غضب "سبير" الفصل 160 — القوس الثالث - الفصل 32

اقرأ غضب "سبير" الفصل 160 — القوس الثالث - الفصل 32 باللغة العربية على مانجا تايم.

تأخر فريتز عن موعده الليليّ مع كريغ، لكنّه لم يكترث للأمر كثيراً. كانت الساعة الحارّة والصادقة التي قضاها مع سيد استراحةً مرحباً بها من الضغط المستمرّ والمعاناة التي تفرضها متطلبات حياته اليوميّة والليليّة.

حزن لرؤيتها ترحل وحزن أكثر لتوديعهما. وكانتا متماثلتين في كراهية الانفصال والمغادرة. ورغم أنّها لم تنطق برغباتها، فقد قرأها في ذرّات المشاعر وتموّجاتها التي تحوّلت في الهواء حولها. الخوف والقلق والندم، لا لنفسها فحسب، بل لمن وضعتهم تحت حمايتها.

وعودا باللقاء مجدداً قبل الفجر، ليتعرّف فريتز إلى القوم المريبين والمنبوذين القاطنين في منطقة سيد. وأخبرته عن مساعيها لتنظيم الأوغاد وغير المرغوب فيهم الذين شكّلوا رعيّتها. لقد كانت معركةً كبرى وشكّ فريتز في قدرته على إنجاز شيء مماثل. رغم أنّه لم يمحص قطّ، ممّا دلّ برأيه على أمر يتعلّق بطموحاته الخاصة.

وبقبلة واحدة قصيرة، خشنة، لكنّها متأخرة، غادرت، متوجهةً لتستعدّ لصعود برج البحر حيث يمكنها أن تزداد قوّةً مثل فريتز نفسه. ورغم شعوره بالغيرة لكونه ليس المرشد الذي يرفعها، فقد تمنّى لها الحظّ السعيد. زعمت أنّها لا تحتاجه، لكنّها ابتسمت وشكرته على أي حال وذكرته بأن يلقاها قبل أن تبدأ الطيور بالغناء وتبدأ الكائنات المشوهة بالغرغرة.

نوى فريتز فعل ذلك، وأقسم بالأبراج أنّه فاعل. ومع بيرت إلى جانبه إن استطاع انتزاع الرجل من فراشه.

وبينما ظلّ عقله وقلبه يشدوان، واجه فريتز محيّا كريغ العابس.

قال القاتل بلهجة خشنة: "على ماذا تبتسم؟ أتستهزئ بي؟"

قال فريتز: "أبداً، وأعتذر عن افتقاري للانضباط في المواعيد".

ارتجف وجه كريغ وتصاعد الغضب من كتفيه، لكنّ ردّه جاء خفيفاً.

"لا ضرر. سنمضي عن الجري فوق السطوح الليلة، فقد أتقنتما ذلك على أي حال. فلندخل في قتال السكاكين مباشرةً إذن".

وافق توبي: "حسناً".

قال فريتز: "ممتاز".

وعندها، شقّا طريقهما نحو المستودع. ومجدداً، تدخّل كريغ بصورة شخصيّة في تدريبهما، ولم يكن لطيفاً البتّة. كانت الجروح التي تلقياها أعمق والطعنات أقرب إلى الأوعية أو الأعضاء الحيويّة. وتراكم الخوف والرهبة والإجهاد القاتل بينما تناوبا على مواجهة السفاح. لقد ضغط عليهما بقوة أكبر مع كلّ نزال، وألحقت سكاكينه ضرراً فظيعاً بملابسهما وجلدهما.

تسلّق الدم فريتز في جدول عديدة صغيرة، ناثراً قطراته على الأرض الحجريّة ليتركها زلقةً. ولم يشتكِ لا هو ولا توبي من المعاملة القاسية، فقد علما أنّ ذلك لن يجديهما نفعاً. كان الرجل يعاقبهما معاً بسبب خطأ فريتز، وهي طريقة كفيلة بزرع الضغينة بينهما. كان كريغ داهيةً، وقد أقرّ له بذلك.

ولقرابة ساعة، عذّبهما القاتل على هذا النحو. ولم يأمر كريغ بالتوقف إلا حين تعثر فريتز، فانزلت قدمه من تحته.

