رفع فريتز مفتاح الفضة والذهب المنقوش بدقة ونظر من الثقب الدائري في قاعدته. تمكن من التحديق عبر تلك الفتحة، التي تستخدم عادة لتعليقه في حلقة مفاتيح، في طابوق الحجر الأملس أمامه. كانت عادية كأي جدار، ومع ذلك صار يرى الآن رموزاً صغيرة باهتة التوهج تحيط بشق ثقب المفتاح.
أبعد الحلقة عن عينه، فاختفت الخطوط اللامعة من رؤيته. لا بأس في ذلك، فقد حفظ فريتز مكان القفل الخفي مسبقاً. تقدم خطوة ثم أزلق المفتاح داخل الحجر الذي بدا صلباً وأداره. مع نقرة وطنين، انزلق الطابوق كأنه مرسوم على ستائر من الحرير، تاركاً مكانه باباً من فولاذ المطر الخالص.
تساءل فريتز عن كمية الذهب التي تكلفتها تلك التمويهات، مقطباً جبينه استنكاراً للإسراف. لم يطمل طويلاً في تلك الفكرة غير المفيدة، بل ثبت المفتاح في القفل المكتشف حديثاً. بعد نقرة ثقيلة وصوت ارتطام آلية ما داخل المعدن، قبض على المقبض. كان صلباً، ومع ذلك استجاب حين جذبه إلى أسفل.
بدفعة خفيفة، انفتح الباب على مفصلات صامتة، كاشفاً الغرفة المظلمة التي تقع خلفه.
توقع فريتز أن تكون الخزنة فارغة كالقصر الذي يعلوها، بعد مصادرة أي شيء ذي قيمة وبيعه. لم يكن الأمر كذلك. استطاع رؤية أشياء كثيرة وسط الظلام. كانت هناك كتب مكدسة بارتفاع الخصر، وحزم من لفائف كبيرة، وصناديق، وخزائن، وصناديق خشبية، وبراميل ذات محتويات مجهولة. وفي أحد الجوانب كان هناك مكتب تعلوه وثائق مبعثرة وسجل كبير.
قبل كل شيء، كان هناك غبار، طبقة رقيقة لم تمس، باستثناء مجموعات عديدة من آثار الأقدام التي تطابق مشية الكونت فيفيريتش المتعثرة. كان واضحاً أنه سلك ذلك الطريق مرات عديدة على مر السنين. أدى ذلك الطريق القديم إلى صف من الصناديق التي تصطف بمحاذاة الجدار الخلفي، منتهية أمام أكبرها.
قبل أن يخطو فريتز إلى داخل الخزنة، أطلق نبضة وعي. شعر بوخز فخ، مع أنه أدرك فوراً أنه خامل حالياً. كان هناك انطباع آخر أيضاً، شيء يتلوى، جاقباً انتباهه إلى كومة من الكتب الصغيرة المجلدة بالجلد لفترة وجيزة قبل أن يتوقف الإحساس.
متسللاً إلى الغرفة، شق طريقه إلى الكومة المائلة، متناولاً أول مجلد من مكانه الخطر. فتحه فريتز على الصفحة الأولى لتكتب بخط دقيق ومتعمد عبارة: أزهرت أيام ومسرات أزهار المطر وأصبحت طيور المغردين بهية وواضحة، ذات ريش فاره. كلير هايتايد. شاعرة. كاتبة أغاني.
لم يستطع فريتز منع نفسه من الابتسام، مع أنها كانت ابتسامة حزينة. كان هذا كتاب والدته، أحد أعمالها المكتوبة القليلة وأحد مساعيها الفنية المبكرة، إن لم يكن مخطئاً. ربما كُتب بالحبر حتى قبل بلوغها سن الرشد. لم يحمل الكتاب تاريخاً، لذا صعُب معرفة متى خطت الكلمات على الصفحات حقاً، ومع ذلك طغى عليه جو شبابي معين، كفصل الربيع أو اليوم الذي يلي قرع الأجراس. كُتب في زمن سبقت كونها والدته، وتأكد من هذا القدر على الأقل.
