غضب "سبير" الفصل 151 — المرحلة 3 - الفصل 23

اقرأ غضب "سبير" الفصل 151 — المرحلة 3 - الفصل 23 باللغة العربية على مانجا تايم.

تجول فريتز في الأسواق وعيناه على غاية محددة، تاركاً فريقه يقتني العتاد الذي دونه أدم لهم. أدرك سريعاً أنه لا حاجة لمساعدته وقرر استغلال وقته على نحو أفضل، واقترف ذلك بمعظم الأحيان عبر استدراج أصحاب الأكشاك و رواد السوق إلى أطراف الحديث. غايته كانت بسيطة، معرفة المزيد عما يدور في الحلقة العليا وما يعلوها من أماكن. لقد كلفه الأمر بعض الوقت والمال، لقاء شراء تحفة منسية هنا أو هناك، ليحصل على إجابات لأسئلته التي اتسعت أحياناً أكثر من اللزوم.

لكنه ما لبث أن اكتشف جانباً من المناورات السياسية الدائرة في المدينة.

معظم ما سمعه لم يكن بالغ الأهمية، إذ تركزت الأحاديث على مواضع الأسعار الجيدة للسلع أو الشكاوى المتكاثرة من شح بعض الأقمشة والأخشاب والأغذية. قيل إن الحصاد الوارد من القمم كان ضئيلاً هذا الشهر، فحتى مع جموع فرق التسلق الجديدة القادمة من القرع الأخير، عجزوا عن مجاراة الطلب على الأخشاب والمحاصيل المشبعة بالمانا.

إصابات المتسلقين وموتهم غدوا أكثر شيوعاً أيضاً، رغم تعليق أحدهم ببرود شديد: "ذلك أمر متوقع مع القرع وما شابه".

كان صحيحاً أن تدفق الفرق الجديدة المقروعة سيجلب معه المزيد من المتسلقين الهلكى، فقلة الخبرة تستدعي الإصابة وعدم الاستعداد يسبق الخطر.

برزت أيضاً مسألة توسيع أراضي الكنيسة في الحلقة العليا وإدراج وتشييد معبد في حلقة القصر.

هذا المعبد الفخم الجديد خُصص للمرسوم الإمبراطوري، التفسير الذي تعتمده الإامبراطورية رسمياً للحقيقة. بدا أن أعمال البناء كانت تنازلاً قدمه المَلِك لاسترضاء الإمبراطورية الزاحفة باستمرار. قيل إن تنازلاً آخر من هذا القبيل يلوح في الأفق، وضجت مجالس الثرثرة بفكرة المصاهرة الملكية. ربما يتخذ المَلِك زوجة ثالثة، تكون هذه المرة أميرة إمبراطورية، أو ربما يُجبر أحد أبنائه على الزواج نيابة عنه لتأمين روابط مشيجة بالدم.

ترددت أقاويل أيضاً عن انقسام النبلاء إلى أحزاب، وأنهم يلتمسون رضى المَلِك لمزيد من الامتيازات والحمايات. رغم أن تلك كانت حالهم دوماً، يسعون بلا انقطاع لتعزيز قوتهم ومكانتهم، ويتصارعون في البلاط ظفرًا بأي مكسب.

مع أن تلك الشايعات حول بحار السياسة العليا كانت مثيرة للاهتمام، إلا أنها لم تكن ما يبتغيه فريتز. تلك الأمواج لم تكن مما يملك التأثير فيه، ولا حملت وزناً يذكر على ظروفه الراهنة. كلا، بل كان ما يبحث عنه محلياً إلى أبعد حد، تافهاً حتى. احتاج إلى فضائح وأسرار، أو إلى طريقة يستغل بها ما يملكه من امتيازات ليحمي نفسه وفريقه وعائلته من ذينك النبيلين الذين أثار فريتز ولورين غضبهما.

تقصى فريتز الأمر بعمق أكبر، وتحدث إلى شتى الأضرب في سعيه عما يصلح ترسًا يتقي به. أمضى معظم الظهيرة متملقاً ومتقرباً لرواد الصالونات الباذخة ونوادي السادة الحصرية وبعض الحانات الراقية نسبياً. حقق فريتز نجاحاً فاق توقعاته. فقد أتاح له خاتمه المميز دخول الكثير من تلك المقرات، واكتشف أن عودة اسم هايتايد لم تمر مرور الكرام على الإطلاق.

على الرغم من كونها تموجات ضئيلة في المخطط الأكبر للأمور، بدا أن النبلاء يلتفتون حتى لتلك الأحداث الغريبة ضمن دوائرهم الضيقة. لم يضطر فريتز لبذل جهد كبير كي يحملهم على الحديث إليه رغم مكانته الوضيعة، إذ تبين لهم أنه يمثل لغزاً ما، لغزاً مثيراً يستدعي بضع كلمات على الأقل لإشباع فضولهم.

