غضب "سبير" الفصل 155 — المرحلة 3 - الفصل 27

اقرأ غضب "سبير" الفصل 155 — المرحلة 3 - الفصل 27 باللغة العربية على مانجا تايم.

خلال ثلاثة أيام من التدريب الشاق، بالكاد حظي فريتز بأي وقت لنفسه وبدأ يشعر بالإرهاق ينهكه. هاجمه التعب في كل لحظة يقظة، وأصابه ألم في كل جسده وقاده ذلك الألم إلى اكتشاف عضلات جديدة مهملة لم يكن يعلم بوجودها أصلاً. لحسن الحظ، خففت العلاجات القوية الجديدة التي تلقاها من إيمي وناومي من حدة الإرهاق المستمر والألم الدائم.

مع ذلك، تمكن من إيجاد وقت لقضاء بعض الحوائج والتقاط بعض الهمسات في الهواء، على الرغم من الإرهاق الذي كان يتراكم لديه.

لم يتعلم الكثير عن النبلاء الذين أهانهم، ولكن مما سمع، كانوا يستمتعون بسلالاتهم الجديدة ولم يتخذوا أي خطوات للعثور عليه أو على عائلته، وهو ما كان راحة بالغة. على الرغم من بقاء بعض الخوف لديه، وقلقه بشأن ما قد يحاولون فعله، لم يكن لديه الوقت الكافي لتكريسه لمتابعة كل تصرفاتهم.

كان هناك أيضاً اتفاق مع الخيميائيين يجب توثيقه رسمياً. كان على فريتز حضور القاعة الملكية للكتبة والانتظار حتى يقوم موظف هناك بختم المستند وتسجيل محتوياته. ثم كان عليه دفع فضية كاملة مقابل العملية برمتها. استغرقت البوقراطية العديمة الفائدة ساعة واحدة بالمجمل، لكنها كانت ساعة كان يمكن أن يقضيها في أي شيء آخر وخلقت عداءً مستداماً ضد نظام القوانين والإجراءات بأكمله الذي خانه به الملك.

عندما مغادرته مكتب الكاتب، تذكر نفسَه أن الأمر لم يكن سيئاً للغاية. لقد سرّع لقبه العملية برمتها بشكل كبير، مستغرقاً ساعة فقط بينما قد ينتظر الآخرون أسابيع أو شهوراً حتى يتم النظر في مستنداتهم. مع ذلك، في عقله، بدا المسعى برمته وكأنه إبدار.

استطاع رؤية إحباط مشابه لدى أولئك الذين ما زالوا ينتظرون مواعيدهم. جلسوا على مقاعد أو كراسي أو تركوا واقفين ببساطة. ابتسم معظمهم بأدب وانحنوا أثناء مروره، لكنه يستطيع معرفة من عيونهم الداكنة وهالاتهم الغاضبة أن امتيازه النبيل كان شيئاً يحسدونه ويستاؤون منه.

من هناك شق طريقه إلى الباب، مبتعداً لشابة تعرف عليها سريعاً.

قال فريتز: "جيس".

سألت جيس مندهشة، واتسعت عيناها الجميلتان الداكنتان: "فرانسيس؟"

كانت ترتدي فستاناً مناسباً بلورات الأزرق، ووضعت قبعة بيضاء فوق شعرها الكستنائي، الذي كان مصففاً في كعكة أنيقة.

سألت: "ماذا تفعل هنا؟"

كذب فريتز: "أنا هنا لأتمنى لك التوفيق في امتحانك بالطبع".

شهقت بصوت عالٍ أكثر من اللازم: "أنت حقاً؟"

ضحك فريتز فضاقت عيناها.

أدركت جيس أنها تثير بعض النظرات فتكلمت بصوت أخفض.

"حقا، لماذا أنت هنا؟"

قال وهو يلوح باتفاقه الملفوف حالياً قبل أن يدفسه تحت معطفه: "أخشى أنها مصادرة".