بدت فكرة غريبة، كونها كانت في يوم بحداثة سن ثيا الآن. مسح الدموع التي أثقلت جفنيه بكم حريري، ثم أزلق الكتاب في جيب داخلي لمعطفه. وبرؤية لم يعد يغيمها شيء، ألقى نظرة على بقية الكومة. تدارس فريتز الأمر، ثم طرح جانباً فكرة التنقيب في المجلات والسجلات واليوميات المغبرة، كما بدت.
لم يكن هذا سبب وجوده؛ لقد أتى ليجد أي كنوز أو أي ذهب تركه، ولم يستطع السماح للعاطفة بأن تشتته، كما لم يستطع المجازفة بفقدان نفسه في الكآبة والذكريات.
شق فريتز طريقه نحو الصناديق ورفع الأغطية واحداً تلو الآخر. كانت كلها فارغة، باستثناء أكبر صندوق في المنتصف. وُجدت داخله ثلاث حقائب فاخرة، ممتلئة جميعها بالثلاثيات الذهبية. حوت مئة على الأقل في كل حقيبة، وفقاً لتخمينه. ثروة صغيرة، مع أنها أقل مما كان يأمله.
هز رأسه نافياً. كان المبلغ ضخماً، وما شعوره بضآلته إلا بسبب مكاسبه الأخيرة المفاجئة وكنوزه الكثيرة المسلوبة. لقد سمح لحظه الطيب الأخير بأن يفقده صوابه.
التفت فريتز بعد ذلك نحو المكتب، ثم شرع في فتح أدراجه. كل ما وجده كان ورقاً قديماً وحبراً جافاً وأقلام ريش متفتتة، إلى أن لفت انتباهه توهج خافت من زاوية الدرج العلوي. لكان قد أغفله لولا انعدام الضوء في الغرفة. بحذر، مد يدُه نحو الوميض الباهت تحت حزمة الورق. عثرت أصابعه على حجر بارد مسطح أصغر قليلاً من مساحة كفه.
ارتجف باضطراب في يده، أو ربما كان هو من يرتجف قليلاً. نُقشت خطوط باهتة من الضوء على سطحه، مشكلة رسماً يقرأ: توماس هايتايد.
قطب فريتز جبينه. شعر بوجود صلة، خيط طنين رفيع، من هذا الحجر إلى شيء ما، أو شخص ما، بعيد جداً جداً. ثم اختفى، الخيط والضوء والارتجاف.
تلاشى كأنه حلم به.
ربما حلم بالفعل.
تردد صوت نقر أحذية قرب مدخل الخزنة. استدار فريتز شاهراً كويكسيلفر.
نادى فريتز: "من هناك؟"
صدر شهيق حاد وصرخة قصيرة خافتة.
تراجعت الأحذية، ثلاث مجموعات أدرك الآن، بنقر خطوات معدودة.
أعلنت لورين: "إنها السيدة ريدوبت، والليدي هايتايد وأنا".
أضاءت عيناها ببريق رؤية المانا، ثم ضاقتا.
"أأنت من يتخفى هنا بالأسفل، فريتز؟"
باستيحاء، أغمذ فريتز نصله، شاكراً عدم إمكانية رؤيته في ظلام الخزنة الدامس. لم يدرك أنه كان مشدود الأعصاب إلى حد شهر السلاح.
متنحنحاً لتنقية حنجرته، قال: "نعم، إنه أنا. مع أنه لا يمكن اتهامي بالتخفي في قَصري الخاص جداً".
ظهرت الفتيات الثلاث أمام الباب المفتوح وجعلن يتطلعن إلى داخل الغرفة.