بدا ظاهرياً أن النبلاء والأثرياء لا شغل لهم سوى الأكل والشرب والضحك واضاعة الوقت في الألعاب أو الكلام. وكل ذلك يتراوح مع التكهن بالفضائح المحتملة ومجريات أمور أقرانهم.

رغم إهاناتهم المبطنة وتجاهلهم الساخر وتعاليهم المستمر، ظل فريتز مهذباً، مستحضراً كل ما أوتي من سحر بينما أخفى اشمئزازه الغريزي وإحباطاته المتخمرة. لعل اشمئزاز أدم المعلن هو ما زاد من وعيه بخمولهم وتفاهتهم، أو ربما أيامه في الأكواخ وكفاحه من أجل البقاء هي ما فعلت، لكنه وجد نفسه يزداد مقتاً لهم مع كل ساعة تمر.

بينما طرح وأجاب عن أسئلة بريئة، معظمها يتعلق بالنوايا أو بمدى ثراء عائلته، دس في الحقائق استفسارات ألصق بوضعه. عرف شيئاً عن لويد وايتشيب، ابن الدوق، فاستجلى بعض شغفه وغرائبه وميوله المثيرة للاهتمام. أما الآخر، تشارلز، الذي وجد فريتز أنه ابن الكونتيسة فاين، فلم يظفر بشيء من تلك المعلومات المفيدة. كانت سمعته عنواناً للتردي والملل الذي لا يطاق.

كان ذلك متوقعاً بما أن والدته الكونتيسة نفسها تعد إحدى مديرات الخزانة ومحاسباتها. امرأة عبقرية بحق عندما يتعلق الأمر بالأرقام والدفاتر، لكنها مبعث للملل متى تعلق الأمر بالحفلات والملذات. أو هكذا عقب النبلاء الآخرون من وراء ظهرها.

قال أحد نبلاء الميرفوك الأكبر سناً: "في الواقع، تفاجأت أن الفتى حظي بسلالة الميرفوك. ستفخر به أمه، إن لم يفعل أحد غيره".

لمعت حراشفه الرمادية بخفوت وهو يحرك الخمر في كأسه البلوري الطويل. بدت على محياه ملامح تقطب خفيف ومستمر بالاشمئزاز، وإن لربما كان ذلك ببساطة لأن فريتز دُعي إلى هذا التجمع من قبل شخص آخر في الحفلة.

رأتْه السيدة نونسيا وأعجبها أمرها فاصطحبته معها حين زعَم أنه متسلق فضّيّ حديث العهد يدير برج البحر بلا مرشد. وبدت قصة الغطاء تلك مثيرة لفضول كثير من النبلاء، إذ لم تكن تفاخراً يُقال خفيفاً، ولم تكن بغرابة تسلق ذهبي يسهل رفضه بوصفه حماقة ملفقة.

جلسا على مقاعد محشوة بكثافة حول طاولة خشبية منخفضة في صالون يُدعى اللمعان الفضّيّ. وترددت أصوات خفيضة مهذبة في الغرفة الواسعة، ولم يقطع السكون سوى قهقهة عالية أحياناً أو خشخشة زجاج فاخر. وكان فريتز إلى جانب السيدة. واقتربت المرأة من عامها الخمسين وبدت أشبه بسمكة صياد. وكشف ثوبها الداكن عن صدر مغطى بالحراشف أكثر مما يليق حقاً، وتلألأ ضوء شاحب أصفر في عينيها الجاحظتين قليلاً.

قال فريتز وهو يسير على حبل ناظم بين التملق والتذلل متجاهلاً نظرة السيدة الحادة التي هاجمته: "أنتَ واسع الاطلاع أيها السيّد. لقد غادروا البرج مع الأمير للتو، أو هكذا بلغتني الأخبار".

وأضاف: "هل نال ابن الدوق هذه الهدية أيضاً؟"

رد الرجل: "نعم. وستُقام احتفالية في أراضيه، ليس الليلة بل التي تليها. ليتني أستطيع الاحتفال معهم، ويا للأسف فلم تتحمل سلالتي تسلق أكثر من ثلاثة طوابق ولم تُرزَق بالسلالة التي حازت عليها عائلتنا لقرون".

وانزلق بصره نحو ابنته بخيبة أمل. وكانت جالسة على الجانب الآخر من فريتز، وشعر كأنه وحش محاط بالخصوم، مطارد، يدرك الكمين، لكنه ينتظر ضربة أعدائه.

احتجت قائلة كأنها تعد التعليق مزحة: "أه، يا أبتي. أنت تعلم أن بإمكاني التسلق في وقت آخر. هل كنتَ حقاً تنتظر مني تسلقاً ذهبياً بهذا النذر اليسير الذي سمحت لي بأخذه؟ ألم تملك على الأقل ضعف كنوزي؟ هذا ما قيل على لسان جدتي".

