غضب "سبير" الفصل 137 — القوس الثالث - الفصل 9

اقرأ غضب "سبير" الفصل 137 — القوس الثالث - الفصل 9 باللغة العربية على مانجا تايم.

كانت بوابات حلقة القصر أعلى من تلك المؤدية إلى الحلقة الغارقة. رُفعت البوابة الحديدية وشُحذت مساميرها الفولاذية المعلقة على ارتفاع خمسة عشر قدماً لتشبه الرماح الجاهزة، مصوبة نحو العربات وركابها من النبلاء وهم يعبرون من تحت القوس الحجري.

لم تكن البوابة محمية بفصيلي حرس العاصفة فحسب، بل حماها أيضاً اثنان من وجوه حرس الحراشف الشامخة.

أغمض فريتز عينيه للحظة لكي يمنع نفسه من رمق أولئك المحاربين النخبويين بنظرة متوجسة. أشعره حضورهم وحده بصغر حجمه. لم يكن الأمر عائداً إلى طولهم الفارع أو بنيتهم المفتولة فحسب، بل إلى استقامة ظهورهم الصلبة، وبرود نظراتهم الحادة، وعرض كنوزهم الفتاكة التي ميزتهم عن غيرهم. بدوا كأنهم يطغون على حرس العاصفة الذين ارتدوا عتاداً أقل هيبة، وأُلقيت على عواتقهم تفاصيل ضمان سلاسة حركة المرور بدلاً من المهمة الأكثر شرفاً المتمثلة في حماية البوابة.

تساءل بيرت: "ليس لدينا عربة. أسيسمحون لنا بالدخول؟"

أجاب فريتز: "خاتم ختمي كفيل بفتح الطريق. وإن لم يفعل، فتسلق الجدار خيارنا".

رمق بيرت الحجر الأملس بنظرة توقّدت فيها شرارة التحدي داخل مقلتيه العسليتين.

تقدم فريتز بخطى ثابثة، متذيلًا عربة سوداء مزدانة بالفضة.

عبرت العربة البوابة، وكان فريتز وبيرت على وشك اجتيازها حين تحرك أحد أفراد حرس الحراشف، ثم انطلق وسط المطر في ومضة خضراء باهتة. استقر تماماً أمام فريتز ماداً يده ليوقف تقدمه. حدث ذلك في لمح البصر، ورغم أنه لم يشعر بأي إنذار من حاسة الخطر لديه، إلا أنه تراجع خطوة إلى الوراء وقبض على مقبض كويكسيلفر.

أمر الرجل ذو الندبة: "أعلن عن هويتك وغايتك".

أجاب فريتز وهو يرفع يده عارضاً خاتم ختمه: "اللورد هايتايد. أبتغي أرشيف الملك".

حدق حارس الحراشف في وجه فريتز لثلاث ثوان قبل أن تنجلي نظراته الحادة ببطء لتستقر على الشعار الفضي.

هدر الرجل: "هايتايد. سنرى حقيقة ذلك. تعال معي".

حاول فريتز سبر أغوار وجه الحارس، لكنه بدا كلوحة صلبة من الكفاءة المجرّدة التي لا تفصح عن شيء. غير أن فريتز، حين ركّز، استطاع أن يشعر بشرارات متطايرة من الضيق وبعض الوجل تتسرب من الرجل. بدا واضحاً أن فريتز يقاطع مهمته البالغة الأهمية المتمثلة في الوقوف بلا حراك، وهمّ بالاعتراض قبل أن يلمح نظرة قاسية في عيني الرجل.

رضخ فريتز كارهاً: "تقدّم أنت".

أدرك أن محاولة الفرار، التي كان جسده الخائن يصرخ طالباً إياها، لن تؤول سوى إلى القبض عليه عاجلاً أم آجلاً.

استدار الحارس وتبعه فريتز، بينما سار بيرت خلفه بخطوة واحدة، متقمصاً بحنكة سلوك الحارس الشخصي.

