غضب "سبير" الفصل 145 — القوس 3 - الفصل 17

اقرأ غضب "سبير" الفصل 145 — القوس 3 - الفصل 17 باللغة العربية على مانجا تايم.

كان أدم قد رحل وتجمّع الفريق في ردهة الجلوس ليستدفئوا بمدفأة الحطب. تذمّروا وتأفّفوا وأطلقوا الشتائم حين أخبرهم فريتز بأن الرجل قد وافق على أن يكون معلّمهم. وازدادوا سباباً حين أعلمهم بسعره.

"ثلاث فضّيّات في اليوم؟!"

هبّ بيرت صارخاً.

"نصبة كاملة!"

صرخ كال.

"أكره ذلك اللعين"، قالت روزي.

أطلق ديل صفيرةً مشاركاً في السخط.

"أقل بكثير مما ظننت، كيف تفاوضت معه حتى خفضه؟"

قالت لورين حين خفّت الصرخات.

"مهلاً. هذا سعر جيد؟"

سأل كال.

"نجل، جيد للغاية"، قالت لورين.

"لم يتطلب الأمر كثيراً. مجرد إقناع بسيط. كان مهتماً بتدريبنا بالفعل. قال إن لدينا بعض الإمكانات"، اعترف فريتز.

"فعل حقاً؟"

سأل جورج.

"إذن لمَ لم يقلها في وجوهنا مباشرة؟"

قاطع كال.

"كانت لديه أسبابه"، قال فريتز محاولاً جعل الرجل يبدو غامضاً لا لمجرد أنهغدير.

"ويمكنك سؤاله بنفسك غداً. استريحوا الآن. علينا الاستعداد للمزيد من الشيء نفسه. وما هو أسوأ".

"حسناً"، تنهّد كال.

"أظنني سأنسحب إلى غرفتي"، قالت لورين بتعب وهي تنهض من مقعدها الوثير.

"سأراكم جميعاً على العشاء".

"وأنا أيضاً سأنسحب"، قال فريتز وهو يشعر بكل ألم ووجع جناه مؤخراً.

"ماذا عن الأثقال والتجهيزات الأخرى التي أمرنا بشرائها؟"

سأل كال.

"سأطالبه بقائمة، ويمكننا تدبيرها غداً بأموال الفريق"، قالت لورين وهي تكتم تثاؤباً وتفرك وركاً موجعاً.

"بما أنكِ ذكرتِ الأموال، كيف تسير عملية بيع حرير السايراً؟"

سأل فريتز.

"بشكل جيد بما يكفي. ذاك الخياط الذي أخذتنا إليه أسدى بعض النصح المفيد، مع ذلك لا يزال لدينا الكثير من الأغطية لنبيعها"، قالت لورين.

"ما مدى جودة ما يكفي؟"

سأل جورج.

"بعنا حتى الآن ثلاثة أغطية مقابل ثلاثمائة وستين ترياداً. واستطعنا بيع كل مواد الوحوش التي بحوزتنا مقابل أكثر بقليل من نصف ذلك المبلغ. إجمالاً، بحوزتنا حالياً خمسمائة وأربعون قطعة ذهبية في الخزنة"، شرحت لورين.

عمّ الصمت المكان. ولم يُسمع سوى طقطقة النار.

"عذراً، أيمكنك إعادة ذلك؟"

سأل فريتز ظاناً للتو أنه أساء السمع.

"الجزء الخاص بالذهب"، أضاف بيرت بحماس.

"خمسمائة وأربعون ترياداً ذهبياً"، قالت لورين.

وانسلت ابتسامة خبيثة طفيفة على جانب وجهها وهي تراقص تعابيرهم المذهولة.

"تلك ثروة"، قال بيرت.

"إنه مبلغ لا بأس به"، أقرت لورين.

"في الوقت الحالي".

"في الوقت الحالي؟ يمكننا العيش لسنوات وسنوات بذلك القدر. ولن نضطر للعمل حتى"، قال كال.

"على الأرجح نعم. رغم أنه سينفد في نهاية المطاف"، قال فريتز.

"ولن يكون لفعل لا شيء أيّ متعة"، قالت روزي.

"موافق"، قال بيرت.

"حسناً، بما أنني علمت أن أموالنا وافرة هكذا. يمكنني الوثوق بكم لجمع العتاد الموصى به بلا قيود"، صرح فريتز.