وبدا أنها أصابت موضع ألم، إذ هز السيّد رأسه رافضاً وأطلق زفرة ضيق ونهض متوجهاً إلى طاولة أخرى، تاركاً فريتز وحدَه بين الأم وابنتها. ورغم سروره بالتخلص من حضور الرجل المتعجرف، شعر بمزيد من الاختناق حين قربت المرالتان مقعديهما منه.

علقت السيدة: "يا له من شديد الحساسية. مع ذلك يا بنيتي، لا يجدر بك استفزازه هكذا. وثمة أمر آخر، فهو محق في أن فرص زواجك ستتراجع إن أخفقتِ في نيل سلالتك".

ردت الابنة بتهكم معبرة عن أسفها: "أه، لا، سأضطر للزواج من سيّد فحسب".

ثم أردفت بابتسامة بارعة: "أو بشري".

قالت السيدة: "إن واصلتِ الإخفاق، فقد يكون الأمر كذلك".

ثم فكرت لحظة قبل أن تلتفت إلى فريتز: "قل لي، أليس بيتُكَ في صعود؟ أيها السيّد هايتايد".

أجاب فريتز وقد استاء من اتجاه الحديث: "أظن ذلك".

"ما رأيك بابنتي؟ إيفون. أيعجبك مظهرها؟"

ألقى فريتز نظرة على الفتاة الصغرى فرمشته بدورها بأهدابها الطويلة. وشابه وجهها وقوامها وجه أمها وقوامها، وإن غلبت عليهما ملامح بشرية واضحة. ورغم أن أنفها أخذ شكلاً أقرب لأبيها، متبيناً قوياً. كانت جميلة إلى حد ما، لكن شيئاً من بريق الشره في عينيها الزرقاوين الداكنتين أفسد أي جاذبية امتلكتها.

سألت السيدة وقد لاحظت عبوسه الطفيف: "إن لم يكن كذلك، فيمكنك مجرد التفكير بالجاه الذي يجلبه اتحاد بيتينا. ألا يحتاج سيّد شاب طموح مثلك إلى سند من بيت عريق أقدم أثراً؟"

أقر فريتز قائلاً: "يمكن أن يحدث ذلك"، وهو يعلم أن دعم بيت نونسيا ليس أمراً يُستهان به.

وقد أدرك أنهم، رغم عدم حملهم ألقاب بارونات أو كونتات أو دوقات، يحتلون مرتبة عالية بين أقرانهم بفضل ثروتهم ومواقفهم السياسية المحنكة. واشتهروا أيضاً بطموحهم، لا في تسلق مراتب النبل، بل في تكديس الأراضي والأعمال. وقيل إن لهم مصالح في عُشر المتاجر في أسواق ثوروفر على الأقل، وتردد شائعات بأن النسبة تبلغ سُدسها.

قالت السيدة بلطف شديد: "وأي طريقة أفضل لختام مثل هذا الاتفاق من الزواج بابنتي؟"

بلطف زائد عن الحد.

صرخت إيفون وقد غطاها الخجل وهي تعبث بياقة ثوبها الفضي المزركشة: "أمي!"

صرح فريتز بلطف: "أخشى أنني لا أستطيع الحديث في أمر الزواج، إذ لا يزال البيت بلا سيد يخول مثل هذا الانضمام. مهما كان نافعاً".

سألت السيدة نونسيا: "ألا يزال طلبك معلقاً بموافقة الملك؟"

أجاب فريتز: "لم يُرسَل بعد، وما زلت أحتاج موافقة ثلاثة شهود نبلاء".

عرضت السيدة: "أهكذا؟ ربما أستطيع المساعدة في هذه المشكلة البسيطة".

قال فريتز بتذلل: "لا أجرؤ على طلب صنيع كذا".

قالت وهي تبتهج بتلاعبها اللفظي: "هراء، كل ما عليك فعله هو النظر في مقترحي، أو بالأحرى مقترح ابنتي".

عادت الابنة للاحتجاج قائلة: "أمي!"

رغم أنها لم تبدُ نافرة جداً من الاحتمال وبدت كأنها تمثل دوراً حفظاً للمظاهر. فقربت مقعدها وأسندت يدها الناعمة على فخذه، ضاغطة بخفة.

وقالت السيدة ملمحة إلى تحول ابنتها المحتمل إلى حورية بحر: "وإن تغير الوضع، يمكنك دائماً تقديم المساعدة بطريقة أخرى، أقل شأناً".

وانتظرت السيدة رداً بينما وازن فريتز خياراته متجاهلاً تشويش الابنة. فلم تكن السيدة نونسيا تطالب بوعد حقيقي، وكان يعلم أن كل أحاديث الزواج ستُلغى إن نجحت إيفون في نيل سلالة شعب البحر. ومع ذلك ظل يشعر وكأنه يتنازل عن جزء من حريته ومستقبلس. وشيء آخر شبيه بالكبرياء.

