غضب "سبير" الفصل 138 — القوس 3 - الفصل 10

اقرأ غضب "سبير" الفصل 138 — القوس 3 - الفصل 10 باللغة العربية على مانجا تايم.

قال فريتز: "ماذا؟"

وهو يحدق في الرجل الندل الواقف تحت المدخل وبعيداً عن المطر.

"لقد سمعتني"، رد نيك ذو الندبة بنبرة خشنة كالحصى والقطران، وزالت ابتسامته.

سأل بيرت: "كيف عثرت علينا؟"

قال نيك وهو يضحك: "أخبرني عصفور صغير. ولم تكن هادئاً البارحة. عصابات ممزقة في الحي الغارق، وعراك حانة في تاليز. يقال إن باري ما زال يبحث عن رجولته".

ضحك بيرت من ذلك وظن فريتز أن العصفور لم يكن صغيراً جداً على الأرجح، وكان يراقبهم من السماء.

ماطل فريتز: "لقد عدنا للتو. ألا يمكننا الحصول على بعض الوقت لنستعد؟"

قال نيك وهو يهز كتفيه المحدبتين ليتساقط الماء بغزارة عن معطفه البني: "أنت متأخر أصلاً، وبضع دقائق إضافية لن تضر، كثيراً".

راوغ فريتز: "كنت أفكّر في أسبوع تقريباً".

قال نيك: "هاه. لا".

كان فريتز يعلم أن هذا قادم، رغم أنه ظنّ أنه سيحصل على بضع أيام أخرى للاستطلاع والتخطيط.

وقفا هناك صامتين لحظة. راح عقل فريتز يعج، محاولاً صياغة خطة تكفل لهما وقتاً إضافياً للتصرف بحرية.

قال نيك: "ألن تدعوني للداخل؟ هذا قلة أدب فادحة".

قطب فريتز حاجبيه.

وفسح المجال قائلًا: "تفضل بالدخول. لنقعد في غرفة المعيشة".

قال نيك واهتزت شفته: "كلا. أنا بخير هنا في المطر".

أزال فريتز عبوسه المفاجئ. كان الرجل يتلاعب بهما.

قال فريتز: "يا بيرت، احضر الغرض".

سأل نيك بارتياب: "الغرض؟"

قال فريتز: "هدية. أو الجزية. لقرش الليل".

هتف نيك: "أه، هوه! رشوة فورية، تحاولان كسب رضاه مبكراً. أنت حقاً وغد خبيث ومخادع".

سأل فريتز بغطرسة بينما تراجع بيرت صاعداً السُّلم: "أهذه جريمة كبرى؟"

قال نيك: "هاه. بالطبع لا. يمكنك فعل ما شئت بالوغد".

قطب فريتز حاجبيه، مرّة أخرى.

بصق نيك جانباً. انتظرا.

استعرض فريتز نهجه بسرعة. لقد خطط لما سيقوله لقرش الليل، ووازن الكلمات والأسرار التي سيبوح بها. لكن بغض النظر عن مدى تمرنه في ذهنه، تسلل الرعب إليه. كان كيد عملاق يلتف حول صدره ويعصره ببطء.

ببذل تحكّم واستخدام تركيز، دفع الخوف بعيداً. قبضت يده على مقبض سويفت سيلفر، الذي ما زال يطن بهدوء ببرق مخزّن. أطلق زفرة وواجه نظرة نيك الباردة. كانت له عيناك قاتل، رغم أنهما لم تكونا مجنونتين كعيون الغزاة، لا، بل كانتا أكثر قسوة ولا مبالاة بكثير. يستطيع هذا الرجل قتله ثم لا يعير الأمر أي تفكير. ولن تطارده الكوابيس.

اندفع بيرت نازلاً السلم، وعلى ظهره حزمة وخوف محتجز في مكان ما من جسده، تماماً كما خططا.

سأل نيك: "جاهزان؟"

قال بيرت: "نعم".

ترجّى فريتز: "تقدّم".

قال نيك وهو يلتفت ويخوض في المطر: "حسناً، اتبعاني".

فعلات. أغلق فريتز الباب خلفه، وتشرّرت ومضة ذنب حين ترك منزله وفريقه خلفه بلا كلمة.

قال بيرت: "لا تقلق. أخبرت جورج أننا سنعود لاحقاً. وإن لم نفعل فعليهما ألا يحزنا علينا".

