غضب "سبير" الفصل 167 — المرحلة الثالثة - الفصل 39

اقرأ غضب "سبير" الفصل 167 — المرحلة الثالثة - الفصل 39 باللغة العربية على مانجا تايم.

ألقى فريتز تعويذة الخمول على أسيرته، ثم أمر أحد الرجال الأشداء الواقفين بقربه بأن يوثق يديها ورجليها.

"لا تؤذوها، لقد استسلمت"، حذّر فريتز.

"لن أؤذيها. لستُ لقيطاً"، تمتم الرجل بغضب.

"جيد، إذن أثق بك لحراستها ريثما أقوم ببعض الاستطلاع"، قال فريتز وهو يربت على كتف الرجل.

وأضاف بصوت خفيض: "لا تدع أحداً يسعى لتنفيذ انتقام متسرع. أُريد استجوابها لاحقاً".

أومأ الرجل بصمت مطبق. تفاجأ فريتز قليلاً بهذا الخضوع، لكنه خمّن أن سكان الملجأ قد أُحيطوا علماً بحماة الجدد. أضف إلى ذلك أن نبرة فريتز الآمرة بعفوية بدت وكأنها تطمئنهم بأنه يعلم ما يفعله وأن عليهم تنفيذ أمره دون جدال.

وعلى أثر ذلك، ترك الرجل وتفقد الغرفة المقابلة، تلك ذات الباب المحطّم، فوجد أن عوارض الحماية الخاصة بنافذتها قد تحطّمت هي الأخرى إلى شظايا. لابد أن البلطجي الآخر، بول، قد اندفع عبرها محطماً إياها أثناء فراره. لم يكونوا سوى في الطابق الأول، لذا استبعد أن يكون الرجل قد أصيب بأذى من جراء قفزة كهذه.

قرر فريتز اللحاق به. بحذر، شق طريقه متثاقلاً على درجات السلم الزلقة.

"أهذا زيت؟ يا لها من فوضى"،ثرثرت امرأة.

"سيستغرق تنظيف هذا دهراً"، تذمرت أخرى.

بعد هنيهة، صار خارج الباب الأمامي وعثر على الموضع الذي هبط فيه الرجل، ثم دعى حدوس وعيه تقوده إلى أحد المتاريس. هناك كان محاول إشعال الحريق، محاطاً بثلاثة رجال آخرين بينما كان رجل قصير يرتدي معطفاً بنياً يستجوابه بين لكمة وأخرى في معدته. انزلق فريتز إلى الظل وراقب، منصتاً باهتمام بالغ إلى حديثهم.

"ماتوا؟ كيف تخبرني أنهم ماتوا جميعاً؟! ماذا حدث؟! هل قُتلوا جميعاً؟!"، سأل صاحب المعطف البني بعبوس.

"نعم، يا رئيس. تلقى فيك ضربة على رأسه حين اقتحمنا. وظل الظل القرمزي يتكفل بالبقية، يا رئيس"، قال بول بصوت خفيض.

"تباً! أيها الماصّون الحثالة! لماذا لا تشتعل المباني؟ ألم تنشروا الزيت على الأقل؟"

"فعلنا، يا رئيس. لكن الظل القرمزي—"

"لا تروِ لي هراء الجمجمة ذاك عن الظل"، قاطع الرئيس.

"كان من المفترض أن تكونوا مهرة في التسلل والرؤية، وبعضكم يحمل الجوائز البرونزية. ولم يكن بيرتي الدموي هناك، لذا كنتم ستة في مواجهة واحد. كيف سمحتم لأنفسكم بأن تُقتلوا بهذه السهولة؟"

"خمسة"، صحح بول ببلاهة.

"ماذا قلت؟"، سأل الرئيس بنبرة تحمل طابعاً خطيراً.

"خمسة منا. تلقى فيك ضربة مبكراً"، جادل بول.

تحول وجه الرئيس الندب من عبوس حاقد إلى لامبالاة قاسية.

"خذوا هذا الأحمق واغرقوه".

"ماذا!؟"، صرخ بول.

قاوم آسريه، لكن دون جدوى؛ فقد استنفد معظم طاقته في الفرار والقتال. ومع ذلك، واجه من أمسكوا به صعوبة في تحريكه.

بمظهر ينم عن الضجر، لمسه الرئيس لمسة خفيفة على صدره.

