كان الطاقم يلهث متكتلاً حول البئر التي بدت نافورة بسيطة من ثلاث طبقات. رشّوا على أنفسهم من ماءها ليغسلوا شظايا الزجاج وحبيباته الدقيقة.
انضم إليهم فريتز ودع القوة المتدفقة من النافورة تشفي جراحه. بدت خفيفة خالية من ذلك البرد الحارق أو ثقل السحر الذي اعتاده من أي بئر.
كان يعرف السبب فهو يعيد زيارة هذا البرج ولن يحصل على أي مستويات أو قدرات إضافية منه. في الواقع الطريقة الوحيدة لاكتساب المزيد من القوة من الصعود هي إيجاد بعض الكنائز الصغيرة القيّمة وتخفيها سراً في جيبه النحيل دون أن يلاحظ أحد. إضافة إلى أي ثروة يمكنه إنفاقها بسخاء في الخزانة.
مع أن المسعى الذي كانه هذا الصعود بدا وكأنه إهاعة لوقته الثمين للغاية فقد عقد العزم على استغلاله لصالح بأي شكل ممكن. لم يعني ذلك تنمية قدراته كقائد فحسب بل شمل أيضاً كسب الحلفاء وربما بناء صداقات حيثما أمكن. غير أن مظهر هذه المجموعة وأداءها المتردي مسبقاً ينذران بأن هذين الأمرين اللذين أخيرين قد يئولان إلى الأسوأ.
سخر فريتز في داخله فقد كان يستبق الأمور. أولاً تأتي العقوبات.
أمعن النظر في أفراد الطاقم مقدراً وضع نايل وترودج اللذين تحدياه علانية أكثر من غيرهما. كان من السهل لوم صانع المطارق على الخطر المفاجئ والجسيم اللذين دفعا إليه لكن الرجل الآخر استفزه إلى جانب تأثير الإضاءة المزعجة التي كانت تسطع في كل زوايا الطابق.
قيّمهم وفكر في نوع العقوبات والتوبيخات التي يجب أن يفرضها عليهما.
بدأ شعور الطاقم بالارتياح والبهجة يتلاشى. وما إن نجوا وتمت مداواتهم حتى تحولت نظراتهم بغضب نحو ترودج. وحده شقيق الرجل الضخم أعفاه من النظرات المليئة بالبغض مع أنه كان بدوره ناقماً أشد النقمة.
التف نايل ببطء مبتعداً عن النافورة التي كان يواجهها مصطفّاً بمهارة مع الآخرين وكأن لم يكن صوته هو من طالب بتحطيم الجدران. كان أداةً مما بدا عليه رغم أن له وجه غول وهو ما زاد الأمر سوقاً.
قريباً سيعلو الصياح وسيؤدي ذلك إلى العنف. ضرب مبرح لترودج إن كان فريتز يقرأ الأجواء جيداً. ومن العرق المتدفق على ذلك الوجه العريض والرعب الظاهر في تلك العيون الموحلة بدا أن الرجل المحاصر الآن يشارك الرأي نفسه.
قال نايل بصوت هادر: "لماذا حطمت الجدار؟ أيها الأحمق! كدت تقتلنا!"
أجاب ترودج بجهر وهو يشير إلى خصمه: "أنت من قلت ذلك! قلت إن علينا تحطيم الجدران!"
ردّ نايل منتهراً: "لم أقل شيئاً كهذا!"
أمر فريتز: "اصمتوا!"
مضيفاً ثقلاً رهيباً إلى كلماته المترددة بفضل تيار مدوٍّ من أنشودة الغسق.
التف الطاقم مذهولين ومروعين بقوة صوت، حتى توبي الذي أخضع مسبقاً شحب وجهه بوضوح.
صرح فريتز: "نايل، ترودج، كلاكما سينال عقابه".
أطرق ترودج برأسه خجلاً قابلاً بالحكم.
صرخ نايل: "ماذا؟ ولمَ أنا؟ لم ألوح بمطرقة مثل هذا الأحمق".
أكد فريتز: "كلاكما عصى أوامري. وكلاكما شكك في سلطتي وقدرتي. كلاكما يتحمل المسؤولية بغض النظر عمن أمسك بالسلاح".