سيق الاثنين إلى مركز حراسة قريب وأُمرا بالانتظار في غرفة شبه خالية بينما تحدث حارس الحراشف إلى رئيسه فيما بدا وكأنه مكتب يقع في الداخل.

لم يستطع فريتز سماع أي شيء من خلف الباب، واستقر ثقل مخيف على كتفيه. تداعت في عقله أفكار مرعبة. أتراهم علموا بجرائمه؟ بكل تلك السرقات وأعمال العنف؟ هل عُوقبت عائلة هايتايد أو أُبيدت بغياب سيّد العائلة؟ أيكون ماضيه قد لحق به دفعة واحدة؟ أسيidفعل الثمن هنا والآن؟

ارتجفت ساق فريتز، فقمع تلك الحركة، ثم حول نظره نحو باب الخروج مفكراً في الفرار مرة أخرى. ومع ذلك، فحتى مع تصاعد الرعب في صدره، ظل جالساً على الكرسي الخشبي الصلب.

انتظرا ثلاث دقائق عصيبة قبل أن يظهر الحارس مجدداً.

أخرج قرصاً معدنياً باهتاً بحجم طبق صغير ووضعه على الطاولة، ثم أشار إليه.

لم يحتاج فريتز إلى توجيه، إذ خمن الأمر من طريقة إطالة الرجل في النظر إلى خاتم ختمه. مد يده عبر الطاولة، محلقاً بكفه فوق المعدن. توهج القرص بخطوط ودوائر بيضاء باهتة.

عبرت ومضة من الدهشة وجه الحارس المتابع، لكنها تلاشت بالسرعة نفسها التي اختفى بها الضوء الأبيض حين أبعد فريتز يده عن القرص.

اعتذر الحارس فوراً محنياً رأسه باحترام: "عذراً على التأخير، لورد هايتايد. لقد تحقّقنا من صحة مقامك. لم تطرق اسم عائلة هايتايد العريقة مسامعي منذ زمن طويل، لذا أرجو أن تغفر لي شكوكي. لا يمكن للمرء قط أن يتوخى الحذر أكثر مما ينبغي في هذه الأوقات المضطربة".

شعر فريتز بالمفاجأة. كان تغير سلوكه سريعاً ومفاجئاً؛ فلم يعد وجه الحارس ينم عن ازدراء صارم، وتخلص صوته من نبراته الخشنة. ومع زوال مظهره الفظ، بدا أصغر بعقد كامل، في منتصف ثلاثيناته عوضاً عن أربعيناته.

أومأ فريتز برأسه ملتزماً الصمت. مهما بلغت حلاوة توبيخ الحارس والتقليل من شأنه، فلن يجلب له ذلك سوى الأعداء وسيجر عليه المتاعب طوال المستقبل. وهو أمر لا يمكنه تحمله، بغض النظر عن ثروته حديثة العهد.

قال الرجل وهو يفتح الباب ويقودهما للخارج: "من هنا إن شئت، سيدي".

بينما كانا يشقان طريقهما عودة إلى البوابة، سعى فريتز إلى طرح بعض الأسئلة على الرجل.

بدأ حديثه قائلاً: "قلت إن هذه أوقات مضطربة؟ أكثر من المعتاد؟"

أجاب الحارس بلطف: "نعم، يا لورد. لقد كثر المتقمصون والمخادعون. والأخطر من ذلك كله، أنهم يسعون لتقويض الملك وانتزاع مدينة المطر من حكمه الشرعي. يقول البعض إنهم جواسيس من الإمبراطورية، ويقول آخرون إنهم يعملون لصالح قرش الليل صاحب الهمسات. من أدراك بحقيقة الأمر، لكنني أؤكد لك أنهم موجودون ويحكون المؤامرات".

حدق فريتز في الرجل مخفياً بعض شكوكه، فقد كان جريئاً للغاية في حديثه لشخص يعمل ضمن حرس الحراشف الملكي.