ارتخى بول تماماً. تدلى رأسه، وتاهت عيناه في نظرة زائغة، وسال اللعاب من فمه المسترخي. رفعه أحد البلطجية فوق كتفه كأنه كيس من أحشاء الحبار، وجره بعيداً ليُغرق.

ثم أصدر هذا «الرئيس»

أوامره لمن بقي، طالباً منهم البقاء في أماكنهم في الوقت الحالي، وإن كان ذلك بعبارات أكثر خشونة بكثير.

شعر فريتز بأنه يستطيع إما تتبع الرئيس لمعرفة مخبئه وهوية شخصيته، أو تتبع الرجل الوشيك على الغرق لإنقاذه من مصيره، لعله يكسب حليفاً مدين له بحياته. كدان الخياران سيأخذانه بعيداً عن الملجأ، رغم أن كل مسار قد يجلب له معلومات قيّمة.

لا، ينبغي ألا يكون متسرعاً. هكذا حدث نفسه. سيترك ذلك الأراضي عرضة للخطر، ولديه بالفعل أسيرة يتعين عليه التعامل معها. لذلك قمع فريتز فضوله وبدأ يتسلل عائداً إلى المقر.

حين اقترب، سمع نحيباً وبكاءً ووجد امرأة تبكي فوق حارس الباب المتوفى، ربما كانت زوجته أو أخته. كان فريتز قد نسي أنهم فقدوا شخصاً ما، لكنه لم يشعر أيضاً بأي رغبة في الانغماس في هذا الحزن. انزلق متجنباً الصخب، ليصادف حشدًا صغيرًا آخر أمام الباب حيث تحتجز الأسيرة.

"قال الظل ألا ندخل أحداً"، قال الرجل لمجموعة الغاضبين.

"لقد قتلوا ميك"، جادل أحدهم.

"فعلوا... لكن الظل"، راوغ الرجل.

"الظل ليس هنا. دعنا نمر."

"لست متأكداً من ذلك"، أعلن فريتز، متخلياً عن سمته وسط همس الحشد وشهقاته.

حدقوا فيه وهم يغمغمون ويتحدثون بهمس. كان هناك شك وخوف وغضب، لكن لم يكن لديه الوقت ولا الرغبة لتهدئتهم. ليس في هذه الليلة، وليس ما داموا لا يزالون يعتبرونه شخصاً يجب التحايل عليه لا طاعته.

"انصرفوا. سأحرص على أن يلقوا أي عدالة يستحقونها"، أمر فريتز، بنبرة مثقلة برهبة مستمدة من ترنيمة الغسق.

تردد صدى الكلمات في الرواق بطريقة لم تكن ينبغي أن تحدث بها. شحبت الوجوه واتسعت العيون، ثم تفرقوا ومضى كل في سبيله. اكتسبت أصوات همسهم ونمائتهم الناعمة مسحة من الرهبة.

"يا له من طول قامة."

"تلك العينان."

"يقف كأنه نبيل."

"وسيم بشكل مرعب."

عدّل فريتز وشاحه المصنوع من حرير الصفارين، متأكداً من أنه ما زال يغطي معظم وجهه. وكان الأمر كذلك. ومع زفرة حبسها في صدره، شق طريقه نحو الباب الذي لا يزال محروساً.

"أحسنت صنعاً"، أثنى فريتز على الرجل البدين.

"شكراً لك، أيها الظل، آه، سيدي؟"، رد مرتبكاً.

"الظل يكفي، وفريتز أفضل"، قال فريتز.

"سأستجوب الأسيرة الآن."

"حسناً"، قال الرجل، مفسحاً المجال وممكناً إياه من العبور.

أغلق فريتز الباب خلفه ثم أمعن النظر في أرجاء الغرفة. كانت صغيرة ومظلمة ورطبة وخالية من النوافذ بينما تسلل خيط من الماء على أحد الجدران. استندت المرأة المكتوفة والنائمة إلى الجدار المقابل.

أمضى بعض الوقت في تأملها. بدت المتسللة في أواخر العشرينيات بشعر أسود قصير ومسترسل ولم تكن جميلة ولا قبيحة. كان درعها الجلدي بحالة ممتازة واهتمامها ببطوتيها واضحاً. كانت تشخر.