أنّب نفسه في سرّه. لقد صار يكاد يكون عبداً لقرش الليل. ما هذه الخدمة البسيطة، وهي مجرد مخاطرة أقرب إلى الرهان، مقارنة بالقيود التي وضعتها 'هي' عليه؟ حسم فريتز أمره وعدّ هذا حظّاً سعيداً. لم تكن لديه فكرة تُذكر عن النبلاء الذين ينبغي التقرب إليهم لمثل هذه الخدمات في المقام الأول، ولا عن الموعد الذي سيتمكن فيه من إبرام صفقات كهذه. وكانت التكلفة مجرد رأي، ويمكنه فعل هذا القدر، حتى وإن بدا مفاجئاً.

راودته أيضاً ظنّ بأنّ المساعدة 'الأقل أهمية' ستكون هي المطلوبة وأنّ تلك هي غاية السيدة الحقيقية. فالخدمة الصغيرة من قوة صاعدة محتملة بلا ثمن حقيقي تُعدّ استثماراً سياسياً جيداً.

أومأ فريتز موافقاً. وما هي إلا لحظات حتى حمل المستند الذي يعلنه سيّد بيت هايتايد توقيعه الأول وختماً برتقالياً ساطعاً على سطحه. كان نصراً صغيراً غير متوقع، رغم أن الصفقة تركت طعماً مُرّاً في فمه.

ما إن وضع الورقة في أنبوانها حتى اقترب نبيل آخر من الطاولة، ويُرجّح أنه كونت بالنظر إلى تملّق السيدة. لقد سرق انتباهها باعتراضه ممتناً، وقادها بعيداً عن الطاولة باتجاه غرفة خاصة تختبئ خلف ستائر وردية. وتناثرت شرارات حمراء تدور بين الاثنين، فحرص فريتز على تذكّر وجه الرجل.

قالت ابنة السيدة وهي تحثّه وتخرجه من أفكاره: "تناول كاساً أخرى من النبيذ، يا سيّد هايتايد".

بدت غير آبهة البتة رغم التسرع والطابع التجاري لاتفاقهما.

انزلقت أقرب، ضاحكة بمرح خفيف، حتى التقت كتفاهما. ابتسم فريتز وتناول كاساً أخرى. مالت إيفون نحوه وهي تفعل وهمست في إذنه بكلمات عن بدء مبكر لـ 'ترتيبهما' بينما انزلت يدها صعوداً على فخذه. رفض بسلاسة وأعاد يدها إلى حجرها، محولاً الحديث إلى أحاديث جانبية ونميمة.

وعلى الرغم من أنها عبست، لم تبدُ إيفون مهتمة كثيراً؛ بل الواقع أنها عشقت الحديث بسوء عن الآخرين في طبقة النبلاء. وبمجرد أن فتح الباب أمام الموضوع، استرسلت بلا توقف في سرد إخفاقاتهم وعيوبهم. حاول أن يحصر الحديث في نطاق ينفعه، لكنه لم يلبث أن شعر بدوار يلف رأسه من كثرة الأسماء والمذلات التي وصفتها المرأة.

مع ذلك، وُجدت المهمة التي كلفه بها كريغ كاتر، فتحمل نبراتها المصطنعة بالاستنكار وسألها عما تعرفه عن البارون كولدويند. ستكون أي معرفة بالرجل الذي سيُغير على بيته مكسباً. ربما توجد طريقة أكثر حذراً لإتمام المهمة دون الحاجة إلى التسلل إلى العقار ليلاً؟ لم تكن معلوماتها سوى فائدة طفيفة، لكنه شعَر بأنه اكتشف سبب إرساله لتوصيل الرسالة.

كان البارون كولدويند متحالفاً مع فصيل يقوده الدوق وايتشيب الذي كان يحاول تقديم التماس إلى الملك لمزيد من الاستقلالية والامتيازات لحرس العواصف، الذين يملك النبلاء سلطة عليهم. كما رغبوا في السماح لهم بتجنيد المزيد من حرس العواصف، متحررين من القيود التي فرضها الملك على أعدادهم. يبدو أنهم شعروا بأن الرذاذيين لم يكونوا فعالين بما يكفي في المقاطعات، وأن الجريمة مستشرية وتحتاج إلى اجتثاث.

وكانت الحال المزرية للحلقة المغمورة تؤثر في الإيجارات والفرص التجارية المستحقة للنبلاء.

إن التوغل في المقاطعات بجيش من الرذاذيين لا يناسب أهداف قرش الليل بتاتاً.