التفتت ثيا وقالت: "المكان مظلم تماماً هنا يا فرانسيس. إن لم تكن تتربص بشيء ما فأنت تفعل ما يشبهه. كيف يمكنك الرؤية أساساً؟"
أجاب فريتس: "أوه، لدي مهارة كامنة للرؤية الليلية."
سألت ثيا: "ما الذي يوجد هنا؟ أيكون هذا..."
أجاب فريتس: "غرفة النوم الرئيسية؟ لا، هذه هي الخزنة."
وأضاء فانوس المانا المعلق على حزامه ليغمر الغرفة بالضياء.
تنفسعت ثيا الصعداء وقالت: "أوه."
ابتسمت ثم سرعان ما ارتسم القلق على محياها وألقت نظرة على الاثنين اللتين برفقتها.
"أأنت متأكد من أنه يحق لك إعلان أمور كهذه علناً يا أخي؟"
بدت نبرتها متوترة ومشككة. لاحظت جيس ولورين ذلك وإن لم تعلقا واكتفتا بأن جعلتا تعابيرهما المهذبة أكثر حدة بقليل.
همهم فريتس: "ممم؟ أظن أن الأمر على ما يرام. أنا أؤتمن هاتين على إدارة أموال فريقي. وعلى حياتي أيضاً حين تقتضي الحاجة."
ابتسمت جيس باضطراب لهذه الكلمات بينما أشرق وجه لورين بفخر. قطبت ثيا جبينها لكنها هزت رأسها موافقة.
سألت لورين: "أيمكننا دخول الخزنة؟"
أذن لها فريتس: "بالتأكيد. وإن كنت أخشى أنه ليس ثمة ما يسترعي الانظار هنا."
دخلت ثيا تتبعها جيس ولورين بحذر وجعلن يحدقن في محتويات الخزنة المليئة بالغبار.
لاحظت جيس قائلة: "يبدو أن هناك الكثير من الكتب هنا."
أكد فريتس: "نعم. لا أعرف تماماً ما تحتوي عليه ولكني أظن أنها سجلات آل هايتايد. سأضطر إلى فرزها لاحقاً."
قالت لورين وهي تشير إلى المجلد الثقيل على المكتب: "وأظن أن هذا هو دفتر الحسابات."
قال فريتس: "أعتقد ذلك رغم أنني لم أجد الوقت الكافي لدراسته بعد."
قالت ثيا بشرود: "يمكنك ترك هذا الأمر لي."
ثم رفعت أحد لفائف الورق الكبيرة وفتحتها. أمالت رأسها وضيقت عينيها وهي تفحص اللوحة الباهتة المرسومة على سطحها.
سأل فريتس: "ما الذي عثرتِ عليه هناك يا أختي؟"
أجابت: "أظن أن هذه قد تكون جدتنا الكبرى. رغم أنني لست متأكدة تماماً فهذه مجرد صورة وليست هناك لوحة معدنية أو إطار يحمل اسمها. أظن أن تلك الأشياء أُذيبت وبِيعت."
أومأ فريتس برأسه ثم سأل: "كيف سارت جولتكما الاستكشافية في القصر؟ هل عثرتم على ما كنتم تبحثون عنه؟"
قالت لورين: "لقد فعلنا. كان الحمام كبيراً للغاية وفاخراً. ربما يكفي لاتساع نصف الفريق لكي يستحموا فيه دفعة واحدة."
قال فريتس: "يا له من أمر رائع."
أوضحت جيس: "وعثرنا أيضاً على مكتبة صغيرة ورغم أنها كانت شبه فارغة إلا أنها ستشكل غرفة مطالعة ممتازة متى ما أُثثت بشكل صحيح وامتلت رفوفها بالكتب."
أومأ فريتس برأسه.
"وأبدو الغرف بحال جيدة؟"
قالت لورين: "بشكل عام نعم، بيد أن إحداهن كانت تعاني من تسريب للمياه."