قطب جبينه ثم تنهد متصنعاً عبء القيادة وأن أي انضباط يفرضه يؤذيه هو الآخر مهما كان مبرراً. كانت تلك حيلة أمل أن تكسبه ود بقية الطاقم.
عقد نايل حاجبيه مكشراً عن أهناقه بابتسامة قاسية.
"إن كان الأمر هكذا فما العقوبة التي سيلقيها الظل علينا؟"
أمال فريتز رأسه جانباً كمن يفكر ثم ترك يده تنزلق بشرود نحو مقبض الزئبق السريع.
انتفض نايل واشتد قبضته على فأسه وجفل ترودج. توقعا عنفاً وربما جرحاً شق الوجه على غرار ما يفعله قرش الليل. ومع أن هكذا عرض قد أثبت فعاليته كتحذير وواذع، إلا أن فريتز أدرك أنه لن يكتسب منه أي ولاء أو يحصل به على احترام حقيقي.
كان ترودج يخشاه مسبقاً ويخشى نظرة الطاقم لذا فإن شقاً سيجلب عليه مزيداً من العار بينما يخدم الحكم الرحيم مصالحه الأفضل في انتزاع ولاء الرجل.
رغم أن نايل قصة أخرى فستكون المقاربة ذاتها. سيكره فريتز إن أهانه بمثل هذا العقاب الجسدي الواضح. سيحمل ذلك الغشيم ضغينة تنمو وتدوم طالما دام الصعود أو طالت حياته. مع ذلك لا يمكن أن يبدو فريتز شديد التعاطف أو لين الجانب لذا لا بد من وجود عقوبة ما.
أعلن فريتز: "لن تنالا شيئاً من حصة صندوق الكنز التالي الذي نجده".
تنهد ترودج بارتياح لأنه لن يعاني من أي ألم. واسترخت كتفا بارج قليلاً ليزول عنهما التوتر. ابتسم نايل لكن ابتسامته لم تكن صادقة.
قال باكت مشيراً بسكينه: "هذا لا يكفي. أريد قطعة منهما. أذناً أو إصبعاً. يبدو ذلك عادلاً لمن كادوا يقتلوننا".
تمتم رييد محتجاً: "لست متأكداً من ذلك".
قال باكت: "لا أهتم بما تظنه يا رييد. وماذا عنكم أنتم؟"
هز ميل كتفيه ونظر كلوفر إلى فريتز بينما كشر توبي عن أنيابه.
احتج باكت: "يا رجال سمعت أنك وغد مظلم. لا تقل لي إنك راضٍ عن هذه المهزلة؟"
أجاب توبي ببساطة: "أنا أطيع قائدي".
حين رأى أنه بلا أي تأييد بصق باكت ثم ابتسم باسترخاء.
"كنت أمزح فقط. هاهي ذا، كلكم جديون أكثر من اللازم. أذن أم إصبع؟ من قد يريد ذلك؟"
أبقى فريتز الرجل في زاوية عينه شاعراً بأنه شخص يستحق مراقبة دقيقة.
قال بارج: "ماذا لو لم نجد صناديق كنوز؟"
قال فريتز: "حينها تُنصف حصصهم من الصعود."
همس بارج: "أراضٍ بهذا يا ترادج؟"
أومأ ترادج برأس مثقل بالهموم.
سخر نايل، لكنه لم يناقش الحكم. وبدلاً من ذلك، مرّ فريتز مندفعاً وصدمه بكتفه أثناء عبوره.
لم يعبس فريتز ولم يغضب، بل تفادى محاولة الاصطدام بيسر.
تمتم نايل بصوت خافت: "جبان."
أشار توبي بيده، والتفّ بحيث لا ترى يداه إلا فريتز: "أتريد أن أتعامل معه؟"
أجاب فريتز بالطريقة نفسها: "لا، سأفعلها بنفسي. قريباً."
أومأ توبي مرة واحدة، ثم توجّه إلى النافورة ورشّ وجهه بالماء.
التفت فريتز إلى كلوفر الواقفة بتوتر.
