جرعة شفاء أو مهارة فسيكون ميتاً في غضون ساعة.
لم تكن الممرة الأولى التي تضطر فيها سيد للقتل، ولم يكن حتى شخصاً تعرفه حقاً، بخلاف المرة السادة. لم تستطع سيد إجبار نفسها على الاهتمام، ليس في هذه اللحظة، وليس الآن وربما ليس أبداً. هكذا تسير الأمور، إما أن تسيطر أو تُمطر عليك. حدثت نفسها مرجفة قليلاً ومرددة إحدى مقولات تالي المفضلة.
تسللت سيد بحذر إلى الجانب الآخر للعمود متعقبة فريستها، وأبقت نصل الزعنفة جاهزاً وتعقبت الرجل عبر متاهة الأحجار المنتصبة، مراقبة أثر الدم الذي خلفه وهو يهرب. أوقفت المطاردة، مطاردة؟ حقاً؟ لست صيادة، أنت بلطجية، حين سمعت فريتز وستيف يصرخان صراخ الموت أحدهما على الآخر. غلبها قلقها على فريتز فتراجعت متخليّة عن التعقب لمساعدة اللص المجنون.
لم تكن بحاجة لتكبد العناء، فانحنت حول العمود الأخير الحاجب لفريتز وستيف عن نظرها، ورأت منظهراً مرعباً. فريتز ممتطٍ فوق ستيف ينهشه، مهشماً وجهه بقبضتيه العاريتين، بينما كان الزئبق السريع ملقى على بعد أقدام قليلة. كان يصرخ هو الآخر، لا خوفاً بل غضباً عارماً لا هوادة فيه.
ومن خلال صراخه الغاضب استطعت سيد تمييز الكلمات: "هدّد... عائلتي"، مصكوكة بتزامن مع لكماته الكاسرة للعظام.
راقبت سيد، فهذا كل ما استطاعت فعله، وبقيت مسمرة في مكانها مسترجعة جميع المرات التي دفعها فيها غضبها الخاص إلى تلك الغيبوبة العنيفة نفسها. المرات التي ضربت فيها أحدهم حتى شبه الموت لتجاوزه حدودها أو اقترابه أكثر من اللازم. بدا أن الفارق يكمن في أن فريتز لم يكن لينتهي عند شبه الموت، كلا، بدا أنه لن يتوقف إلا حين ينفد ذلك السير الغاضب. أين كان هذا الغضب، هذا الكفاح للبقاء، حين خنقته من قبل؟
استرجعت سيد الشجار الذي خاضته مع فريتز قبل بضعة أعوام. ووجدت الذكرى ملونة بالأحمر، مثل النظر عبر نافذة زجاجية معشقّة تمجد جورفيد الطريق الأحمر.
هذا صحيح، لقد كنت غاضبة تلك الليلة أيضاً، كاد يتجاوزني، كاد يتفوق عليّ وما أمكنني السماح بذلك. تذكرت تسللها من خلفه وهو يتسلل، ولف وشاحها حول رنقبه وخنق الفتى الأحمق. تقاتل كفأر في زاوية وهي ككلب مسعور حتى سقط فاقداً وعيه لقلة الهواء، مع أنها لم تكن بحاجة لخنقه حتى يفقد وعيه، فقط كدمات أقل بهذه الطريقة. لكلهما.
هزّت رأسها لتطرد الذكرى. رأت فريتز يترخى ثم يبدأ في الانزلاق نحو الجانب، فركضت سيد لتلحق به لكنها كانت أبطأ من أن تدركه إذ هوى على الحجر بصوت أصم. انحنت إلى جانبه وسمعت منه همهمة مبهمة بينما استقرت عيناه الزائغتان في الأفق العبثي عاجزتين عن التركيز على شيء.
قالت برفق: "ماذا كنت تقول؟ ارفع صوتك يا فريتز".
رآها حينئذ بعينيه الرماديتين المائلتين للخضرة وحدّق في عينيها بعمق، وارتسمت على شفتيه ابتسامة واهية كاد المرء يخالها وميضاً وهمست شفتاه.
"أبّنّي، لقد متُّ".
ارتخى جسده وفقد وعيه فكست وجه سيد عبسة وكشفت عن أسنانها وهي تهز رأسها. ما الذي قاله بيرت سابقاً عن إعلانات فريتز المتكررة للموت؟ أهو دائم الفعل هكذا؟ أم تراه كان جاداً؟ لم تكن إصاباته تبدو بالغة السوء سوى الجرح البشع في ساعده. ولأن سيد لم تمتلك جرعات شفاء أو مرهماً طارئاً فقد فتشت جثتي ستيف ورامي الرمح الذي بدا مألوفاً رغم عجزها عن استحضار اسمه. هزت كتفها باستهانة، إنه مجرد فأر مجارٍ ميت آخر، رأت أمثالَه أكثر من أن تحزن لأجلهم.
