سألت لويزا، رقيبة حرس العاصفة، بشيء من الدهشة: "السيّد هايتايد؟"
أجاب فريتز بتجبر: "هو بالذات".
تمتمت بصوت خافت: "لماذا أنت دائماً؟"
سأل فريتز: "ماذا قلت؟"
قالت وهي تفرد كتفيها وظهرها محاولة استعادة رباطة جأشها: "لا شيء... لا شيء مهم، يا سيّد".
عقب بيرت: "سألت لماذا أنت دائماً. يا سيّد، أكنت تعبث خارج نطاق خطبتك؟"
هتف فريتز بمبالغة: "ماذا!؟"
قال بيرت متخذاً سلوك المرافق الحريص والمستاء: "سمعتني. قل لي إنك لم تكن تلهو مع هذه الفتاة اليافعة الجميلة من الحرس".
احتج فريتز: "لن أعل ابداً! ليس مع ممطرة!"
قطبت الرقيبة حاجبيها.
قال فريتز على عجالة: "لا إساءة مقصودة، أيها الرقيبة. أنا متأكد من أنك رفقة رائعة الجمال".
سأل بيرت: "أتقول إنها... فاتنة؟"
ارتجف وجه فريتز قليلاً.
وقال: "ربما".
ازداد تقطيب لويزا عمقاً، لكن حتى في الظلام، استابز رؤية حمرة تسري على وجنتيها.
قال بيرت: "السيّد هايتايد، لنعمد إلى إعادتك للمنزل وندع حرس العاصفة يستأنفون دوريتهم".
أقر فريتز: "أنت محق. يُحتمل وجود عدد لا يحصى من المجرمين المختبئين ممن يجب إبقاؤهم على مسافة. معذرة إلى الحرس. سنمضي في طريقنا".
استدارا وابتعدا بخطى واسعة عن الممطرة التي لا تزال عاقدة لسانها، كأنهما بلا هموم في هذا العالم، وكأنهما لا صلة لهما البتة بأي عمليات اقتحام أو سرقة. وإذ أعطيا ظهريهما للرقيبة، ابتسما بخبث كما يفعلمان دائماً حين تسير الحيلة على ما يرام.
* * *
راقت لويزا للسيّد هايتايد ومرافقه الحارس وهو يغادران. أرادت أن تنادي وتوقفهما، وأن تستجوبهما بشأن الضجة في ضيعة الكونت جريسايل. لكنها كجمت نفسها. ورغم أنها وجدت الرجل مثيراً للريبة بعمق، إلا أنهما كانا أبعد من أن يكونا متورطين حقاً. في الواقع، ظنت أنها ربما اختلقت سبباً لاستجوابهما أكثر. وخصوصاً ذلك السيّد، إذ رأته ليلة انكسار البرج.
الليلة التي كادت تموت فيها.
كانت لويزا مذهولة برؤيته بقدر ما دهشت لمساعدته. لقد رمى أحدهم خنجراً ببراعة لا تخطئ وملاءمة لا تقبل النقص، وأنقذتها تلك الضربة في الوقت المناسب من فكك مخلوق يشبه رجل الضفدع. وحين بحثت عن منقذها، رأت السيّد هايتايد. كان يقف على سطح منزل، بوجه صارم، وعينين هادئتين ذكيتين، تلمعان بضوء خفيف وغريب. وانحنت شفتاه في ابتسامة متعجرفة. ابتسامة ما زالت تفكر فيها حين يشرد عقلها.
لم ترَ لويزا فريتز إلا لثانية واحدة قبل أن تضطر لقتال الوحش الماثل أمامها، لكن تلك الثانية تجمّدت في ذاكرتها واضحة كالبلور.
تنهدت.
ولم يساعدها أنها فقدت وعيها قبل أن تشهد نهر الملك الملكي. ومما جمعته من الآخرين في الحرس، فقد حُملت إلى بر الأمان على يد رجل يتطابق وصفه تماماً مع السيّد هايتايد الوسيم.
تركها هذا الأمر برمته مدينة بعمق ومستغربة بالقدر ذاته. لماذا كان يختبئ على السقوف؟ ولماذا عناء إنقاذها؟ ولماذا لم تستطع حمل نفسها على تعقبه وانتزاع الإجابات التي تريدها؟ وللأخيرة سبب على الأقل، فهو نبيل. أو هكذا زعم. افتقر بالتأكيد إلى الكثير من مظاهر الأبهة، مع أنه عوّض ذلك لكنوزه الواضحة والكثيرة.