"مع ذلك ما زلت أتمنى أن تحسني التصرف في تقييمك، متى موعده؟"

تماماً عندما كانت على وشك الإجابة نادى كاتب من الداخل: جيسيكا ريدوبت، مما جعلها تفزع.

قالت جيس: "إنه الآن. يجب أن أذهب".

أومأ فريتز برأسه ومنحها انحناءة ردت عليها بانحناءة سريعة. ثم استدارت ومشت بخطى سريعة، متوجهة إلى الكاتب، قبل أن تقاد إلى غرفة أخرى.

غادر فريتز القاعة وكان على وشك التوجه إلى موعده التالي عندما تردد. لم يكن يعلم لماذا، لكن حدساً أتاه بأنه يجب أن يبقى لفترة أطول قليلاً. ربما كان وعيه، فقد كان يميل إلى التنبيه بوضوح أكبر وبتردد أكبر الآن بعد أن أبقاه في مؤخرة عقله أثناء مشيه. أو ربما كان قلقاً حقيقياً على جيس.

في كلا الحالين قرر الانصياع للإحساس، ملفوفاً بعباءة الغسق وجالساً على مقعد مسقوف بجانب الشارع. انتظر تسع دقائق ثم تسع دقائق أخرى بينما كان يراقيب باب القاعة الملكية للكتبة، مراقباً الناس الأنيقين وهم يدخلون ويخرجون.

في النهاية، خرجت جيس من المبنى بخطى سريعة، ويداه متشابكتان بإحكام، ورأسها منخفض وتتحرك بسرعة.

لم يحتاج فريتز إلى وعيه ليخبره أن الامتحان لم يسر بشكل جيد بالنسبة لها، والضباب الداكن من العار واليأس الذي يحيط بها أكد شكه فقط. مشت مباشرة بجانب المكان الذي جلس فيه، شاقة طريقها نحو ما علم أنه حديقة ملكية صغيرة. تبعها عن بعد، مفكراً فيما يجب أن يقوله لها.

قريباً كانا يمشيان تحت مظلة أشجار طويلة ذات أغصان منحنية طويلة. كانت الفروع محملة بأوراق عريضة مفلطحة ذات لون أخضر داكن التقطت قطرات المطر، موفرة بعض الحماية. مشت جيس بسرعة على مسار الحجارة المرصوفة، متخذة انعطافاً وماشية تحت سقف جناح أحمر مستطيل صادف أن كان فارغاً. وجدت مقعداً وجلست عليه قبل أن تحدق بلا هدف في البركة أمامها والبط يسبح على سطحها المموج.

اقترب فريتز بحذر، ثم جلس بجانبها دون كلام. لم تمنحه نظرة واحدة. في البداية افترض أنها ترتب أفكارها، لكنه أدرك سريعاً أنها لم تلاحظه حقاً على الإطلاق. لم يكن ذلك مجرد تشتت جيس، ففي قلقه على المرأة نسي فريتز عباءة الغسق خاصته. خلعها بهزة كتف.

في حالة جيس الحالية، استغرق الأمر بضع لحظات لتلاحظ وجوده بجانبها. عندما فعلت، نظرت إليه وارتجفت، قافزة منتصبة في مقعدها.

صرخت: "فرانسيس!"

وتحدقت إليه بعينين واسعتين دامعتين. ثم بدأت تبكي علانية.

"لا تفعل ذلك!"

قال فريتز بابتسامة لطيفة: "معذرة".

استدارت جيس بعيداً، ممسحة الدموع عن وجهها المسحوق بخفة بكمها.

"ماذا تريد؟"

قال فريتز: "لا شيء".

استمرت في تفادي النظر إليه ولم تتبعان الحديث. تملّيا في البطّ يلهو ويصيح عابثاً بحياته البسيطة.