قالت إيفون مقتربة: "أتعرف شيئاً آخر؟"

وتابعت: "يقولون إن الدوق يؤمن بقرش الليل".

سأل فريتز منذهلاً: "أحقاً؟"

ردت بضحكة خفيفة وهي تضع يداً مرصعة بالخواتم على صدره: "نعم. يا له من أحمق. رغم أنه لابد قائل ذلك بعد تعرضه للسرقة. إنه لإحراج كبير. يقسم أنه عمل عقل مدبر مظلم سرق مجوهراته ومجوهرات زوجته بأكملها، ويلقي باللوم على قرش الليل الخرافي هذا. إنه لأمر سخيف حقاً. إنه يحاول فقط حفظ ما وجهه لكونه دوقاً فاشلاً لا يستطيع حماية عقاره، أو، كما سمعت مؤخراً، سفنه الخاصة".

وافق فريتز وهو يتجرع الرشفة الأخيرة من كاس النبيذ الأبيض: "سخيف حقاً".

كان حلواً أكثر من اللازم بالنسبة لذوقه. وشرع في النهوض.

"للأسف، يجب أن أنصرف. لدي واجبات لأهتم بها".

زالت الابتسامة عن وجه إيفون فنهضت معه وأمسكت بيده.

"كان هذا ممتعاً، أساكني مجدداً قريباً؟"

تردد فريتز فهبط وجهها أكثر؛ بدا أنها تستمتع بصحبته حقاً. أو ربما أعجبها فحسب شخص يُنصت إليها.

عزاها قائلاً: "سأحاول تدبير بعض الوقت لزيارتك. لا يمكنني وعد بشيء. يعصرني معلمي بالعمل في الوقت الحالي، لكن ينبغي أن تريني بحلول الأسبوع القادم على أقصى تقدير".

هتفت متفاجئة: "أوه! رائع".

وأفلتت يده.

"لقد كان لقاؤك متعة حقيقية".

انحنى فريتز.

كذب قائلاً: "المثل بالمثل".

استدار وغادر وقد اكتفى تماماً من النميمة والشائعات والنبيذ شديد الحلاوة. شق طريقه عائداً إلى قلب الأسواق باحثاً عن طاقمه.

مرّت ساعات منذ أن فارقهم، لكن بمقدار من تطبيق وعيه استطاع فريتز إيجاد فريقه وهم يؤدون اللمسات الأخيرة من المشتريات التي يحتاجونها.

وجدوا ما لزمهم؛ أثقالاً، ومعدات تدريب، وملابساً تناسب التدريبات القاسية التي تنتظرهم. والمثير للدهشة أن كال ولورين أحرزا بعض التقدم أيضاً في العثور على مورد مستقر للحوح الوحوش، رغم أن ذلك لم يتأتى إلا بفضل ذكر لقب فريتز الموقر.

تذمر كال وهو يحمل حزمة ثقيلة بل حزمتين: "أين كنت؟"

أجاب فريتز بتباهٍ نافخاً صدره: "أجمع المعلومات في منشآت حصرية".

تمتم بير بقسوة: "تشرب وتخالط النبلاء، أرجح هذا".

أعلن فريتز: "يمكن للمرء فعل الأمرين معاً. وهذا المرء يحاول الاستمتاع بذلك رغم ازدراء العامة من أمثلك".

سألت لورين بحدة: "هل أحضرنا كل ما نحتاجه؟"

قال كال: "نعم. باستثناء العلاجات والأسلحة والدروع. لكننا سنجدها أفضل في الحلبة الغارقة".

قالت وهي تمضي عائدة إلى الدار: "إذن لِـنَـعُد".

تبعهما الفريق.

* * *

حين أفرغت الحقائب واستقرّ كل شيء في مكانه، اقترب كال من فريتز بينما كان الأخير يضع حافظة اللفائف الحرشفية الخاصة بالغارة داخل حقيبة جلدية. بدا كال مرتبكاً، وأدرك فريتز السبب.

سأل: "أتريد حضور المفاوضات أيضاً؟"

"أيضاً؟ ومن غيرنا ذاهب؟"

أجاب فريتز: "سنكون أنا ولورين وحدنا في الوقت الحالي. أما البقية فسيذهبون لطلب بعض الدروع".

"أه، حسناً. ولماذا تذهب هي؟"

قال فريتز ناقلاً: "لتفقد الجودة الحالية للمقويات والعلاجات التي تخلطها الشقيقتان. وللتأكد من أنها تستحق 'الاستثمار' فيها. وألا تكون مجرد 'عطارة زقاق تبيع زيت الأنقليس لكل علّة، وتستغل الجهلة واليائسين'".

رد كال مدافعاً: "لستم محتالين، والمقوي الذي أعطوني إياه أتى بنتيجة".

قال فريتز: "أعلم ذلك، لكن لورين أصرت. علاوة على أنني أثق بحسها التجاري أكثر بكثير من حسي".