قال فريتز وقد غلبه الفضول: "أكان يجب أن تخبرني بمثل هذا؟"

أجاب: "بالطبع. فأنت سيّد، ويُفترض أن يُطلع النبلاء على أوامر الملك كلها سوى أكثرها سرّية. إن سألوا. وما أخبرتك به ليس ثرثرة فارغة، أؤكد لك. على الجميع الحذر والترقّب تحسّباً للخيانة. لقد أعلن الملك هذا بنفسه أمام البلاط منذ ثلاثة أسابيع فحسب".

أراد أن يسأل كيف عرف حارس الحراشف أنه ليس أحد هؤلاء الجواسيس، لكنه أدرك أنها مسألة حمقاء. مسألة لا تلبث أن جلب الشكوك. وربما كان للأمر صلة بالقرص وتفاعله مع خاتمه.

قال فريتز ببرود: "آه، لا بد أنني فاتني ذلك".

أعلمه الحارس بلا مبالاة: "الأمر مفهوم، فأنت لست من شعب البحر، وغالباً لم تُستدعَ. وأعتذر إن كان في كلامي وقاحة، لكنني وبصفتي ناطقاً بالصدق، أُعلمك أن بيت هايتايد لا يحظى بالكثير من الودّ. مع أنك على دراية تامة بذلك".

ردّ فريتز: "أنا كذلك"، واجده لطيفاً على نحو غريب.

كان يدرك تماماً أن الحارس لا يقصد الإساءة، غير أنه افتقر إلى حس اللياقة. وتساءل كيف لمرء كهذا أن ينتهي به المطاف حارس حراشف، فسأله.

أجاب بيسر ومبتسماً كأن الأمر لا يعنيه البتة: "أنا ابن غير شرعي، كما ترى. الكثير منا نحن حراس الحراشف كذلك. مع أن بعضنا مجرد متسلقين أشداء صعدوا عبر برج المطر وبقيت لهم حاجة في مدينة المطر".

سأل بيرت: "كيف يجري ذلك، أمر الابن غير الشرعي برمته؟"

"حسنناً، في حالتنا، يُقدِّمنا آباؤنا النبلاء الأجلاء في سن مبكرة، قبل أن نتمكن من إحراجهم حقاً. ثم نتلقى التدريب. ثم نتسلق بأنفسنا. وحين ينتهي أمر التسلق الخطير برمته، نخدم الملك في حراسه من ذوي الحراشف".

قال فريتز، مست2نبطاً عدم كفاية التفسير حيال غرابته الواضحة: "أفهم. ما اسمك ايها الحارس؟"

أجاب بشيء من الحذر: "كوين، أمم، كوين كولد، يا سيّدي".

قال فريتز: "حسنناً يا كوين، شكراً لك على الحكاية، والتحذير".

قال بجدية: "لقد كان ذلك واجبي".

مَشيا.

قال كوين ما إن اقتربا من البوابة: "آه، ها نحن ذا. عذراً مجدداً على التأخير، سيّد هايتايد. امضِ قدماً. الأرشيف يقع في الشمال، مبنى ضخم ذو سقف قبة، لن تخطئه. كنت لأدلّك اعتذاراً، غير أنني مطلوب في موقعي".

غادر حارس الحراشف.

قال فريتز: "لقد كان ذلك... لقاءً غريباً. مع أنني لا أستطيع القول إنه سار بشكل سيئ".

سأل بيرت: "أترى كل حراس الحراشف هكذا؟"

هزّ فريتز كتفيه.

قال فريتز مستذكراً حضور الرجل البارد والصارم قبل أن يثبت، بطريقة ما، أنه سيّد: "لا. أظن أننا التقينا بواحد غريب فحسب. أو ربما الأمر كما ذكر، يحق للطبقة الأرستقراطية أشياء كثيرة. ولا بد أن خضوع الحراس المعنيين واحترامهم جزء من ذلك".

نظر فريتز إلى خاتمه، وأدرك أنه أثقل مما ينبغي، لكنه ظن أنه يخلو من أي سحر. وقرر أن يوعز إلى لورين بفحصه بعمق، وشعر بأن سرا خفيا يكمن في ذلك الشعار الفضي، وهو ما أثار حكة في عقله.