رأى فريتز: "القليل من الحزن سيكون ملائماً، وبضع دُموع لن تضُرّ".

قال بيرت: "أعلم. أتمنى أن يبكيا كثيراً. كنت أكتفي بمحاولة يبدو فيها التواضع".

أومأ فريتز، موافقاً بيسر.

زمجر نيك: "أسرعا"، فقد قاده خطوه المندفع إلى التقدم عنهما بمسافة بعيدة لدرجة اضطرتهما للهرولة اللحاق به.

والخطى السريعة التي فرضها نيك ربما تعود لسمة السرعة التي افترضا امتلاكه لها.

قادهما نيك إلى بوابات الحلقة المغمورة فمرّا بلا عقاب. نظر حارس العاصفة في الاتجاه الآخر بيسر مألوف. بدا أنهما يعرفان خبايا المكان إذ لم تتبادل الأيدي أي قطع نقدية.

ومن هناك، كان المضيّ في الأزقة المتعرجة حتى وصلا إلى باب. طرق نيك ومع صرير وقعقعة انفتح الخشب الثقيل، كاشفاً عن درجات نزول ومجرم آخر بمعطف بني. أومأ لنيك، مناولاً الرجل ذي الندبة فانوساً مضاءً ليدعهما يعبران إلى عتمة الأنفاق.

أضاء بضع أقدام أمامهما، ورغم أنهما لم يحتاجا للضوء بفضل ميزة الرؤية الليلية، تظاهر بيرت بأنه أعمى عن الأنفاق الملتوية أمامه. بعد فترة من الهبوط والانعطاف يمنة ويسرة، ظن فريتز أنه سمع شيئاً. تردّد الصدى بغرابة عن الجدران لكنه في جوهره، كان إيقاعياً وعذباً.

موسيقى.

أخيراً، لاحظ بيرت الضوضاء وسأل عن ماهيتها، فلم يلق سوى ردّ أجش: "سترى".

قيدا إلى باب آخر، كان مطوقاً بفولاذ المطر وتطلب من نيك فتحه بمفتاح ثقيل من المادة ذاتها. عندما انفتح الباب، انسكب ضوء لطيف وهبت نسمة دافئة لوتحهما. حمل الهواء الهارب عطوراً زهرية، وكولونيا لاذعة، وتوابل، ودخاناً ورائحة زيوت حسية عصية على الوصف في موجة مذهلة. كانت تلك الروائح المتخبطة المتكاثرة هجوماً على حواس فريتز القوية. دمعت عيناه وكبح عطسة، محولاً إياها إلى سعال.

أغلقت قعقعة الباب بحسم نهائي.

قال نيك وهو يشير لهما بالعبور ويتبعهما ثم يقفل الباب خلفهما: "حسناً، ادخلا".

صار سماع الموسيقى أوضح الآن، وكات لها نغمة بطيئة ماجنة وجاذبية متأججة. قادهم نيك صعوداً على السلالم، وعبر نفق آخر، ومر من خلف ستائر مخملية زرقاء داكنة.

ما رأوه على الجانب الآخر لم يكن مفاجئاً تماماً. سمع الاثنان حكايات عن حريم قرش الليل منذ أن كانا صغيرين وقبل حتى أن يعرفا ما هو الحريم. طالما ظن أن القصص مبالغ فيها. لم تكن كذلك.

كانت الغرفة كبيرة، ومبعثرة بالأريكة والوسائد، وتتدلى من الجدارن منسوجات وحرير. عزفت ثلاثية من الموسيقيين الأنيقين في محراب، لتمتلئ الهواء شبه المدخن بأصوات حسية. لكن التصوير البارع للمجون على الجدران لم يكن ما جذب عيون فريتز. في كل مكان، جالسين أو واقفين أو نائمين، كان هناك رجال ونساء شبه عراة، لا يقل عددهم عن ثلاثين.

لمع الجلد الأملس، من المرمر إلى العقيق الأسود، تحت ضوء فانوس المانا الخافت. كان الرجال وسامين وعريضي الأكتاد وبلا قمصان. كانت النساء جميلات ويرتدين ثياباً شفافة وملابس داخلية مثيرة بشكل خطير، هذا إن ارتدين شيئاً أصلاً.