أومأ كال برأسه وقال: "هي حقاً تفهم في المال".

قالت لورين من أعلى درج غرفة الخزنة: "هذا صحيح. ولا أود إفناء ثروتنا التي جنينها بعرق جباهنا على حفنة من الدجالين".

عترض كال: "لهم ليسوا دجالين".

سخرت لورين: "وكيف لك أن تعلم؟ أنت تنخدع بسهولة بابتسامة جميلة وتنورة مرتفعة قليلاً عن الحد".

تمتم كال بصوت خافت: "لقد خدعتِني وجعلتِني أظن أنك طيبة القلب".

قالت لورين: "بالضبط. وأنا لم أبدِ أي جهد حتى".

تأوه كال بألم، فلم يقصد أن تسمعه، والتفت إلى فريتز طلباً للمساعدة.

ابتسم فريتز لكيهما.

قال: "دعونا نترك البضائع تتحدث عن نفسها. هل نتحرك؟"

* * *

كان المطر غزيراً في الحي البائس، وغرقت الشوارع بمياه بلغت الكاحلين. برز فريتز وسط حشد العامة المتزاحمين. ورغم أنه استبدل بملابسه الأنيقة ثياباً كتانية، إلا أن نظافته وألوانه الواضحة وشَتْ بكونه غريباً عن المكان. لم ينادوه باللورد، ولم يعترضوا طريقه، لكنه جذب نحوه نظرات مظلمة كثيرة، حمل بعضها حسداً وبعضها مرارة.

تجاهل النظرات والهمهمات، وأمسك بيد ناشل صغير مر جابذاً أثناء عدوه. كانا سريعين، لكن ليس بالقدر الكافي لسرقة خبير في هذا الفن مثله. ترك الصباغ يرحل محذراً إياه من سرقة من قد يكون متسلقاً، ولدى ملاحظته نحول ذراعي الطفل الناتج عن سوء التغذية، دس قطعة فضية في جيبه دون أن يشعر.

ثم أطلق سراحه. ركض الصبي دون كلمة شكر واحدة، مقترباً بتهور شديد من مجارير الصرف المفيضة.

راقب فريتز ظهره المبتعد لبرهة وتنهد. لقد كان هو نفسه ذلك الطفل الجائع ذات يوم، وبدا له الأمر وكأنه لم يمر منذ زمن بعيد.

علقت لورين: "متساهل بشكل مرعب".

سأل فريتز: "أترين أن كان علي ضربه؟"

قالت مبررة: "ربما. ليعلمه ذلك قوانين العالم. وليمنعه من ارتكاب المزيد من الجرائم والتحول إلى وباء يفتك بالمدينة".

أومأ كال موافقاً: "أحياناً لا يترسخ الدرس في رأسك حتى تتأذى. وأنا أعلم ما أقول".

قطب فريتز جبينه في سريرته، متسائلاً عن سبب شعوره بهذا الاشمئزاز من كلامهما.

رجح أن السبب يعود إلى التأملات المتفائلة لـ 'الملاحظات' التي ضربت جذورها في محرابه. فبين أوصافها للتدريبات والاستراتيجيات، حاولت خوض غمار الفلسفة، فلسفة تصف مقاومة فرد أو جماعة للقوى العظمى. تقول إن التغيير يصنعه العمل ومناهضة النتائج الظالمة، وإنه مهما كان حال العالم اليوم، فمن الممكن تغييره، وهناك غدٍ أفضل بانتظارنا. إن حاولنا بنائه.

سرت تموجة خفيفة عبر محرابه، أشبه باكتساب تقنية جديدة، لكنها أقل حدة. زال الاهتزاز الناعم فور إقراره بذلك التجاوب.

سأل كال: "ما بك؟"

أدرك فريتز أنه متوقف مكانه، فقال: "انتظروا لحظة، علي تفقد محرابي".

سألت لورين: "هنا؟"

تابع كال: "الآن؟"

تجهم فريتز؛ كانا على حق، فهما في الشارع ويمكن للأمر الانتظار. لقد تلاشى الشعور العابر بالفعل، ولم يعتقد أنه كان أمراً مؤثراً بحجم رفع مستوى إتقان تقنية ما.

قال فريتز وهو يستأنف مسيره: "لا بأس، يمكنني فعل ذلك لاحقاً".

سرعان ما شقوا طريقهم في عمق الحي وصولاً إلى السوق الصغير حيث تعرض ناومي وشقيقتها أيمي بضائعهما.

كانت الصغرى بين الشقيقتين تحرس البسطة حالياً، وابتسمت حين وقع نظرها على فريتز. كانت ابتسامتها خجولة وشابهها حذر تضاعف ثلاث مرات حين ظهرت لورين في مجال رؤيتها.