قال وهو يطوي قارورتين من مصل الدم نحو الرجلين اللذين بللهما العرق: "هنا".

تذمر توبي بذهول: "ظننت أننا ننال واحدةً فقط من هذه كجائزة".

سأل كريغ: "أهكذا تُجازى الإحسان؟ بالتشكيك؟"

نظر توبي إلى المصل بريبة، ثم رمق فريتز بنظرة مظلمة. ومع ذلك، أومأ برأسه شاكراً وشرب المادة اللزجة بيدين مرتجفتين.

وحذا فريتز حذوه، إذ بدأ يشعر بالدوار. كانت بغضاضة سابقتها، وإن كانت أشدّ حلاوةً بقليل. وبدأ المصل مفعوله فوراً، فاحترقت عظامه ببرودة، وربما أكثر من جرعته السابقة. وبينما صفا ذهنه، وخز الغضب والانزعاج والإحباط غير اللائق جسده.

ورأى الأمر ذاته يبدو على توبي حين تجعد جبين الرجل وتناثرت ذرّات حمراء داكنة من معدته.

غسل فريتز فمه بزمزميّة الماء التي لا تنفد بينما كان يصارع الغضب المفاجئ. وشرب توبي أيضاً من زمزميّة خاصة به، لكن ليس قبل أن يخفي حبةً في فمه.

قال فريتز وهو يحرك كفه ويقبض على مقبض حافة المنايا: "حديثاً عن الإحسان، أيمكنني طلب المزيد منه منك؟"

سأل كريغ وهو يرمقه بنظرة خبيثة: "ما هذا؟"

قال فريتز: "أريد طلب خدمة".

سأل كريغ: "حقاً؟ ما الذي تبغيه بالضبط؟"

قال فريتز: "هدنة في هذا التدريب. لأسبوع أو اثنين".

قال كريغ ببساطة: "لا يمكن. أوامر قرش الليل".

سأل فريتز: "إذن أيمكننا نقل التدريب إلى الحي الغارق؟"

سأل كريغ: "ولماذا نريد فعل ذلك؟"

ثم توصل إلى استتاج ما.

"آه! صحيح. كيف نسيت؟ عشيقك راحل إلى البرج. أوعت بحماية كل عاهراته ولصوصه أثناء غيابه؟"

هتف توبي: "عشيق؟"

أوضح كريغ: "سيد الابتسامات. تعرفه أليس كذلك؟"

"أعرفه، لكن... سيد و..."

صمت توبي ونظر إلى فريتز الوقور الذي اتخذ وضعيةً متغطرسةً نوعاً ما.

وسأل بشيء من عدم التصديق: "حقاً؟"

وحين لم يناقش فريتز الاتهام، طرف توبي بعينيه، ثم هز كتفيه كأن الوحي مفاجأة، لكن ليست بالكبرى. ضيّق فريتز عينيه إزاء هذا التفاعل الفاتر للغاية.

سأل كريغ وابتسامة طماعة ترتسم على وجهه: "يمكنني فعل ما تطلب، لكن ما الذي أجنيه من ذلك؟"

سأل فريتز: "ماذا تريد؟"

ألقى كريغ نظرةً عليه، واستقرت مقلتاه سريعاً على حافة المنايا.

وقال: "اعطني السكين. لن تمانع وجودها في مجموعتي".

تردد فريتز.

"هذا ثمن باهظ".

هز كريغ كتفيه.

"إنه طلب باهظ. ولن يكون قرش الليل سعيداً جداً".

سأل فريتز ببراءة: "ألن تكون كذلك؟"

قال كريغ: "لن تكون كذلك. لكن هذا ليس شأني، بل شأنك أنت. أنا هنا لأعلمك بعض الحيل فحسب. لسست حارسك. إذن، أتبادلني السكين؟"

قال فريتز: "لا يمكنني الاستغناء عن هذه، لكن لدي خنجر آخر نادر مثلها. وربما أكثر".

ضيق كريغ عينيه، ثم بصق جانباً.

"أحضره غداً. إن كان جيداً كما تقول فقد نتفق".

أومأ فريتز، لم يكن يرغب في التخلي عن أي شيء كسبه، لكن كان عليه حفظ قسمه.

