حين نوديت لورين، وقفت باتزان ووقار. مناولت كتابها للخادمة وأمرتها بإعادته إلى جوار سريرها. أطيعت بلا تردّد. ابتسمت لظهر كاس المبتعد. خطر لها في تلك اللحظة أن السيد هايتايد، برغم كل غرائبه، يمتلك حقاً موهبة ما في إيجاد الصالحين من البشر.
استطاعت التسليم حتى بأن كال وروزي وجورج قد أثبتوا أنهم أكثر من مجرد نافعين. يمكن اعتبارهم أصدقاءها، وكل منهم يمتلك خصاله الخاصة. كان جورج محبوباً، حتى وإن كان هادئاً. كان كال حريصاً على الإرضاء، وإن بدا كجرو مزعج. حتى أسلوب روزي الفظ وافتقارها للذكاء لم يعودا يزعجانها بالقدر السابق.
بهذه الأفكار الغامضة دخلت الصالة وجلست أمام الرجل الفظ الذي قدر له أن يكون معلماً لهم. كانت الغرفة تفوح برائحة خفيفة من المشروبات القوية، مما ذكرها بزجاجة الروم شبه الفارغة التي لا تزال بحوزتها، في ركن مظلم تحت سريرها حيث دحرجت. اضطربت معدتها عند تذكر تلك الليلة التي حصلت عليها فيها بوضوح مشوش ودوار.
حدق السير نيدل فيها بتركيز، كما يفعل معظم الرجال. فعلت بعض النساء أيضاً، لكنها لم تمانع ذلك بالقدر ذاته البتة. سوت قماش رداء تدريبها، قبل أن تبتسم بأدب وتيمم رأسها قليلاً، مستحثة المعلم على البدء بالكلام.
قال السير نيدل من خلال تلك اللحية الشعثاء القصيرة البشعة التي بالكاد يمكن تسميتها لحية: "لورين، أأنت هي؟"
أجابت لورين: "صحيح، رغم أن الآنسة نيرشور تبدو أليق".
ازداد عبوس الرجل عمقاً.
قال: "حسناً يا آيست نيرشور، سأدخل في صلب الموضوع إن كان هذا يرضيك".
قالت لورين بلطف: "هذا ما أرجوه".
قال: "أنت ساحرة نار".
"بداهة. أثمة خطب في ذلك؟"
أسهب السير نيدل بالقول: "لا خطب في القدرات، بل في المكان الذي نجد أنفسنا فيه فحسب. وإن كان نفس القول يصح في مناسبات عديدة".
"ظننت أنك ستدخل في صلب الموضوع. إنك تدور حول النقطة".
صرح السير نيدل: "نحن في مدينة المطر. المآذن هنا لا تحوي توافقات نارية".
قالت لورين: "أنا على دراية بذلك".
قال السير نيدل: "مما يعني أن المعرفة بشأن مسارك الخاص نادرة، أو منعدمة".
انتفضت لورين وقالت: "أتقول إنك عاجز عن تعليمي شيئاً؟"
تساءلت بغضب عن سبب اضطرارها لتحمل كل تلك التمارين المرهقة التي كلفهم بها إن كان عاجزاً عن تقديم أي شيء.
قال السير نيدل: "كلا. بإمكاني تعليمك بعض الأساسيات. لكني سأحتاج لمخاطبة بعض معارفي من الكيف. لأرى إن كان هناك سحرة نار أجانب مستعدين للتخلي عن بعض الأسرار البسيطة مقابل الذهب. كنت أُحاول تحذيرك فحسب من أن الأمر قد يستغرق بعض الوقت. ليس هناك الكثير من المتسلقين ذوي القدرات المتوافقة مع النار ممن يرغبون في تسلق هذه المآذن. سيكونون في حال أفضل في النطاق الغربية للإمبراطورية، عوضاً عن المكوث هنا في محيط أنثارو".
قالت لورين متفاجئة إلى حد ما بهذا الكلام: "آه".
كرر السير نيدل: "آه؟ أظننتني سأتركك في القاع بينما أعلم البقية حصيلة من المعارف الخفية؟"
هدأت لورين قائلة: "بالطبع لا"، حتى وإن كان الرجل قد أصاب كبد الحقيقة.