بخُطًى واسعة، عبر البوابة بلا عائق ومَشيا في شوارع حي القصر النظيفة والمرصوفة بالحجارة.

احتجبت العقارات الواسعة خلف جدران شاهقة وبرك عميقة على جانبي الطريق العريض. حدق بيرت بدهشة في القصور التي تعلو أرضياتها وسقوفها الأسوار، وتساءل فريتز حيث يقع قصره الخاص ذو الصفصاف الياقوتي. وخالَ أنه ينبغي أن تساوره ذكريات حلقة القصر، بيد أن كل شيء بدا مختلفاً تماماً مع قامته الراشدة وعينيه المعززتين. فضلاً عن أنه لم يشأ استدعاء تلك الأيام الحلوة واليسيرة وتلك الليلة البشعة والقاسية حين سُلِب منه كل شيء.

سأل بيرت: "فريتز، أأنت بخير؟ أرايت بيتك القديم أو شيئاً من هذا القبيل؟"

قال فريتز محولاً نظره عن أي أشجار باسقة قد يحسبها أشجاره: "لا، إنه ليس هنا. هذا المكان يعيد كل شيء. إنه كسكين موجه نحو صدرك ينزلق ليُستقر به عند عنقك".

أومأ بيرت، لكن فريتز أدرك أنه لم يفهَم. لا بأس بذلك. إنه هنا.

تنزها شمالاً، عابرين المتنزهات والحدائق، والبرك والعموديات، والتمثيل والأقواس المهيبة. كانت الطرق قليلة المارة وهادئة. تدحرجت العربات متجاوزة الثنائي بخطى هادئة، حاملة النبلاء حيث شاؤوا. وكانوا يلمحون أحياناً حارساً يرتدي الحراشف خضراء باهتة، يقفون عند مفارق الطرق أو ي دورون في المتنزهات الجميلة، دون أن يتدخلوا قط بل يراقبون على الدوام. وانحنَوا حين اقترب فريتز بخطوات واسعة.

كان المشهد مخيفاً. وهادئاً سوى صوت المطر. ارتجف فريتز لا من البرد. وأخذ بيرت يضطرب كأنه يريد الشروع في العدو وتلصق الجدران.

ولم يلمه فريتز، إذ انتابه الشعور ذاته، رغم ما خامره في الوقت عينه من رغبة غير عقلانية ولا وصف لها في تحطيم تلك الأبواب المنحوتة بأناقة وتهشيم تلك النوافذ الزجاجية النقية. وإسقاط الأعمدة وإغراق هذه المساكن في الدماء، مثلما أُغرق منزله. ومعاقبة أولئك الذين وقفوا متفرجين، مخبئين ابتسامات قاسية خلف أيدٍ ناعمة ومتهامسين بابتهاج، بينما نهبت نقابة المرشدين داره.

قال بيرت مشيراً وسط المطر: "ها هي القبة".

وهكذا كانت. قبة بيضاء نظيفة مدعمة بالنحاس تعلو مبنًى مستطيلاً. وخلت من النوافذ وفي واجهتها باب كبير فريد. ولا بد من وجود مداخل جانبية، غير أن فريتز لم يتمكن من رؤية أي منها من تلك الزاوية. وزادا من سرعتهما، حتى كادا يهرولان على الحجر المرصوف.

لما بلغا البابين الخشبيين العظيمين، وجداهما مفتوحتين على مصراعيهما، لتتسلل منهما ضجيعة النهار الرمادية. كانت هناك ردهة مدخل، تفترش الأرض بلاطات رخامية بيضاء، وتصطف فيها درجات خشبية داكنة تقود إلى طابق ثانٍ وثالث. وقبالتهما باب أصغر وجدار من الخشب الفاخر ذاته. أفضى ذلك إلى الأرشيف نفسه وكان يحميه حارس حرشفيّ منفرد، اقتصر فعله على إيمأة احترام حين تفرسا في الردهة.