"أتحتاجين إلى مساعدة في اختياراتك؟"
أقرت قائلة: "لا، أنا... اخترت صاعقة الارتجاج."
"صاعقة؟ أليست ضربة؟"
أومأت برأسها.
"أليست ما كنتِ ترجينه؟"
هزت كلوفر كتفيها.
"ما الذي كنتِ ترجينه إذن؟"
أقرت قائلة: "الشفاء ربما. سمعت أنك صعدت برفقة جين بريتي. إنها معالجة، أتتعرفين كيف فعلت ذلك؟"
قال فريتز بهدوء: "همم، لست متأكداً من البنود المطلوبة. مع أن لدي بعض التلميحات إن كنتِ ترغبين في سماعها."
أومأت واقتربت منه. أخبرها بما يعرفه، وهو أن استخدام العلاجات ومراهم الشفاء بدا مهمّاً لظهور مثل هذه المهارات. خصوصاً عند تطبيقها على صاعدين غير النفس.
استمعت كلوفر بتركيز شديد.
حين فرغ من بث حكمته المشكوك فيها بسرعة، شق فريتز طريقه نحو الأبواب. أراد إنهاء الصعود سريعاً، وبدأ الضيق يتسرب إليه بالفعل.
ثلاثة أبواب أخرى، أحدها دائرة من الفولاذ الأملس، وثانٍ شق في جدار من الحجارة المسننة، والأخير فتحة في التراب والجذور. احتاج فريتز إلى لمسة سريعة من حس الأبواب لتقييم كل طبقة في الأعلى.
لمحنة الكبرى، احتوت كلها على وحوش. حراس أقوياء من معادن مختلفة يجوبون ممرات الأول؛ والثاني سلسلة متعرجة من الأنفاق والكهوف، تعج بمسوخ مرعبة تشبه مزيجاً من عنكبوت وسرطان بحر شوكي؛ أما الثالث فكان مألوفاً، وإن لم يكن كلياً؛ كلاب ذات معاطف سوداء ملساء تطارد غابة مزدهرة، وتأكل ما تشاء من غزلان ثلجية.
كان خيار الأبواب واضحاً. حتى وإن ظل فريتز يراود بين حين وآخر كابوس يتمحور حول الكلب العظيم وأنيابه، فلن يدع هذا الخوف يردعه أو يصرفه عن اختيار الطبقة الأكثر أماناً.
أعلن فريتز: "خامسة عشرة دقيقة من الراحة، ثم نعبر من الباب الأقصى اليمين."
ثم استدار ليجد الطاقم يحدق به. لقد ضبطهم في خضم تفريغ أمتعتهم، بينما كانت أفرشتهم وبطاطينهم مبعثرة في أنحاء الغرفة.
تساءل فريتز بغضب: "ما هذا؟! أقلت إن وقت الراحة قد حان؟"
قال بارج: "لقد أنهينا طبقة واحدة بالفعل. ظننت أننا سننجز طبقة كل يوم."
قال فريتز، محاولاً كبح سخرية: "وأستغرق أسبوعاً كاملاً ويوماً للصعود؟ قطعا لا. أنا رجل مشغول للغاية. لا أستطيع تحمل استغراق كل هذا الوقت، وليس لدي رغبة كهذه أيضاً."
سألت ميل: "أسبوع ويوماً؟ أتريغب في الصعود إلى القمة؟"
قال فريتز: "بالتأكيد. لقد أوضحت مسبقاً أننا سنحتفظ بقدر أكبر من الثروات التي نجدها إن صعدنا إلى هذا الحد. وأنا أعتزم المغادرة بأكبر قدر ممكن مما يمكننا حمله."
تمتم نايل: "مجنون."
لم يكن الوحيد، لكن معظم أفراد الطاقم أسرهم احتمال كسب الكثير من الذهب أو بعض الكنوز.
زجر فريتز: "خمس عشرة دقيقة!"
ولم يسمح بأي نقاش إضافي.