"أنت محترف بارع أليس كذلك؟"
"هاه. أنت كاذبة سيئة، لكني أستطيع رؤية العالم من حيث تجلسين يا آيست نيرشور. مع ذلك، فإن اكتشاف ما تحتاجينه سيتطلب بعض البحث المضني، وبعض الذهب، وقتاً تقضينه في العربدة بالحانات التي يرتادها الكيفيون عادة".
سألت لورين رافعة حاجبها باستواء تام: "بعض الذهب؟ ألا يكفي أجرك؟"
كانت قد تشكست في أن الرجل سيطلب المزيد من العملات ولم يرقها وقع الأمر منذ البداية.
قال السير نيدل: "بالكاد. المشروبات تتراكم والمتسلقون يستهلكون الكثير منها. سيتعين علي محادثة شتى الأنواع وإطفاء كافة أنواع العطش".
عَبست لورين مظهرة استيائها بوضوح. أخذ اللهيب الكامن في صدرها يتأجج، مدلكاً غضبها ببطء بأصابع ملتهبة. تنفست بهدوء لكيلا تثير سخطها، فقد كان ذلك إنجازاً اعتادت عليه أخيراً. لم تستطع السماح له بالسيطرة عليها كما فعل أمام أولئك النبلاء الوقحين في مأوى البحر. وإن ظل ذكرى نظراتهم الشهوانية وهي تتزلج على ردائها تغيظها حتى الآن.
ابتسم السير نيدل، وكأنه لمح ما يسرّه. ولحسن الحظ، ظلت عيناه مقتصرتين على وجهها وحدَه.
صرحت لورين: "أعتقد أنه حري بك إثبات جدارتك أولاً، قبل التسول طلباً للمزيد من الذهب".
أعلن السير نيدل: "التسول، من يتسول؟ أنا أقتصر على تحذيرك من أن تعليمك بالتحديد سيكون باهظ التكلفة. حقاً، إنه ذنبك وحدك لأنك اخترت أن تكوني ثالث ساحرة نار مسجلة في تواريخ مدينة المطر".
سألت لورين: "الثالثة؟ كيف عرفت ذلك؟"
"أجريت أبحاثاً".
"أتمتلك إمكانية الوصول إلى أرشيف الملك؟"
قال السير نيدل بزهو: "كلا. رغم أنني أعرف أشخاصاً يملكون ذلك، نبيل هنا وهناك يدين لي بفضلة. إذن كما ترين، أنا لا أحاول خداعك. لقد أنفقت بالفعل بضع خدمات بسيطة محاولاً إيجاد بعض التقنيات والممارسات الذهنية المناسبة للمتسلقين ذوي توافق النار".
حين سمعت مدى الجهود التي بذلها الرجل بالفعل، شعرت لورين بأن النيران المحيطة بحرمها تنحسر، وحرارة غضبها تبرد.
أدركت لورين تماماً مدى قيمة سماع الكلمة من نبيل راسخ، ففي الظروف المناسبة يمكن أن تساوي أكثر من الذهب وتفتح أبواباً عديدة. لقد ظنت صادقة أن السير نيدل سيقتصر على إهانتها والتلميح إلى أنها غير صالحة للتسلق، عوضاً عن مقايضة خدمات قد تكون مفيدة في سبيل تقدمها.
لن تشكره بالطبع، فهذا واجبه بوصفه معلّمهم، حتى وإن تجاوز المعتاد. أضف إلى ذلك أن الأمر قد يكون حيلة أو مديراً لمكيدة. ربما يشتهيها وظنّ أن بوسعه استغلال موقعه. أثار هذا الخاطر اشمئزازها وأجج تلك النيران مجدداً لتشتعل. تنفست ببطء مرة أخرى لمكافحة الانتشار.
راقبها السير نيدل كصقر عواصف.
قال: "يسرني أن أرى أنك أصلحت حاجبيك، لكن يحزنني أن أقول إنهما أصبحتا أنحف من اللازم الآن. تبدين كحمامة نتف ريشها".
شعرت لورين بوخز في وجهها، وفي لحظة غضب كادت تُفَعِّل نَفَس النار. سارعت إلى كبح نفسها، فلو بصقت تلك النيران هنا لأحرقت منزلهم بأكمله ولم تكن تملك سيلة لضمان إلحاق الأذى بالرجل حتى، نظراً لكل ما يحمله من كنوز دفاعية. عوضاً عن ذلك، أطلقت زفيراً هادئاً يشبه فحيح الأفعى.