طمأنها فريتس: "أمر سهل الإصلاح. هل اكتشفتما أشياء أخرى؟"
أفادت جيس: "توجد بعض خزائن الملابس والدواليب في بعض الغرف الخارجية وبعض الصناديق المحشورة في زاوية إحداها."
سأل فريتس: "أكان فيها شيء؟"
قالت لورين: "كانت مقفلة أو مستعصية أو فارغة. أو مدفونة الواحدة تحت الأخرى في حال الصناديق."
أومأ فريتس برأسه فقد كان ينوي تفتيشها بنفسه في الوقت المناسب لكن وبما أن الخزنة تضم أثمن الأشياء فسيتركيز عليها الآن.
لاحظت ثيا: "توجد أكياس في هذا الصندوق. أهي ذهب؟"
قال فريتس: "ما تبقي منه."
قالت ثيا: "الكثير منه."
وافق فريتس: "الكثير بما يكفي لبعض أعمال الصيانة ونفقات أخرى. على أي حال، أظن أن هذا يكفي من الخزنة لكما. فمعظم هذه المجلدات على الأرجح تخص أسرار آل هايتايد ولا يمكنني إفشاؤها للعموم. ليس عندما لا أعرفها أنا نفسى."
قالت لورين وهي غير راضية تماماً: "حسناً جداً."
ثم التفتت إلى جيس.
"لنتابع الاستكشاف... في مكان آخر."
أبعدت جيس نظرتها عن الكتب المكومة وأومأت برأسها. مدت لورين يدها لها. أخذتها جيس وهي تبتسم ثم غادرتا الخزنة من دون إبطاء يذكر.
نظر فريتس إليهما متملياً بينما كانت ذرات الضوء تحوم حولهما وتتراقص بأنماط مربكة.
الألفة، والراحة، والفضول، وقبل كل ذلك الاهتمام.
قالت ثيا وهي تلاحظ نظراته: "إنه لأمر جيد أن تجد جيس صديقة حقيقية. أعني شخصاً في عمرها. لطالما بدت لي وكأنها تعاني من بعض الوحدة."
سأل فريتس ظاناً أن لورين هي من كانت تعاني من الوحدة: "أكذلك الأمر؟"
أجابت ثيا: "نعم. إنها رائعة مع الأطفال وكانت نِعم المؤنس لي لكنها لم تكن لِتنسجم أبداً مع أي من الفتيات الأكبر سناً. أما الفتيان، حسناً، أنت تعرف طينتهم."
كان فريتس يعرف حق المعرفة حتى وإن لم يكن من أولئك الذين يعلون بالصياح ويتعقبون الفتيات الجميلات، فكثير من الرجال كانوا كذلك.
استفسر فريتس بنبرة حامية: "ومن أين لكِ معرفة طينة الفتيان هؤلاء بالتحديد؟ أينبغي لي أن أقلق بشأن أختي العزيزة وهي هائمة على وجهها؟"
احمر وجه ثيا وتلعثمت قائلة: "بالطبع لا! كل ما في الأمر أنني سمعت عن ذلك من نوادينا."
سأل فريتس وقد غمره شعور بالارتياح: "إشاعات والقيل والقال إذن؟ لا توجد محاولات للتسلل خارج الملجأ إذن؟"
بدت عليها علامات الاستهجان للتهمة وصرخت بصوت حاد: "فرسانسيس! كيف ساوركَ ظن كهذا؟"
هز فريتس كتفيه ثم ابتسم.
"هذا ما كنت لأفعله أنا."
ردت بغضب مكتوم: "ولهذا السبب تحظى بسمعة الشطار."
قال: "أهذه هي سمعتي؟"
قال: "نعم. مهما قلت للفتيات في ناديي، فهن يصربن على أنك صعلوك غامض. ومخادع نساء. بل ومغرل لمتزوجات أيضاً. ومن أين أُطلقت تلك الشائعة فلا أحد يعلم، غير أنها انتشرت وتأصلت تماماً. وكذا الحال مع حديث الزواج، من الليدي نونسيا وحتى أميرة القصر نفسه. يبدو أنه متى وأينما كنت، تتبعك الشائعات المجنونة".