"بالطبع"، قالت لورين باحتشام.

وعليه انفرط عقد الفريق، فإما بقوا في الردهة الدافئة أو عادوا إلى غرفهم للتعافي.

نادَى فريتز لورين في الرواق.

"لحظة من فضلك".

"نعم؟"

سألت.

"أردت سؤالكِ بشأن خادمتنا"، قال فريتز.

"ماذا تقصد؟ أنت من استأجرها".

"آه، نجل، فعلت. وأظنها ستكون إضافة رائعة للمنزل. جل ما في الأمر أنني لم أعهد بالخدم منذ طفولتي ولدي أدنى فكرة عن المهام التي ينبغي أن أكلّفها بها"، قال فريتز.

"أدرك"، قالت لورين عاقدة حاجبيها قليلاً.

"وكنت أفكر في أنكِ، بما تتمتعين به من خبرة أكبر في العمالة المؤجّرة، أقدر مني على توجيهها. أعرف أنه عبء آخر، ولكن أيمكنني ائتمانكِ عليها؟"

توسل فريتز.

تنهدت لورين، وضغطت على أرنبة أنفها، ثم قالت: "نجل، يمكنني فعل ذلك".

لم يظن فريتز أن الطلب يستوجب كل ذلك الضيق الذي أبدته لورين، لكنه أبقى وجهه ممتناً. لعله مجرد إعياء ناتج عن صباحهم الشاق حقاً.

"شكراً لكِ. وأنا واثق من أنكِ ستجدين وجودها محبباً في هذا البيت عما قريب"، روج فريتز.

"نجل، أظن ذلك. إنها فتاة جميلة، وإن كانت خجولة بعض الشيء. مع ذلك، من لا يكون كذلك حين يستقر في منزل لمتسلقين"، قالت لورين.

"سأعتني بها الآن".

"جيد. أتساءل كل يوم عن المعجزة التي جلبتكِ إلى فريقنا"، تملّق فريتز.

سخرت وضربته على صدره.

"أنت من فعل. أيها الأحمق. الآن تنحّ عن الطريق".

تنحى فريتز جانباً، تاركاً لورين تشق طريقها نحو أرباع الخدم. وآراها تستقيم وهي تقترب من الباب الموارب، مسوية رداءها وشعرها لتظهر بمظهر أكثر وقاراً.

طرقت، وفتحت الباب على مصراعيه وما لبثت أن شرعت بكفاءة في إملاء واجبات الخادمة.

ابتسم فريتز وهو يترك كل تلك المتاعب لشخص آخر، جارا ساقيه المتعبتين على الدرج، إلى غرفته، ثم سقط على فراشه.

أنّ، ثم أغمض عينيه للحظة واحدة فحسب، ليستريحا. غفا لثوانٍ معدودات قبل أن يجبر نفسه على النهوض والابتعاد عن غوااية النوم الساحرة. لن يجدي نفعاً إهدار ساعات النهار. بدلاً من ذلك، عزم على العمل على مهارته في القتال بالسيف.

رغم أنه أقرّ بنقص مهارته، إلا أن كبرياءه ظل مجروحاً جراء ازدراء أدم. لم يستطع تمرير الأمر، فقد بدت إبرة صغيرة توخز دماغه مراراً وتكراراً. تلك النظرة المفعمة بخيبة الأمل تومض أمام عينيه مجدداً.

فكّر فريتز في طريقه الآتي. شعر أن عليه استرجاع تقنية أبيه من أعماق ذاكرته ليمتلك أيّ أمل في إصابة الرجل خلال أسبوع. وهذا يعني التدريب.

حمل كويكسيلفر ونزل الدرج إلى الساحة. ولمفاجأته البسيطة وجد جورج هناك بالفعل وهو يلوح بسيفه النحاسي ويعدّ كل ضربة عمودية بصوت خافت.

راقب فريتز للحظة أو لحظتين قبل أن يجد مكاناً يتدرب فيه بنفسه. بدأ ببعض التمارين التي تهدف إلى إطالة عضلاته وزيادة مرونته وجعله أكثر خفّة. بدا جسده مسترخياً وثقيلاً من جهوده السابقة، لكنه تحمل الآلام المزعجة. وبينما كان يستعد لمزيد من التدريب بدأت بعض القوة تعود إلى أطرافه، وغالباً كان ذلك نتيجَة دفعة ثانية وغداء غنيّ بالمانا تناوله.