بعد نحو ستّ دقائق من السكون الممطر، بادر فريتز بسؤال: "أظنّ اختبارك سار سيّئاً؟"

أجابت مكرهة: "ظنّك في محله".

صمت فريتز. إن أرادت جيس إخباره بما جرى فستفعل متى شاءت.

قالت: "الأمر ليس عادلاً البتّة. بالكاد منحوني فرصة. ما إن قلت إنني بلا مستويات أو صفات حتى ازدراءوني. احتقروني. كأنني جرذ مجار أمّيّ. بلا إهانة يا فرانسيس بالطبع. لكن الممتحن كان بارداً. بل قاسياً".

أومأ فريتز، منصتاً بينما واصلت المرأة بثّ ما في خاطرها. بدا أن اختبار الكاتب الرسميّ يضمّ عدّة تجارب. الأولى اختبار قراءة بسيط، تلتها أسئلة جافّة بفظاعة حول قوانين مدينة المطر وأيُّ طرائق لفرز المستندات وترتيبها تُعدّ الأنسب في مواقف معيّنة.

لقد اجتازت تلك الاختبارات السابقة كلّها، وبسهولة إن صُدِّق كلامها. وهو يُصَدَّق حقّاً، فلم تكن يوماً ممن يألفن الكسْب بالزور، وحمل صوتُها نبرات من يرى نفسه مظلوماً. كانت التجربة الأخيرة حين عرضوا عليها قائمة طويلة من الأرقام ومنحوها دقيقة واحدة فقط لحفظها. ثم طُلِب منها استرجاعها، لا بالتسلسل، بل بالسطر، ثم بالعكس، ثم عشوائيّاً، ثم مجمّعة أو مضروبة ببعضها.

ندبت حظّها قائلة: "تشوّشت عليّ الأمور بسرعة. عجزت عن ضبطها جميعاً في رأسي. أنا غبيّة، غبيّة غبيّة".

أمرها فريتز: "لا، كفّي عن هذا. الاختبار موجّه جليّاً لمن يملكون الذاكرة والتركيز، أو نوعاً من مهارات الحساب".

قالت مكتئبة والدموع لا تزال تنحدر على وجنتيها: "أعلم ذلك. ظننت فحسب أن بمقدوري اجتيازه بلا... كلّ ذلك. إنه لظلم سافر. وأخذوا رسم الاختبار، وهم يعلمون استحالة نجاحي في اختباراتهم. وقريباً سأكبر على البقاء في الملجأ، مساعدةً كنت أم لا. كان الرسم يكاد يبلغ مجمل مدّخري من الفضّات. ماذا أفعل؟ أأُجبر على العمل أجيرةً عامّة؟ أم يتعيّن عليّ الزواج؟ وإن رفضت ذلك، ألا أُترك بلا مأوى؟ أأُطرد إلى الشوارع؟ وأُرغم على العيش في المقاطعات؟"

بدت الأسئلة التي أرهقت جيس عبثية في نظر فريتز، فقطّب جبينه وهي تتدفّق بهمومها. كانت شابّة متعلّمة ذات خصال جمّة، ومحاسن وجهها أهون تلك الخصال. وكل ما لزمها لتجاوز الاختبار مستوىً وحيد، وربما مسار.

عرض بسخاء: "يمكنك دائماً تسلّق برج البحر، سأدفع الجزية وأرشدك بنفسي".

حدّقت فيه، وتصارع الرعب والكراهية في مقلتيها.

"تسلّق البرج! تلك إجابتك عن كلّ شيء! لا! لن أفعل! لقد مات والداي هناك! كيف تجرؤ!"

فاجأه هذا العنف فبقِي مبهوتاً حين سوّت فستانها ونهضت مغادرة.

ناداها وهي تستدير وتبتعد بخطى حثيثة: "انتظري".

ناداها مجدداً، وقد اتشح صوته برنين غناء الغسق: "انتظري!".