سأل الشرطي هودجز: "أيتها الرقيبة؟"
كادت لويزا تفزع، فقد تسلل الرجل واقترب منها. كان يحب فعل ذلك. ومهما كررت إخباره وأمرته بالتوقف، استمر في 'مفاجأتها'. وسط مرح الفرقة وغضبها هي. وشكت في أن هذا كان شكلاً من أشكال الانتقام لحقيقة أنه أُهمل في الترقي لصالحها. والآخرون جاروه في ذلك ببساطة.
سألت بجفاف: "نعم؟"
سأل: "أرأيت أحداً مشبوهاً؟"
فجرت قائلة: "لا. وأنت؟"
قال مشيراً إلى ظهري السيّد هايتايد ومرافقه اللذين كانا يبتعدان: "ما بال هذين الاثنين؟"
قالت: "أنت مدعو لملاحقتهما إن شئت، لكن أحدهما سيّد".
قال: "ليس من عوائدك ترك سيّد وشأنه لمجرد أنه من طبقة النبلاء".
فأجابت: "وليس من عوائدك أن ترغب في التورط بشؤونهم".
هز الرجل كتفيه، لكنه ترك الأمر يمر.
أمرت: "اذهب وابحث عن بقية الفرقة. انظر ما وجدوه والتق بي في مركزنا".
أومأ هودجز طائعاً، وغادر.
ولما أصبحت وحدها مجدداً، تأملت لويزا خطواتها التالية. وشعرت أن السيّد يستحق مزيداً من التحقيق، وإن لم يكن عبر إجراءات مكشوفة.
وعزمت على مراقبة ذلك الرجل. حفاظاً على أمن الحلقة العليا وسلامتها.
* * *
فتح فريتز الباب الأمامي لمنزله ودلف بخطى متعبة إلى الرواق، ثم جفف نفسه سريعاً. وبعد أن تمنى لبيرت ليلة سعيدة، شق طريقه إلى غرفته ونام بضع ساعات.
أيقظه نداء الإفطار فانضم إلى فريقه في غرفة الطعام.
سأل جورج: "أنتما اثنان هنا؟ هذه مفاجأة".
أومأ فريتز، لكنه لم يكلف نفسه عناء الشرح، سوى بالقول إنه سيغيب غالباً في الغد.
قالت لورين: "إن واصلت الغياب عن هذا القدر من التدريب فسيلحق بك جورج".
قال فريتز: "آمل ذلك. سيكون عظيماً أن يتواجد أحدهم بقوة تعادل قوتي لأتبارز معه".
ابتسم جورج.
بعد أن أتمّوا وجباتهم، استعدّوا للتدرب في الساحة كعادتهم، غير أن آدم الذي وصل للتو أوقفهم.
قال آدم: "لدينا قاعة تدريب الآن، وسنستغلها ما لم تكن محجوزة لأحد فرق التسلق التي يرعاها الكونت تولماست. وهو أمر يصادف وقوعه اليوم. وعليكم جميعاً الركض إلى هناك".
تذمَّر الفريق بسبب تغيير الروتين، لكنهم امتثلوا لأوامره ولم يلبثوا أن خرجوا للركض في الشوارع المبللة والمرصوفة بالحجارة. انتاب فريتز شيء من القلق ظاناً أنهم سيَبْدُون غرباء في ذلك المكان، بيد أنهم لم يكونوا الفريق الوحيد البتة الذي يشق طريقه نحو ذلك الجزء من الحلقة العليا الذي يضمّ كافة ساحات وقاعات التدريب.
كان الركض أكثر صعوبة من الدورات المعتادة التي يُكلفون بها، إذ كانت المسافة أطول وذات أرضية أسوأ. هددت بعض البقع الزلقة بإيقاع أقل أعضاء فريق انسجاماً، مثل لورين جورج، لكنها لم تبطئ سوى البقية. فقد اعتادوا التحرك بسريعة على مثل هذا التضاريس الوعرة.
دفعهم آدم للركض بسرعة أكبر، دون أن يتبدى عليه أي إعجاب بجهودهم. كان ينبح حين يتخلفون، ويسخر منهم حين يتزحلقون.