ذكرت: "تبدوان بحال جيدة. لابد أن بصرك يتلاشى بسبب الشيخوخة المتهالكة أو السكر المتواصل".
ضحك السير نيدل على إهانتها.
وافق قائلاً: "أقعتَ بي"، قبل أن يتوقف مرحه وتستقر عيناه في عينيها.
كادت تتحرك بعدم ارتياح على مقعدها لكنها كظمت تلك الرغبة.
لاحظ: "حدة النار وجوهرها، بلا تحكّم. أليس كذلك؟"
قالت: "نعم"، وقد فوجئت نوعاً ما بالتغير المفاجئ في الموضوع، لكنها سرّت بالاتجه الأكثر فائدة.
قال السير نيدل: "تمتلكين قدراً كبيراً من ضبط النفس، سيما إن كنت قد حرّفت توافقاتك نحو سماتك السحرية كما ينبغي لأي ساحر. أنا معجب".
سألت لورين، وهي واثقة أنها أساءت الفهم: "عذراً. ماذا؟"
أوضح السير نيدل: "مما أعرفه عن المتسلقين المتمحورين حول النار، فإنهم يميلون نحو الشراسة والتقلب. سحرهم يؤثر عليهم هكذا. في شيرانكارّا، وتحديداً حول برج الجمر، لا يبنون بالخشب. ليس لعدم وجوده، بل لأن متسلقيهم يتبارزون باستمرار في الشوارع من أجل الشرف أو الشتائم أو عشاقهم أو لمجرد غضبهم. ومع القوى المتمحورة حول النار التي يقدمuها برج الجمر عادة، لأحرقوا المدينة عن آخره لولا أنها مبنية من حجارته السوداء وزجاجه الصافي".
اكتسحت وجه المعلّم مسحة حنين، بلا شك وهو يستذكري أوقاته في مكان آخر. كانت لورين نفسها غيورة، فقد تاقت للسفر إلى مدينة جديدة، إلى برج جديد. استمعت إلى حكاية المكان البعيد دون مقاطعة، آملة أن يسهب في الحديث عن تلك الشواطئ الأجنبية.
تنهد آدم.
"لكنني أستطرد. ما أقوله هو أن القدرات التي تمتلكينها قد تكون نعمة عسيرة، وأنك تتعاملين معها بشكل جيد. خاصة بلا تحكّم يعينك على قمع التهور الذي يجلبه جوهر النار".
قالت لورين: "حسنٌ، أشكرك. وإن كنت صريحة، فقد زدتُ تركيزي للمساعدة في التعامل مع النزوات التي تهاجمني".
قال السير نيدل: "غريزَة حسنة. لكن الأمر لا يقتصر على التركيز فحسب، بل تمتلكين إرادة قوية أو نزعة عناد. أرجو فقط أن تملكي الانضباط لمواصلة ذلك والعزم على العمل الجاد في تدريبك".
قالت لورين: "أملك ذلك. طالما رغبت في أن أكون ساحرة نيران، والآن وقد صرت كذلك أريد أن أكون بين الأفضل".
قال السير نيدل مبتسماً: "إجابة جيدة، بل رائعة. ينبغي لنا الآن حقاً أن نبدأ استعراض قواك لنرى أين يمكنني إفادتك".
أومأت لورين وبدأت تشرح قدراتها. عندما انتهت استند الرجل إلى مقعده إلى الوراء، وبدت على وجهه ملامح التأمل.
لم يتكلم طوال دقيقة تقريباً.
سألت لورين، محاولة إخفاء أي توتر شعرت به: "أهناك خطب ما في اختياراتي؟"
أجاب السير نيدل: "خطب؟ لا، لا خطب. أظن أنك اخترت جيداً. لم أكن أدرك فحسب أنك تمتلكين قدرة شفاء. إن هذا يفتح الكثير من الأبواب أمام تقدمك".
ظنت لورين أنها تعرف إلى أين يرمي من وراء هذا التفكير، فهو يريد جعلها معالجة. إن حدث ذلك فستُقتصر مهمتها على تحسين واستخدام التهدئة الحارقة فحسب. وبفعلها ذاك، ستصبح أكثر اعتماداً على من حولها لحمايتها.