تعثرت خطوات فريتز وهو يطمش بعينيه أمام كل هذا الجلد المكشوف. ابتسم بيرت اتساعاً، وتراقزت عيناه بجنون على كل الجميلات المتنوعات. تحولت بعض النظرات الفضولية نحوهما قريباً، وحدث هدوء خفيف في الثرثرة والأنشطة الأخرى.

تذمر نيك من فوق كتفه: "بلا تحديق. لو جئت مبكراً لربما سنحت لك الفرصة لتنظر. لكنك متأخر ولا تريد جعلهما ينتظران".

حاول فريتز الرد لكنه وجد نفسه عاجزاً عن الكلام. اكتفى بالايماء.

تذمر بيرت: "ليس عادلاً"، وهو يندم بلا شك على رحلتهما إلى الأرشيف.

تعبرا خلف نيك، وتثاقلت خطواتهما عبر الضباب وتجاوزتا الحشد المترهل.

انزلقت العيون المهتمة عنهما سريعاً واستأنف أولئك في هذا الحريم ملذاتهم، يشربون نبيذاً فاخراً ومشروبات روحية، أو يتعاطون مواد أخرى أكثر غموضاً أثناء حديثهم ومجونهم.

إلا أن مجموعة واحدة من العيون لم تفارقهما، تلك الحدقات البنية الناعمة التي أضاءت فرحاً عندما تعرفت على فريتز وبيق وهما يشقان طريقهما بصعوبة.

رفعت المرأة ذات الشعر الأحمر يداً رشاقة ولوحت لهما بمرح، وتألق أظافرها المطلية. تعرفا عليها بدورهما سريعاً.

فيرونيكا، أو في كما يناديها أصدقاؤها، كانت ترقد على أريكة مخملية طويلة وتمسك بكأس من النبيذ الداكن في يدها. ابتسمت، لترسم شفتين حمراوين وحمراوين جداً نحوهما، واضطر فريتز إلى وقف نفسه عن التعثر مجدداً. كانت هي الأخرى مرتدية، أو بالأحرى غير مرتدية، مثل الباقين. ولم يخف شالها المنسدل الرقيق شيئاً من ملابسها الداخلية الدانتيل أو جلدها الأملس الشاحب عن الأعين.

قال بيرت متظاهراً بالهدوء بينما كانت عيناه ترتشفان مظهرها ببريق شره: "يا في. هل يعاملك العمل الجديد بشكل جيد؟".

قالت في دون أدنى قلق، وهي ترشف رشفة أخرى من النبيذ: "بشكل جيد للغاية، شكراً لك يا بيرت".

زمجر نيك وهو يسحب بيرت وفريتز من المرفق: "بلا ثرثرة، أنت متأخر. وأنت، لا تتحدث إليهما. أنت تعرف القواعد".

قالت وهي ترسم بإصبعها ناباً أسود مرتفعاً على عظم ترقوتها: "أنا أعرف القواعد. تقول إنني لست مضطرة للاستماع إليك. أنا أملك قرش الليل".

أدارت في رأسها وتجاهلت عبوسه متقصدة. وعلى الرغم من أنها لم تتحدث أكثر، إلا أنها لوحت بالوداع للاثنين بينما كانا يُسحبون بعيداً.

فوجئ فريتز برؤيتها هنا، وبهذا القدر الوافر منها أيضاً، لكنه ظل قلقاً عليها. حتى لو أعلنت أنها بخير، فهل يمكن الوثوق بهذا الكلام؟ وكيف بحق الجحيم لفتت انتباه قرش الليل؟ أكان هذا خطؤه أيضاً؟ أكانت هذه خدعة؟

هز فريتز رأسه. بالطبع كانت نوعاً من الخدعة، يربكونهم بعرض من الملذات، ثم من المحتمل أن يتعرضوا لنوع من الاستجواب البوحشي بينما ما زالوا في حالة ذهول. كان ذلك الدخان يمتلك أيضاً تأثيراً مخدراً غريباً، وإن كان ضعيفاً، حذره منه عظامه المشتعلة ببرودة.

غادرا الحريم، إلى ممر به ستة أبواب تؤدي إما إلى غرف نوم أو مرشات أو حمامات. وكانت إحدى غرف النوم هذه تشغلها من لا يمكن لفريتز سوى افتراض أنها إحدى نساء الحريم وشخص نال حظوة قرش الليل.