خلال خمس دقائق، وصلوا لاهثين يلهثون أمام أبواب مبنى ضخم ذي قبة. فتح آدم الطريق، وواقفاً تحت شعار آل تولماست المنقوش على القوس في الأعلى، أشار لهم بالدخول إلى القاعة.
"ادخلوا".
فعلوا ذلك بارتياح كبير، لكن أملهم في استراحة قصيرة تبدد فوراً حين أمرهم معلمهم بأداء دوراتهم.
تذمروا وتشاجروا، وركضوا على أي حال.
كان الجو جافاً ودافئاً في القاعة على الأقل.
كانت غرفة ضخمة، جيدة الإضاءة، واسعة ومستطيلة، مع مجموعة مقاعد لأي مراقبين على الأطراف. بدت في مخيلة فريتز شبيهة بحلبة القتال في الحلقة الغارقة، رغم أن أرضيتها كانت حجرية ملساء وليست ترابية، وكانت الجدران المحيطة بالساحة بالكاد ترتفع ثلاثة أقدام.
في أثناء ركضه، رأى رفوفاً من الأسلحة والأثقال مصطفة في الطرف المقابل من القاعة. كانت النصال ثلمة وبدت الدمبلات كأن نقوشاً حفرت على سطوحها.
مرت الدورات بسهولة أكبر من المعتاد، حتى لو كانت أطول بسبب اتساع القاعة. تساءل عما إذا كان ذلك بسبب تحسن لياقته البدنية أم لمجرد المناخ الأكثر راحة.
افترض فريتز أنه الاثنان معاً، لكنه ما لبث أن اقتنع بخلاف ذلك.
لاحظت لورين بعد أن أكملت دوراتها: "يبدو الركض هنا أسهل".
"هذا صحيح. وينبغي أن يكون كذلك"، قال آدم، ثم أشار إلى فانوس مانا القوي الذي ينشر ضوءه الساطع واللطف في أنحاء القاعة كافة.
كان بطول رجل على الأقل وبدا كقفص اسطواني من القضبان الفولاذية، مسدوداً من الطرفين بعاج منحوت بأناقة ويحيط بنجمة ناعمة.
"هذا كنز، كنز ذو هبة، قدرة هالة تزيد تعافي القدرة على الاحتمال وتقلل حدة أي إجهاد عضلي".
سأل فريتز: "سيكون ذلك مفيداً في البرج، فلماذا هو هنا؟"
أوضح آدم: "أنت محق، سيكون مفيداً، لو لم يكن بمثل هذا الحجم والثقل. ولو لم تكن قدرته الممنوحة غير مميزة ومكلفة".
سألت روزي: "غير مميزة؟ ماذا يعني ذلك؟"
قالت لورين: "يعني أنه يعمل على الجميع، الأعداء كالحلفاء، مانحاً إياهم المنفعة نفسها".
قال آدم: "صحيح".
سألت روزي: "آه. وهل هذا سيء؟"
قال آدم: "ليس بالضرورة. ولكن، عموماً، لا ترغب في تمكين أعدائك إن استطعت تجنب ذلك".
نظرت روزي إلى بريق فانوس الكنز.
"أتظن أن بإمكاننا سرقته؟"
ضحك بيرت.
نظر إليها آدم كأنها غبية، وهي كذلك بالفعل.
تذمر كال: "عما تتحدثين يا روزي؟ إنه ضخم ويبدو ثقيلاً كاللوياثان".
قال فريتز: "وأظن أن الناس سيلاحظون اختفاءه بسرعة إلى حد ما".
صححت روزي كلامها: "كنت أعني: استعارته. لفترة قصيرة فقط".
سأل كال: "وماذا بعد؟ لنعلقه في الممر؟"
قالت روزي: "نضعه في الساحة. أو في غرفة الاستراحة".
صرح آدم: "لا توقظكم القدرة المالية لتفعيله. إن كنت أذكر جيداً، تتطلب قدرته ست قطع ذهبية للرصد ولا تدوم سوى ساعة واحدة".
احتجت روزي: "لكننا نحوز الكثير من الذهب".
عظّ آدم: "قد تحوزون الكثير منه الآن، لكنه ينفد سريعاً إن لم تكونوا حذرين. والمنافع، رغم فائدتها، طفيفة في النهاية".
سأل جورج: "ما مدى طفولتها؟"
هزّ آدم كتفيه.