خلال ذلك الوقت، استعد الطاقم. تذمروا لبعضهم همساً، لكن شيئاً من ذلك لم يرتقِ إلى مرتبة التمرد الحقيقي الذي أبلغ عنه توبي سابقاً. باستثناء تذمر نايل وباكيت المتآمر.
تجاهلهم فريتز في الوقت الحالي.
حذرهم: "اتبعوني والتزموا الصمت، هذه الطبقة تظهر عليها علامات الوحوش. ولعلها تعج بها."
خطا صاعداً في النفاق الطيني المنحدر، بينما كانت حذاؤه تطأ الأرض الرخوة بهدوء. ومن الخلف، سمع أبطأ أفراد الطاقم يتعثرون في جذور بارزة ويشتمون.
كرر فريتز بصوت يحمل رنين غناء الغسق: "ابقوا صامتين."
واصل الصعود صعوداً، ثم اخترق السطح، خارجاً من تجويف شجرة ضخمة إلى غابة مترامية الأطراف.
كان الهواء بارداً وساكناً، ومحملاً برذاذ النمو الطازج والتربة الغنية. وكانت مظلمة، والليل هادئاً، يضيئه قمر فضي بعيد استقر في سماء سوداء فارغة. مألوفة جداً، وليست هي نفسها تماماً.
تطلع فريتز حوله مستمعاً. وحين لم يجد كلاباً قريبة، لوح لطاقمه بالتقدم، ثم أشار إلى أنه سيستكشف المقدمة.
مرتدياً عباءة الغسق، تسلل متقدماً، ثم أطلق نبضة من وعيه. وبشكل خافت، استشعر السلم إلى يساره.
شق طريقه صعوداً على منحدر لطيف تحول إلى تتل. وعلى طول الطريق، اكتشف كفاً، وبداخله قطيع من الكلاب. كانت الوحوش ذات الفراء الأسود ترقد بكسل، ومعاطفها ملساء وصحية. وكانت بعيدة كل البعد عن المخلوقات القابعة في ذكرياته، بلا بقع صلعاء ولا أفواه تقطر سواداً. ولا يعني ذلك أنها لم تكن خطيرة. فقد بدت مميتة بحق، إذ كانت أكبر وأكثر عضلات من تلك التي في ماضيه.
توجس أحد الكلاب، رافعاً رأسه ويستنشق الهواء بأنف مرتعش، ثم زمجر. تحدقت عيناها الشاحبتان إلى ما بعد المكان الذي قف فيه فريتز، فتسلل متراجعاً ببطء.
لم يكن هناك مطاردة. بدا أن الكلاب كانت أقل جوعاً أيضاً.
شقّ فريتز طريقه إلى قمة التل وتسلّق شجرة باسقة ليتأمّل التضاريس من علٍ. وهناك، وجد أن الطابق قد تغيّر جذرياً عن ذلك الذي خاضه سابقاً. وعلى الرغم من أنه لا يزال غابة، إلا أن المرتفعات والمنخفضات تووزعت بشكل مغاير. وهناك، في عمق الخضرة الداكنة، كان السلم قائماً، عموداً من الرخام الأخضر يرتفع خمسة عشر قَدماً على الأقل فوق قمم الأشجار.
كان يبعد عدة أميال، وقدَّر أن الوصول إليه لن يستغرق سوى ساعات قليلة، أربعاً أو خمساً إن ساروا بهدوء وحذر.
نزل فريتز وعاد إلى المجموعة.
وفي غضون عبوره بين الأشجار، صادف أحد تلك الظباء التي «رآها»
عبر حاسة بابه. كان كائناً هادئاً وجميلاً؛ فروه الذي ظنّه ثلجياً، بدا فضياً كالقمر تقريباً. قد يساوي جلده وزنه ذهباً، وإن لم يكن كذلك، حسناً، إنه مكسب ممتاز ويمكن تحويله إلى شتى أنواع الأقمشة الفاخرة.
مدّ يده نحو نشّابه، ثم توقّف، فلم تطاوعه نفسه على قتل الوحش البريء. وهناك أيضاً احتمال أن يجلِب رائحة دمِه الكلابَ السلوقية. وبينما لم يكن يشكّ في قوته الخاصة، لم يكن متحمسًا لمواجهة قطيع بمفرده. فحين يُحاصر المرء وتتفوّق عليه الأعداد، قد يسقط حتى من هم أطول كعباً منه، كما أثبت هو نفسه في أكثر من مناسبة.