لم تستطع لورين قبول ذلك، فهي مقاتلة، ساحرة، وليست مربية الفريق المتذمرة.
صرحت بجدية: "لا أريد أن أكون معالجة. أنا ضاربة حتى العظم".
سأل الرجل ملاقياً نظرتها: "أهكذا إذن؟ نعم، أستطيع رؤية ذلك. تمتلكين المزاج والقوى. قد تكونين هَدْراً بوصفك معالجة. لو كان هناك أمر كهذا".
وافقت لورين: "لكنت كذلك".
قال السير نيدل: "حسنٌ، هذا يقلص الخيارات على الأقل. مع ذلك، يجب أن تطوري قدرتك على الشفاء كلما أُتيحت الفرصة. إنها محدودة الآن، لكن حتى أمراً دقيقاً كالتهدئة الحارقة يمكن أن يصبح أكثر قوة وتنوعاً بعد الارتقاء. تلك هي الحال مع معظم قدرات الشفاء. ولا ضير أبداً من وجود شفاء آخر جاهز، للطوارئ كما تفهمين".
فكرت لورين في المجادلة لكنها استطاعت تبيّن منطق الرجل. لابد أنه رأى الرفض على وجهها، لأنه واصل الكلام.
"لا توجدي لإهمال قواك الأخرى، في الواقع، سيكون من الصعب فعل ذلك، نظراً لأن سمة نَفَس النار الخاص بك هي سلاحك الرئيسي. اعلمي فحسب أن التطورات التي سيقدمها برج المطر من أجل التهدئة الحارقة ستكون غالباً أقوى مما لو كانت مع سماتك المرتبطة بالنار".
"أقوى؟ كيف؟ الأبراج لا تغير مقدار السحر الذي تمنحه من قدرة لأخرى. يجب أن تكون متساوية تقريباً".
"تقريباً، نعم. لكن واقعياً، لا. برج المطر متمحور في الغالب حول الماء والهاء. ستكون هناك صراعات مع التمحور الناري لقواك. سيمنحك تطوير شفائك أو مقاومة النيران خيارات أكثر توافقاً".
قالت لورين: "ماذا تقصد؟".
بالطبع قرأت عبارات شبيهة في الكتب التي أتيحت لها، لكنها لم تكن تشرح السبب قط.
قال: "سأشرح ذلك لاحقاً، فهناك نظريات تخص السبين والمانا تحتاجين لمعرفتها لفهم السبب. في الوقت الحالي، تقبلي كلامي وحسب بأن النار والماء تتصارعان. لذا لن تُعرض عليك تطورات نافعة حقاً مثل: ارفعي حرارة لهبك، أو لهبك يحرق الأعداء أسرع. بل ستتلقين عروضاً مثل: لهبك أصعب انطفاءً، أو يمكنك تشكيل لهبك في هيئة مطر ناري، أو لهبك يصنع بخاراً أكثر حين يلامس الماء".
قالت لورين: "لا تبدو تلك سيئة. في الواقع، لدي مكافأة تجعل أي حرارة أُنتجها تدوم طوالاً. وتطور النيران اللاصقة يمنع نيراني من الانطفاء لثانية على الأقل".
أسهب السيد نيدل في القول: "يبدو هذا جيداً، وإن لم يكن مثالياً. في أغلب الأوقات، سيكون من الأفضل لك شيء يرفع حرارة لهبك فحسب. إذ سيكون ذلك أصعب في الإخماد، وأشد فتكاً أيضاً".
فكرت لورين وخلصت سريعاً إلى أنه على صواب في هذه المسألة غالباً.
قالت: "حسناً، أرى ما تقصده. سأجتهد في استخدام عروض سبين المطر حيث تكون أكثر كفاءة".
قال: "جيد. لننتقل الآن إلى متغيرات صفتك السحرية والمتقدمة. للأسف، خبرتي ضئيلة للغاية بجوهر النار لذا سنتجاوز ذلك، فلنكتشف إذن أي متغير من الشدة تمتلكين. أغمضي عينيك وركزي على سحرك. يجب عليكِ أيضاً تفعيل بصر المانا. سيجعل ذلك التمييز أسهل".
كانت لورين متشككة، فلم تسمع من قبل بالمتغيرات أياً كانت، لكنها أطاعت. شعرت بوخز في عينيها حين ألقَت بصر المانا. نظرت للداخل فعثرت بسهولة على سحرها، فالنيران تومض وتتأجج حول حرمها. كانت الطاقة ساخنة، لكنها لا تحرق، بل كانت تنعشها في الواقع.