قال كريغ وهو يلوح لهما بالانصراف: "حسناً، انتهيت منكما لهذه الليلة. اذهبا لعلاج تلك الجروح، ثم عودا إلى كتب كسر الحواجز".

كانا كلاهما سعيدين للغاية بالامتثال للأمر وانصلا من المستودع.

كانا يخطوان ببطء وتعب، أثقلتهما الجروح والدماء عن الصعود إلى السطوح. تعقبهما كريغ من بعيد، متخفياً في رداء الظلال. سعال فريتز، مصحوباً بأنين خفيف ومكتوم، حمل تحذيراً خفياً لرفيقه الحالي. تحذيراً ينبئهما بأنهما لسنا وحدهما.

تذمر توبي: "ألزام عليك الظهور متأخراً هكذا؟ نصف هذه الجروح بسببك".

رد فريتز: "بل هي بسبب نقص مهارتك. لو استطعت المراوغة كما ينبغي لما أصبت بكل هذه الجروح. وأنا واثق من أن فتاتك ستصلح حالك جيداً. بعد أن تفرغ مني، أنا العينة الأفضل".

تمتم توبي: "ما زلت ذلك اللعين المتغطرس نفسه كما عهدتك".

أجاب فريتز: "وأنت الوغد البائس نفسه".

ترنح توبي، وانزلق قليلاً على حجر متحرك ركله بغضب في الشارع. لعن، لكن ذلك كان آخر ما لديه ليقوله.

واصلا السير، وكلاهما يحمل مزاجه العكر على محمل الجد. لاحظت العصابات المرتكنة في الأزقة أو أمام صالات القمار هيئتهما وثيابهما الملطخة بالدماء، فابتعدت عنهما مسافة آمنة. رغم أن اسم توبي بليدز وحده هو ما تردد مخيفاً على ألسنتهم، دون حتى أن يُذكر فريتز.

كان ذلك متوقعاً، فقد أمضى أقل وقت ممكن في الحلقة الغارقة منذ أن هرب منها. ودون وجوده ليذكر بقية الأوغاد بملامحه وطبيعته المخيفة، كان مصير تلك الشهرة الضئيلة التي جمعها الزوال لا محالة.

لم يدرِ كيف يشعر حيال ذلك. فسمعته هنا في الأحياء كانت يوماً مسألة حياة أو موت. وبدون دعم عصابته وزعيمه، الرون الطيب، لكان في خبر كان غريقاً وميتاً قبل فترة طويلة من نيله الشرف المزعوم بإلقائه وجبة للبرج الغارق.

رغم أن فكرة إمكانية نسيانه بمثل هذه السهولة، كجرذ مجارٍ ميت آخر لن يُرى مجدداً، كانت محررة أيضاً، وإن حملت مرارة.

تنهد فريتز وأشرق وجه توبي عبوساً.

بصق قائلاً: "ماذا؟"

قال فريتز: "لاشيء، أتاأمل فحسب".

"تأمل؟"

"أفكر".

"في ماذا؟"

"لاشيء مهم."

تمتم توبي بلعنة. لعنة جعلت عابراً خشن المظهر ي شحب ثم يعبر الشارع.

سأل فريتز: "ماذا فعلت لتُهاب إلى هذا الحد؟"

صحّح له توبي: "لأُحترم."

قال فريتز بنبرة متباينة: "حسناً، كاد ذلك الرجل يلوث ثيابه من شدّة الاحترام."

أطلق توبي ضحكة خافتة لكن وجهه استقر سريعاً على عبوسه.

"كنت أقوم ببعض الأعمال هنا وهناك. أمور خاصة بالمنفذين. كان عليّ أن أُظهر لبضعة زعماء صغار كفاية مضايقتي. كنت عنيفاً بعض الشيء مع أحد الأوغاد تحديداً فمات. هذا ما جعلهم يخافون مني."

أومأ فريتز متعاطفاً: "قمت بأعمال أيضاً. رغم أنني كنت أجمع الديون لا أمارس البلطجة. وأظن أن ترهيبي كان لطيفاً نوعاً ما. أفضل الكلمات على الأسلحة."