"سيساعدكم على الدفع بقوة أكبر ولفترة أطول، لكن هناك حدوداً لجسد البشر. ستصلون إلى تلك القمة أسرع، لكنه لن يتجاوزها بكم. لهذا وُجدت السمات والقدرات والجوائز والسلالات".
أومأت روزي برأسها، حاركة خياشيمها بشرود، ثم ألقت نظرة خاطفة على مدخل القاعة.
تتبع فريتز نظرتها، وبعد لحظات قليلة انفتح الباب وخطا رجل إلى الداخل. تقدم بخطى واثقة كأنه يملك المكان، وهو حق من حقوقه بطريقة ما، نظراً لأن الرجل كان ماثيو تولماست.
كان يرتدي ملابس تدريب مصنوعة بإتقان، قميصاً وبنطالاً متينين غير أنهما أنيقان، ولم يتبق عليه قطرة مطر واحدة. تدلى سيف ذو قبض ذهبية عند خصره وزينت الخواتم أصابعه، وكان بعضها كنوزاً لا محالة. وخلفه، تبعه خادم على مسافة قصيرة.
حيّا آدم الرجل بانحناءة: "اللورد تولماست! سعدت بانضمامك إلينا".
حذا الفريق حذوه، محينين أو منحنين كما تقتضي اللياقة.
تثاءب ابن الكونت: "كيف لي أن أتفوت ذلك. لقد طلب مني والدي أن أمنح تدريبكم فرصة على الأقل".
قال آدم: "أبوك حكيم ولن يصاب بخيبة أمل".
قال ماثيو بجفاف: "سنرى ذلك".
ابتسم آدم واتسعت ابتسامته بسرعة لتصبح عريضة.
"للأسف، لدى أبيك أوامر لي أيضاً".
سأل ماثيو بقلق وقد تراجع بعض غروره: "أحقاً؟".
قال السير نيدل وقد زالت ابتسامته في لمح البصر: "نعم، كانت أوامره أن أدرّبك كما أدرّب أي مشاكس آخر آخذه تحت وصايتي. خمس عشرة دورة، ابدأ بالركض".
ابتسم ماثيو كأن الكلام مزحة، ولكن حين بدا واضحاً أن المعلم جادّ، تنهد بضجر وشرع يفكّ سيفه السريع عن حزامه.
قال آدم: "أبقِ السيف معك، فلن تتخلص منه داخل السبير لذا لن تتخلص منه هنا".
قطب النبيل جبينه، لكنه انصاع للتوجيه وانطلق في هرولة بطيئة.
سأل فريتز بصوت خافت: "هل سيتدرب معنا من الآن فصاعداً؟".
"هذا صحيح. لم نتحدث في الأمر من قبل، لكنه سينضم إليكم في الوقت الحالي. وقبل أن تسأل عن السبب، فهذا شيء وافقت عليه لكي نتمكن من استخدام هذا المكان والكثير من موارد الكونت. ستعرفونه بأنفسكم بعد أن ينهك نفسه. حاولوا أن تكونوا مهذبين".
أراد فريتز أن يجادل بأنه لم يوافق على كل هذه الشروط الإضافية، وأنه لم يكن حاضراً حتى في أي مفاوضات وبالتالي ليس له يد في هذه الصفقة التي عقدها آدم. ولكن بعد سماعه عن التكلفة الباهظة لفانوس الكنز ونظره إلى رفوف المعدات عالية الجودة، لم يستطع أن يجادل بأن انضمام هذا النبيل إليهم للتدريب كان صفقة سيئة حقاً.
نظر إلى فريقه المتعافي بسرعة، وبدا أنهم لم يكونوا سعداء أيضاً، لكنهم استطاعوا رؤية جميع الفوائد التي أتاحتها لهم الصفقة للوصول إليها. هز فريتز كتفيه في سرّه، فلم تكن هذه أبداً أسوأ تسوية قدمها من أجل الحصول على ميزة.
ظلّت روزي تملق الفانوس وهي تقطب جبينها بتفكر.
همس بير بصوت عالٍ: "أتخططين لسرقته بعد؟".
قالت: "لا. أتساءل فقط عن كيفية الوصول إليه لتفعيله".
قال آدم: "أه، هذا سؤال جيد"، ثم بدأ يبحث في جيوب معطفه الواقي من المطر.