"عما أبحث؟".
"عن شيء يعمل وقوداً، شبيه بزيت سحر جوهر نارك".
عقدت لورين حاجبيها ونقبت بين النيران بإرادتها. اكتشفت قدرتها على فعل هذا منذ فترة، بل فور حصولها على الصفة تقريباً. استطاعت تحريك النار بضغط أفكارها وتركيزها، وإن لم يكن لمسافة بعيدة أو بسرعة، وكان سيهرب من قبضتها فوراً إن حاولت الإمساك به بإحكام شديد.
بحثت في النار وراقبَت من حيث تنبعث. لكنها عجزت عن تمييز اللهب من الوقود.
اعترفت: "لا أستطيع رؤية شيء".
قال السيد نيدل بلا مبالاة: "بالطبع لا تستطيعين. أنت خنزيرة، وعديمة الموهوبة، وأصلح للتمرغ في الوحل من كونك ساحرة".
زأرت نيرارها رداً على ذلك، ففتحت عينيها وهي تقطب حاجبيها.
صاحت: "كيف تأتيك الجرات!".
ثم نهضت واتجهت بخطى حاسمة نحو مخرج ردهة الاسترخاء.
سأل ببرود تماماً حين بلغت الباب: "أرأيتِها؟".
بصقت قائلة: "أرى ماذا؟".
قال: "شيئاً يمنح القوة لجوهر النار".
توقفت واسترجعت للتو ما رأت. أدركت وجود شيء مختلف، فأغمضت عينيها سريعاً وتحسست النيران. رأت في الأعماق السحيقة قوة واضحة تغذي حرارة اللهب. كانت تتراجع، ومع هدوء غضبها تشتت أكثر.
سأل مجدداً، وبدا متغطرساً أكثر من ذي قبل: "أوجدتها؟".
فتحت عينيها وحدقت به بغضب.
قال وهو يحتسي رشفة من قارورته: "سأعتبر ذلك بنعم".
طالبت قائلة: "أكان هذا نوعاً من الاختبار؟".
أوضح السيد نيدل: "نعم، تمتلكين شدة المُتحدّي. إنه متغير حدسي. ستكون شدتك أقوى حين تكونين في نزاع مع شخص آخر".
سألت: "ماذا تقصد بمتغير؟".
سأل السيد نيدل بدهشة خفيفة: "أهلاً بك، ألم تحظي بمعلم أيضاً؟".
قالت: "ليس للتسلق".
قال: "هاه. وظننتك مجرد فاقدة للكفاءة".
قالت وهي تكبح غضبها: "أهكذا إذن".
أجاب: "ألم أُوضِح ذلك جلياً بما يكفي؟ ربما كنت دقيقاً أكثر من اللازم".
قالت بصوت خافت: "دقيق كالثور".
ترجى السيد نيدل: "على أي حال، تعالي واجلسي. انتهينا شبه كلياً، ويجب أن نتحدث عن التقنيات فحسب".
"حسناً".
عادت لورين أدراجها نحو المقعد الوثير لكنها عجزت عن إرغام نفسها على الجلوس. بل وقفت خلفه، وجعلته يفصل بينهما كأنه درع يقيها سخريته.
قال السيد نيدل: "ساقني الاعتقاد بأنك عثرت على مخزون من التقنيات".
قالت لورين وهي تضيق عينيها: "من أخبرك بهذا؟".
أجاب: "لا تهتمي لأمر ذلك. أتعلمتِ أياً منها؟".
قالت: "لا، لم تُصنع أي منها من أجل سحرة النار".
قال السيد نيدل: "علم جيد. يجب أن نجد لك تقنية التلاعب بالمانا لتكون فرصة عرض سمة أو ميزة كامنة تفتح باب السيطرة أكبر. حينها سيكون اختيار التقنيات متروكاً لك، لكن شيئاً لرفع سرعة رد الفعل أو سعة القدرة سيفيد".
أومأت برأسها وقالت: "إن كان هذا كل شيء، فسيئتي بجورج".