ترك فريتز الظبي سليماً، وانسلَّ في الظلام.
كانت المجموعة متيقظة، لكن توبي وحدَه هو من لاحظ حضوره. رمق الرجل عابس الوجه العتمة بعينين ضيقتين ولوّح بتحية.
ردّ فريتز التحية، مع أنه تفاجأ قليلاً من إمكانية رصده عبر سمته. لا بد أنها الرؤية القانية.
فضّ حجاب التخفي عن كتفيه، وما إن رُصد حتى شرع في إعطاء الإشارات بالأوامر.
"كلاب."
"مجدداً؟"
تجهم توبي.
"ليست نفسها. بلا لفح"، أجاب فريتز.
أومأ توبي، وإن ظلّ يرتجف من وقع التشابه والغرابة.
"تولَّ أنت حماية المؤخرة، سأقود أنا"، تابع فريتز.
وافق توبي.
سرعان ما انطلقوا، متسللين بين الأشجار. وبين حين وآخر، كانوا يتوقفون بينما يستكشف فريتز الطريق أمامهم، متأكداً من عدم اصطدامهم بقطيع متجول.
مرّت الساعات بلا مخاطر.
"يا للهول"، همست كلوفر حين ظهر برج الرخام بوضوح تامّ.
التفت إليها فريتز بنظرة حارقة. فلوّحت معتذرة. ومجدداً، أمر بالتوقف ليتمكّن من الاستطلاع.
أزعجه ما عثر عليه. ورغم توقّعه للمقاومة، فقد تمنى لو يتسنى لهم تفادي أي اشتباكات مميتة محتملة. لم يكن ذلك مقدراً. فقد اتخذ قطيع ضخم، يضم نحو ثلاثين فرداً ويقوده كلب قوي وحاد الحواس، من الأرض المحيطة بالسلم أرض صيد له.
لم يكن الأمر مستحيلاً، لكن المعركة واقعة لا محالة. لم تكن هناك طريقة تتيح للآخرين التسلل متجاوزين أنوف الكلاب الحساسة، حتى إنه هو نفسه كاد ينبهها باقترابه العرضي لمسافة قريبة مرات عدة.
على الأقل لم أطأ أي غصين. لا بد أنني تحسنت بلا قياس، سخر من نفسه صامتاً.
سرد فريتز اكتشافه للمجموعة، ثم انتقل إلى الجزء التالي من خطته المرتجلة على عجالة.
باستخدام بعض مهارات التعقب التي تعلمها حديثاً، تعقب أحد الظباء الفضية التي وجدها من قبل. ثم، محتفظاً بتخفيه، راح يقرقع الأغصان والشجيرات، مفزعاً الوحش وموجهاً إياه نحو مساحة مكشوفة قرب العمود الرخامي، خارج حدود أرض الكلاب مباشرة.
حينئذ، ومع اعتذار على شفتيه، أطلق نشّابه نحوه، مشبعاً السهم بضربة عاتمة كتدبير إضافي. الغريب أن السحر خفّض من صوت انطلاق الوتر فضلاً عن صفير الهواء. أثر غريب، وإن كان مرحباً به للغاية.
لم يكن فريتز رامياً ماهراً. فحتى مع إدراكه ورشاقته ووعيه، شعر بقصور مقارنة بتلك النابغة سيلفيا. ومع ذلك، أصاب صيدَه. استقر السهم في عنقه، أدنى بقليل مما هدف إليه. قفز الظبي مبتعداً، ثم تمايل وتهادت قدماه الطويلتان متعثرتان ببعضهما. هوى الظبي، ومات بلا صوت.
لم يحظَ فريتز بالكثير من الوقت ليحزن على موته، فرائحة الدم وصلت إلى الكلاب في غضون دقائق، وسرعان ما شقّ عواء مثير سكون الليل.