ابتسم فريتز، واقترب من الطاولة، وحنى رأسه بتحية خفيفة: "ناومي، يسرني لقاؤك".

ردت ناومي وهي تتبادل النظرات بينه وبين لورين بشيء من التوتر: "وأنا أيضاً، فريتز".

وقفا أمام الجرار المصفوفة والممتلئة بالمساحيق والأعشاب والمعاجين. لاحظت لورين النظرة الحدية الموجهة إليها فرفعت حاجبها.

سألت: "هل أسأت إليك؟"

أجابت ناومي: "آه، لا".

سألت لورين: "أنت مألوفة الشكل. أين التقينا؟"

سألت نعومي: "ألا تذكرين؟"

احمرّت وجنتا لورين قليلاً.

وقالت: "ألست تلك النادل..."

قالت نعومي: "ماذا؟"

قالت لورين وهي تتنفّس الصعداء: "انتظري. لا، لا يمكنك أن تكوني هي. كانت صفراء الشعر."

ذكّرتها نعومي: "مع ذلك، لقد غازلتني."

سألت لورين وهي تفحص المرأة بشك: "أحقّاً فعلت؟"

لم تكن الهالات السوداء تحت عينيها وملابسها الرثّة في صالح نعومي، لكن ومضة تعرّف لمعت أخيراً في نظرات لورين.

قالت لورين: "أه، صحيح. حسنًا، أعتذر عن جرأتي السابقة. لم تكن لائقة."

قالت نعومي وهي تهز كتفيها: "حسناً. لا ضرر. أشكّ في أنك جئت للزيارة فحسب، فماذا تريدين؟"

صرّح فريتز: "جئنا لنعرض عليك أنت وأختك أمراً، لكن لا يمكننا الحديث عنه هنا."

سألت نعومي بحذر: "ما هو؟"

التفت فريتز حوله بطريقة مبالغ فيها وبثّ إدراكه. شعر بعيني طائر واحد على الأقل على ظهره، لذا خفض صوتهم إلى همسة واقترب بحذر.

"لدينا بعض الوصفات التي قد تهمّك."

ارتجفت قليلاً.

سألت نعومي بهدوء: "حقا؟ أي نوع؟ خيمياء؟"

قال فريتز وهو يستقيم: "يمكننا مناقشة ذلك في مكان أكثر هدوءاً، بعيداً عن الشوارع حيث يمكن لأي شخص سماعنا."

قالت نعومي: "أوه، بالتأكيد"، وبدأت تجمع العلاجات المبعثرة على البسطة وتضعها في حقيبة أسفل الطاولة.

قالت لورين: "أحتاج أولاً إلى التحقق من الجودة. أيمكنك أن ترينا ما تبيعين عادة؟"

عبست نعومي، فرمشت نحو فريتز الذي أومأ برأسه.

وبزفير خفيف، بدأت تعرض البضائع وتشرح استخداماتها وهي توضبها. سرعان ما اقتنعت لورين بأن نعومي وأختها كفؤتان.

لاحظت لورين: "مرهم الشفاء هذا ناعم بشكل خاص. بدرجة غير معتادة."

دافرت نعومي: "أم، نجل. نحن جيدات في تلك، فضلاً عن المستحضرات الأخرى التي تقلل الاحتكاك."

أومأت لورين باستحسان.

قالت لورين: "حسناً، لقد اقتنعت بأن هذه ليست علاجات زائفة ولستن محتالات. تقدّمي."

قالت نعومي من دون حماس للإطراء: "شكراً."

استدارت وسمحت لهما باتباعها إلى المبنى خلف البسطة.

كان مكاناً صغيراً، يضمّ سلّماً يؤدي إلى طابق علويّ يرجّح أنه غرفة نومهم، وفتحة تؤدي إلى قبو رطب يمكن لفريتز أن يسمع منه غليان مرجل، ويشمّ روائح نفاذة لما ظنّ أنه خيمياء وموادها الكيميائية اللازمة.

قالت نعومي: "لحظة واحدة"، قبل أن تنزل من الفتحة.

قالت لورين: "من الغريب أن هذا المكان يضمّ قبوًا لا يغمره الماء."

هزّ فريتز كتفيه.

"أحياناً تجد غرفاً ذات جدران محكمة الإغلاق أو تعاويذ قديمة لطرد الماء."

علت بعض الهمسات من الأسفل وسرعان ما انضمت إليهما الأختان. خلعت آيمي مئزرها الجلدي الثقيل ثم قفازات من الصنف نفسه، وعلقتهما على خطاف في الجدار قبل أن تستدير نحوهما مبتسمة.

ابتسمت بحرارة وقالت: "فريتز، كال، من الرائع رؤيتكما. بأي فضل أستحق هذه الزيارة؟"

قال فريتز بابتسامة خبيثة: "أخشى أنها عمل وليست متعة تلك التي جئنا لنناقشها."