فكر السيد نيدل لبرهة وقال: "تمتلكين تسخين المعدن ومقاومة النار، وقد يكون ممتعاً أن تجعلي حمل عصا فولاذية طويلة بيديك. أعرف رفيقاً لديه تقنية لتلك السلاح بالذات. إنه أسلوب دفاعي في الغالب، لكنه قد ينفعك بشدة في إنقاذ حياتك إن نفدت المانا وداهمك وحش. أتهتمين بتعلم ذلك؟".
قالت لورين وهي تفكر في الفكرة: "ربما".
لم تكن تستهويها مشقة التدرب على سلاح وُجد أصلاً ليكون احتياطياً حين تعجز نيرانها عن إحراق خصومها.
قال وكأنه يقرأ فكرها: "هذا أفضل من امتلاك قناة تقنيات شاغرة، ولا يمكنك الاعتماد دائماً على الخصوم ليفعلوا ما تريدين".
ردت لورين: "سأفكر في الأمر".
قال السيد نيدل: "افعلي. والآن اذهبي لإحضار آخر أفراد فريقك، ثم قومي بتسع دورات".
قالت لورين بأدب قدر استطاعتها: "حاضر يا سيدي".
شعرت بالغبن وهي تغادر الردهة. لقد صور لها فريتز الرجل بصورة العارف الماهر، غير أن النصيحة التي أسداها لها لم تكن مفيدة حقاً البتة، بل ستكاد تحولها إلى نوع من المعالجين لا المهاجمين. الهاوية! لقد أراد منها حتى أن تعلم كيف تقاتل بعصا مثل بعض الهمج أو محاربي المعابد. كانت فكرة سخيفة.
وليس هذا فحسب، بل إن أحدهم قد أخبره بشأن مخزونهم من التقنيات. غالباً هو كال، فقد كان ذلك الرجل حريصاً دائماً على إرضاء الناس بدرجة مبالغ فيها. وعادة ما كان ذلك إحدى خصاله الحميدة القليلة، لكنه هنا كشف سرا ليس من حقه مشاركته دون إذن الفريق.
تنهدت طاردة الغضب والنار التي كانت تلك المنغصات توقظها. لقد تعلمت شيئاً جديداً على الأقل بشأن حدتها وكيفية تفاعلها. كيف يمكنها الاستفادة من ذلك؟ لم تكن تدري بعد، لكن هذه كانت البداية فحسب. وكلما اكتشفت المزيد أصبحت أكثر قوة.
أطلت لورين برأسها على غرفة الطعام قائلة: "جورج، السيد نيدل في انتظارك"، ثم غادرت إلى الساحة.
* * *
نهض جورج وشق طريقه إلى الردهة متسائلاً عما يخفيه الرجل له. لقد أبلغ فريتز في اليوم السابق بأنه لن يعلمه السيف، فهل سيكون الأمر سيئاً بالنسبة إليه هو الآخر؟
ما إن دخل الغرفة حتى قال السيد نيدل: "جورج، اجلس".
فعل جورج ما أمر به وجلس أمامه مستنداً بظهره إلى النسيج الدافئ بعد، بينما كان الرجل يفرغ من الكتابة على حزمة من الورق.
سأل السيد نيدل: "أتقن القراءة والكتابة جيداً؟"
تفاجأ جورج بالسؤال ظاناً أن هذا الحديث سيتمحور حول التسلّق، لكنه أجاب بصدق مع ذلك.
اعترف قائلاً: "لا. كنت صانع دروع متدرباً، لذا يمكنني كتابة بعض الكلمات والأرقام، لكنني لست ملماً بالقراءة والكتابة تماماً".
قال السيد نيدل دون إطلاق أحكام: "حممم، إذن ستنضم إلى الاثنين الآخرين لتتعلم من الناسخ".
قال السيد نيدل: "لا أحتاج إلى أن تخبرني كثيراً عن مقدراتك، فأنا أعرف معظمها. لكن لا بأس من استعراض كل منها، تحسباً لتوهمي التشابه بين قوة وأخرى. فالقطع قد يشبه الشق إلى حد كبير، رغم اختلافهما الطفيف".
وافق جورج قائلاً: "حسناً جداً"، ثم سرد مقدراته.
وقد شعر بشيء من الزهو لإيماءات الرجل وابتساماته وهو يستعرض قواه.
وختم جورج حديثه قائلاً: "سماتي هي قلب الصدر وعضلات من حديد. وأخيراً، مقدرة مساري هي القطع، والتي طورتها بحد أنحف".