اتخذ فريتز وقفته رافعاً كويكسيلفر بينما ترك خنجره في غمده. أراد في الوقت الحالي التركيز على الأشكال الصحيحة التي حفرها أبوه في ذهنه قبل كل تلك السنين. استعاد تلك الذكريات وحاول تخيل تلك الوقفة الدقيقة والمثالية. ثنى ركبتيه قليلاً، وأقام ظهره وعدل زاوية نصله بوصة أو بوصتين محاكاةً لما يتذكره.

تخيل خصماً أمامه، خصماً يشبه معلمه الجديد، فركز على وقفته. سمح فريتز لنعمته بالتغلغل في ذراعيه وساقيه. ثم طعن. مباشرة نحو قلب الرجل المتخيل. اهتز نصله للحظة وكان الطرف ليخترق رئتاً بدل هدفه الصحيح، حتى لو لم يردع الخوِف المتخيل الضربة في ذهنه.

عَبَس فريتز، وسحب نصله وطعن مرة أخرى، ومرة أخرى، لنحو تسع دقائق، حتى عجز عن إبقاء سيفه ثابتاً. جلس بثقل، لاهثاً بأنفاس متلاحقة. شعر أنه يقترب من شيء ما، نوع من الانفراج. ومع ذلك، شعر أيضاً بأنه على بعد ميل، وبأنه يفتقر إلى شيء مهم، شيء يجعل التقنية، ونفسه، كاملين.

انضم إليه جورج، وكان هو الآخر يلهث من تمرينه. ابتسم لفريتز، الذي حاول مبادلته الابتسام. لا بد أنها بدت مؤلمة أو مريرة أكثر من اللازم لأن وجه الرجل الآخر هوى.

— هل أنت بخير يا فريتز؟

سأل جورج.

فكّر في الكذب، وتسكين الرجل بثقة زائفة، لكنه برؤية قلق الرجل عرف أن ذلك لن يكون صائباً.

— لا.

اعترف فريتز.

— الأمر تماماً كما قال السيد نيدل.

أنا عذر فظيع للمبارز.

— قال لي الشيء نفسه.

تعاطف جورج.

— أجل.

رغم أن الأمر يختلف بالنسبة لك. لم تحظَ قط بامتياز معلم خبير يعلمك منذ صغرك استخدام السيف وتقنية قوية. قال فريتز، وبدا كلامه طفولياً حتى لأذنيه.

— أشعر أنني بددت كل ما مُنح لي.

وكأنني لن أدرك قط ما حاول أبي تعليمي إياه. كان يجدر بي الانحياز أكثر إلى الذاكرة، ربما كان ذلك ليساعد.

— ربما.

قال جورج.

جلسا في صمت لنحو ست دقائق، وتباطأت أنفاسهما لتعود إلى إيقاعها الطبيعي. كان ذلك مريحاً بطريقة ما.

نهض جورج.

— يا فريتز، ستصل إلى هناك.

كلانا سيصل.

ساعدت تلك العبارة الصغيرة، ثم رفعته يد جورج الممدودة ليعود إلى قدميه.

— ما رأيك أن نتواجه؟

سأل فريتز، عالماً أن طريقته المنفردة لا نفعه فيها يذكر.

— أجل، لنفعل.

وافق جورج.

— رغم أننا، في الوقت الحالي، لمَ لا نستخدم العصي عوضاً عن السيوف؟

تحفظ فريتز، مُحدقاً في سيف الرجل الضخم.

— لست مهتماً جداً بأن أُشطر نصفين بذلك.

— حقاً!

ضحك جورج بخفة، ثم تحدث بجدية أكبر.

— ترك السيد نيدل كيس أسلحة التدريب الخاصة به.

يمكننا استخدام تلك.

أومأ فريتز برأسه، وسرعان ما كانا يختبران مهارة بعضهما البعض. وجد خصمه ثقيلاً لكنه عملي. ضربات جورج الصلبة والواسعة لم تكن تحوي الكثير من البراعة، ومع ذلك، ما افتقرت إليه تلك الضربات من رشاقة، عوضته بقوة طاغية وسرعة مدهشة.

لم يملك فريتز أملاً في صد الضربات، فسيُطرح خارج وقفته أو يُفقد توازنه في أسوأ الأحوال. لذا كان عليه الانزلاق حول حراسة الرجل، والتلويح، والمناورة لإجبار الرجل على الالتزام بإحدى ضرباته الهائلة قبل أن يهاجم هو نفسه. شعَرَ كأنه طائر ماكر يرفرف حول سلحفاة عاضة.