وأخرج عصا من خشب رمادي اللون منقوشة بخطوط ورموز فضية.
وهز العصا قائلاً: "هذه عصا ربط الكنز. غرضها الوحيد هو تفعيل الكنز من بعيد".
سأل كال: "كيف يعمل ذلك؟".
قال آدم: "حسناً، أنت تفعّل هذه تماماً كما تفعل مع الكنز وإذا كنت في نطاق,ـه فسوف تستخدم القدرة. الأمر ليس معقداً".
سأل فريتز: "ماذا عن الكنز الذي له ضربات، أو قدرات تعتمد على اللمس؟".
هز آدم كتفيه وقال: "حسناً، لن يعمل ذلك حينها. إنه ليس فعالاً مع كل الكنوز".
سأل فريتز: "هل يمكن استخدامه على كل الكنوز؟".
كان قلقاً من أن يتمكن شخص ما من تفعيل كنوزه بمثل هذا الغرض، مما يهدر مانا الخاص به أو حد التحديث.
قال آدم: "لا، فقط الكنز المرتبط به. لكن هذا الربط يستغرق ساعات ليتشكل وكمعظم السحر، يكلف ذهباً".
سأل فريتز: "هل يمكنك تبديل ما ترتبط به العصا؟".
قال آدم: "لا".
سأل بير: "هل يمكن ربط الكنز بأكثر من عصا؟".
قال آدم: "لا، لا يمكن ربط الكنز إلا بشيء واحد فقط".
قال كال: "يبدو إهداراً".
سأل لورين: "ماذا؟".
قال: "كل هذا الذهب، والربط وصنع العصا. بينما يمكنك ببساطة لمس الفانوس لتفعيله".
قالت روزي: "نعم، لكنه موجود هناك بالأعلى ولا يمكننا الوصول إليه".
قال كال: "كان يمكن جعله على حبل وبكرة، يرفعونه ويخفضونه كما يحلو لهم".
قالت روزي: "أه. صحيح"، ثم التفتت إلى آدم.
"لماذا لا يفعلون ذلك؟".
أجاب فريتز بدلاً عنه: "النبلاء مسرفون".
ابتسم آدم وأومأ برأسه موافقاً على كلام فريتز.
أردف قائلاً: "إنه يعرض أيضاً قدراً معيناً من الثروة والقوة. كما أنه مريح".
قال فريتز: "على ذكر ربط الكنوز. لقد حصلت على زوج من أحجار الرسائل غير المتصلة ببعضها البعض".
سأل آدم بمعرفة: "أحقاً فعلت؟ ولعلك تتساءل عما إذا كان بإمكانك تغيير الحجارة المرتبطين بها؟".
أومأ فريتز برأسه.
"يمكنك ذلك، وهناك حيلة بسيطة لذلك. تمسك بهما متقاربين، وتغذيهما بثلاثية لكل منهما وتفعّلهما. يجب أن تشعرهما وهما يتحسسان روابطهما السابقة، ولكن بقليل من التركيز يمكنك إجبارهما على قبول بعضهما البعض كربط جديد".
سأل فريتز: "هل هناك طريقة لتتبعهما وصولاً إلى زوجهما الآخر؟".
تردد آدم.
"ربما. بالقدرة المناسبة، أو السمات. لست متأكداً تماماً من الطريقة، لكنني سمعت أنها ممكنة. والآن، إن لم تكن هناك أسئلة أخرى، فقد حان الوقت تقريبا لتُعرّف نفسك للورد الشاب".
قال فريتز: "سؤال آخر".
سمح له آدم: "تفضل".
اقترب فريتز من معلمه وخفض صوته أكثر وقال: "الأمر يتعلق بقدراتي وكيفية تفاعلها. وتحديداً مرحلتي وإحدى حواسي".
أومأ آدم برأسه وأشار إليه ليتابع الشرح. وفعل فريتز، فتحدث عن كيف لاحظ أسبقية حاسة الخطر على المرحلة الظلمانية.
أومأ آدم برأسه.
"أنت محق، المصطلح هو الأسبقية. تخمين جيد هناك. ومن الواضح تماماً أنه يعمل بالترتيب الذي تُدرج به القدرات في ورقة السبير الخاصة بك. لذا فإن حاسة الخطر لديك، لكونها في قناة أعلى، ستحظى بالأسبقية على تأثيرات السلبيات الأدنى منها".