"اختيارات جيدة للغاية وممتازة لمن يطمح لأن يصبح سيد سيف. رغم أنه يجدر بك أن تترقب تطوراً يزيد من مدى القطع. فإذا حسنت مداه بدرجة كافية، فقد يرتقي ليصبح قطعا محلقا".
سأل جورج بلهفة: "أيمكن ذلك؟"
ثم تذكر أنه أتيحت له الفرصة لتحسين مدى المقدرة ولعن نفسه السابقة.
ابتسم له السيد نيدل ابتسامة رقيقة.
"لا تقلق بشأن ذلك كثيراً، فمن المرجح أن يتكرر العرض عليك. وإن لم يحدث، فالقطع الحاد يبقى مميتاً مع ذلك".
سأل جورج: "أيمكن أن يتكرر الخيار؟"
"هذا صحيح، سأعلمك بكل ذلك لاحقاً عندما يجتمع الفريق بأكمله، فهذا سيعفيني من تكرار كلامي. دعنا نتحدث الآن عن الصفات المتقدمة ونكتشف متغيراتك".
قال جورج رغم أن الأسئلة كانت لا تزال تلتهب في صدره، غير أن الحديث عن المتغيرات قد استهوى اهتمامه أيضاً: "حسناً. كيف نكتشف تلك المتغيرات؟"
رافقه السيد نيدل طوال العملية، إذ كان عليه التركيز على الطاقات المتنوعة المتغلغلة في جسده. واستعرضا صفاته المتقدمة واحدة تلو الأخرى، بادئين بالبأس.
كان العثور على تلك الصفة سهلاً، فقد كانت تمطط في جسده طنيناً معززة عضله وعظمه. لقد لاحظ آثارها في المعركة، إذ منحت ضرباته قوة عظيمة ونصله حداً أقطع. وعندما شرح تجربته، تمتم السيد نيدل بكلمات غير واضحة وانتقل إلى الصفة المتقدمة التالية، وهي السرعة.
كان العثور عليها أصعب، فقد اختبأت تحت الرنين العميق للبأس، وبدت كشرارات صاعقة متأججة تتنقل قوسياً من عظامه وتتقافز صعوداً وهبوطاً في أطرافه. ورغم أنه لم يكن واعياً بهذه القوة من قبل، إلا أنه أدرك الآن أنها كانت تعجل من حركته حين يركض ويهوي بسيفه.
ثم انتقلا بعد ذلك إلى صفاته السحرية التي لم يدمج أياً منها في صفات إضافية، تاركاً إياها مستقرة في النقاط الست التي فُتحت بها. أخبره السيد نيدل بأنهما لن يهتما بجوهر النار، لكنه يمتلك خبرة في جوهر المعدن.
أحاطت بحصنه قشرة من الطاقة المعدنية تشبه صفائح فولاذية دوارة مفككة. حاول تحريك السحر كما أمره السيد نيدل محاولة ثني الصفائح. ووجد أنها تتحرك بمرونة طفيفة وكانت أثقل من أن يشكلها بأي براعة. فأعلن ذلك للمدرب.
قال السير نيدل: "يمكنك فتح عينيك، انتهينا. لديك قوة الحديد، أو ربما قوة تولر، كلاهما من النوع الحدسي. سرعتك عقلية، وهي سرعة الأطراف البرقية. أما جوهر المعدن لديك، فيبدو من النوع القابل للتشكيل، ربما الحديد أو الفضة أو الرصاص. لذا فهو من النوع الحدسي أيضاً".
أومأ جورج، وهو يفكر فيما قاله الرجل للتو. لسوء الحظ، تعليمه كان ناقصاً ولم يكن لديه أي فكرة عما يجب فعله بهذه المعرفة.
قال السير نيدل: "بعض التركيبات المثيرة للاهتمام. يمكننا التحدث عن الدلالات في وقت آخر، وأخيراً يجب أن نصل إلى تقنياتك. أعرف أن لديك تقنية واحدة على الأقل".
قال: "أنا؟"
قال السير نيدل: "استطعت رؤيتها في وقفتك، تلك الساقان الواسعتان المدعوفتان ليستا مجموعة من خطوات القدمين التي يتعثر بها المرء صدفة. أشعر وكأنني رأيت شيئاً مشابههاً في الجنوب، على حدود المملكة الأبدية، لكنني لا أريد القفز إلى الاستنتاجات".