سألت لورين بعدم تصديق وهي تتأحّل تنورة المرأة الملطخة: "انتظري، هل تصنعين كل هذا هنا؟"

سألت آيمي وهي ترمش بلطف: "ماذا؟"

"أتصنعين كل تلك العلاجات الممزوجة جيداً في هذا... الحطام؟"

قالت آيمي: "نعم. أين كنا لنصنعها غير هنا؟"

قالت لورين بجدية: "في مختبر."

ضحكت آيمي بهدوء بينما لفت نعومي عينيها بملل.

قالت آيمي: "ليس لدينا أي شيء من هذا القبيل هنا، نحن نتدبر أمرنا فحسب."

أمالت لورين رأسها، مقيِّمة الخيميائيّة، ثم ابتسمت.

قالت: "يعجبني شعرك. ماذا تستخدمين ليلمع هكذا؟"

قالت آيمي وهي تبتسم بخبث: "وصفة سرية."

نظر كال بحيرة إلى التغيير المفاجئ في الموضوع، فسعل فريتز، ثم قال: "بالحديث عن الوصفات السرية، لدينا عرض لك."

سألت آيمي بعينين متوقعتين: "أه؟"

بثّ فريتز إدراكه مرة أخرى، ولم تكن هذه المرة تهمة التجسس حاضرة، فتجرأ على فتح محفظته وتسليم أنبوب لفافات الغارة إلى المرأة.

فتحته بفرقعة خفيفة وسحبت إحدى اللفافات من داخله. تجوّل طرف عينها من الأعلى إلى الأسفل وعقدت حاجبيها قليلاً. كلما قرأت أكثر، مظلم تعبيرها.

قالت وصوتها يخرج قاسياً: "هذا سمّ. أنا لا أصنع السموم."

قال فريتز بسرعة: "لا أطلب منك ذلك، هناك أكثر من مجرد السموم في الداخل. يوجد كل أنواع العلاجات والمنشطات. تحققي فقط من اللفافة التالية."

فعلت. للأسف، تبين أن تلك أيضاً سمّ. ابتسم فريتز بضعف وأشار لها بأن تحاول مرة أخرى. اللفافة الثالثة هي التي احتوت على وصفة الحبوب البنية الصغيرة التي تزيد وتستعيد القدرة على التحمل لفترة قصيرة، ثم تستنزفك بشدة بعد أن تنتهي الآثار القوية والمبهجة.

قالت آيمي: "هذه بالكاد أفضل. منشط قوي، لكنه في الأساس سم."

مرة أخرى سحبت لفافة أخرى. هذه المرة على الأقل، أثارت اهتمامها الشديد وموافقتها التامة، وأضاء وجهها بدهشة.

قالت بخشوع تقريباً: "وصفة جرعة تحمّل. مذهلة."

سألت نعومي بلهفة: "حقاً؟"

أومأت آيمي، ولكن كلما قرأت أكثر سقط وجهها.

سألت نعومي: "ما الخطب؟"

قالت: "طرق التحضير والتكرير غريبة عني. لا أستطيع حتى الشروع في صنع ما في هذه الصفحة".

أوضحت لورين: "الطرق موجودة على اللفائف الأخرى. إنها مجهولة بالنسبة لي، لكني أؤمن حقاً أن هذه المجموعة من اللفائف تمثل تقنية إذا أخذناها كوحدة متكاملة".

رفعت إيمي رأسها لتحدق فيهما بحدة.

"تقنية؟ أأنت جادّة؟"

قال فريتز: "جادّ كل الجد".

سألت إيمي بصوت باهت: "ألديكما أيّ فكرة عن قيمة هذا؟"

قالت لورين: "كثيرة".

سألت إيمي: "إذن لماذا تأتيان بها إلينا؟ لا نستطيع تحمل تكلفتها، انظرا فقط إلى حيث نعيش ونعمل".

قال فريتز: "ظننا أن بإمكاننا عقد صفقة".

قالت إيمي بلاذعة: "صفقة مجحفة كهذه ستجعلنا عبيداً، أظن ذلك. عادة كنت سأبصق في وجهيكما لارتكاب مثل هذا الأمر. لكني أعرفكما بما يكفي لأعرف أنكما لم تعنيا الأمر هكذا، أليس كذلك؟"

قال فريتز بعبوس: "أنا لا أصنع عبيداً".

وافق كال: "صحيح. لم نُعنِ الأمر هكذا أبداً".

لان وجه إيمي.

"ماذا تريدان إذن؟"

قالت لورين: "نريد مصدراً موثوقاً للسلع الكيميائية بسعر مخفض. مع ما رأيته، ستكونين موردَة موثوقة. بالطبع، ستكون هناك بعض الشروط".

"أيّ نوع من الشروط؟"