تدفقت الوحشت نحو المساحة المكشوفة، مهزوزة الأذناب، نابحة ومولولة. حوّلت أنظارها مستكشفة وشمّت الهواء، ثم شرعت تزمجر. وبإشارة من فريتز، أطلق رفاقه ما في جعبتهم من مخابئهم. حلّقت الأسلحة في الهواء، وانغرست الخناجر والفؤوس والسهام في اللحم المكسو بالفرو، وامتلاء الليل بالأنين والنباح.
تلك الكلاب التي لم تُردِ صريعة انطلقت وثباً نحو المجموعة بأنياب مكشوفة.
دع نشّابه يسقط من يديه، مسلاً نصليه بينما وثب كلب نحوه. كان سريعاً، وإن لم تكن بالسرعة الكافية للإيقاع به. ليس عندما صار بإمكانه التكهن بمكان عضه ومخلبه. تنحى جانباً متفادياً الوحش، وبتمريرة رشيقة، زحق بكويكلسيلفر على حنجرته. تدفق الدم الأحمر من القطع الذي بدا بلا عناء، ثم واصل فريتز طريقه، متغلغلاً في القطيع، مراوغاً، خاطفاً، راقصاً وسط المعمعة.
بين النبضات والخطوات، والطعنات والضربات، راقب المعركة تنجلي أمام عينيه، سليماً بلا خدش.
كان توبي كظل، وخنجراه مميتان. قطع الأعناق والأوتار، تاركاً خلفه وحوشاً مشوهة بصورة مثيرة للشفقة وتنزف دماً.
أطلق ترودج قدرة السهم الخاصة به، والتي تبين أنها حجرية، بينما دافع عن نفسه بمطرقة إذا اقترب كلب. ولوّح بارج بسيفه في أقواس مظلمة، وفلق نايل أعداءه بفأسه المتوهجة بلطف.
كان ريد سريعاً وصلباً، عابراً الساحة المكشوفة بلمح البصر، مسعفاً رفاقه حيثما سنحت له الفرصة بإسقاط الكلاب أو إذهالها بهراوته.
وقفت ميل ظهرًا لظهر مع كلوفر، تلوح بسيفها القصير في وجه المهاجمين وتطلق سهام الظل من يدها الأخرى.
أطلقت المرأة الأخرى سهم الصدم، وغالبها الخوف جلياً. انبعقت من كفها كرة طاقة مضطربة ومزمجرة فأطاحت بوحيش بصوت ارتطام لحمي. أعادت الكرة حين ترنح الوحش عائدًا إلى قوائمه، ثم فعلت مرة ثالثة. ضربته بسهم تلو سهم حتى هوت عاجزة لنفاد طاقتها.
لم يدخل باكت في قتال شريف قط. بل تسلل حول ساحة المعركة، ليجهز على أي خصم جريح أو مذهول أو مشتت بأي شكل.
لمح فريتز ظلاً يتموج من طرف عينه. وثب الكلب الحاد من الظل، محلقاً في الهواء باتجاه كلوفر فاقدة الوعي.
لعن فريتز وفعّل حزام ثعبان الأنقليس. أتاحت له السرعة وردة الفعل المضافتان اعتراض الوحش، فشق جرحاً طويلاً فوق كتفه لحظة هبوطه. زمجر والتفت نحوه في ومضة. لكن الأوان كان قد فات بالفعل. انطلق الزئبق، وغرس فريتز النّصل الأسود عميقاً في حلق الكلب. تدفق الدم الأحمر، وتحولت الزمجرات إلى غرغرة، وسقط الوحش بنفضة واهنة عبثية لأنيابه البيضاء.
سرعان ما هدأت البقعة الخالية، ولم يبقَ سوى أنين بضع وحوش. أُخرست تلك بوحشية ورحمة في آن.
حدّق فريتز حوله، ثم بثّ حواسه. لم يشعر بأي خطر داهم.
هز فريتز الدم عن نصله ثم أغمده، وسأل: "أيعرف أحدكم كيف يسلخ هذه الوحوش؟"
أومأ توبي، ومثله فعل ريد وباكت. هز البقية رؤوسهم نفياً.