كانت الرسالة واضحة، فهناك الكثير من المتعة لمن ينال رضا قرش الليل بالمقابل.

وعلى الرغم من أن فريتز كان مهتماً، كأي شخص قد يكون، إلا أنه لم يكن متحمساً للغاية. على الأقل، ليس بالقار قدر حماسة بيرت. بدا أن الأحمق كان متشوقاً إيجاباً لمقابلة قرش الليل الآن.

تمسك فريتز بحذره، حتى عندما قيدا إلى غرفة جديدة في نهاية النفق الطويل، يضيئها بلورة كبيرة مسننة تمطر ضوءاً أبيض ناعماً وجزيئات صغيرة متطايرة من الفضي الأزرق.

كانت هذه الغرفة أكثر فراغاً، رغم أن أرضيتها كانت تحتوي أيضاً على وسائد وكراسي وأرائك، وجدرانها الحجرية الملساء كانت محجوبة بالمثل بستائر زرقاء وسوداء. وهناك، في المنتصف، كانت هناك مقصورة من الحرير المعلق، تحيط بها من جميع الجهات بركة من المياه المتموجة ببطء. ذكرت فريتز بخندق حول قلعة، وبدا له أنه يستطيع رؤية شكلين داكنين على الأقل يسبحان في أعماقها.

أحضرهما نيك إلى حافة الماء مباشرة، ومن هنا استاب لفريتز رؤية ظل رجل كبير قوي يجلس على أريكة كبيرة عالية الظهر، وكان لديه شخص، على الأرجح امرأة، تجلس في حضنه. وخلفهما، واقفين على الجانبين، كان هناك شخصيان، كلاهما أقصر قليلاً من قامة فريتز الخاصة.

نادى نيك: "أحضرت الولدين الجديدين، يا رئيس".

ورغم أنه لم يكن بحاجة لفعل ذلك، عرف فريتز المسرح عندما يراه.

تحرك الرجل من خلف الستائر بذراع وانفصلت حرير المقصورة وارتفعت، كاشفة عما يكمن خلفها.

كانت الأريكة ضخمة لدرجة تصنع منها سريراً، تشبه محارة مفتوحة، تُحيط بها حواف من خشب ذهبيّ فاخر، وتفترشها وسائد من المخمل الأزرق الفاتح. مثلما رآه عبر الستائر، وُجد رجل ضخم بملامح قاسية ووسيمة. وهناك، كانت تتخذ مجلساً في حِجره امرأة حورية بحر رقيقة، تُزيّنها حُليّ لامعة وتهمس في أذنه.

كان ردّ فعله الأوّل أن يُطيل النظر إلى الرجل الجسيم، فقد أخبره منطقه السليم بأنّه لابدّ أن يكون قرش الليل. كان طويلاً، مفتول العضلات، وتكسو جسده ندوب وقشور موشومة. تَمطّطت كتفا الرجل وابْتسم باستهزاء.

قال بصوت جهوريّ بلغ أسماعه بسهولة عبر المسافة التي تفصل بينهما والبالغة نحو ثلاثين قدماً: "لقد تأخّرتما".

لم يَرُدّا، فقد فرض الحذر أن يستقي قدر المستطاع من المعرفة في هذا اللقاء. أيّ سرّ قد يصبح سيفاً، وكلّ كلمة قد تكون درعاً.

فَحَص وجه الرجل وهيئته، ولبرهة، ظنّ فريتز أنّه يُحدّق في وجه قرش الليل، ووُقِع في الشرك. ثم انكسر الوهم وتبدّد فور أن هبط ببصره نحو المرأة المتملّقة في حِجر الرجل والتقى بتلك العينين شديدتي الحمرة.

كان الأمر أشبه بالتحديق في مدّ من الدم والجوع. كان ذلك هو قرش الليل. شعر به في عظامه. لم تكن العينان وحدَهما، بل إحساس بالقوة الخفية، بمئات الخيوط غير المنظورة التي تربطها باتصالاتها وخدمها وعهودها التي لا تُحصى.

ضاقتا عيناها وتألقتا فيما قد يكون تسلية باردة. قمع فريتز قشعريرة سرت فيه وشرع في تأمّلها.