فتحت حقيبة ستيف فعثرت على ما كانت تبحث عنه، علبة مرهم أخرى غير مختومة ونصف ممتلئة. جذبت ذراعها بحركة ظافرة وعادت سريعاً إلى جانب فريتز. من دون توقف، غطّت الجرح بسخاء بالمرهم ثم لطخت ما تبقى منه على مفاصل أصابعه الخالية من الجلد والمكدومة والتي غالباً أصابها الكسر.
جلست متربعة وهي تطلق تنهيدة ارتياح فور الانتهاء منتظرة أن يشرع المادة في فعلها. لفت الطرف المصاب ببعض شرائط القماش، ضمادة هاوية إن قورنت بما تصنعه جاين لكنها ستكفي الغرض الآن.
وإذ لم تشأ إهدار الوقت واصلت عملية السلب، فالغرقى لا يحتاجون طعاماً ولا يعنيهم مطر أو سماء. هكذا تقول الأمثال.
قلقة بشأن الرجل الذي تركته يفر، ترجّحت بين أمل أن يكون قرارها صائباً وألا يعود أو يستولى على أحد الأبواب القليلة المؤدية للخارج. إن كانت قد أحصت العدد بدقة فهي تعلم أن الأبواب لا تكفيهم جميعاً، هذا إن لم يكن ذلك الصوت اللعين كاذباً.
لم تسمع بحدوث أمر كذاك، لكن هذا البرج بأسره كان أغرب بكثير مما ينبغي. تنهدت، كانت المجاهول في البراج أكثر من تحصى، خصوصاً لمن مثلهما، لصوص فقراء وأيتام.
بدا خلع درع ستيف صدري عملاً مزعجاً، اضطرت للعبث بالمشابك حتى انفكّت ثم جذبته ليفتح كباب مصيدة، وتركها في النهاية تقلب جثة ستيف والدماء المتراكمة في الخلف. كان منظراً مقرفاً بقلّ ما يقال.
أخذت تنظف الدرع من بقع الدماء مستخدمة القليل من مائها وبضع خرق جمعتها من هنا وهناك. وفي غمرة التنظيف سمعت هجيجاً رعدياً يصم الآذان ثم تلاه آخر. ذكّرتها بالصوت الذي تحدثه بوابة الحلقة العليا حين تنطبق مغلقة لكنه كان أعلى صوتاً، أعلى بكثير.
نهضت سيد على قدميها ورمشت مستطلعاً السهول، فلم تلمح شيئاً جديداً أو غريباً، غير أن هناك شيئاً ما قد تبدل. وعجزت تماماً عن تبينه. بصقت بغيظ وعادت إلى حيث يرقد فريتز وتفقّدته سريعاً لترى إن كان يتنفس. كان يفعل. أطلقت زفرة ثقيلة بالعياء، مدت كتفيها المشدودتين وعادت لعملها، سلب وتنظيف الغنائم. عهد قديم متجدد.
"من الأفضل أن تفيق قريباً يا فريتز، فلن أظل أنتظرك".
* * *
أفاق فريتز على وقع رعد جبار وساورته خشية أن يكون في عاصفة. العاصفة مهلكة إن عدم المرء المأوى، لا سيما في مدينة المطر حيث يجرفك الطوفان الجارف مع بقايا النفايات دون أن يفتقدك أحد، ليس في الحلقة المغرقة.
تلفت حوله مذعوراً، وحين لم يلمس مطراً أو برداً طفق يسيطر على أنفاسه المتسارعة. لا عاصفة، ليس في الحلقة المغرقة بل في برج. وضع أفضل بكثير هكذا فكر بتهكم وإن لم يخلو الأمر من صدق.
همّ بالجلوس فدار رأسه بعنف فترك نفسه طريحاً للحظة واحدة. ثم لحظة أخرى أو اثنتين. كانت يداه توجعانه بألم مبرح، وخصوصاً اليسرى. ضغط أصابعه باسطاً كفه وقابضاً ليختبر إن كان هناك كسر، لكنه لم يجد سوى عضلات مشدودة ومتورمة. تسرّب شعور بارد ومنشّت إلى مفاصل أصابعه فانتظر مرهم الشفاء ليؤتي أُكله.
رقد هناك لدقائق يغشيه غثيان من رائحة الدم النحاسية ورائحة مرهم الشفاء الحلوة اللاذعة. لا بد أن دلاءً من تلك المادة قد طُليت به حتى الآن، ومن ذا الذي وضعها عليّ هذه المرة؟ لابد أنها سيد، كم أنا سعيد لأني صوتّ لصالح انضمامه لفريق تسلقنا، هكذا تأمل فريتز وهو يعيد كتابة التاريخ خلسة.
سمع فريتز احتكاك أحذية تقترب لتستقر على بعد أقدام قليلة من مرقده. سمع سيد يعبث بشيء معدني، ربما درع ستيف الصدري. قرر فريتز أن يواصل إغماض عينيه دون أن يبيت نية شريرة مثل إيقاع مقلب صغير بسيد، لا، لا شيء من هذا القبيل على الإطلاق. تطلب الأمر قدراً من السيطرة ليمنع نفسه عن القهقهة كالأبله وفضح أمره.