فتش فريتز المرأة للمرة الثانية وبشكل أكثر دقة هذه المرة فنزع حذاءيها خشية أن يخفيا خنجراً مخفياً. لقد أصاب فيما فعل إذ عثر على زوج آخر من النصال مخبأ في جسدها. وحين تأكد من أنه عثر على كل ما يستطيع أيقظ المرأة بهزها.

فتحت عينيها ببطء وأطلقت أنيناً ثم تثاءبت وحاولت التمدد. وحين تعذر عليها ذلك حدقت في الحبال التي تقيد معصميها بحيرة عميقة. بدا أن ذكريات التسلل والاستسلام تداعت إلى ذهنها دفعة واحدة. كشرت عن أنيابها وصارعت قيودها بعنف لمدّة تسع ثوان كاملة قبل أن تلاحظ فريتز الذي كان يراقبها بصرامة.

قالت باحتقار وهي ترتخي وتكف عن مقاومة الحبل: "فكتني!".

قال فريتز: "كلا. لقد استسلمت ألا تذكرين؟".

احتجت قائلة: "قلت إنك ستدعني أذهب".

قال فريتز: "قلت إنني سأدعك تعيشين. هناك فرق. وهذا مشروط بإجابتك عن أسئلتي بصدق".

"ماذا تريد أن تعرف؟".

"أريد أن أعرف عن العصابات. عصابتك وتلك الأخرى التي تعملين معها".

"سيقتلونني إن تفوهت بشيء".

قال فريتز ببرود وهو يشير إلى الجثة خلفه: "سأقتلك إن لم تفعليني. تماماً كما فعلت مع البقية".

علقت عيناها على جثة رفيقها لبضع ثوان قبل أن تتجولا في أرجاء الغرفة بحثاً عن منفذ للهروب.

أضاف فريتز بتقليد بارد لصوت كريغ: "مع أنني قد أطيل الأمد قليلاً".

راوغت قائلة: "لا تبدو ملامحك ملامح جلاد".

قال فريتز وهو يستل حد الموت ويمسكه باسترخاء إلى جانبه: "المظاهر خادعة".

أخذت المرأة تبكي بلا صوت واهتز جسدها بنحيب صامت وعميق. أخفت وجهها بين يديها وراحت أصابعها تشد شعرها بقوة.

كان فريتز يتوقع تحدياً صارماً أو صراخاً غاضباً لا هذا المشهد المرعب من اليأس. لم يكن يطيق الدموع أبداً. قبض الذنب على عموده الفقري وهدده الخيار بأن يجرّه إلى القاع. ومع ذلك صمد بثبات فهذه المرأة مجرمة على الأرجح وقد حاولت قتله.

قال بصرامة: "كل ما عليك فعله هو الإجابة بصدق".

تجاهلته إذ كانت في حالة بالغة من اليأس. كان القنوط ينبعث منها وبوضوح دموعها تماماً. شعر مجدداً بوخزة شفقة لكنه قمعها مؤكداً لنفسه من جديد أنها أرسلت إلى هنا لإحراق الملجأ عن آخره.

وقف هناك منتظراً حتى تتوقف عن البكام ساكناً ومحاولاً أن يبدو جامداً كالحجر. تطلب الأمر منه جهداً إذ كان يرى مشاعرها تضطرب وتثور من حولها. توقفت المرأة عن البكاء في النهاية وصارعت قيودها الخشنة مجدداً. ثم تفقدت جيوبها بخرقاء.

قال فريتز: "لا تعذري نفسك. لقد أخذت سكاكينك كلها".

قالت: "عبثت بي وأنا نائمة، أليس كذلك؟ يا لك من فاجر".

قال فريتز: "مهلاً مهلاً. لا داعي للإهانة. لقد حفظت كرامتك، وكان بإمكاني تجريدك من ثيابك تماماً. لو رغبت في ذلك".

قالت: "يا لك من نبيل كريم. لعلّك أمير حقاً كما يقولون".

"أيقولون ذلك؟"

"أنت الظل القرمزي، أليس كذلك؟"

قال فريتز: "يمكنك مناداتي بالسيّد ظل إن شئت. فهذا هو الأليق".

رددت: "الأليق".

"ما اسمك؟"

قالت على مضض: "ميل".