حتّى وسط ضباب التعطّش للدماء والقسوة ذاك، كانت فاتنة. تدلّى شعر أسود متموّج متجاوزاً كتفيها، ليُؤطر وجهاً شاحباً يافعاً على نحو مدهش بأنف قوية وعظمي وجنتين وذقن تتلألأ بنتوءات من القشور السوداء. كان فستانها النبيذيّ أنيقاً وزاوياً، بياقة عالية وأكمام طويلة. كان ضيقاً بالقدر الذي يُتيح رؤية شكل قشورها من خلال القماش الذي يُلفّ كتفيها وعضديها ووركيها.

مع إطالة فريتز النظر فيها، تحولت تكشيرتها المغرورة إلى ابتسامة خبيثة.

قال فريتز، موجهًا كلامه نحو المرأة وداعياً أن يكون تخمينه صحيحاً: "نعم، أنا فريتز وهذا برت. لقد جئنا كما أمرتِ، يا قرش الليل".

هتفت المرأة: "آه. لا متعة في الأمر! لقد خمنت ذلك بسرعة يا فتى. قبل أن أتمكن من تمزيق حنجرة هذا الشيء الجميل ومراقبة وجهيكما وهو يموت".

كان صوتها رخيماً، ملوكياً، ومرضياً للغاية بالنسبة لما وصفته. تيبّس الرجل وشحب لونه عندما مدت قرش الليل يداً رقيقة مغطاة بالخواتم نحو حنجرته وربتت عليها بحنان.

تابعت وهي تنزلق من حِجره وتقف على قدميها الحافيتين: "أتعرفان، هذا المرء قد أغضبني. ظل يستمع، أو بالأحرى يتذكر كل الأمور الخاطئة. وينسى القواعد".

أحكمت يدها القبض على حنجرته بقوة، ورغم أن الرجل راح يتخبط، فقد تبخرت ضخامته وقوته أمام ذراع قرش الليل الرشيقة. لم يستطع حتى تمزيق كم فستانها. اخترقت أظافر حادّة كالشفرات جلده وتدفقت الدماء من عنقه.

قالت: "يا للأسف".

أصدر الرجل خريراً وحاول الصراخ، لكنه أخفق وهو يختنق بلحمه المتمزق.

صرحت قرش الليل: "لقد أُفسدت المفاجأة".

سحبت الرجل دون أيّ عناء نحو حافة البركة، فتحرك أحد الأشكال الداكنة ثم انطلق نحو السطح. دَلّت قرش الليل الرجل داخل المياه المضطربة وفوقها، لتتساقط الدماء بحرية وتُلطّخ البركة باللون الأحمر.

راقب فريتز المشهد وهو متجمد من الرعب.

قفز قرش من الماء، بطول ثمانية عشر قدماً وبلون القطران. انتزع النصف الأسفل من جسد الرجل بعضة واحدة قبل أن يتابع قوسه الرشيق عائدًا إلى البركة.

خرخرت قرش الليل: "أحسنتِ يا فتاة"، ثم ألقت بما تبقى نحو الشكل الداكن الآخر المتربص في الأسفل تحت الأمواج.

انطلق قرش آخر، أصغر حجماً بقليل، باتجاه الجذع الملطخ بالدماء. انقطع صراخ الرجل الخشن الأخير حين سُحب تحت الماء إلى الأعماق.

عادت قرش الليل متبخترة إلى أريكتها وجلست، عاقدة إحدى ساقيها الرشيقتين فوق الأخرى بينما استندت إلى الخلف، متفحّصة جمهورها.

لم ينطق أحد ببنت شفة. شعر فريتز بالغثيان. بجهد، رفع عينيه عن المياه الممتلئة بالفقاعات والدماء ليوقعهما على المرأة المنتصبة باتزان تام والجالسة مقابلة لهما.

كان برت عاقداً حاجبيه، لكنه نفض عنه المشهد المروع بسرعة وابتسم لقرش الليل. كان مرناً هكذا دائماً.

رفعت حاجبها.

قال برت بفظاظة: "لم أكن أعرف أنك امرأة. لا أستطيع القول إنني أمانع ذلك".

أضاف فريتز: "وخصوصاً أنك بمثل هذا الجمال"، ولم يضطر حتى للكذب.

ابتسمت كاشفة عن أسنانها، فقد كانت بيضاء ناصعة ومستدقة كالأنياب. لربما أرعب هذا المنظر فريتز لو لم يكن معتاداً على غرابة كهذه بفضل ابتسامة روزي.