استدارت نحوه فجأة، شاخصةً دامعة، يفيض منها الخيار والعناد الأبكم.

اختنقت قائلة: "ماذا؟"

قال فريتز: "أنا آسف. لم أرد إغضابك. ولا إيذاءك هكذا. ظننته ببساطة الحلّ الأيسر لمشاكلك".

قالت: "حسناً، ليس مساراً سأسلكه. إن لم يبقَ شيء آخر فعليّ العودة للبيت. مهما فشلت فهناك عمل ينتظر".

قال فريتز وهو يتقدمها مادّاً لها قطعة من حرير الحوريات كان لا يزال يتخذها منديل: "سأمشيك إلى البيت اعتذاراً".

قالت وهي تتناولها وتتأمل فجأة نعومة القماش الملساء: "حسناً".

قال فريتز: "هيا، امسحي وجهك، الدموع لا تليق بك".

بدت وكأنها ستلوي عينيها إزاء كلماته السكريّة عمداً، لكنها سرعان ما طفقت تجفّف البلل.

حين جفّ وجهها، رافقها فريتز عائدة إلى الملجأ. كان الهمّ المحمول على كتفيها يتعاظم مع كلّ خطوة تخطوها، ومثله الاضطراب الواضح في سكونها. لم يلبثا أن بلغا البوابة فوقفا بارتباك. لم يتبادلا كلمة طوال الطريق.

سألت جيس: "أترغب في الدخول لرؤية إيلي وثيا؟"

قال فريتز بحزن: "لا وقت لديّ، لديّ موعد آخر".

ومع أن كلامه كان صحيحاً، إلا أن الضغينة العالقة بينه وبين شقيقه كانت حاضرة، ولم يشأ تعريض أخته لرؤية شقاقهما العائليّ.

أجابت: "مؤسف. طاب يومك إذن".

قال فريتز وبين أصابعه مثلّث ذهبيّ: "قبل أن تذهبي، خذي هذا".

سألت بشكّ: "لمَ هذا؟"

قال فريتز: "لمحاولة أخرى في الاختبار".

تنهدت.

"لن يكون مجدياً كثيراً. لا يمكنك المحاولة سوى مرة كل ثلاثة أشهر، وأعلم أنني سأفشل بلا مزيد من الإعداد. وحتى لو حدث، فلن أقبل صدقتك. سأعمل لأجل أجري، شكراً لك".

قال فريتز وهو يعلم أنه كان سيغتنم فرصة ذهب مجانيّة لو كانت مكانه: "أه، فهمت".

سعى باحثاً عن سبيل لإعانتهن وخلص سريعاً إلى نتيجة قد تفيدهما معاً.

فتحت البوابة الصغيرة قائلة: "إن لم يكن هناك شيء آخر، فسأستأذن".

وضع فريتز المثلّث في جيبه مبتسماً بتملّق: "أمر أخير. أَتذكرين حين كنتِ تساعدينني في القراءة والكتابة؟"

تحفظت قائلة: "أذكر. مع أنك لم تحج قطّ لمثل ذلك العون".

أطراه فريتز: "هراء، أنت معلّمة بارعة فحسب".

قالت وهي تضيق عينيها: "ماذا تريد؟"

"حسناً، أستاذٌ أنا بحاجة إليه، فلدي رفاقٌ يحتاجون إلى التعلّم."

* * *

مضى فريتز بخطى واسعة، مسروراً بأن جيس قد وافقت على مضض لتولي المهمة التي عرضها. سيكون من الجميل وجودها حوله مجدداً، حتى وإن لم يكن ليحقق الاستفادة القصوى من مهارتها. قالت إنها ستأتي ثلاث مرات في الأسبوع، وهي وفيرة للغاية بالنظر إلى برامج تدريبهم. وهو يعرف طبيعتها الدقيقة والمنضبطة والتي ستكون مفيدة عندما يتعلق الأمر بتدريب فريقه.