"هل يمكن تغيير ذلك؟"
قال: "مكانه في قنواتك؟ لا. لكن توجد طريقة لترتيب تلك الأولويات بعيداً عن التلاعب بالقنوات".
سأل فريتز بارتياب: "ألم تَقُل للتو إنه لا توجد مهارة لتغيير القنوات؟ ما هذا التلاعب بالقنوات إذن؟"
أمش فريتز عينه، ثم تمتم بلعنة خافتة.
قال: "حسناً، توجد طريقة، لكنها للمحترفين. لحين أن يصبح معبدك الداخلي أكثر مرونة. لا أنصح مبتدئاً بإزعاج نفسه بمثل هذه الطرق، إذ لا طائل كبيراً من ورائها".
ضيق فريتز عينيه.
قال: "إذن للأمر علاقة بتشكيل المعبد الداخلي للمرء".
قال آدم بصرامة: "هذا صحيح. وحتى لو تعثرتَ في ذلك من قبل، فأنت لست مستعداً بعد لتلك الدروس".
كان يرى أن الرجل لن يتراجع عن هذا، وكان في قرارة نفسه يعرف السبب. فقد كاد فريتز أن يحرق معبده الداخلي برمته في المرة الأخيرة التي حاول فيها.
تنهد فريتز. كان هناك الكثير لتعلُّمه ولم يرغب أحد في تعليمه.
وّبخه آدم قائلاً: "ألا يكفيك سحب أسرار السيف مني. عليك أن تأخذ كل شيء قبل أن ترضى. سواء كنت مستعداً أم لا. أبطئ يا فريتز. تدرّب على الأساسيات أولاً. ابنِ تلك القاعدة. روّض قوتك بالتمرين والخبرة. مهارات تشكيل المعبد هذه يمكن أن تأتي لاحقاً. سيستغرق الأمر وقتاً طويلاً قبل أن تصبح ذات فائدة حقيقية لك".
ابتسم فريتز باسترخاء. كان معلمه محقاً، أو على الأقل، لم يضلله بعد.
توقف ماثيو أمام الفريق المنتظر. كان يلاهث ويتعرق، لكنه لم يكن ضعيف البنية تماماً. وحين صار فريتز أقرب، لاحظ أن الرجل يمتلك قواماً رياضياً يشبه قوامَه، حتى وإن كان ابن الإيرل أقصر ببضع بوصات.
وثمة أمر آخر كان واضحاً، لكنه لم يفكر فيه حقاً، وهو أن ماثيو بشر. ويبدو أنه، مثل أبيه، لم يمنح سلالة حوريات البحر، مما يعني -والآن بعد أن فكر في الأمر- أن عائلته ربما كانت في طريقها للزوال سياسياً.
بطبيعة الحال، لم يكن كل ذلك يهم في الوقت الراهن. التقى النبيل بنظرة فريتز الأرجوانية الخضراء بعينين زرقاويين شاحبتين.
تقدّم فريتز خطوة للأمام عارضاً انحناءة خفيفة، ثم مصافحة، وقال: "اللورد ماثيو".
سأل ماثيو، وهو يرد الانحناءة بشكل منعكس ويصافح اليد المعروضة: "اللورد... هايدتايد، أليس كذلك؟"
قال فريتز: "هذا صحيح، رغم أن أصدقائي ينادونني فريتز. وبما أننا سنتدرب معاً لفترة من الوقت،وددتُ لو نصبح أصدقاء".
وبينما كان فريتز واثقاً من سحره، أضاف لمسة من أغنية الغسق إلى هذه الكلمات، احتياطاً فقط.
قال الرجل وهو لا يزال يلتقط أنفاسه: "بالتأكيد".
وأضاف بذهول بينما وقعت عيناه على لورين ثم لمعتا: "وهذا الشخص، أيتها الآنسة الشابة الجميلة؟"
ابتسمت لورين بلطف وتأدب، رغم أن جمرات الضيق قد بدأت بالفعل تتطاير في نظرتها المسيطر عليها.
قالت لورين مع انحناءة سريعة: "الآنسة نيرشور، يا سيّدي".
فأجاب: "لم أسمع بعائلة نيرشور من قبل".
صرحت قائلة: "لا توجد عائلة، يا سيّدي. أنا ابنة تاجر بسيط والآن متسلقة".