شيئاً فشيئاً، تعارفا، وتعلما عن قوة ومهارة بعضهما، وبقي فريتز متأثراً ومحبطاً في آن. كان جورج هاوياً بالفعل، لكنه زاد فشلاً في الوقوع في حيل فريتز، بينما هو نفسه لم يتعلم شيئاً يُذكر في تلك العملية. كان ضرب الرجل سهلاً، لكن خلال وقت قتالهما صار أصعب فأصعب تسجيل ضربات نظيفة ضد مواضع نقاط مقتله.

لم تكن المجاولة بلا جدوى، فقد وجد فريتز الأمر أسهل في التحرك، والتنقل، والطعن دون خطوة خاطئة تضعف وقفته وأشكال المبارز فيه. وربما كان ذلك أحد الأمور التي يفتقدها. لم يكن يعلم، بل كان يتحرك ويقطع، يتفادى ويشرّح، يخطو ويطعن.

استمرا على تلك الحال لساعة على الأقل قبل أن ينهكا تماماً. كان فريتز قد فاز بغالبية نزالاتهما، فعلى الرغم من كل مزايا جورج البدنية، افتقر ببساطة إلى الخبرة لمجارته. وحدها اللحظات التي طاش فيها فريتز، أو حاول ببلادة صد الضربات، أو بالغ في التركيز على تموضع جسده، كانت تشهد تلقيه ضربات مدوية ترتج لها العظام.

كان فريتز يشعر بتلك الهجمات آتية عبر حاسة الخطر لديه وتمكن من الإفلات من معظمها، لكن تلك الضربات كانت سريعة وبعضها أصاب هدفه بغض النظر عن التحذير المسبق. كان يعلم أن الرجل يخفف من قوة ضربات سيفه، لكنها ما زالت تؤلم، وستكون الكدمات تملأ جسده بحلول نهاية اليوم.

قال فريتز متأوهاً وهو يجلس ويدلك كتفه: "آه".

قال جورج بخشوع وهو يجلس بجانبه على البرسيم: "عذراً".

"ليس ذنبك. في الواقع، أنت تعلمني درساً قيّماً".

"حقاً؟"

تذمر فريتز: "لا تحارب رجلاً يرتدي درعاً صفائحياً. السيوف لا تفعل شيئاً".

صحح جورج: "إنه نصف درع فقط. ولو استخدمت المهارات، أنا متأكد من أنك لن تخسر حتى جولة واحدة".

ردّ فريتز: "يمكن قولي الشيء نفسه عن قدراتك. سيفك يمكنه أن يقطعني كالزبد".

حاجج جورج: "لو استطعت رؤيتك وإصابتك".

ابتسم فريتز بسخرية، كان ذلك صحيحاً تماماً. بينما لن تعمل ظلاله الوهمية على أولئك الذين يمتلكون حواسّ قوية أو قدرة كشف أخرى، ضد أي شخص بلا مثل هذه المزايا سيكون رعباً حقيقياً.

تنهد جورج: "يا له من يوم".

لم يكن الصوت كئيباً أو ممتلئاً بالعتاب المرير كصوت فريتز الخاص. بل كان زفيراً من الفخر، ومن الرضا عن عمل شاق انجز بشكل جيد.

"مُتعب، لكني أشعر أننا على الطريق الصحيح".

أومأ فريتز موافقاً تقريباً بالكامل. كان من الصعب دائماً نفض الشكوك حول خياراته، لكن سماع جورج يعبر عن ثقته كان بلسماً لغروره المتكدم.

قال فريتز وهو يقف على ساقين مرخيتين وثقيلتين كالشصاص: "أنا متعب لدرجة الموت. يجب أن نأخذ قسطاً من الراحة. التدريب بقسوة شديدة اليوم قد يفسد أداءنا غداً".

أومأ جورج ووقف.

مع ذلك عاد فريتز إلى المنزل ووجد بعض الملابس النظيفة، ثم اغتسل في الخارج. بعد أن انتهى، انهار على أريكة في غرفة الاستراحة وحاول القراءة. لم يكتب له ذلك، فقد غطّ في نوم شارد ولم يستيقظ إلا عندما دُق جرس الرواق. إشارة العشاء.