خطا فريتز خطوة واثقة على البلاطات المزخرفة، ثم شعر بدفء مفاجئ يغمره. تبخر ما علق بملابسه من ماء في نفس واحد. التقطت عيناه خطوط الرون البرتقالية المتوهجة والمرصعة في إطار الباب النحاسي، ثم ما لبثت أن تلاشت في ومضة.

قال بيرت وصوته يتردد في الردهة: "يا الهول".

أضاف بهمس ما زال يخترق الردهة: "ماذا كان هذا؟"

كاد فريتز ينكمش، لكنه عوضاً عن ذلك ابتسم بتهكم وقال: "تعويذات. لمنع الماء. بداهةً. والآن، اصمت".

أومأ بيرت، مؤدياً دور الخادم المطيع أمام سيد فريتز الصارم، كأنه نال تأديباً بليغاً.

واصلا التقدم نحو الأرشيف الحقيقي، ليجدا ما ورائه مألوفاً بصورة غريبة. كان يذكرهم بالطبقات السفلى للمكتبة الغارقة التي صعداها في برج البحر، وُجدت ثلاثة طوابق وكانت الجدران مغطاة برفوف الكتب. مع أن الأمر لم يكن مطابقاً تماماً، فلم يكن هذا الأرشيف بالفوضى العارمة التي اتسمت بها طبقة البرج. رُتبت الكتب واللفائف والمجلدات بأناقة على رفوفها المنظمة والمعنية بها. وُجدت أيضاً أبواب عديدة في الجدران، تقود إلى ما قد يكون غرف دراسة خاصة أو مستودعات إضافية للمعرفة.

كان الهواء مغبراً، جافاً لكن بلا قسوة، وهدّأت رائحة الورق أعصاب فريتز المتوترة أكثر مما ينبغي. تدفق ضوء شاحب من بلورة ضخمة تتدلى من السقف، ليضيء كل ما يعلوه وما يتدناه ببياض لطيف جعل الألوان والتباين أكثر حيوية.

أشرفت شرفات فارغة على الطابق الأول للأرشيف، ولم يُرَ أحد سوى تجمع صغير في الطابق الثاني. كان أحد أفراد المجموعة حارساً حرشفياً يقف في وضع الاستعداد، وهو مخضرم رمادي الشعر ومتجعد. أما البقية فهن سيدات شابات من حور البحر، ثلاث منهن، وقد تزينت ياقاتهن وأسوار أكمامهن بالكثير من الدانتيل وتحلت أعناقهن بالجواهر المتلألئة. جلسن يقرأن تحت حراسة مطيعة.

كن جميلات جميعهن.

برزت إحداهن لفريتز، حتى كادت عاطفته تجذب قدميه إلى الامام. لقد أوقعته، مجدداً، تلك الغرة السوداء وتلك العيون الفضية المتلألئة. لاحظ الحارس نظراته على الفور، ولعاب بيرت السائل. فعّل فانوس كنز على الطاولة التي تحلقت حولها النساء، ليغلف الشرفة وساكنيها بقبة من الضباب الخفيف الذي عجزت عيناه فريتز القويتان عن اختراقه.

قال بيرت وهو ينزهه بمرفقه: "أدركتُ لم رغبتَ في مجيء الأرشيف. اختيار موفق".

رغب فريتز في تأنيب الرجل لكنه سمع خطوات خفيفة وانفتاح باب عن يمينه. لمح اللوحة النحاسية المعلقة على واجهة الباب، والتي عرفت المرأة التي كانت تتقدم بخطى حثيثة نحو الثنائي هكذا: السيدة جويوس غريسايل، مساعدة الأرشيفي الثالثة.

كانت ترتدي ثوباً رهبانياً لا رداءً، وجمعت شعرها الأشقر في كعكة عملية، وإن كانت مضفورة بإتقان. اتخذ جسدها هيئة بشرية ولا زالت عدسات ذات إطار ذهبي مستقرة على أنفها، مما شوّه شكل عينيها الخضراوين كالليمون.