سأل فريتز قدر ما استطاع من تذلل: "ما الذي أردتِ رؤيتنا لأجله؟ هل أسأنا إليكِ بطريقة ما؟"

سألت وهي ترمقهما: "أحقاً فعلتما؟"

كذب فريتز، مطرزاً كلماته بأنشودة الغسق: "لا يمكنني تفكر أيّ شيء. لقد التزمنا الصمت وكنا قليلين العنف".

زمّت قرش الليل شفتيها، ثم مرّت نظرتها الخاطفة على جسده، متوقفة عند كنوزهه، وخاتمه الخاتميّ، وأخيراً مقبض الزئبق السريع. التقط فريتز وميض الضيق في عينيها، ثم سرت ابتسامة مميتة على وجهها.

قالت: "فضّة القمر"، ثم أدارت رأسها ببطء نحو أحد الأشخاص الواقفين خلفها.

لم يُعِر فريتز الاثنيْنِ اهتماماً يذكر حتى الآن، وكان حرياً به أن يفعل.

كان أحدهم مقاتلاً مخضرماً ومتبقّع الندوب، ويقارب نيك في بنيته. غير أن هذا الرجل كان يتمتع بشعر أسود كثيف تتخلل شعيرات بيضاء، وتتدلى خنجران عند خصره. لم يكن ذلك الرجل هو من التفتت إليه نايل شارك. بل وجّهت بصرها نحو شخص يرتدي عباءة داكنة باهتة اللون، وقد غطى قلنسوة رأسه وأخفاه الظل.

خفق قلب فريتز بعنف. ينبض رعباً.

حتى من خلف الظل، بدت ملامح سيد الجميلة واضحة المعالم، مع أنها أبقت جانباً واحداً من وجهها محجوباً. كيف لم يلاحظ وقوفها هناك؟ حتى مع كل المشتتات المروعة والصارفات المغوية، كان مفترضاً أن يراها.

وبخ نفسه، وكاد يتحرك، كاد يخطو خطوة إلى الأمام ويناديها. أوقفها الماء المظلم وانقباضة تحكمه.

قالت سيد بصوت أجش: "وما الأمر؟"

سألت نايل شارك: "أليس هذا ما أهديتَه لي حين التقينا للمرة الأولى؟ رأس ذلك الكلب ذي العظام المصنوعة من فضة الأقمار؟"

أجابت سيد وهي تهز كتفيها: "لا أدرك الكثير عن المعادن."

سألت وهي تشير برأسها نحو فريتز وبرت: "أتعرفين هذين الاثنين؟"

قالت سيد وتجنبت النظر إليهما: "نعم. دخلا السبيل في الجماعة نفسها التي كنت فيها."

"ألا مزيد؟"

قالت سيد: "لا مزيد."

سألت ببرود: "إذن لماذا تخفق قلوبكما خفقان عشاق ضائعين التئم شملهم؟"

التفتت سيد بطرف عينها نحو فريتز فدهشه اللون الأزرق الساطع لعينيها والقلق الموارى في طياتهما.

التقت نظراتهما. وأدرك. لقد كان الأمر حقيقياً.

قالت نايل شارك: "يا له من تطور مخيب للآمال."

ظل صوتها مهذباً ومنضبطاً، لكنه اكتسب نبرة خطيرة ومابتها قد تلاشت منذ زمن طويل.

"ولقد صدقت فعلاً أنك صعدت وحدك في الغالب."

أعادت نايل شارك نظرتها الثاقبة إلى فريتز وبرت.

سألت: "أنتما الثلاثة أتممتم الصعود الذهبي معاً، أليس كذلك؟"

تبادل الاثنان نظرة خاطفة.

كل الأكاذيب وأنصاف الحقائق التي نوى فريتز قولها تكسرت في لحظة واحدة أمام حواس المرأة الحادة وغرائزها المهيبة. وما إن التقى بنايل شارك، ورأى هذا الخطر المتربص، حتى أيقن أنه بطريقة ما استخف بها مجددаً. ورغم أنه سمع كل الحكايات وصدق معظمها، إلا أنها لم توفها حقها.

أدرك في تلك اللحظة أن العبودية وحدها هي ما سينقذهما. أثار ذلك غيظه، وجعل صدره يضطرم. ضغط على مقبض كويكسيلفر. بصق داسكسونغ وأطلق نشازاً حاداً. تفجر لهيب غريب في الأعماق واضطرب بينما هبت العاصفة في مقدسه. كبح كبرياءه، وأجبر رغبته الجامحة في الحرية على التراجع وركز على النجاة.