سأل فريتز بنوع من الزهو المبطن: "أهذا سيء إلى هذا الحد؟"
أجابت بتعجرف: "بصفتي أختك فهذا محرج، وبصفتي من آل هايتايد فهذا معيب".
رد فريتز بتعجرف مماثل: "حسن، اعلمي لتطمئني أنها مجرد شائعة لا حقيقة".
رمقته بنظرة حارقة، رغم أن عينيهما لم تحمل الكثير من الغضب.
ابتسم فريتز بخبث.
استسغت قائلة: "سأصدقك، في الوقت الحالي".
قال فريتز: "جيد. والآن بعد أن صرنا بمفردنا، يجدر بنا تفتيش هذه الغرفة بحثاً عن أي أسرار رُبما تُرِكت لنا".
سألته بحماس وقد أضاءت الفكرة وجهها: "أتعتقد أن ثمة شيئاً مخبأً هنا؟"
قال فريتز: "ربما. هنا أو في مكان آخر بالقصر. لا أستطيع تخيل أن أمي أو أبي لم يتركا لنا أي خطط".
ردت تيا بتحفظ: "أظن ذلك. هل من مكان نبدأ به؟"
أطلق فريتز وعيه. وانتابه مجددت الإحساس بأن شيئاً مهمّاً مدفون بين الكتب. كان شعوراً مبهمأ، فمهما كان ذلك الشيء، قد يكون في أي من الأرفف.
رد فريتز: "الكتب".
سألت: "أمكان أكثر تحديداً؟"
اعترف فريتز: "للأسف، لا".
تنهدت تيا.
شاركتها تنهدتها وبادلها ابتسامة، ثم انضم إليها في التفتيش السريع.
بعد خمس عشرة دقيقة، لم يعثرا على أي شيء يستحق الاهتمام، سوى بعض الحلي والأغراض البالية. لم يكن فريتز يدري لِمَ احتفظ أولئك بتلك التذكارات القديمة، لكنه سرّ بها، بغض النظر عن طريقة حفظها الفوضوية. وظن أن السبب يرجع لعدم قيمتها الحقيقية.
وعثرا أيضاً على مجلدات أخرى بخط أمهما. وغالبيتها يوميات تركهتا لتيا. وبدا له بوضوح أنها تعلقت بها أكثر منه، فهذا سيسمح لها بمعرفة المزيد عن أمهما. فقد ادعت أن ذكرياتها عنها متقطعة وناقصة، لذا كان الاختيار سهلاً.
ومما يثير الإحباط، أنهما لم يعثرا على أي شيء بخط أبيهما. ولا حتى صفحة واحدة أو نقش. وكان السبب واضحاً: لقد مشطت نقابة المرشدين عقارهم بحثاً عن أي بقايا من هذا القبيل.
أوقف فريتز البحث أخيراً؛ إذ سمع صوت بيرت يناديه في الرواق، وقرر أن أي تعمق إضافي سيكون بلا جدوى.
نهضت تيا من ركبتيها، ونفضت الغبار عن فستانها بينما وقف فريتز من جلسته.
غادرا بخيبة أمل طفيفة، وأغلقا باب فولاذ المطر خلفهما وأحكما قفله. فكر فريتز لحظة في تفعيل إخفاء الطوب الحجري، لكنه عدل عن ذلك. ففي الأمر إبدار للذهب، والأهم أنه لم يكن يعرف الطريقة. وسيتعين عليه سؤال الكونت عن آلية تشغيله.
قال بيرت متقدماً أمام فريتز وخلفه رجل خشن ومتجعد في منتصف العمر يكافح لمواكبة خطاه: "سيدي اللورد هايتايد. هناك شخص يجب أن تقابله، وهو يحدث ضجة كبيرة".