كاد فريتز يتنهد، لكنه استقام في عوض ذلك وأدار حافة المنايا في كفه.
قال فريتز: "يبدو إذن أن الأمر متروك لنا يا رفاقي الأجلاء. ليتولَ البقية الحراسة. لا أظن أننا سنرى المزيد من الكلاب، ليس بهذا القرب من الدرج، لكن الحذر واجب".
أومؤوا، مسددين أنظارهم نحو خط الأشجار.
سأل فريتز راكعاً بجانب الأيل الفضي ليبدأ عمله الدموي: "كيف حال كلوفر؟"
قالت ميل: "إنها بخير. أظن ذلك. أعتقد أنها المرة الأولى التي تستخدم فيها السحر، ولا بد أنها بالغت في الأمر".
وافق فريتز على هذا التقييم.
قال فريتز: "يا توبي، ستتحمل حملها إن لم تفق".
أجاب توبي ببساطة: "لا أستطيع. ستقتلني جين".
قال فريتز: "حسناً. ميل، أيمكنك تدبر أمرها؟"
"ربما".
قال نايل: "دعني".
عروض بارج: "أو أنا".
مع أن فريتز أراد أن يحسن الظن بهذين تطوعهما، إلا أنه أبصر بريق الجشع في عيوب عينيهما. تفحص البقية فوجد أنه لا يستطيع ائتلاف سوى بنية ترودج وهيئته لحملها.
أعلن فريتز: "يا ترودج، ستفعلها".
"لماذا؟"
قال فريتز عرضاً وهو ينتزع الجلد الفضي عن الأيل: "لتكفّر عن أخطائك".
تأمله للحظة واحدة، فخوراً بجهده وبدقة قطعه النظيف. لقد أثمر درس آخر من دروسه مع ثيريما بشكل جيد.
ابتسم فريتز بابتسامة رضا ارتسمت على جانب واحد من وجهه، وأخرج علبة من مسحوق الحفظ من حقيبته. لحسن الحظ، لم يكن مضطراً لاستخدام مخزونه وحده من تلك المادة اللاذعة المثيرة للحكة، إذ جلب توبي بعضاً منها معه أيضاً.
سلخوا الوحوش المتبقية بنظام وطبقوا المسحوق على جلودها.
لسوء الحظ، لم يكن هناك فضة قمرية على عظامها، رغم أنه لم يهتم كثيراً لذلك، فهذه الوحوش وفيرة للغاية بالنسبة للطابق الثاني.
أمر فريتز أحد أفراد الطاقم المراقبين: "ابدأوا بتقطيع اللحم. ستكون هذه وجبة فاخرة مقارنة بالمؤونة".
أطاع نايل. ورغم أن فأسه لم تكن ساطوراً تماماً، إلا أنها أدت الغرض بشكل مقبول.
استغرقت العملية برمتها أكثر من ساعة، لكنهم غادروا في النهاية محملين بأحمال اللحم والجلود. كانت كلوفر قد استيقظت خلال ذلك الوقت واستندت إلى كتف ميل المعروضة.
حمل ترودج حقيبتها باحتفاء وشجاعة.
كان البرج والدرج المثبت فيه واضحين للعيان، فشقوا طريقهم دون مخاطر إضافية. سرعان ما صعدوا الدرج ودخلوا غرفة البئر. بدت هذه الغرفة كبستان يتوسطه شجيرة متوهجة من الزهور الزرقاء.
أمر فريتز بنصب المعسكر، إذ رأى أنهم أتعاب من الاستمرار. كان بإمكانه هو وتوبي مواصلة التسلق ودفعهم إلى أبعد من ذلك، لكن في الأمر مغامرة. خطورة الطابق التالي من جهة، والاستياء المتنامي الذي يضمره بعض أفراد الطاقم من جهة أخرى.
بعد أن سمح لقوة البئر المنعشة بإعادة حيويته، فرّش فريتز فراشه. قررت كلوفر وميل فرش فراشيهما بالقرب منه. ولم يغفُ ذلك عن نايل وبارج وباكت. فقطر الحسد منهم كضباب كدر حين رمقوه بنظراتهم وهم ينصبون فراشهم بدورهم على بعد ياردات عبر البستان.