ظل جورج صامتاً، وهو يفكر في مقدار ما يجب أن يخبر به الرجل.
قال السير نيدل: "أسرع، كلما انتهينا هنا مبكراً، كلما تمكنا من بدء تدريب السيف الخاص بك مبكراً".
قال جورج: "لدي تقنية شاقق القمم".
ابتسم السير نيدل عريضاً كما لو أنه كان يتوقع ذلك.
"أسلوب رائع، لكنت تدربت عليه بنفسي لو لم يكن متعارضاً تماماً مع تقنياتي وقوتي الأخرى. أفترض أنه كان إحدى التقنيات التي وجدتها في الأرشيف المغمور؟"
نظر جورج إلى الرجل بشيء من الريبة ولم يتحدث. لم يكن مكانه للحديث عن غنائمهم، وكان من المفترض أن يلتزموا الصمت بشأن أحداث ذلك المكان.
أومأ السير نيدل.
"يسعدني أن أحدكم يمتلك بعض الحس بالسرية. أدرك أننا للتو التقينا، لكن يمكنك أن تثق بي. سأثبت ذلك في الوقت المناسب. على أي حال، اذهب وقم باثنتي عشرة دورة، سأُناديكم جميعاً في غضون ساعة تقريبا. عندما أفرغ من أنظمتكم".
قال جورج وهو ينهض: "حسناً، نعم يا سيّدي".
أضاف السير نيدل: "ارتدِ درعك، واحمل سيف تدريب أثناء الجري".
لم يكن بحاجة لقول ذلك، فقد نوى جورج فعل ذلك حتى قبل أن يلفظه.
أومأ وغادر الردهة.
* * *
عندما غادر الفتى الضخم الردهة، نظر آدم إلى ملاحظاته الكثيرة جداً. كان هذا دائماً الجزء الأكثر إحباطاً في التدريب، محاولة إيجاد المسارات المثلى لعنابره. كان عليه أيضاً واجب مميز ومزعج يتمثل في العثور على خبراء آخرين لأخذ آرائهم ومشورتهم لمجموعته من عجائبي الأطوار. لم يكن أي من أعضاء فريق اللورد هايدتايد يمتلك متغيرات شائعة أو قوى تجعل توجيهه أكثر صعوبة.
ندم على تخفيض أتعابه إلى الثلث، فكل هذا البحث الإضافي سيقتطع من عملته ومخزونه الكبير من الخدمات الصغيرة. مع ذلك، سيكون هذا تحدياً، شيئاً لم يعرفه منذ أن تقطعت به السبل هنا بسبب عقوبة الملك.
كم كان يود مغادرة هذه المدينة البائسة، لكنه لم استطع. حتى لو وافق سفينة على أخذه رغماً عن إرادة الملك، فسيعانون هم أيضاً مصيره إذا غادر. ستتمزق سفينتهم وأجسادهم إرباً. وبعد أن عانى ذلك الغضب مرة من قبل، ونجا بالكاد، لم يكن مستعداً لإهلاك أولئك الذين سيساعدونه على الهرب تحدياً للقانون.
هز رأسه وأخذ جرعة أخرى من قنينته، وشعر بحرارة الروم الباهتة تسري في حلقه.
لم يكن هناك مفر. لكنه استطاع مساعدة هؤلاء الستة، وإذا أصبحوا أقوياء بما الكفاية فيمكنهم المغادرة. وربما في يوم من الأيام يمكنهم العودة وتحريره. كان أملاً عابراً، لكنه لم يستطع إلا أن يتساءل عن المرتفعات التي يمكن لعنابره بلوغها. حسناً، إذا استمعوا إليه فسوف يذهبون بعيداً. لقد امتلكوا الإمكانات، وكل ما احتاجوه هو المعرفة والقيام بالعمل الشاق، وهو أمر لم يستطيع قوله عن كل طلابه السابقين.
تنهد آدم، وأعاد عينيه إلى الورقة، ومستعداً لريشته، بدأ التعديلات الأخيرة على أنظمتهم. مع ذلك، رنَّ وعد واحد في صدره، تحت شفرات جوهر المعدن الباردة.
سيكونون عظاماً، سأجعلهم كذلك.