سأل فريتز: "ميل ميلادي؟"

متذكراً أنه سمع شيئاً عنها من قبل. لم يكن الأمر فظيعاً، لكنها لم تكن ممن يُستهان به. مع أن فريتز لم يكن عليه الاكتراث لذلك، فقد كان من أقوى رجال الأزقة، باستثناء كريغ ونك وقرش الليل نفسها.

قطبت جبينها مترددة في الإجابة. وفاضت الضغائن القديمة من كواتم نفسها.

خمن فريتز: "ألا يعجبك الاسم؟"

أقرت قائلة: "لا يعجبني".

أعاد فريتز على مسامعها: "حسناً يا ميل. أخبريني بما أريبه، وأدعك تعيشين. فلن تحظي بعرض أفضل".

تنهدت وألقت نظرة أخيرة مرتاعة حول الغرفة، ثم أومأت برأسها.

وعندئذ، بدأ فريتز استجوابه. استهل الأمر ببساطة: من في الطاقم؟ لصالح من تعمل؟ ثم تعمق أكثر، مستقصياً ما تعرفه عن العصابات الأخرى ورئيسها. وخلال الحديث المتعثر بأسره، حاول أن يبدو ساحراً حين تشتد حذراً، وقاسياً حين تحتدم شراسة. وبفضل حنكته البارعة في استخدام الفطنة واستدعائه الغزير لأغنية الغسق، لم تلبث أن رضخت معترفة بكل ما تعرفه.

راوغ في الاستجواب باحتراف، فعرف جلّ ما سأل عنه، ما لم يكن من الأسرار الخفية التي تجهلها ميل. وفي النهاية، كانت تطلق ضحكة خافتة على طرفة ألقاها، إلى أن وقعت عيناها على الجثة التي لا تزال في الغرفة معهما. توقفت فجأة، وتلاشى ضحكها، ليحل محله ابتلاع خفيف للعاب يقطر خوفاً.

قالت ميل: "أتتركني أذهب الآن؟ لقد أخبرتك بكل ما أستطيع".

بدت كلماتها صادقة، وتلاشت هالتها الباهتة المخيفة.

أوضح فريتز: "لا يمكنني تركك تذهبين، ليس بعد. رغم أنك ستعيشين، كما كان عرضي".

"إن كنت لست تاركي أذهب، فماذا ستفعل بي إذن؟"

قال فريتز: "أخشى أن أضطرّ إلى ابقائك أسيرةً في الوقت الحالي".

وكأنّه يأتي فعلاً غير لائق لا يسلب المرأة حرّيتها.

وزاد: "لكن، عليك أولاً أن تقسمي ألا تؤذي الملاذ أو تحاولي الهرب منه".

قالت: "ماذا؟"

أعاد فريتز بلهجة لطيفة متكلّفة: "قسَمٌ يا ميل. ألا تؤذي الملاذ ولا تحاولي الفرار من دون إذن مني".

قالت بسرعة: "أقسم".

وتبين له أنّها تقود الكلام هروباً فحسب.

أمرها فريتز: "حاولي مجدّداً".

قالت: "ماذا؟"

قال فريتز: "قسَمٌ حقيقيّ، ويجب أن تعنيه".

عبست وقالت: "قلتُ إنّني أقسم، ماذا تريد أكثر؟"

قال فريتز: "عليك فعله بلا مواربة ولا أكاذيب".

حدّقت فيه مطولاً، وتصاعد قلق في عينيها من دون أن يلوح على وجهها.

قالت وهي تنفث الكلمات الأخيرة باتّهام: "يمكنك التمييز، أليس كذلك؟ تمتلك نوعاً من القوة. أنت كاشف حقائق".

أقرّ فريتز: "قريب من هذا".

ارتجفت المرأة للاعتراف، وتكاثفت ظلال الخوف حولها.

لم يعدّ فريتز نفسه كاشف حقائق، لكن حين اعتاد إبقاء وعيه في ذهنه، صارت الشرارات العاطفية والألوان الحماسية أوضح لعينه وأقرب إلى الفهم. ومع ذلك، لم يكن قادراً دوماً على معرفة ما يدور في خلد أحدهم أو مقدار صدقهم؛ كان يخمن فحسب. لكن مع الرؤى الإضافية التي تمنحها الأضواء، شعر بثقة أكبر في حدسه‌.