قال ماثيو بابتسامة ساحرة مناسبة: "لا يبدو ذلك بسيطاً البتة. ألا تخبرينني عن الأمر؟ ربما على العشاء؟"
اعتذرت لورين قائلة: "أخشى أن جدولي ممتلئ تماماً في الوقت الحالي".
"لا داعي للخوف. أنا لا أعض".
حافظ على ابتسامته، واستطاع فريتز أن يعترف بأن الرجل كان وسيماً إلى حد ما بطريقة حادة وراقية. لورين بالطبع لم تأبه بمظهره وكانت منزعجة من محاولة المغازلة. وكانت تلك الدوائر النارية تبدأ بالتوهج داخل حدقتيها.
مدّ اللورد ماثيو يده إليها. لحسن الحظ، وقبل حدوث أي انفجار ناري، قاطعتهم روزي.
قالت بحماس وهي تقتحم الفجوة فجأة وتصافح اليد المعروضة: "تحياتي، يا سيّدي. أنا روزي. لا أمانع أن أُعَضّ. إلا إذا كنت ثعبان بحر، أكره تلك... أمم... الوحوش".
فوجئ اللورد تماماً بقوة قبضتها ثم بالغمزة التي وجهتها له. ولم يرتدع سوى لحظة أو لحظتين قبل أن ينتزع يده الشاحبة من يدها الحرشفية.
سأل وهو يقيم ما إذا كان بمقدوره تحمل إهانتها: "ومن أي عائلة تنحدرين أيتها الآنسة؟"
ضحكت روزي قائلة: "هاه!"
واتسعت ابتسامتها الشبيهة بابتسامة القرش.
"أنا لست نبيلة. لقد حظيتُ فقط بالحظ السعيد عند الهاوية".
قطب حاجبيه على الفور، وبدا، وهو يفرز بنظره حوله، أنه قد توصل إلى استنتاج سريع مفاده أن بقية الفريق من العامة أيضاً.
سخر وهو يستدير: "محظوظون حقاً إذاً. أيها السير نيدل، هناك معاملتي كأي طالب آخر، لكن ألا ترى أن هذا تمادى كثيراً؟ كيف سيؤدي تدريبي مع هذه الحثالة إلى تحسين أي من مهاراتي؟"
جرفت هذه الكلمات الفريق، مما عمّق كراهيتهم الفطرية. قطبت روزي حاجبها، وعبس كال، وابتسم بير، وسقط وجه فريتز ولورين. احتفظ فريتز ولورين بابتسامتيهما المطيعة والمؤدبة.
تذمر آدم قائلاً: "همم. هذه الحثالة قد حصلت بالفعل على جوائزها الفضية من برج حوريات البحر. و فعلت ذلك بدون مرشد أو مرافقة أخرى".
"أهراً؟"
قال آدم: "نعم، سأترك لهم أمر رواية قصتهم أو عدمه. لكن هذا الفريق ليس مجموعة من العاطلين عن العمل والخدم. ستكسب بالتأكيد شيئاً من التدريب معهم".
ثم أخرج المعلم قصاصة ورقية وناولها للورد الصغير.
سأل ماثيو: "ما هذا؟"
أعلن آدم: "برنامجك التدريبي. الآن بعد أن تعارفنا غالباً، حان وقت التدريب. لقد أضفنا وقتاً كفاية بالفعل".
وهو يقطب حاجبيه، قرأ اللورد الصغير برنامجه، وازداد عبوس جبينه مع كل سطر.
احتج قائلاً: "هذا أمر سخيف".
ابتسم آدم بخبث: "لا، إنها البداية فقط".
تذمّر: "سيترك هذا جسدي متمزقاً لأيام."
قالت روزي: "ستعتاد الأمر."
ونالت نظرة محتقرة من النبيل.
صاح آدم: "هيا! إلى التدريب!"
فانتفض ماثيو وهرع البقية للعمل.
شرعوا قريباً في أداء تمارينهم ومدّاتهم المخصصة تحت عين معلمهم اليقظة. اضطر آدم إلى قضاء وقت أطول في تصحيح أخطاء عضوهم الجديد مقارنة بالبقية، لكنه لم يفوت الفرصة لتوبيخهم على أخطائهم حيثما استطاع.