انحنى فريتز بلطف مع اقترابها وانحنت هي بدورها في تحية لائقة وممرنة حين بلغته.

عقب تلك التحية المبهجة، تفرسا في بعضهما. انتظرت منه أن يتحدث، فكانت نظرتها مقتصرة على فريتز وحده، متجاهلة بيرت تماماً. تساءل عما كانت تنتظره، ثم تذكر أخلاقه.

عرّف فريتز نفسه: "اللورد هايتيد. ومرافقي المخلص ألبرت ديل".

استشعر فريتز نظرة بيرت المستاءة وهي تسدد طعناتها مباشرة في ظهره فكتم ضحكة.

ابتسمت السيدة بأدب، رغم أنها لم تلتفت لبيرت أبداً.

"وما الذي يأت باللورد إلى أرشيف جلالته، أتبحث عن أمر بعينه؟"

قال فريتز بأقصى ما استطاعه من مهابة: "مجرد معلومات عامة في الوقت الراهن، كل ما يمكننا العثور عليه عن برج المطر، والسمات، وأي تقنيات ملائمة".

أدرك من ابتسامة مساعدة الأرشيفي المتعثرة أنه قد خرَق آداب السلوك أو أفصح عن جهله لها من خلال فجاجة في خطابه أو خشونة في نبرته.

أعلنت: "هذه زيارتك الأولى".

قال فريتز، متسللاً بنغمات ديسكسونغ الهادئة والبارعة: "صحيح، لقد علمت مؤخراً أن استخدام أرشيف الملك كان أحد امتيازات رتبتي".

قطبت جبينها، وتسلقت عيناها إلى صدره، تماماً حيث يرقد مقدسه.

تجعد حاجباها وخطت خطوة إلى الأمام، محدقة بحدة.

سأل فريتز وهو يتفحص نفسه نزولاً: "أهناك شيء على قميصي؟"

قالت المرأة باقتضاب: "لا".

أدركت مدى قُرب وقوفها فتراجعت بخفة، ثم نزعت عدستيها، مطهرة إياهما بقطعة قماش من كمّ ردائها ودون أن تلتقي عينا فريتز.

أردفت مبررة: "كان هناك ضباب غريب. وقد زال الآن. لا بد أنه كان ذرة غبار".

"اعذري هذا الاقتراب. لم أكن أود الإساءة".

قال فريتز بسماحة: "ليس هناك إساءة لتؤخذ. وكما لعلك استنتجتَ، فأنا لست ملماً بالأرشيف ووظائفه. أيمكنك أن توضحي لي؟"

قالت بصرامة: "بالتأكيد".

أجابته عن أسئلته هناك ودلّته على مكان المعلومات التي يبحث عنها. كانت حصيلة أكثر ممّا توقع، وأقل ممّا أمّل. يحقّ له تصفح الطابق الأول بارتياح، أو الاستعانة بأحد خدمه أو الحراس الثقات للبحث عن عناوين بعينها. غير أنه عجز عن بلوغ الطابقين الثاني والثالث وما وراءهما من مخادع محصنة أو مخفيّة داخل جدران الأرشيف وخزائنه.

حين قال فريتز إنه لم يرَ أيّ حراس، أفادت مساعدة الليدي بأنهم لا بدّ منتهشون بين الرفوف، يعيدون الكتب أو يجلبونها حسب الطلب.

أردفت: "إن أوقدتَ أحد قناديل المانا على الطاولات، فسيأتيك أحدهم".

سأل فريتز: "كيف يظفر المرء بإذن استخدام الطوابق العليا؟"

أوضحت جويوس: "تلك مزية خاصة محجوزة بمرسوم ملكيّ".

سأل وقد تصاعد خيبته إذ تيقن أن كل الكتب النافعة والقوية حقّاً، وكل الفنون، باتت بعيدة المتناول. حسناً، قانونياً على الأقل.