سأل فريتز مشيراً إلى الرجل: "أهذا هو المقصود إذن؟"
كان يرتدي معطفاً طويلاً مقاوماً للمطر باللون الأزرق الداكن، وبحوزته أحذية سميكة وقفازات من الجلد الرمادي. وقد ترك آثار أقدامه الموحلة وراءه.
أجاب الرجل وهو يرمقه بنظرة شك: "نعم، هذا هو".
قال بيرت بصوت خافت: "حارس الحدائق".
سأل حارس الحدائق بتحدّ: "ومن أنت الذي تقتحم عقارات اللورد هايتايد؟"
هتف فريتز بجدية ودون أن يطيق الرجل البتة: "أنا اللورد هايتايد".
ولم يكن ذلك لمجرد فظاظته الفجة وانعدام إدراكه الظاهر، بل بسبب نظرات عينيه التي التفتت لترمق تيا وتطيل التمعن فيها.
مرر لسانه على شفتيه، وأعاد نظراته الحادة إلى فريتز.
وقال باستهزاء: "ألديك دليل على ذلك؟ أيها اللورد؟"
أحمق.
رفع فريتز خاتم مرسومه، وأمر: "احزم أمتعتك واغادر فوراً. لم تعد خدماتك مطلوبة".
شحب وجه الرجل.
تلعثم حارس الحدائق السابق: "معذرة يا سيدي اللورد. أرجو ألا تطردني، فقد عملت هنا بإخلاص لسنوات".
قال فريتز بلا مهادنة: "اغرب عن وجهي. إن لم تغادر قبل انتهاء هذه الساعة، فسآمر بجلدك بتهمة التعدي على ممتلكات الغير".
توسل بانكسار وهو يسقط على ركبتيه: "أرجوك يا سيدي. لقد كان خطأً. زلة. ولن تتكرر".
سأل فريتز متقمصاً دور المعلم: "ألم يكن من الحماقة أن تحكم علي كمقتحم بهذه السرعة؟"
وافق الرجل وهو يهز رأسه بحماس: "بلى، كنت أحمق، حقاً كنت كذلك".
أردف فريتز: "حسن، أنا لا أوظف الحمقى. اغرب".
رفع الرجل رأسه على أمل، ثم انحنى وأخذ يبكي.
قالت تيا بصوت خافت وهي تشد طرف قميصه: "فرانسيس".
التقى نظرتها.
قالت وبدت منزعجة بوضوح من مشهد الرجل: "من المؤكد أن هذه العقوبة قاسية للغاية على خطأ غير مقصود".
هز فريتز رأسه. لم تستطع رؤية ذلك، لكن مشاعر داكنة كانت تغلي من الرجل كالبخار اللزج، لتؤكد أي شكوك حول فضيلته، أو انعدامها.
نطق قائلاً: "لا"، ثم سلط نظرات حادة على حارس الحدائق السابق: "اخرج من أمامي قبل أن أتشبث بنصل سيفي".
قفز الرجل طاعة لذلك، ثم هرب بخطى مسرعة. ولم يحتج فريتز حتى لاستلال أغنية الغسق.
طلب فريتز: "يا بيرت، اتبعْه وتأكد من أنه لن يثير أي شغب أو يسرق شيئاً من ممتلكات القصر".
تنهّد بيرت، فقال: "مِن لصٍّ إلى حارس، كيف لي أن أنظر في وجه نفسي بالمرآة مجدداً؟"
أجاب فريتز بقهقهة: "وكيف يمنعك هذا من الإعجاب بنفسك؟ أي شيء سوى العمى يمكنه فعل ذلك؟"
أومأ بيرت موافقاً: "أصدق القول"، ثم انطلق يعدو خلف حارس الحدائق السابق.
سألت ثيا: "أكان لصّاً حقاً؟"
قال فريتز: "ذاك وبعض ما زاد. لكن هذا ليس وقت الحديث عنه. أسمع جلبة في قاعة المدخل. لنذهب ونرى ما جرى."