قالت ميل: "أقسم أنني لن أؤذي أحداً ولن أُحاول الهرب".

استقرّ ثقل خفيف حول كليهما، وراحت عيناها تزدادان قلقاً وهي تلتفت يميناً ويساراً بطريقة ما.

قالت بنبرة حادة: "ما هذا؟ قوة أخرى؟"

تفاجأ فريتز من شعورها بالضغط الخفيف.

سأل: "أتمتلكين وعياً؟"

قالت: "ربما".

لكن محاولتها التعمية كانت مضحكة في أفضل الأحوال، نظراً لهيئة المنهارة.

بالغ فريتز قائلاً: "حسناً، ما شعرتِ به للتو سيُعاقبك إن أخخلفتِ بقسَمك. أذى في الروح وجرح بليغ في حِصنِك".

مع أن الكلمات بدت شبه حقيقية حين نطقها.

ارتدت ميل إلى الوراء واسترخت كتفاها.

وقالت: "على الأقل ليست لعنة أخرى تقتلني مكاني إن قلت شيئاً خاطئاً".

أقرّ قائلاً: "ليس هذا".

وأضاف في سرّه: ليس بعد.

سألت: "ماذا الآن؟"

"الآن؟ الآن ستنتظرين هنا ريثما أتحدث إلى البقية".

"البقية؟ أظلال أخرى؟"

قال فريتز وهو يستدير ويتركها رهينة ذلك الظن الخاطئ: "ربما".

أغلق الباب خلفه ليواجه الرجل الذي ما زال يحرسه.

سأل فريتز: "ألدينا مكان أكثر أمناً لنضع فيه أسيرتنا؟"

أجاب الرجل بلا طائل ودون قصد: "لا أعرف، ربما".

قال فريتز: "سأتحدث إلى المجلس إذن. ما اسمك؟"

أجاب الرجل ضخم الجثة: "أمم، اسمي تيم. أنا حنّاط".

قال فريتز: "لا تبدو كـ تيم".

قال الرجل وابتسامة صادقة ترتسم على وجهه الخشن: "كثيراً ما أسمع ذلك. أسمعه كثيراً".

أومأ فريتز.

"حسناً، أبعد الناس عن تلك الغرفة الآن. ريثما أجد مكاناً جديداً نضع فيه أسيرتنا".

وافق الرجل بتردد: "حسناً".

سأل فريتز: "ما الخطب؟"

قال: "عندي عمل في الصباح".

قال فريتز: "أه. خذ، لقاء تعبك"، وأردف وهو يرمي إليه بثلاثية عملات.

أبطأ تيم في رد الفعل فارتطمت العملة اللامعة بصدره وسقطت على الأرض. انحنى والتقطها بسرعة، موجهاً إلى فريتز نظرة امتنان يشوبها ضيق سرعان ما تحولت إلى ابتسامة عريضة حين لاحظ وميض الفضة.

استدار فريتز مغادراً، وعليه أن يتذكر ألا أحد يشاركه سماته أو مهارته المكرّسة. وإذ فكر في تلك الفروق تذكر المعركة السابقة والارتعاشة في حصنه. وجد غرفة خفية فهبط إلى حصنه ودعا صحيفة برجه. أمل أن تكون الهزّة التي شعر بها سابقاً قد تجلّت في قنوات تقنياته على هيئة النصل المحتوم.

لم يتحقق ذلك، وما زالت فارغة رغم قرب شعوره بأسلوب السيف.

تنهّد فريتز فغادر حصنه وشقّ طريقه للبحث عن إرنست. إن عرف أحدٌ كل مباني الملاذ وغرفه، فسيكون هو حتماً.

كان إرنست ينتظر ظهوره، واقفاً خلف مدخل مسكن المراقب، ولمحه فريتز ما إن خطا للداخل.

بادر بالطلب: "ما الجريان؟"

عقد فريتز حاجبيه فشحب وجه الفتى قليلاً.

صحح لنفسه بتذلّل: "عذراً يا سيد، هل عليّ قرع الجرس؟"

قال فريتز: "لا حاجة، الأمور تحت السيطرة الآن".

قال إرنست: "سمعت أنهم حاولوا إحراق المقر".

أكد فريتز: "حقا، كان ذلك قصدهم".

زمجر: "أوغاد".