شاقاً طريقه عبر الحشود، تقدم فريتز نحو الشراع الكامل، وهو حانة يرتادها المتسلقون الأجانب، لا سيما معظمهم من السيفيين نظراً لأن موقع سيف الأمامي يبعد مسافة ثلاث دقائق سيراً على الأقدام. كان عليه أن يلتقي متسلقاً هناك ويتفاوض على تصاميم الجهاز الذي سيسمح له بقراءة جوهرته الحمراء بشكل صحيح. وحينها سيكتشف أي نوع من التقنيات كان يختبئ حقاً في جوانبه المتعددة، رغم أنه كانت لديه شكوكه بالفعل.

المتسلق الذي كان مقرراً أن يجده، بحسب تفسير آدم، لن يتخلى عن المخططات دون مقابلة المشتري وجهاً لوجه. وفي حين بدا هذا غير معتاد بعض الشيء إلا أنه لم يكن أمراً لم يُسمع به من قبل، فالكثيرون يفضلون معرفة جودة من يتعاملون معهم، وبعضهم لديه قواعد صارمة بعدم بيع الأسرار لمن لا يستحقونها أو لمن يرجح نشرها.

اعتبر فريتز نفسه جدديراً بالثقة حين يجد الجد، لذا لم يكن يخاف كثيراً من أن يُطرد لهذا السبب. ويمكنه دائماً التملق أو الخداع ليكسب رضا الرجل إن لم يُلاحظ خلقه الطيب.

أُخبر أن المتسلق يدعى تيرفين أولبرايت، وأنه رجل طاعن في السن وسيرتد لساناً رمادياً. لسوء الحظ، كان هناك عدد غير قليل من الناس في الحانة يطابقون هذا الوصف، لذا اضطر فريتز إلى طلب النادل ليدله عليه. فشل ذلك أيضاً فاستسلم لحتّمية سؤال كل واحد منهم.

اقترب فريتز من أول أولئك الرجال، والذي كان جالساً بمفرده إلى طاولة حجرية صغيرة. ولم يفاجأ إلا قليلاً عندما أكد الرجل المرتدي للثوب أنه خمن الصواب. فقد قاده الوعي مباشرة إلى غايته دون الحاجة إلى نبض.

دعا الرجل المسن والحليق بابتسامة صادقة: "تعال، اجلس يا بني".

أغلق المجلد السميك الذي كان يقرأه، وحدق إليه بحرص وصفاء، بعينين لون الجمشت.

لعيني فريتز بدا الرجل كلوحة مرسومة لحكيم حكيم أو ساحر بُعث حياً، باستثناء اللحية المرسلة، فقد كانت عيناه وابتسامته تتسمان باللطف والذكاء بدرجة متساوية.

جلس فريتز بناءً على طلب الرجل.

سأل تيرفين: "للتوضيح فقط، أنت اللورد فرانسيس هايتايد أليست كذلك؟"

قال فريتز: "أنا هو".

وسأل بجدية: "ولأي شيء جئت؟"

قال فريتز مردداً عبارة الشفرة التي أخبره بها آدم: "الأسرار والبراعة المتعددة".

ثانية كان هذا ممارسة غير مألوفة بعض الشيء، لكن المتسلقين يميلون إلى الغرابة والسرية. حتى فيما بينهم.

قال تيرفين: "جيد، جيد"، ثم أخرج مجموعة من العدسات الكريستالية المتلألئة المثبتة في إطارات من البلاتين الخالص.

مسحها بكم ثوبه ثم وضعها على قسر أنفه القوي.

تفحصه من أعلى إلى أسفله، ليصبح وجهه صارماً. حدق تيرفين مطولاً في مقدّس فريتز لبرهة قبل أن يبتسم بما يبدو وكأنه ارتياح. أشرقت ومضات من الفرح باهتة فوق رأسه قبل أن تختفي في لمح البصر وكأنها سحبت في بالوعة. قطب فريتز جبينه، فقد كان الأمر خافتاً، لكنه راودته الشكوك بأن الرجل الطاعن في السن قد أخمد تلك الأضواء بسرعة.