لم يكن الأمر جدالاً ضخماً كما كان فريتز يخشى، بل كان ببساطة حديث فريقه الصاخب.
خطا نحو المكان الذي تجمّعوا فيه.
فاخرت روزي: "أظن أن بإمكاني وضع سرير مزدوج، أو حتى ثلاثي الحجم، في الغرفة التي عثرت عليها."
ناكفها كال: "أي هراء هذا الذي يجعلنا بحاجة إلى سرير بهذا الحجم؟ انتظر. لا تخبرني."
أجابت روزي: "لكي أمدّ ذراعيّ وساقيَّ إلى أقصاهما."
تنحنح فريتز، ثم سأل المجموعة الملتفة حوله: "هل وجدتم القصر على ميعاد هواكم؟"
أجابت جيس بأدب: "أجل، إنه فسيح للغاية."
أردفت لورين: "سيكون رائعاً فور تأثيثه."
قال جورج: "ستكون قاعة التدريب مفيدة، وهناك مساحة وافرة في الحديقة للركض والتدرب."
أضاف كال بحماس: "المطبخ هائل. الموقد يكاد يكون منفاخ حدّاد."
صحّح له جورج: "ليس كذلك."
أجاب كال: "لهذا قلت إنه يكاد."
كرر جورج: "ليس كذلك."
سأل فريتز الخادمة الصامتة والمتوترة: "وأنتِ يا كاساندرا؟"
أشارت بيدها: "إنه مهيب، لكنه أكبر من أن تاعتني به خادمة واحدة."
أومأ فريتز برأسه، وقال: "سأستأجر المزيد من المساعدة، بما في ذلك حارس حدائق جديد."
ابتسمت شاكرة.
تحدث الفريق قليلاً بعد ذلك، محددين ترتيب الغرف إن هم قرروا البقاء. واتفقوا أخيراً على أن يستحوذ الرجال على الجناح الغربي الأقرب إلى المطبخ، بينما تشغل النساء الجناح الشرقي الأقرب إلى غرفة الاستحمام الكبيرة.
وبالطبع، ستكون غرف فريتز وأشقائه في قلب القصر، على أن يحتل فريتز نفسه غرفة النوم الرئيسية. لم يكن يدري بعد إن كان سيتمكن حقاً من النوم هناك من دون كابوس مفزع، لكنها كانت حقه، فطلبها. ولم يحسده كل من إليوت وثيا على أنانيته الواضحة.
عاد بيرت ناقلاً خبر إخراج حارس الحدائق السابق من العقار بأقل قدر ممكن من الكدمات. ثم أجرينا تصويتاً، فحظي قصر هايتايد بإجماع الأقطاب ليكون مسكنهم الجديد.
سارت المحنة برمتها أفضل مما توقع فريتز، رغم أن فريقه أبلغ عن بعض التسريبات وطبيعة الغرف العارية. مع ذلك، لم يكن لديه الكثير ليتذمر بشأنه. فالقصر لا يزال قائماً، ويمكن استبدال الأثاث. بل الواقع أن الفريق، وحتى هو نفسه إن كان صادقاً، كانوا متعطشين لتقديم طلبات الأسرة والأرائك والكراسي الذراعية والطاولات. كان بإمكانهم طلب شتى أنواع الديكورات والتجهيزات المخصصة. حتى إن فريتز فكر في شراء ثريا جديدة لقاعة المدخل أو غرفة الطعام.
ورغم أنه أدرك سريعاً أن ذلك ترف واستبعد الفكرة.
وبينما كانوا ينتظرون صنع كل هذه المفروشات وتوصيلها، قرروا البقاء في منزل المتسلقين لشهر آخر. لن يكون مجدياً التسرع في الانتقال إلى مسكن جديد بلا أسرّة ينامون عليها. وبعد أن ظفروا أخيراً بما يكفي من الذهب ليرتاحوا على فرش وثيرة، لم يكن فريتز ولا أي من فريقه مستعداً للتخلي عن ذلك مجدداً، إلا إن اضطروا إلى ذلك اضطراراً.