قال توبي: "لاحظت ذلك. لا تتوقف عن الكلام أبداً."

قال فريتز: "هذا أفضل من غرس سكين في ظهر رجل."

"كان في حنجرتك. لكنك ما زلت ألين من اللازم يا فريتز."

تشاجرا لدقيقتين أخريين. غرز كل منهما إبرته في غرور الآخر حتى بلغ ضيقهما ذروته. لولا وجود بيرت أو جين للتدخل لكادا يتبادلان اللكمات. لم يكونا على وفاق من قبل وبعض الأمور لا تتغير. أو ربما كانت تلك آثار المصل المتبقية. تأكد فريتز الآن من أن حدة الغاضب كانت إحدى الآثار الجانبية. وإذ أدرك ذلك كان أول من التزم الصمت متغاضياً عن إهانة خبيثة مسته ومعه سيد.

سأل توبي: "ما بالك لا تقول شيئاً؟"

قال فريتز: "لا شيء. رغم أنني سأخبره بما قلته حين أراه مجدداً."

قال توبي محاولاً استفزازه مجدداً: "إن لم يمت في برج مير."

بدا أن العلاج الذي تناوله لم يكن بنفس فاعلية العظام المطلية بفضة الأقمار.

قال فريتز بكل ثقة، رغم أن شكاً خفياً كان ينخس جوفه: "إن نجوت أنت فسينجو سيد."

ومضت حيرة ثم قلق على وجه توبي وفرك صدغه. تذكر بوضوح أنه يتحدث إلى منقذه وأدرك مدى عدوانيته.

قال توبي تاركاً الجدال جانباً: "حقاً، أجل."

انحسرت أخيراً ضغوط الحضور المتربص خلفهم. أشار فريتز إلى أنه لم يعد يشعر بتعقب كريغ لهم كما كان يفعل طوال تسع دقائق على الأقل. التفت توبي يميناً ويساراً فلم يرى طيوراً أو آفات تتبعهما بطريقة مشبوهة، فاقترب وهمس.

همس قائلاً: "أعتذر عما سلف. لم أكن في وعيي."

أومأ فريتز وأجاب بهدوء: "إنه المصل."

تجهم توبي ومضيا في مشيهما صامتين. اقتربا من منزل الشفاء الخفي حين بادر بسؤال.

قال توبي وهو يشير إلى الكنوز التي سلبها من فريقه القديم: "أنت لا تعطي إحداهن لأحد، أليس كذلك؟"

قال فريتز: "يا للهلع، لا. معي خنجر آخر."

قال توبي وهو يومئ بمرزابه نحو «حد الموت»: "حسناً، كنت سأحزن حقاً لو فرطت في تلك التحفة. لا أظن أن أحداً في مدينة المطر قادراً على معالجة جرح تسببت فيه."

قال فريتز: "الملك يستطيع على الأرجح."

سخر توبي: "هيه، لست نوياً على طعن الملك على أي حال، أصحبت مجنوناً؟"

قال فريتز بحزم: "بالطبع لا."

سرى شعور بالبرد والقشعريرة في عموده الفقري بمجرد التفكير في الاقتراب من ذلك الرجل. ارتعش.

قال توبي وهو يشق طريقه نحو الباب الثقيل: "كانت مزحة، يا أحمق. لا تبدُ متحمساً هكذا."

طرق الباب من هناك، فسمح له بالعبور عبر الجدار إلى داخل المبنى. عندما رأت جين حالة توبي، هعت واجتهدت في القلق. وبّخت فريتز بقسوة ظانةً أنه المسؤول عن بعض جروحه، لكن رواية صادقة من الرجل الذي كان يتلعثم بمهارة أنقذته.

تلقى هو العلاج أولاً، رغم تذمر فريتز واحتجاجات توبي. لم تكن لتسمح بغير ذلك؛ فحبيبها يأتي قبل الجميع دائماً، وقد عرفوا ذلك جميعاً.

لم يُهمل فريتز، إذ تلقى هو الآخر شفاءً سحرياً لكل جروحه تماماً مثل توبي. كان عليه الانتظار فحسب. لم يتذمر كثيراً، لا سيما بعد أن أخبرته جين أن شفاءها، العادي والسحري، يساوي ذهباً عادةً وأنه يناله بالمجان.