كررت: "لا أحد سوى الملِك يملك منح الإذن ببلوغ الطابق الثالث. يمكنك رفع التماس إلى مقامه، فإن رأى دعواك عادلة سمح لك بالاطلاع على المزيد من معارفه المكنوزة. أمّأ الطابق الثاني، فقد يأذن لك أمين الأرشيف بدخوله إن قدمت هيمن ثميناً لمجموعة الملِك".

قال فريتز: "أرى ذلك"، وهو يقدر ارتفاع الشرفات ويقيم إن كان مقدوراً عليه الوثب إلى الطابق التالي فحسب.

نفض الفكرة عن رأسه، فمن المؤكد أنها محصنة بتعويذة، على الأرجح إنذار أو ما هو أسوأ.

استعرضت الليدي القواعد ولم يلقِ لها بالاً. كانت قيوداً واضحة تهدف لحماية الكتب أو الحفاظ على الصمت. وحين انتبهت إلى أنه لا ينصت، أطلقت تنهيدة.

قالت ووجناتها تحتدم خجلاً: "تتلخص القواعد في الآتي: لا نيران. لا طعام. لا قتال. وبالتأكيد لا مجون".

قال بيرت: "تبّاً، تلك أحبّ الأشياء إليّ"، مع أنه واصل تجاهله.

انتفض تضجراً من تلك المعاملة، لكنه لزم الصمت «غالباً».

سأل فريتز: "والكتب، ألا تبرح مكانها؟"

أوضحت: "صحيح، يمكنك حجزها لتتأملها أو تطلب من أحد النساخ إعداد نسخة لك، لكن الكتب لا تغادر الأرشيف".

سأل فريتز: "نسخة؟"

أردفت: "تتطلب وقتاً وأجراً. والفنون كما تعلم يكاد استنساخها يستحيل".

أومأ فريتز برأسه. كان ينبغي إعداد الفن بالوسيط ذاته، وبالمواد نفسها أو ما يشابهها، وأن يُنسخ بإتقان ودقة مضنيتين. فحتى التعديلات الطفيفة أو الهفوات قد تفشل نسخ الفن، أو تخرج بنسخة أدنى، أو تالفة، أو زائفة تماماً.

سأل مشيراً إلى الطاولات، ولم يعد لديه أسئلة أخر حول آلية عمل الأرشيف: "أدائماً يبدو هذا المكان... مقفراً؟"

اعترفت المرأة بأسف: "للأسف، نعم. كثير من أهل الطبقة العليا ينوء عقلهم ووقتهم بما يكفي ليبددوه في قراءة التواريخ والنظريات أو القصص طوال اليوم".

أضافت بلمسة حسد: "ولمعظم العائلات مكتباتها الخاصة".

قال فريتز: "حسناً".

وبفضول ما، سأل: "من هناك في الأعلى؟"

رفعت بصره نحو الشرفة الضبابية التي لوّح لها قبل قليل.

قالت ليدي غرايسيل، وهي تهز رأسها قليلاً بينما اتسعت حدقتاها بفزع ما: "لا أحد".

همست: "لا تسأل".

قال فريتز: "حسناً إذن"، رغم أن الإنكار القاطع لوجود مجموعة هناك لم يزدِ رغبته في المعرفة إلا اشتعالاً.

قالت: "والآن، إن عذرتني، فلدي مجلد عتيق لأترجمه".

بهذه الكلمات الختامية، استدارت وعادت إلى مكتبها.

سأل بيرت: "أيّ عجوز شوهاء. أأبصرت كيف تجاهلتني؟ وقحة".

قال فريتز: "أخشى أن ذلك دأب النبلاء. أعتقد أن عليك الاكتفاء بالامتنان لأنها لم تأمر بطردك".

قال بيرت: "لن أكون ممتناً".

أقرّ فريتز: "هذا عدل. بيد أن لدينا مهمة لننجزها تذكر. وكتباً كثيرة لنقرأها".

تذمر بيرت: "آه، نسيت".