في الظهيرة ذاتها، انطلقوا نحو أسواق ثوروفر، مسرفين في الإنفاق ببذخ. وهو إنفاق استطاعوا تحمل كلفته بسهولة بفضل مزيج من مكاسب الرهان في مبارزة فريتز، وبيع حرير الحوريات، وغنيمة حلقة الحواجز التي جلبوها إلى الخزانة. إن ثمن تأثيث غرفهم بالشكل اللائق بالكاد تجاوز اثنتي عشرة قطعة ذهبية للشخص الواحد، حسب مهاراتهم في المساومة وروعة الطلبات.
سيتعين عليهم الانتظار بطبيعة الحال، فالكم الهائل من الطلبات المقدمة للنجارين وصانعي الكراسي والوسائد والفرش سيجعل أولئك الحرفيين يعملون لأسابيع.
وبابتسامات خفيفة وجيوب أخف، عادوا إلى منزل المتسلقين، متبادلين أطراف الحديث والضحكات طوال طريقهم.
أوصل فريتز أشقاءه إلى الملاجئ، وحدقوا في البوابة بعيون ملؤها الوجل. لعلهم قلقون من أنهم يخونون الموطن الذي طالما كان لهم، وطيبة معلميهم والقائمين على رعايتهم.
طمأنهم فريتز: "إنه لأمر جيد أنكم راحلون أخيراً."
سأل فرانك مقبلاً من حيث كان يحرس البوابة، متكئاً على ساق واحدة قليلاً كعادته: "أسترحلون إذن؟"
أجاب إليوت: "خلال شهر."
صرح فرانك: "فرانسيس محق، وللمرة الأولى، هذا أمر جيد. لا يمكنكم البقاء هنا إلى الأبد."
أومأ كل واحد من آل هايتايد موافقاً.
تمتم فرانك: "كنت أفكر بنفسي في إنهاء عقدي مع نهاية العام."
ترك إليوت كلامه معلقاً: "حسناً، إن كنت لا تزال تبحث عن عمل كحارس... حسناً، تعال إلينا."
قال فرانك: "ربما أفعل ذلك حقاً. وظيفة حراسة مريحة في حلقة القصر قد تكون جيدة لتقاعدي."
سأل فريتز: "وماذا عن الأطفال؟ ألم أظن أنك تعتني بهم؟"
ابتسم الرجل بابتسامة معوجة: "ربما أبقي عقدي هنا إذن. لقد أقنعتموني."
قطب كل من ثيا وإليوت جبينيهما ناظرين إلى فريتز الذي تنهّد، بينما قهقه فرانك.
من هناك، ودّع فريتز الجميع ومضى.
رافقته خطواته وهو يسترجع نهاره، ومواجهته بيته القديم. لم تباغته الهيبة والذعر كما ظن، مع أنه تجنب البقاع التي تمتحنه حقاً. مثل الحديقة، وتلك الغرفة الدامية المحترقة. رغم ذلك، لم يكن مطارداً بخوض معاركه كلها في يوم واحد؛ أدرك أن متسعاً من الوقت يأتيه بها واحدة فواحدة.
لم يكن جبناً، بل واقعية.
هذا ما حدث به نفسه، على الأقل.
وصل منزل آل كلايمبر، وفور اجتيازه الباب الأمامي، بادره أحدهم بالكلام.
قال جورج: "فريتس، لقد تم الأمر".
وبان جلياً أنه انتظر بلهفة، وإن بخفوت.
سأل فريتس، لعدم وجود أمر آخر يعنيه كلام الرجل: "الجهاز؟"
قال جورج، مزهواً كحد السنان: "نعم".
سأل فريتس: "أمتأكد أنت؟"
أجاب: "أكد من الفولاذ".