أقرّ فريتز: "تماما. لكن أحدهم استسلم وهو أسيرنا الآن. أريد مكاناً لحبسه. أتُعرف غرفاً ملائمة كهذه؟"

حكّ إرنست شعره الأشعث وأمعن التفكير. ثم أومأ وقاد فريتز إلى الساحة مشيراً إلى بعض المباني البارزة. أومأ فريتز وراح يسأل أكثر عن إيجاد مكان قد يصلح مختبراً. وُجد واحد، مع أنه كان بحاجة ماسة للإصلاح كحال معظم الأماكن في هذا الجزء من المدينة.

سأل فريتز، وهو يعلم أنه لا يستطيع التدخل، حتى لتحسين المساكن والمجاري، دون تصاريح مناسبة من المالك "الشرعي": "ومن يملك هذه الأرض حقاً؟"

قال: "ماذا؟"

"أي بيت نبيل يزعم أن هذا ملكه؟"

قابل إرنست كلامه بنظرة حائرة، فسأل فريتز: "لمن تدفعون الإيجار؟"

قال إرنست: "لا أعلم. أنا لا أدفع إيجاراً".

أومأ فريتز برأسه، فقد بدا الأمر منطقياً، فهو نفسه لم يدفع إيجاراً قط حتى وقت قريب.

اقترح إرنست: "يمكنك الذهاب إلى السيدة واشر، فهي تعلم كل شيء عن تلك الأمور".

قال فريتز مشيراً إلى بعض الزوايا المظلمة: "أريدك أن تضع حراساً هناك، وهناك، وهناك".

عندما تسلل إلى الملجأ، لاحظ نقاط العمى هذه وسعى لتغطيتها في أسرعเวลา ممكن. قد لا يهم الأمر، نظراً لمهارات التخفي التي قد تمتلكها العصابات، ولكن إن وقعت محاولة تسلل أخرى، فهو لا يريد لأعدائه النجاح لمجرد أنه لم يفكر في تحذير الحراس.

وافق إرنست فترك له فريتز أمر تنفيذه، ليس قبل أن يناوله بعض قطع النقد النحاسية المتناثرة لتحفيز المزيد من أطفال الشوارع للعمل كحراس والجواسيس. لقد بدا أكثر حماساً بكثير عندما نال أيضاً قطعة فضية مقابل جده ووعداً بالمزيد إن أثبت جدارته.

بعد التعامل مع تلك المعضلة الصغيرة، تفقد فريتز الغرف التي أشار إليها الصبي باعتبارها مكاناً صالحاً لتخزين أسيرته في الوقت الحالي، فضلاً عن المكان الذي يمكن استخدامه كمختبر.

تبين أن المبنى الذي اقترحه إرنست ليكون مفيداً للخيميائي هو معمل زجاج مهجور، ومع بعض التعديلات والكثير من إصلاح السقف، استطاع فريتز أن يرى أنه سيلبي احتياجات الأختين.

كانت غرف الأسيرة متشابهة إلى حد كبير، لذا اختار فريتز واحدة في الطبقات العليا، في الطابق الخامس من مبنى سكني يقع جنوب المقر. واكبها شخصياً مع الحارس الذي جنده إلى سجنها الجديد. سار بها أمامه، مستعرضاً إياها لتراها عيون الساخطين ممن يقيمون في الملجأ.

لم تكن ميل تلتقي بنظراتهم.

سأل فريتز بقسوة وهما يعبران الساحة: "ماذا؟ أتفكرين الآن فقط في كل أولئك الذين كان سيطالهم الحريق؟ الذين كان يمكن أن يحترقوا أحياءً على يدك لو سارت الأمور كما تشتهين؟"

تمتمت: "كنت أفعل ما أومر به فقط. لقد كان ذلك أو التعرض للضرب".

ذكرها فريتز وكأنها ملاحظة عابرة لا توبيخ: "يوجد أطفال هناك".

قالت: "الأطفال في كل مكان. لا أراك تهتم لأمرهم".

كانت على حق في ذلك، لكن فريتز لم يظهر التأثر بذلك.

أكد فريتز: "إن أتوا إلى هنا، فسوف يُعتنى بهم".