بعد أن تلقى العناية، غادر المكان بحذر، مقرراً استغلال ما تبقى من الليل في دراسة تحطيم الحواجز.

بقي توبي خلفه، مشيراً إلى أنه سينضم إليه بعد ساعة أو ساعتين، "فور أن يزول التوتر ويستطيع التركيز".

سرّ جين كثيراً أنها ستتمكن من قضاء المزيد من الليل معه، رغم أنها بدا أقل حماسة حين شرحا لها الآثار الجانبية للمصل.

نفخت حانقة وقالت إنها ستتحرى أمر «مصل الدم»

هذا، وتتأكد من أنه كما ادعاه كريغ تماماً.

* * *

دخل فريتز «مخبأ كاسري الحواجز»، وأخذ كتاباً من على الرف وبدأ يقرأ.

أمامه ساعات طويلة قبل بزوغ الفجر، وكانت الدراسة وسيلة ممتازة لتقضيتها، نظراً لحاله الرثّة.

حدق مطولاً في الرموز المنقوشة والمتراكبة والمترابطة زوايا غريبة. حذره المسرد الذي كان يقرأه من أن الرموز والدوائر يصعب فك طلاسمها حتى لو تشابهت مع الكتابة العادية.

لكل رمز معنى في اللغة الدارجة، إذ يمثل كلمة أو مفهوماً. ويتضاعف الأمر ثلاث مرات مع هذه الرونيّات السحرية الغامضة التي تشكل لغة الرموز السحرية.

كانت معانيها أكثر دقة، ودلالاتها أعمق، وعندما تنتظم في خطوط أو دوائر قد يتغير جوهرها بأكمله. وبينما كان حفظ الرموز الغزيرة والمعقدة يمثل صداعاً مبرحاً، إلا أن ترتيب تلك الرونيّات والخطوط والدوائر هو ما أوقع في الصعوبة الحقيقية.

عرفت هذه الترتيبات بالقواعد النحوية وكانت العقبة الحقيقية عند تعلم الحواجز. لكل قاعدة قواعدها واستخداماتها الخاصة. الحواجز، على سبيل المثال، تستخدم دوائر منقوشة داخلياً، وخطوطاً متداخلة، وكتابة قصيرة وصارمة، بينما تميل تعاويذ التمكين نحو منحنيات أطول وأنسابية ونقش تعبيري.

لا يعني هذا أن كل القواعد متشابهة، ففي الواقع، لا علاقة لمعظمها ببعضها، حتى ضمن تخصصاتها الخاصة.

كتاب حواجز اللهب، «نقوش إنفيرنيوس لكيل دافون»، كان مختلفاً تماماً عن تلك المرتبطة بالماء والتي كان عليه هو وتوبي دراستها.

ورغم أن بنيان الحاجز كان متشابهاً إلى حد كبير، إلا أن الرموز والرونيّات شهدت تغيرات طفيفة في طريقة كتابتها؛ فالنقاط والخطوط والمنحنيات اتخذت ميلاً لم يكن سوى مقصوداً وجزءاً لا يتجزأ من مظاهرها الغامضة.

قارن بين تصميمين لحواجز من كل كتاب، حيث أعلن كلاهما عن نفسه بوصفه إنذاراً مصمماً ليتفاعل عندما يتجاوز دخيل أو غرض مجال الكشف الإشعاعي الخاص بهما. اكتشف أنهما يتشابهان قدر تشابه قط بكلب صيد. بمعنى آخر، اشتركا في بعض الأمور، لكن مظهرهما وطريقة عملهما الفعليتين اختلفتا لدرجة تجعل كل منهما وحشاً آخر بالكامل.

كانت حقيقة وجود طرق عديدة لإنتاج التأثير نفسه بمجموعة مختلفة تماماً من الرموز أمراً يثير الجنون. لقد ترك لديه الكثير من الأسئلة حول سبب عملها بالطريقة التي تعمل بها، أو عما إذا كان هناك نوع من المنطق الكامن الذي تلتزم به جميعها بطرقها الغريبة. لم يكن مؤلفو الكتب عوناً يُذكر، إذ راودتهم العديد من الأسئلة ذاتها، وأجابوا عليها بنظريات غامضة ومتناقضة غالباً.