أراد فريتز العدو نحو غرفة الطعام، لكن جسده لم يسمح له بذلك. أما بيرت، فقد فعل، هابطاً على الدرج كالرعد.

تجمع الفريق بسرعة وكانوا جياعاً. أكلوا يخنة دسمة من كل ما تبقى من لحوم الوحوش مع جانب من الخبز والزبد وبعض من نقانق التحميص الأحمر اللذيذة.

سألت لورين بشك وهي ترفع ملعقة من اليخنة السميكة ذات اللون الرمادي: "أهذا هو نفس القرش الذي ذبحناه، وهل هذا ثعبان البحر البرقي؟ ألا المفروض أن يكون متعفناً الآن؟"

هز كال كتفيه.

"المانا تبقيه طازجاً لفترة أطول. هذا ما يقوله كتابي. وكان رائحته جيدة".

وافق بيرت وهو يحتسي المرقة السميكة والمالحة: "رائحته جيدة فعلاً".

بالنسبة لأنف فريتز، كانت اللحوم المختلفة على وشك الفساد، لكن الاختيار بين وجبة كثيفة المانا أو وجبة عادية لم يكن خياراً كبيراً. احتجنا إلى فوائد الاستشفاء، هذا، وقد أكل ما هو أسوء بكثير في المكايد ولن يتذمر من القليل من الحموضة.

انكمش وجه لورين قليلاً، على الرغم من أنه بدا أنها توصلت أيضاً إلى نتيجة مماثلة وأكلت أكثر من وجبتها المعتادة.

بعد أن حشوا بطونهم، خلدوا جميعاً إلى النوم مبكراً، حتى إن روزي وبيرت اختارا النوم بشكل منفصل في غرفتيهما الخاصتين. راحة مرحب بها لأولئك الذين لديهم جدران متجاورة. وهو يتثاقل ويتثاءب، انهار فريتز في سريره المُرتّب بدقة ولم يكن لديه سوى القليل من الطاقة لخلع حذائه قبل الزحف تحت الأغطية.

* * *

استيقظ فريتز. كان الجو مظلماً. قرقرت معدته، لكن لم يكن ذلك هو الضجيج المزعج الوحيد. كان هناك طرق قادم من نافذته وهناك، واقفاً خلف الزجاج شخصية ترتدي عباءة داكنة ومعطفاً بنياً. لجزء من الثانية، ظن عقله الذي ما زال مشوشاً أنه سيد وخفق قلبه.

تلاشت ابتسامته النامية في لمح البصر عندما رأى وجه رجل نديب وشعراً داكناً تتخلله خصلات بيضاء. طرق الرجل بقوة على لوح الزجاج ومشى فريتز على مضض نحو النافذة وفتحها. ثم ابتعد وأشار لكريغ بالدخول.

ابتسم الرجل ابتسامة ملتوية ونظر إلى برونز عتبة النافذة. وضع يداً عليها بعزم. في اللحظة التي لمس فيها الرجل المعدن، انزلق ظلام خافت حول أصابعه في خيوط سوداء متطايرة. قفز إلى الغرفة بلا صوت ووقف أمام فريتز، متحصياً إياه من الألف لياء، يحكم عليه كأنه سمكة في أسواق الميناء.

أخفى فريتز عبوسه والمفاجأة من أن تعاويذ النافذة لم تُمشَّط كما حُذِّر من أنها ستفعل.

سأل كريغ: "فريتز، أليس كذلك؟".

كان صواته أشبه بالأزيز كأنه على وشك السعال.

قال فريتز: "هذا صحيح".

"ألن تسأل من أنا أو ماذا أُريد؟"

"أنا أعرف من أنت، كريغ كاتر. وأنا أعلم مسبقاً أن قرش الليل أرسلك".

"فتى جيد. يمنعنا من إضاعة تلك الفرصة الثمينة المسماة وقتاً".

أومأ فريتز.

أمر: "حسناً، لنبدأ إذن. ارتدِ بعض معدات السرقة المناسبة وقابلني في الخارج".

قفز الرجل من النافذة وذاب في الظلام، محبطاً رؤية فريتز الليلية بحجاب من الظل.

بقي هادئاً، أغلق فريتز النافذة وانزلق إلى خزانته. ارتدى بعض القطع الداكنة من الملابس التي يمتلكها، متمنياً بيأس لو أن لديه المزيد من الوقت للنوم. على الرغم من أن راحته جددته إلى حد ما، إلا أن رأسه وأطرافه ما زالت ثقيلة.