سخرت منه، لكنه لم يقل شيئاً آخر وتركها تتخبط في عجزها، تماماً كما فعل. عندما بلغا الغرفة، منحها نظرة تفقدية أخيرة للتأكد من خلوها من أي مسببات سهلة للهروب. ثم أشار إليها بالدخول وأغلق الباب بصوت مكتوم. وما إن حبست وحدها في الظلام، حتى سمعها تبدأ في دندنة أغنية حانة حزينة.

أمر فريتز: "أطعموها في الإفطار والغداء والعشاء. لكن لا تدعوها تخرج".

أومأ تيم بجدية.

غادر فريتز وشق طريقه عائداً إلى مبنى الحراس السكني، صاعداً الدرج ومستطلعاً الغرف لإيجاد نقطة مراقبة جيدة. اتخذ مكانه قرب نافذة مطلة على الساحة وراقب بحثاً عن أي طارئ آخر. كان الأمر مُملاً وجعله ينقر بقدمه في تشتت. خفف بعضاً من تململه بممارسة مهارات أغنية الغسق والسمات المتقدمة الأخرى، محاولةً ابتكار أنماط تناسبها.

حاول ضخ النعمة فوجدها ترفض التطبيق بشدة. لم تتجاوز جلده، رغم قدرته على تركيزها في أجزاء من جسده أو إحاطة نفسه بها كما اكتشف مسبقاً. مع ذلك، ظل يعبث بتلك الطاقة الزلقة، محاولاً توجيهها بإرادته لا قسرها. مل من هذا بمرور الوقت وانتقل إلى سمته السحرية.

كان لضخ أغنية الغسق تأثير غريب؛ إذ يصبح الهواء حوله ضبابياً بعض الشيء للحظة، وتتغيم ألغاز العالم عند الحواف، يتبع ذلك التشوه صوت خفيض يكاد يكون صامتاً. جعله الصوت يرتجف ويعزز ثقل قلبه. وبصرف النظر عن استخدام النبضة كوسيلة للإلهام والتشتيت، لم يكن لديه أدنى فكرة عما يمكن استخدامه فيه أيضاً.

أتى الفجر في النهاية واستيقظ أناس الملجأ «اللائقون»، فاغتسلوا وساروا إلى أعمالهم بينما عاد عمال الليل إلى منازلهم.

بدا الأمر وكأنه تبديل للحراس، وربما كان كذلك بطريقة ما. تثاءب فريتز نفسه، ومع شروق الشمس وعدم الحاجة الملحة لرؤيته الليلية، أبلغ حارساً حديث الاستيقاظ متيقظ الطلعة بنواياه في النوم.

أمر بتعب: "أيقظني قبل اجتماع المجلس، أو إن حدث أي طارئ لا تستطيع العصابات التعامل معه".

أومأ الصبي، أو الفتاة، وأغلق فريتز عينيه ليظفر ببعض النوم.

استيقظ، لا على هز أو صراخ، بل من جوع بسيط. تأوه ونهض على قدميه. كان الوقت قبيل الظهر، وكانت الاستعدادات والصخب الذي يسبق الغداء على قدم وساق في الساحة بالأسفل.

تجاهل فريتز احتجاجات معدته وشق طريقه إلى المقر ومنه إلى غرفة الاجتماعات. اكتشف أن المجلس كان هناك بالفعل، ومعهم ميل، التي لا تزال مقيدة المعصمين وتجلس على كرسي. كانوا يناقشون ما يجب فعله بها، دون دعوته أو انتظار حضوره.

أعلنت السيدة واشر: "الموت. لا بد من ذلك، فقد كادت تقتلنا جميعاً".

كشر أعضاء المجلس، لكن أحداً لم يعترض.

تربص فريتز عند المدخل وانتظر حتى يتحدث أحدهم.

قال الرجل الأكبر سناً: "لا أعتقد أن علينا فعل أي شيء في غياب فريتز".

قالت السيدة ووشر باعتراض: "وماذا، سنفعل ما يقوله ذلك الرجل وحسب؟"

قال إرنيست: "نعم."

وأيدت الليدي فاير ورئيسة الدار هذا الرأي. هزّ هاري كتفيه.

قالت السيدة ووشر: "حسناً."

ثم أطلقت زفرة ضيق.

"أنتظره الآن أم عند الغسق؟"

اختار فريتز تلك اللحظة ليدخل غرفة المجلس.

قال: "الآن."