تمتموا بكلمات داكنة، لاعنين «القائد الوسيم أكثر من اللازم».
تركهم فريتز وشأنهم.
أخفى توبي فراشه في زاوية مخفية من البستان، كعادته.
سأل فريتز: "من يطهو؟ من أحضر القدر؟"
عمّ الصمت. تنفس فريتز الصعداء هذه المرة.
أمر فريتز: "اجمعوا بعض الحطب، لنشوي هذا اللحم ما دام طازجاً".
نهبوا البستان من العيدان والأغصان. كان الحطب رقيقاً ورطباً، ففرقع النار وأصدر دخاناً. ومع ذلك، نضج اللحم بشكل مقبول، حتى وإن احترق قليلاً. فكر لفترة وجيزة في تجفيف ما لديهم، لكنه تخلى عن الفكرة. ورغم أنه رأى سيلفيا تفعل ذلك مرة، إلا أنه لم يكن واثقاً من مهارته وخبرته الخاصة.
أكلوا. كان المشهد صامتاً ومكتوماً في غالبيته، يغتصّه نظرات خلسة ونظرات ماكرة. افتقد فريتز فريقه بشدة في تلك الدقائق. وخصوصاً بيرت. كان الجلوس دونه خالياً من الحياة.
ما إن انتهوا من وجبتهم حتى استعدوا للنوم.
استلقى فريتز وغطى نفسه ببطانية خفيفة. وفعلت ميل وكلوفر المثل.
غرقت كلوفر في النوم بمجرد أن لامست رأسها الأرض المرنة، وما هي إلا لحظات حتى كانت ترتخس شخيرًا. راقبت ميل فريتز بحذر قبل أن تبدأ هي الأخرى بالشخير.
لم ينم فريتز، كانت أمامه مهمة أخرى. عندما تأكد من استغراق الجميع في أحضان الأحلام الهانئة أو حديقة الكوابيس الشائكة، انسل من تحت بطانيته، وتلفع بالدلس، ومشى خلسة نحو حيث ينام نايل.
استل الحافة المميتة ووضع نصلها البارد على رقبة الرجل. فزع نايل مستيقظًا وهمّ بالزئير والغضب.
قال فريتز آمرًا بصوت مترع بأغنية الدلس: "اصمت وتوقف".
ضربه الأمر كالموجة، مما جعله يبتلع كلماته، ثم يتصلب لثانية.
وعد فريتز وهو يرمقه بنظرة حادة: "إن صرخت، فستموت. أتفهم؟".
أومأ نايل برأسه.
"حسنًا".
استطاع نايل الهمس أخيرًا: "ماذا تريد؟".
أجاب فريتز: "أريدك أن تتبع الأوامر. لا أكثر ولا أقل. أريد منك أيضًا أن تعرف أن بإمكاني قتلك في أي لحظة، ولأي سبب. لن يفقدك أحد، ولن يحاكمني أحد".
أهس نايل: "لمَ تخبرني بهذا؟ لمَ لا تفعلها وفقط؟".
أوضح فريتز: "أنا أؤمن بالفرص الثانية. أؤمن أن بإمكانك أن تكون أفضل. وأن بإمكانك اتخاذ الاختيار الصحيح".
"لمَ هكذا؟ بينما الكل نائمون؟".
قال فريتز: "مجاملة. ستحتفظ بكبريائك أمام الآخرين. لن يضطروا لرؤية رعوبك. لن يضطروا لرؤيتك تتوسل وتستجديل الرحمة".
تخالج وجه نايل، وفار غضب مرير، لكنه تمالك نفسه الآن. برزت العروق في جبهته، وتوترت عضلاته، وتنفس بخشونة.
ضغط فريتز بخنجره بقوة أكبر على حنجرة الرجل. شحب لونه وسكن.
قال فريتز: "ستتبع الأوامر أو ستموت. أقسم بذلك".
هس نايل بين أسنان مطبقة: "أقسم".
ومما أثار استياء فريتز، أنه لم يكن جادًا في قسمه.
سيكون نايل مصدر إزعاج.