حدث نفسه، الآن فحسب. ردد، فحسب إلى أن أصير قوياً بما يكفي.

خفف هذا الوعد من حدة النشاز، لكنه لم يفعل شيئاً حيال اللهب.

اعترف فريتز كاسراً الصمت المشحون: "لقد فعلنا."

"وما الغاية من هذا التحايل؟"

قال فريتز: "ما أردنا قطُّ أن نُساق إلى هنا".

وأضاف بيرت: "ولا أن نخسر كل كنوزنا".

فسألت: "طمعاً إذن؟".

أكد فريتز وهو يجعل سلاح داسكسونغ يطلق بصاقاً حاقداً: "لا، ما رغبت في الخضوع لك قط. أردت الحرية زمناً أطول".

قالت نسيم الليل وهي تخفي حسابات دقيقة خلف ملامحها الباهتة: "أرى ذلك. كاذب طماع مخادع، ومن يبغي ماذا؟ الحرية؟ عليك أن تعلم ألا وجود لمثل هذا في هذه المدينة. ليس ما دمت أنا الحاكمة".

قال فريتز: "أدرك هذا. والآن... أنادم على طيشي الماضي. وأرجو أن تغفري تجاوزاتي".

لم تتأثر نسيم الليل، لكن تذللّه بدا وكأنه هدأ من روعها قليلاً.

التفتت إلى الرجل وسألت: "وما شأنك أنت يا بيرت؟ أأنت مثله؟".

قال بيرت بافتخار وهو يضرب قبضته بصدره: "طبعاً! نحن أخوان".

سألت وهي تشير إلى بروز غريب تحت قميصها: "أهكذا إذن؟ وما هذا؟".

أجاب بيرت وهو يمد يده تحت قميصه ويزعزع الحلزون عنه بصوت لزج ومطاط: "صديقي المقرب ديل".

ورفع ديل عالياً ليراه الجميع.

نهضت نسيم الليل، ثم مشت بخطوات واسعة نحو البركة، وقفزت مسافة ثلاثين قدماً من الماء الفاصل بينهما، لتهبط بخفة وأمام بيرت مباشرة.

سألت وقد بدت عليها الاهتمام وتألقت عيناها بالرغبة: "نوع من الوحوش الحلزونية؟".

قال بيرت: "نعم، أسميناه الحلزون الصدئ. أو الحلزون المالح لأن ما وجدناه منها رش حمض الملح".

قالت لنفسها غالباً: "أمر بالغ الطرافة، ألوان صدففته رائعة حقاً. وإن بدا كائناً قبيحاً وأهوج. أعطني إياه".

قال بيرت: "لا أستطيع، لقد ارتبط بي بالفعل".

طالبت نسيم الليل: "حطمه".

رفض بيرت: "لا".

صاح فريتز: "لدينا هدية!".

لكنه أبطأ.

التفتت يد نسيم الليل حول عنق بيرت قبل أن يرمش. استجيب جسد بيرت رغم ذلك. لقد تجذر فن القتال بعمق شديد فيه لئلا يقوم بهجوم مضاد. ارتفع ذراعه الطليقة وأمسك بمعصمها، ثم استدار دافعاً نسيم الليل لترتفع وتعبر من فوق كتفه.

حلقت في الهواء كدوامة من الحراشف السوداء، والبشرة الشاحبة، والقماش الأحمر. هبطت بخفة على قدميها، ثم استدارت. لم تتأثر نسيم الليل أبداً سوى بخصلة شعر سوداء سقطت على وجهها، فأعادتها مكانها بوقار متمرس.

سقط بيرت على ركبة ممسكاً بعنقه، وتطاير الدم من بين أصابعه، من الموضع الذي مزقت فيه أظافرها لحمه مباشرة. تقدمت نسيم الليل بخطى متهدجة نحو الرجل الراكع وأمعنت النظر إليه بقسوة. نقرت قطرات الدم عن أظافرها، فنثرت على وجهه بقعاً حمراء صغيرة.

قالت: "يا للضياع! الموت من أجل وحشك لا يفيد احداً. يمكنك ربط وحش جديد، شيء افضل".