سمع تنهيدة سيد ثم قال بصوت رقيق يقرب من اللطيف: "من الأفضل أن تفيق قريباً يا فريتز، فلن أظل أنتظرك".
منتشياً بهذه الإشارة الواضحة رد فريتز فوراً: "احذر، لقد بديت وكأنك تكترث حقاً".
من شق عين واحدة رأى فريتز سيد ينتفض ثم يشتم تحت لبده.
رد سيد بصوت أجش محاولاً إخفاء ارتباكه بفظاظة: "أنا لا أكتراث يا فريتز. أنت مجرد فرصة بيرت الأفضل للخروج من هنا. وأنا مدين له".
قال فريتز وهو يبتسم بتهكم لسيد: "أرى ذلك، أرى ذلك، كله لأجل بيرت. رد دُين، يا لك من محظوظ".
قال سيد وهو يلمّع آخر بقايا الدّم عن درع الصّدر الفضّيّ، وينظر في بريقه المرايايّ بابتسامة رضا: "أستبقى راقداً هكذا إلى الأبد؟ لم أكن أمزح حين قلت إنّي لن أنتظرك".
نهض فريتز وهو يشعر بقليل من الدّوار، وداعب صاحبه قائلًا: "حسنٌ، حسنٌ، أنا أهبّ واقفاً. أيّتها الممرّضة الصّارمة، لست أدري أيعجبني هذا أم لا".
لم يكن الدّوار حادّاً بالقدر الذي يبقيه طريحاً هذه المرة، لكنّه عجز عن الوقوف تماماً. تفقد المكان من جلسته فلاحظ شيئاً مشؤوماً على الفور.
سأل الرجل الذي كان يربط أبازيم درع الصّدر الفضّيّ الذي يرتديه الآن: "سيد، أذلك الرعد لم يكن هلوسة منّي فحسب؟ أليس كذلك؟".
واضطر فريتز إلى الاعتراف بأنّ الدّرع بدا رائعاً عليه، بطريقة تشبه الفرسان المتلألئين.
أجاب سيد عرضاً وهو يقف ويمدّد جسمه ويتحقق من ملائمة الدّرع: "لا، لقد سمعته أنا أيضاً. لكن لا أعلم ما هو، أهي مهارة أحدهم؟".
سأل فريتز وقد تمكّن الخوف من صدره: "أكان صوت انفجارين؟".
ابتسم سيد بشرود وهو يلوّح بنصل الزعانف في الهواء، ملاحظاً أنّ درع الصّدر بالكاد يثقله أو يقيد حركاته، وأجاب: "نعم، ولمَ تسأل؟ أهذا مهم؟".
ابتلع فريتز ريقه بصعوبة وهو ينظر إلى تلك الأنوار الخضراء المزرقة الساطعة في نهاية القاعة، فقد اختفى اثنان من الأنشطة الستة، وقال: "أظنّ ذلك، لقد اختفى بابان، ولعلهما أُغلقا".
توقف سيد مكانه ثم أطلق زفيراً حاداً من الغضب: "كيف لم أدرك ذلك؟ عليّ التحرك، لم يتبقي سوى أربعة أبواب".
هبط قلب فريتز في بطنه، وأعاد حساب الأرقام سريعاً في ذهنه. اثنان مفقودان، أتوبي وجاين؟ لا يستطيع تخيل شخص آخر غيرهما. وثلاثة أبواب أخرى مطلوبة لفيرونيكا ولين وناومي. واثنان آخران لبِرت وسيد، وواحد لي. استنتج مسرعاً، وخلص إلى أنه حتى لو لم يعبر أحد من طاقم ستيف عبر أي باب، فسيبقى اثنان منهم خلف الركب.
ليموتا.
أترانا سنقترع بالقصاصات أو شيئاً قبيل هذا؟
نظر فريتز إلى سيد، مراقباً إياه عن كثب وريبة. أسيخونني؟ أيقتلني هنا وهؤلاء؟ لا، لم يكن ذلك معقولاً. لماذا يهدر كل هذا الشحم الثمين؟ إلى أي مدى يمكنني الوثيق بسيد؟ وهل أملك خياراً غير الوثوق به أصلاً؟
من ملامح وجه سيد، أدرك فريتز أن الرجل كان يطرح الأسئلة ذاتها. حدق مطولاً في فريتز، واستغرق بضع ثوانٍ ليستقر رأيه على أمر.
خطا سيد نحو مكان جلوس فريتز، ماسكاً بنصل الزعانف وفي ملامحه الوسيمة نظرة جادة ومظلمة. أطل على فريتز وحدق إلى أسفل، وتغلغلت عيناه الزرقاوان الساطعتان في عيني فريتز. وفي تلك اللحظة، أدرك أن حياته معلقة على كفّ عفريت. ومع ضعفه، تراجع إلى ملجأه الأخير، وسحره الآسر. لعل الحظ يحالفه هذه المرة.
قابل نظرة سيد الحادة بأكثر ابتساماته تملقاً.