* * *

أمضى الاثنان ثلاث ساعات في الأرشيف، قضيا جلّها في التعرف على نظام التصنيف المُتّبع. وكما شك فريتز، لم تكن هناك فنون أو دراسات معمقة حقاً للسمات المتقدمة أو السحرية. وكان أكثر كتاب لفت انتباهه طريفاً، على حد زعم بيرت، دليلاً غذائياً لزيادة الكتلة العضلية ومن ثم القوة الأساسية.

وجدت كتيبات مشابهة لكل السمات الأساسية: تمارين إطالة وتوازن للرشاقة؛ حيل وتدريبات ذهنية تعين على الذاكرة والتركيز والإدراك؛ أنشطة تعذيبية متعددة لتقوية التحمل؛ كل منها أشد إنهاكاً من سابقتها.

ركز أحد تلك المجلدات على إطالة مدة حبس الأنفاس عبر تكاد غرق المرء، بينما زعم آخر أن الجري بلا هوادة يزيد من القدرة على الاحتمال.

لم يدرِ فريتز أيّ تلك الأدبيات أو الرسائل كانت أجدى نفعاً أو إن كانت نافعة أصلاً، غير أنه بذل وسعه لاستيعاب ما قرأه. استبدّ به الصداع في نهاية المطاف وشعر بتململ. تمر عيناه فوق الكلمات المكتوبة فلا تلتقط جملة واحدة، ثم تلبث أن تستقر على نقش خاتمه. وبعد أن ضبط نفسه يكرر ذلك للمرة الثالثة، أوقف دراستهما.

دلك مؤخرة عنقه وتنهد، مشعلاً قنديل المانا وطالباً من الحارس الوديع متوسط العمر أن يحجز الكتب التي اختاروها لعودتهم. أطاع الرجل بخنوع.

رفع فريتز بصره نحو الشرفة الم الضبابيّة. ظلّ الضباب الرماديّ يتلفّع ببطء، ولم يُسمع أيّ صوت يخرج منه. تنهّد مرّة أخرى.

قال: "هيا بنا يا بيرت. ستصل الكتب غدا، وستكون لنا ميزة البدء مبكرا. سأحضر لنا أيضا بعض الحبر والورق لتدوين الملاحظات".

سأل بيرت، وهو يقف ويتمطّى متثاءبا: "ماذا تقصد بـ«لنا»؟".

سأل فريتز: "ماذا؟ أوجدْتَ هذا مملا للغاية؟".

قال بيرت: "مملا للغاية. وليس هناك كتاب واحد عن ترويض الوحوش. سأترك أمر الأرشيف هذا لك".

ابتسم فريتز بسخرية: "تستسلم بعد ساعتين فقط؟".

وافق بيرت: "حين يتعلق الأمر بالكتب، نعم".

ضحك فريتز فتردّد صدى ضحكته بقوّة في الهواء الساكن الجافّ. كبحها بسرعة عندما أطلّ الحارس في قاعة المدخل ليرى من يحدث كل هذا الصخب.

غادر الاثنان. أكثر وعيا ولكنهما أكثر استياء أيضا.

خطوان بخطى واسعة عبر المطر وشوارع حلقة القصر، وعبر البوابات إلى الحلقة العليا، عائدين إلى البيت.

كادا ينتهيان من تجفيف شعرهما في الممرّ حتّى دُقّ الباب بقوّة.

دكّ. دكّ. دكّ.

دكّة دكّة تدوي بثقل مطرقة ثقيلة.

نظر أحدهما إلى الآخر بحذر. هزّ فريتز كتفيه وفتح الباب، بينما كان التوجّس يلسعه لأنه يشكّ فيمن يختفي خلفه.

لم يفاجأ بالوجه، لكنه تفاجأ بالابتسامة. ابتسم نيك المسنن بسخرية لهما، وتمعّت محيّاه الندبيّ ورأسه المحسوق الأجرد بشكل غير متساويه في ضوء الغسق.

"قرش الليل يريد رؤيتكما".