ربط حزام ثعبان البحر الخاص به وفكر فيما يجب عليه أخذه معه أيضاً. استقر على ما تبقى من حبل وسلاحيه المفضلين.

رغم أنّ كويكسيلفر وغمدها الطويل سيعيقان حركته، لا سيما في الأزقة الضيقة، قرر اصطحابها. لن يتخلى عنها داخل السبير، إذن فلن يتخلى عنها خارجه. كانت هذه فرصة للتدرب على التعامل مع طولها المزعج وربما استخلاص بعض النصائح من القاطع نفسه.

تجاهل فريتز آلام عضلاته وشق طريقه إلى الأسفل متلحفاً بالغسق. انسلّ إلى المطبخ ثم إلى مخزن المؤونة وأغار على العلاجية. جرع منقوعاً صغيراً وأخذ حزمة صغيرة من الأعشاب، وابتلع الأوراق المقطعة بصعوبة مع كوب من مياه الأمطار النظيفة. لمح لوحاً من المؤن الرديئة فالتهمه سريعاً، ليخفف حدة جوعه.

بعد ذلك، خدش ملاحظة سريعة على قصاصة ورقية ودسها تحت باب بيرت، ثم عاود النزول على الدرج وتسلل خارجاً من الباب الأمامي، مغلقاً إياه برفق.

بحث فريتز في الشارع عن كريغ، وتطايرت نظراته من مشكاة مظلمة إلى أخرى. اخترق صفير حاد قرع المطر الهادئ فالتفت ليرا على بعد ست ياردات فقط منه، في الجهة المقابلة من الطريق مباشرة.

أمال كريغ رأسه بتلك الإشارة اللصيّة التي تعني: "تعال إلى هنا".

مشي فريتز نحوه بشيء من الوجل، وإن لم يُظهر ذلك، وألقى الرجل نظرة فاحصة على ما جلبه معه. قطب كريغ حاجبيه، بدا غير راضٍ، لكنه لم ينطق بكلمة، بل استدار وأشار لفريتز أن يتبعه.

شرع في الكلام، وكان صوته الأجش يصعب تمييزه وسط المطر. مع ذلك، وبفضل إدراك فريتز العالي، استطاع تبين كلمات الرجل.

— ستؤدي بضع مهمات غريبة لأجلي.

سأراقبك الليلة، لكن عليك إنجازها بحلول نهاية الأسبوع فحسب.

— أي نوع من المهمات؟

— سأل فريتز بحذر.

لم يكن مستعداً لارتكاب جريمة قتل بناءً على نزوة كريغ.

— لا شيء صعباً للغاية.

سرقة أو اثنتان، بعض التعقب والتسلل، وسأحتاج منك نشل جيب — أجاب.

— وبينما أنا معك، سأعلمك بعض حيل المهنة.

— مثل ما فعلته لتجاوز الحواجز؟

— سأل فريتز.

— أهلاً بك.

سنبدأ في ذلك بمجرد أن تنتهي من التجارب الأولى — قال وهو يلتفت عند زاوية. ثم توقف الرجل وأشار إلى واجهة متجر صغير.

— دكان القبعات هذا سيوفي بالغرض.

— أتحتاج إلى شيء معين؟

— ليس حقاً، أريد فقط أن أراك تخل وتخرج من دون ضجة.

أومأ فريتز برأسه وتلحف بالغسق. ضاق عينا الرجل كأنه لا يعجبه مظهر القدرة أو وجد فيها خطباً ما. متجاهلاً ازدراء الرجل، نظر فريتز صعوداً وهبوطاً في الزقاق ليلمح ثلاثياً من الدريزلرز يقومون بدورية ببطء. لم يكونوا قريبين وكانوا يبتعدون في هذه اللحظة، فأخذ وقته في التسلل إلى باب دكان القبعات.

كبت فريتز القلق المتصاعد في صدره. في المرة الأخيرة التي خرج فيها للسرقة تم القبض عليه، ولم ينقذه من التشهير أو الزنزانة سوى لسانه الساحر لطف كوليت. لحسن الحظ، بلغ المظلات دون أن يُرى أو يُسمع في الشوارع الخاوية تقريباً.