قال بيرت بصوت متحشرج وهو يبتسم لها محَمْلَقاً: "من قال شيئاً عن الموت؟"

اختلج فمها، ولم يُدرك فريتز أضجرٌ ذاك أم تسلية.

قالت: "الحيوية؟ لا، تحتاج الى اكثر من ذلك لتتعافى من شقّ حنجرتك. هذا مثير للاهتمام".

قالت والتفتت إلى فريتز: "وأنت، ألم تقل شيئاً عن هدية؟"

قال فريتز مسرعاً: "نعم، في الحقيبة هناك".

أمرت قائلة: "احضرها"، وبقيت تنظر إلى بيرت وهو يززف.

لعقت شفتها العليا بخفة بشرود.

هبّ فريتز طائعاً، وتداعت يداه رجفة وهو يفتح الحقيبة، وما هي إلا لحظات حتى كان يناول قرش الليل جرة الفخار التي تحتوي على بيضة الأنقليس الشاذ.

أمرت: "افتحها".

فعل، ثم أراها الكُرة الصافية التي تتوسطها كتلة غائمة تتخللها شرارات متقطعة.

سألت قرش الليل: "ما هذا؟"

شرح فريتز بصوت مرتجف: "بيضة، خرجت من عُش أنقليس برق شاذ".

توهجت عيناها الحمراوان بعجْب، ثم بشكّ عميق.

"ولماذا ظننتَ أن هذه ستكون هدية صالحة؟"

تفاخر فريتز محاولاً جعل الأمر يبدو كاستنتاج يسير: "حسناً، لا أبتغي التفاخر. غير أنني بعينيّ الحادتين وإدراكي الثاقب، لاحظتُ أمراً غريباً في بعض الطيور والوحش. كانت تنتظر وتراقب تماماً كالحراس. وإذ أعرف ما أعرفه من رابط بيرت، استنتجتُ أنكِ سيّدة وحوش".

سألت بنبرة لا تُصَدَّق وقاتلة: "استنتجتَ ذلك؟"

قال فريتز مستدعياً كل ما يستطيعه من غناء الغسق ليجعل الكلمة ترنّ باليقين: "نعم".

تألقت ياقوتات طوق قرش الليل الذهبي بخفت استجابةً لذلك. هوى بطن فريتز، ورجا ألا تكون المرأة قد لاحظت. تحدق في وجهه، ولسوء الحظ لم تكن لها عينان إلا للبيضة.

سألت: "أعلمتَ أن الشواذ لا يمكن ربطهم؟ وأن محاولة ذلك قد تقتل المتسلق أو تصيبه بالجنون؟ وأنهم سمّ؟"

قبل أن يتمكن فريتز من الردّ أو نفي أي محاولة اغتيال، تابعت قائلة: "أظن لا، فهذه معرفة نادررة. وليست غلطة يرتكبها المرء أكثر من مرة. الشواذ يصارعون الرابط، وعقولهم أشياء شريرة ومتوية، تضجّ بالبغض والجوع".

قالت وهي تأخذ الجرة برفق من يدي فريتز: "لكن هذه البيضة، لم تُولَد بَعْد. روحها أضعف من أن تقاوم الرابط".

قالت أخيراً وهي ترفع رأسها وتبتسم لكليهما: "هذه هدية عجيبة. هدية تفوق قيمتها مدارككم. لقد سررتُ لجزيتكم".

كانت هذه ابتسامتها الحقيقية ولم تُبعث على الطمأنينة بأي حال، بل كانت بجنونها وحدّتها مثلها تماماً.

قالت: "مع ذلك، ما عسايَ فاعلة بكما؟"

توسل فريتز: "دعنا نخدمك".

قال بيرت وهو ينهض وما زال مسكاً بحنجرته بينما خفّ النزيف حتى صار قطرات، وبسخافة بالغة الغمش: "نعم، سنفعل كل ما تأمرين به. أيّ شيء".

توسل فريتز هذه المرة مقمعاً غناء الغسق لئلا تتوهج تلك الياقوتات مجدداً: "نحن مفيدان، أعدك".

قّيمتْهما قرش الليل ببرود، وهي تربت على الجرة وتميل برأسها قليلاً كمن تراهما من زاوية أخرى.

تسللت ابتسامة ماكرة وصغيرة إلى شفتيها.

"أخبراني بما تفيدان فيه".