محاولة فهم قاعدة واحدة قد تتطلب سنوات من الدراسة. ومع ذلك أراد منه كريغ أن يتعلمها في أقل من شهر. لعن قاطع الطرق اللعين بصوت خفيض، لكنه ضاعف جهوده.

كان الأمر محبطاً إلى أقصى حد. ربما كان فريتز ليهتم بالخوض في الفلسفات المشبوهة والاحتمالات المحتملة في الظروف العادية، لكنه لم يملك الوقت ولا الموارد للقيام بذلك. كان عليه ببساطة أخذ الرموز والترتيبات علّ علاتها دون فهم حقيقي لكيفية ارتباط كل ذلك أو توافقه مع المبادئ الكامنة وراء السحر.

مرت ساعات.

وصل توبي وأومأ بتحية قبل أن يجلس ويبدأ الدراسة إلى جانبه.

كانا يقرآن ويتبادلان الأفكار مستندين إلى معارف كل منهما وما ينكشف له. لولا وجوده وحده لما أدرك فريتز تفاصيل كثيرة عن وضع الرون، ولما فطِن توبي لأهمية ربط الرموز وكيفية ذلك وأسباب اتخاذها تلك المسارات المتعرجة. كان انسياب الرون أمراً بالغ الأهمية، بحيث يتحرك السحر من خلالها كالنهر. أمر يمتلك فريتز عيناً ناقدة نحوه حتى وإن لم يدركه تماماً.

لم يكن يعلم أأكانا موهوبين أم مجرد كفؤين، لكنهما نادراً ما تعثرا، وحين كانا يفعلان، لم يدم ذلك طويلاً.

قال توبي بضجر وهو يغلق كتابه بعنف مبالغ فيه: "أنا لست مصنوعاً لهذا".

تنهد فريتز مغلقاً مجلده هو الآخر ومحكّاً عينيه: "أخشى أن الأمر سيّان بالنسبة لي".

استطرد توبي مستذكراً: "حقاً؟ كنت أنت من يبحث عن الكتب. وأنت من أصر على أن نتعلم القراءة. كنت واثقاً من أن هذا يقع في صميم اهتمامك".

أبدى فريتز رأيه قائلاً: "كتاب هنا وهناك أمر جيد، لكن هذه الدراسة المكثفة سمّ لروحي ذاتها".

قال توبي متفاجئاً: "هح".

قال: "ماذا؟".

هز كتفيه وقال: "فقط ظننت أن هذا الاهتمام المشترك هو رابطتك أنت وسيد، أمم، العاطفية".

قطب فريتز جبينه وقال: "لا، كان شيئاً آخر. الشجاعة، والجسارة، والجمال، والطموح. بصراحة... سيد بطل".

قال توبي: "عما تتحدث؟ إنه سفاح غليظ من القاعدة للقمة. قاتل شرس. يترك الأزقة مليئة بالجثث والدماء في كل مكان. لا يحتاج المرء لعبقري ليعرف أن سيد هو العاصفة القرمزية".

سأل فريتز بنبرة لاذعة: "منذ متى وأنت تأخذ القتل مأخذ الجد ضد أحد؟".

قال توبي: "أنا لا أفعل، لكنه مجنون يا فريتز. أجن منك. لعل هذا هو ما يربط بينكما".

حدق فريتز بغضب فتنهد توبي رافعاً يديه استسلاماً.

قال: "عذراً، جرفني الحديث مجدداً".

قال فريتز: "حسناً".

سأل توبي: "أستحمي منطقة سيطرته كما قال كاتر؟".

قال فريتز: "هذا صحيح، سأفعل وبيرت ما بوسعنا".

سأل توبي: "أتريد مساعدة؟".

سأل فريتز: "أتعرض ذلك؟".

قال توبي: "أفعل. لكنني لا أستطيع التحدث نيابة عن جين".

تحدى فريتز: "لقد قلت للتو إنه قاتل شرس ومجان. لم قد ترغب في مساعدته؟".

قال توبي بوجه غامض: "أنا لا أساعده. أنا أساعدك".