سأل تيرفين بلطف: "ما الخطب أيها اللورد هايتايد؟"

أجاب فريتز وهو يملس ملامحه: "لا شيء على الإطلاق".

سأل تيرفين وهو يبدأ في التربيت على جيوبه، ثم الحفر في ثنايا ثوبه: "والآن أعتقد أنك كنت تريد بعض التصاميم؟"

قال فريتز: "هذا صحيح، يا سيد أولبرايت".

أجاب الرجل بشرود: "نادني أستاذ. نحن لا نتمسك بالألقاب النبيلة في المكان الذي أتيت منه".

قال فريتز: "بالتأكيد، أستاذ. ومن أين تنحدر تحديداً؟"

أجاب الرجل: "مدينة غنوسايس العظيمة. أنا متأكد من أنك سمعت بها، حتى في مدينة المطر".

كان فريتز قد سمع بها، فهي المدينة التي تحيط بالبرج القوسي والتي قيل إنها محاذاة للمعرفة ولأنقى السحر. لقد كانت، كما علم من دراسته، البرجين الوحيدين المعروفين الثانيين. ومستوياتها المئة والعشرون كانت ندّاً لبرج الإمبراطورية للنظام والنور، وهي تنتج أعظم السحرة. بدا أن السحرة الأقوياء والمهندسين البارعين يتوافرون بغزارة داخل أسوار المدينة المنقوشة بالتعاويذ.

تلك القوة العظيمة هي التي جعلت الإمبراطورية على الأرجح لا تبتلع غنوسايس والبرج، على الرغم من أن المدينة كانت محاطة بالكامل في حدودها. ظاهرياً كانت مملكة محايدة أو ثلاثية، أو أيا ما سموا مجتمعهم المحكوم بالمجلس الغريب. لكن في حقيقة الأمر كانت جزيرة منعزلة داخل بحر من الطموحات الإمبراطورية، أو هكذا زعمت الشائعات.

هتف تيرفين: "آه، ها نحن ذا!"، مخرجاً لفافة رقيقة، ثم رمى بها بخفة على الطاولة.

فزع فريتز من أفكاره، لكنه مد يده بسرعة نحو اللفافة، قبل أن يتردد.

سأل غير راغب في لمس الورقة قبل إبرام الصفقة: "وكم سيكلفني هذا؟"

"مم؟ تكلفة؟"

سأل فريتز: "ذهب، كنوز، أسرار، خدمات؟"

قال تيرفين وهو يلوح بيده كأنه يحاول كنس مخاوفه بعيداً: "لا شيء من هذا القبيل، يا بني، أعني، يا لورد".

ابتسم فريتز ببلادة، وبدا عدم تصديقه جلياً، واستمر الرجل في الكلام.

"أحب مساعدة الرجال المتعطشين للمعرفة، والتصاميم نفسها شائعة في المكان الذي أتيت منه".

بدت كلمات تيرفين سلسة، بل ومفعمة باللطف، لكن فريتز شعر بأن كذبة تختبئ في ثناياها وأن أمراً أعظم يحاك في الخفاء. غزاه ارتيابه وفكر في التخلي عن الأمر برمته. غير أن طمعه ورغبته العارمة في القوة همسا في أذنه وسرعان ما غلبا عليه. مد يده نحو اللفافة.

قال فريتز للمرة الأخيرة: "أمتأكد أنت؟ معي ذهب".

ألح تيرفين: "هراء، خذها".

فعل فريتز، وما إن لمست أصابعه الورق حتى رن طنين خافت في الهواء من حولهما.

لان طرفا ابتسامة تيرفين وتنهد. ثم نهض الرجل، والتقط عصاه المعوجة التي كانت تستند إلى الجدار.