شرح أيضاً الغاية من النقوش على الأثقال، رغم أن فريتز كان قد استنتج المقصد الغامض لتلك السحرية من دراسته للتعاويذ الواقية. تفعل تلك الرموز المحفورة بخشونة لتزيد من ثقل الوزن. نهاهم آدم عن استخدامها، وقال إنهم لا يحتاجون إليها حتى تتجاوز سمة القوة لديهم الثلاثين بكثير.
نادى: "النزال خلال خمس عشرة دقيقة! أنهوا أسرع!"
ضاعف فريتز جهوده، فقد كان متخلفاً عن الركب. جذبه تعبُه العميقي العظام إلى الأسفل حتى تحت ضوء فانوس الكنز المهدئ. مع ذلك، لم يكن في سوء حال ماثيو الذي كان يصارع كل تمرين إضافي. شجّعه ذلك وسمح له بالاستمرار بالوتيرة المرهقة التي فرضها آدم.
ثم، ما إن انتهى كل منهم من مجموعاته، حصلوا على استراحة قصيرة تدوم ست دقائق. وما هي إلا لحظات حتى عادوا على أقدامهم يتبادلون النزال، بالعصي والدروع مجدداً. لم تكن هناك دردشة تذكر وهم يتبادلون الضربات ويصدون هجمات بعضهم، لكن التبادلات القصيرة كانت كفيلة بتعريف كل منهم بماثيو وقوته ونقاط ضعفه أكثر.
قاتل ابن اللورد بشكل جيد يدعو للدهشة، وإن كان ذلك متوقعاً ربما، فهو نبيل ومن المرجح أنه تلقى تعليماً قتالياً على يد أكثر من معلم. تفوق على معظم الفريق وفعل ذلك بطريقة لائقة. كان بارعاً لا قوياً، ومن المرجح أنه فضّل الرشاقة على القوة. لم يلاحظ فريتز امتلاكه أي لياقة أو سرعة، لذا خمن أن الرجل قد يكون ساحراً.
مما يثير الغيظ، أنه خلال جلسات النزال، لم يتجشم ابن اللورد عناء ضرب الفتيات بأكثر من لمسة خفيفة، لكنه ترك كدمات على جميع الرجال. باستثناء فريتز الذي لم يستطع الإمساك به بهراوته، مما سبب له انزعاجاً واضحاً.
كان برت ليتمكن من تفادي الضربات هو الآخر لو قاتل بطريقته المفضلة، لكنه مثقل بدرع وعصا فلم يستطع الاستفادة القصوى من مهارته.
استطاع فريتز تمييز أن الرجل يتلقى تدريباً قتالياً أكثر من بقية الفريق مجتمعين، لذا لم يكن عليهم الشعور بالخزي لخسائرهم. لكنه مع ذلك، استطاع رؤية رغبة الفريق وعزمهم على زيادة قوتهم يرتفعان مع كل دقيقة.
بعد النزال، استراحوا مجدداً، وصرف آدم الجميع باستثناء فريتز وجورج وماثيو لذلك اليوم. لوّحت روزي مودّعة ابن الكونت بحماس، لكنه بدا غير مهتم أو حتى مكترث. بالكاد استابك الوقوف على رجليه، وبدا شبيهاً بحال فريتز، محطماً ومتعباً وموجوعاً.
تفحص آدم الثلاثة، وملاحظاً وضع ماثيو صرفه هو الآخر، قائلاً: "عادة ما نجري هنا بعض تدريبات السيوف والنزالات، لكن بما أن هذا أسبوعكم الأول فيمكنكم الاستراحة. أما في الأسبوع القادم، فيتوقع منكم القدرة على أداء كل هذه التمارين وأكثر."
كل ما تمكن ابن اللورد من التفوه به هو: "حاضر، سيدي."
قبل أن يتجه نحو مقعد ويجلس عليه.
منح آدم الفردين الواقفين ابتسامة متواطئة، لكنهما كانا أثقل تعباً من أن يرداها.
"أنتما الاثنين، اشرعا شفراتكما."
أطلق فريتز أنيناً.
"لا تقولا إنني لم أتحذكما. لقد طلبتما مني تدريباً شخصياً، وأخبرتكما أنه سيكون شاقاً."
أومأ فريتز، قابضاً على مقبض كويكسيلفر، مستقيماً بظهره ومرسياً عزيمته.
أومأ آدم استحساناً.
"حسناً، لنعمل على إعصاد تلك الوقفت الرديئة."