حين بلغ مدخل الدكان، أطلق نبضتي وعي. أولاً محملة بإحساس الباب، وثانياً بإحساس الفخاخ. عادت الاثنتان بما لا يخبره بأكثر من أن هذا باب عادي مقفل، بلا إنذارات أو مخاطر، باستثناء الجرس الذي قد يرن إن فتحه بالكامل. بسرعة فائقة، فك فريتز القفل بأدواته المصنوعة من عظام السمك، وجذب مقبض الباب ودفعه موارباً، حارصاً على الإمساك بالجرس الصغير فوق الباب وإسكاته قبل أن يصدر صوتاً.

ثم انزلق إلى الداخل، والتقط قبعة عن رف وانسل خارجاً، عائداً بصمت إلى كريغ. كان الأمر سهلاً، لا يستحق وقته ولا النوم الذي كان يمكن أن يناله. قمع تمتمة ساخطة، متخطياً بركة ماء علم أنها أعمق مما تبدو.

حين قدم فريتز ما تبين أنه قبعة مزركشة بالدانتيل، أومأ الرجل تقديراً.

— الآن اذهب وضع تلك على إحدى جماجم أولئك الأغبياء من الدريزلرز.

من دون أن يُقبض عليك، انتبه — أمر.

— إن أُلقي القبض عليك، فاركض.

وسألقاك في الحي الغارق.

كاد فريتز يتنهد، فقد توقع كريغ فشله، واستشف ذلك من ابتسامة الرجل الماكرة.

— هيا ابدأ، قد يتبقى لدينا متسع من الظلام.

لكني أود أن أنال شربة ونومة بنهاية الليلة، لا أن أراقبك — أضاف، ملوحاً لفريتز لينصرف.

خلال لحظات، كان فريتز تحت المظلات مجدداً، متتبعاً بحذر ثلاثي الدريزلرز الذي رآهم قبل قليل. أمعن التفكير في طريقة اقترابه. كانت أغنية غسقه ممتلئة بالنصف في أفضل الأحوال ورغم العلاجية التي تجرعها، فإنه لا يزال غارقاً في التعب من تدريب اليوم.

مع تثاؤب مكبوت، استقر على شيء بسيط. إلهاء، ثم خدعة بصرية بسيطة. عليه فقط أن يأمل ألا يكون هدفه أحد الحراس ذوي الإدراك، أو ما شابه إساس القبعات إن جاز التعبير. نفض عنه تلك الفكرة المنهكة.

تسلل إلى الأمام، وحين خطا الدريزلر المتقدم للثلاثة داخل بركة ماء، حرف فريتز الحجر تحت تلك القدم مرتين. ترنح الرجل وشتم بينما هوت ساقه في الحفرة حتى الركبة.

استنفدت قدرة حفرة الحجر طاقة فريتز، لكنه استطاع منع نفسه من التعثر أو الانزلاق بينما يواصل الانحشار للأمام. وبينما كان الاثنان الآخران يحدقان محاولين قمع قهقهات على مصيبة رفيقهما، انسل خلف الذي كان يرتدي قلنسوة.

بحركة سلسة واحدة، وضع القبعة الرخوة بلطف، برشاقة، على رأس الرجل ثم تراجع للخوار بحذر بصمت. متسللاً في صمت نحو قوس مدخل وخافياً نفسه في ظله.

— ممَ تضحك — تذمر الحارس وهو يجذب ساقه من بركة الماء.

— لا أضحك — قال أحدهم.

قال: "لماذا تضع قبعة نسائية على رأسك؟"

سأل: "ماذا؟"

ثم مدّ يده وأمسك بالقماش الناعم والدانتيل فوق قلنسوته.

سأل: "من فعل هذا؟"

ثم استدار ورمق الشارع الخاوي بنظرة حارقة.

التفت نحو رفاقه حين لم يجد أحداً أمامه.

"أكنت أنت؟ أتحسدني على خوذتي؟"

احتجّ أحدهم: "بالطبع لا، إنها تبدو بلهاء."

سخر الآخر: "بلى، القبعة تناسبك أكثر. تليق بوجهك."

سرعان ما انزلق الثلاثة إلى اللوم والتوبيخ، وكادوا يتبادلون اللكمات وهم يتشاجرون.

انسلّ فريتز دون أن يراه أحد أو يسمعه، وابتسامة ماكرة على وجهه.

مهمة أُنجزت بإتقان.