على الرغم من أن فريتز ما زال يرى أن الرجل غير جدير بالثقة تماماً، إلا أنه كان بحاجة إلى كل قوة يستطيع حشدها. وصح أيضاً أن ضغينته كانت تتلاشى، فقضاء كل هذا الوقت مع توبي نحت حواف ذكرياته المريرة. هكذا أومأ فريتز برأسه موافقاً.

اشتَرط قائلاً: "طالما أنك تتبع أامري".

ابتسم توبي بتهكم: "مثلما يحدث في السبر إذن؟ حاضر، يا سيدي القائد".

رفع فريتز ذقنه بغطرسة وقال: "هنا، أنا اللورد هايتيد أيها القروي".

قال توبي بضحكة خفيضة: "مهما قلت يا فريتز".

أعلن فريتز وهو ينهض من مقعده: "لننطلق إذن، عليّ اصطحاب بيرت ولقاء سيد قبل الفجر. اتبعاني".

* * *

حين فتح فريتز باب بيرت، وجد الرجل غارقاً وسط الملاءات وإلى جانبه شخصان آخران لا شخص واحد. أحدهما روزي وقد تدلّت ساقها المكسوة بالحراشف على حافة السرير. والآخر شخص رياضي غريب، يُرجح أنه مقاتل حلبات آخر نظراً لمفاصل يديه المتورمة. لم يكن المنظر مفاجئاً، لكنه أزعج فريتز مع ذلك. إنه لا يحب الغرباء في منزله ويظن أن الآخرين لا يحبون ذلك أيضاً.

نادى فريتز مُوقظاً النائمين: "بيرت".

استيقظ الثلاثة بسرعة، يحدقون حولهم وبدا وكأنهم مستعدون للقتال حُكماً من قبضاتهم المرفوعة بحماس.

سأل بيرت: "فريتز، ما الأمر؟".

تثاءبت روزي وقالت: "أوه، إنه فريتز فحسب".

طرفت عيناها بعمى في الظلام وسألت: "أتريد الانضمام؟".

أجاب فريتز بسلاسة: "لا، شكراً لك. يا بيرت، نحن مطلوبان. ارتدِ ملابسك، سأنتظرك في الخارج".

وافق بيرت: "حسناً، ها أنا ذاهب".

تذمر رفيقاه، لكنه اكتفى بابتسامة وقفز عارياً من السرير. أغلق فريتز الباب، تاركاً إياه بينما ذهب هو ليرتدي بدوره ملابس أقل تمزقاً.

ألقى فريتز بملابسه المقطوعة في سلة تضم قطع قماش أخرى ممزقة ومهترئة مثلها. كان ينوِي خياطتها مجدداً، لكنه لم يجد وقتاً. ذكر نفسه بأنه يجب حقاً أن يزور ذلك الخياط مرة أخرى. ولو فقط للاطمئنان على تقدم عملهم في أزياء حرير السيرن.

بدل فريتز ثيابه إلى آخر ما تبقى لديه من ملابس وأكثرها قبحاً، وشق طريقه إلى الطابق السفلي ثم إلى الخارج، حيث انتظر بيرت.

لم يستغرق الأمر طويلاً. ارتدى بيرت سترته وسروايله ذاتيي الإصلاح وكان جلده مغطى بالكدمات الزرقاء والصفراء.

أطلق صفيراً مفاجئاً: "توبي!".

حين رأى الرجل يتربص في الظلال.

أجاب توبي: "بيرت، من الجيد رؤيتك. تبدو وكأن حصاناً داسك ثم تبعته عربته. أقاتلت الليلة؟".

قال بيرت بفخر: "أجل، فزت بسهولة".

قال توبي: "نعم، سمعت أنك تمثل آفة هناك في الحلبة".

ادّعى بيرت وهو يغمز بعينه: "أنا آفة في أماكن عديدة".

ضحك توبي بينما تنهد فريتز بإعياء.

سأل بيرت مالتفتاً إلى فريتز: "أهو قادم معنا؟".

أجاب: "هذا صحيح، إنه يريد المساعدة".

قال بيرت: "حسناً إذن. ماذا ننتظر؟".

قال فريتز: "لا شيء. لنذهب لنلقى سيد".