قال وهو يضع على رأسه قبعة رمادية مدببة طرزت عليها نجوم وأهلة فضية: "إن أذنت لي بالانصراف. لقد انتهت مهمتي، لذا سأرحل. سعدت بلقائك وأرجو أن تنجح كل مساعيك".

رد فريتز وهو يقف ويمد يده ليصافحه: "وأنا بالمثل".

كانت يد تيرفين دافئة كطباعه، لكن لمستهما كانت خاطفة وخطا الرجل مبتعداً وهو يصفر لحناً بدا مألوفاً.

وقفت فريتز مكانه، لا يزال مذهولاً من رحيله المفاجئ. كان يعتقد أنه سينغمس في ساعة من المساومة، وكاد يصحب لورين لولا إصرار آدم على لقاء الوسيط بمفرده. ها هو ذا، بعد دقائق معدودات من اللقاء، ينال ما جاء من أجله ومجاناً.

اجتاحته موجة من القلق فألقى نظرة فاحصة على الحانة. لمح ما لعله كان مصدر هذا الشعور. امرأة طويلة ومبنية الجسد ورجل أقرع أطول قامة وأسمر البشرة كانا يشقان طريقهما نحوه. تعرف إليهما فوراً، فرغم تخليهما عن درعيهما إلا أنهما احتفظا بأسلحتهما، السيفين والفأس الصغيرة المعلقة حول خصريهما.

وقعت عينا سيرتين وتيريما عليه فنادياه.

نادت المرأة وصوتها يعلو فوق ضوضاء المكان: "فريتز!"

تلحف فريتز بالظلال وفر برشاقة ونبل. انسل بين حشد الحانة كأنما هو ثعبان، وخرج سريعاً إلى الباب والشارع، داساً التصاميم التي حصل للتو عليها في جيب داخلي لمعطفه.

حين التفت ورائه، رأى الاثنين يخرجان من باب الشراع الكامل. تلفت يميناً ويساراً باحثين، لكن عينيهما تجازورتاه تماماً بينما كان يوسع المسافة بينه وبينهما. شتما وتذمرا، ثم عادا بخفي حنين إلى الحانة.

بتنهيدة تليها ابتسامة، شق فريتز طريقه إلى منزله.

* * *

كان جورج منكباً على بلاطاته عند مائدة الطعام حين وجده فريتز. خطر له باهتمام خافت أن على الرجل ايجاد هواية أخرى لا تتعلق بالسيوف وحدها. سرعان ما طرح الفكرة جانباً واجداً إياها تحيزاً بلا أساس. ففريتز نفسه لا يملك تلك الهوايات، وكل ما يفعله إنما هو من أجل المزيد من القوة، أو البقاء.

حيّاه فريتز: "جورج، يا رجل النعم".

سأل جورج: "نعم يا فريتز؟"

قال فريتز: "لقد عثرت على تصاميم وكنت أتطلع إلى بعض المشورة بشأن محتواها".

"تصاميم؟"

"لجهاز يساعدني على قراءة الجوهرة التي عثرنا عليها في الأرشيف الغارق".

أومأ جورج برأسه ومد يداً قوية خشنة. مناه فريتز اللفافة.

فضّ جورج طلسسمها وتأمل الرسوم التوضيحية، فارتسم عبوس خفيف على وجهه وهو يقرأ كلمات بدت مألوفة ظاهرياً.

سأل فريتز: "أتظن بإمكانك صنعها؟ أم أُكلف حداداً آخر بالأمر؟"

قال جورج: "الأمر غريب بعض الشيء ويتطلب معادن غير معتادة، لكن بإمكانني صنعها".

سأل فريتز: "أترغب في ذلك؟"

قال جورج: "سيكون من الأفضل لك أن تدع شخصاً آخر يفعلها. فنحن منشغلون للغاية هذه الأيام".

قال فريتز: "أفضل أن يظل هذا سرياً قدر الإمكان".

تنفّس جورج بعمق ثم زفر.

قال وهو يومئ: "سأفعلها إذن".

ابتسم فريتز اتساعاً وضرب الرجل على كتفه.

قال فريتز: "شكراً لك، أنت جدير بالثقة حقاً".

انتفخ صدر جورج زهواً.

"سأنجزها في غضون أسبوعين".

"هذا ممتاز، لا عجل في الأمر. نحن منشغلون للغاية"

* * *

كان فريتز ينتظر ويراقب. جلس بين أغصان شجرة عالية تشرف على عقار البارون كولدوايند. كان الوقت ليلاً، والمطر خفيفاً، وكان على موعد قريب مع كريغ وتوبي. وفي مسافة قريبة ارتفعت قمة برج البحر فوقهما وكانت القطرات المتساقطة تتألق بضوت خافت. لسبب ما، بدا الجو مشؤوماً الليلة.

كان عقار كولدوايند شبيهاً بالكثير من مثيلاته هنا في الحلقة العليا. سور عال يحيط بقصر من ثلاثة طوابق، مع حديقة مرتبة في الخلف. كان هادئاً للغاية بالنسبة لمسكن نبيل، فقلة من الناس تأتي أو تذهب وحتى حراس الدار كانوا صارمين وصامتين في أغلب الأحيان. لقد رأى نحو أربعة من هؤلاء الحماة لكنه لم يشك لحظة في وجود اثنين آخرين لم يرصدهما بعد. هكذا تسير الأمور.

لم تطرأ أي تغييرات منذ آخر مرة كان فيها هنا، وظلت خطته للتسلل على حالها إلى حد كبير. تسلق السور، الانفلات إلى الحديقة، صعود جدران القصر إلى شرفة، ثم فتح الباب الزجاجي والدخول عبره. كان الأمر بسيطاً بما يكفي، وكل ما يحتاجه الآن هو القدرة على خداع التعاويذ. مما يعني المزيد من الدراسة والممارسة. مما يعني المزيد من الوقت.

لحسن الحظّ، منح كريغ فريتز بعض الحرية، أسبوعاً آخر للتعلّم بعد أن تمكن من تحصيل بعض الديون. بعد المهمة الشاقة في البحث عن معلّمه، كان العثور على أولئك المدينين أمراً يسيراً، وكذلك إقناعهم بسداد ما عليهم. تبيّن أن أغنية الغسق التي يملكها أضفت على مطالبه هالةً رقيقة، ومنحت تهديداته المبطّنة نغمةً شريرة. لقد بثّت الخوف والتملّق في نفوس التجار والخدم والبلطجية على حد سواء.

ساعد أيضاً أن خنجره حمل حدّاً قاتماً عجز قليلون عن نسيانه بعد أن كشف عنه برقة.

بينما كان على وشك المغادرة من مرقبه العالي، سمع فريتز، أو بالأحرى استشعار، طئيناً قوياً في الهواء. انشدّت عيناه نحو برج البحر. شيء ما نبض عبر الهواء. دويّ هائل هزّ الشجاعة التي وقف عليها، وجعل مصباح مانا يرمش، وأسكت المطر لنبضة قلب.

صخب رهيب كسر الصمت المفاجئ. كانت أغنية صاخبة، ورنيناً صارخاً، ودقّاً هائجاً هزّ فريتز حتى أصول عظامه. كاد يفقد توازنه ويكاد يقع. تدارك نفسه برشاقة خارقة وانزلق على جذع الشجرة الخشن.

ملأ الخوف رأسه وقلبه، وأجبره رعب عميق على ارتجاف أطرافه. كان يعرف ما هذا الصوت، رغم أنه لم يسمعه قطّ بهذه القرب.

لعن حظّه وهو يستدير ليواجه انكسار البرج.