وصل فريتز إلى بيته متعجلاً. ما إن تجاوز الباب الأمامي حتى اقتحم الدرج. نادى باجتماع للفريق بصوت عالٍ. قرع جرسًا بحجم قبضة اليد معلقًا على أحد الجدران. تجمّع الفريق سريعًا. تطلعوا من فوق الدرابزين بملامح تراوحت بين الاهتمام والضجر. أمسكت لورين برأسها الذي لا يزال يؤلمها. أشار فريتز إليهم ليتبعوه فأطاعوه.
قادهم إلى غرفة الجلوس. طرد حمامة من على حافة النافذة. فتّش الغرفة بحثًا عن أي آفات مخفية محتملة. شرع يشرح نظريته القائلة بأن القرش الليليّ هو مروض وحوش. راح يخطو ذهابًا وإيابًا وهو يفعل ذلك. بدا على الأرجح كأنه مجنون ما بينما كانت الكلمات تتقافز من شفتيه.
قابلوا كلامه بشيء من عدم التصديق وبقدر ليس بهين من الشك. لكنه عندما عرض استدلالاته بإصرار تقبّلوا الفكرة على الأقل من باب المجاملة. تحدث عن كيفية تداول الأقاويل بأن القرش الليليّ كان يراقب دائمًا. وبأن لديه شبكة من الجواسيس واسعة لدرجة أنها تغطي حلقة الغرق بأكملها. أجل قد يكون الأمر مجرد لص حقير أو جرذ مجارٍ عاديّ. ولكن ماذا لو كانوا هم جرذان المجاري حرفيًا؟ أو ربما الطيور التي تحلق في الأعلى.
كلما أكثر من الكلام كلما زاد اقتناعهم برأيه.
سأل بيرت: "ألهذا السبب كان جين وتوبي متحمسين جدًا لبيضة الأنقليس؟"
أجاب فريتز: "نعم. ظنا على الأرجح أنها ستكون رشوة أو الجزية صالحة."
قال بيرت: "لدي فكرة يا فريتز."
سمح له فريتز قائلًا: "هذا أمر غير مسبوق. مع ذلك امضِ قُدُمًا."
عبس بيرت بتهكم لكنه تابع: "صقر العاصفة ذاك الذي اختطفناه لفترة. أنت تعرفه. اللقيط."
قال فريتز وهو يحك بغير انتباه الندبة الرقيقة على ظهر كفه: "صحيح. أتذكره."
قال بيرت: "قلت ألا نقسوَ عليه فنقتله."
وافق فريتز: "نعم. بدا الفعل خاطئًا."
همهم بيرت: "ممم. إن كان وحشًا مربوطًا كما تقول إذن كنت محقّاً."
سأل فريتز: "ماذا تقصد؟ أَتظن أن القرش الليليّ كان ليلاحظ لو أذيناه؟"
قال بيرت: "لو أذيناه؟ ربما. لو قتلناه؟ بالتأكيد."
سأل فريتز: "إذن ستعرف لو مات ديل؟"
قال بيرت وهو يربت على صدفة ديل الملصقة بإحكام على كتفه: "يبدو ذلك."
كان الحلزون منكمشًا في تلك اللحظة ونائمًا على الأرجح. ولحسن الحظ لم ينبسط باللمس.
قال فريتز: "تلك معلومة مفيدة."
سأل كال: "ربما لكم أنتم يا شباب. لكن لماذا تخبرنا بكل هذا؟ ألم نكن لا نريد التورط في قصة القرش الليليّ هذه؟ تذكرون؟"
شعر فريتز بوخزة خجلة صغيرة. كان كال على حق. وهذا السر إن كان صحيحًا فقد يجر بعض الخطر على من يحتفظون به. طرد القلق بعيدًا. كان من الأفضل أن يعرفوا.
طمأنه فريتز: "أنتم لستم متورطين أبعد من ارتباطكم بي. رغم أنني أظن أنه سيكون من المفيد أن تكونوا على دراية بشكي البسيط هذا. وضعوا في اعتباركم أنه مجرد شك لا يقين."
قال كال وهو يتحرك في مقعده بانزعاج: "آه-ها."
قال فريتز: "سيساعد هذا في الحفاظ على أسراركم آمنة. فقط تأكدوا من عدم وجود طيور أو وحوش حولكم حين تتحدثون عن أي أمر حساس."
أشار كال: "القول أسهل من الفعل. ماذا لو كان الأمر يسري على الحشرات؟"
أوقف هذا التعليق فريتز في منتصف خطاه فجحظت عيناه وهو يمسح الغرفة مسحًا محموماً بحثًا عن أي شيء يسحف على الجدران أو السقف.
ادّعى بيرت: "لا. لا يمكن أن يكون الحشرات."
سأل فريتز: "وكيف عرفت ذلك؟"
صرّح بيرت: "قمت ببعض البحث. قرأت كتبًا. تحدثت مع متسلقين أجانب. وكل ما شابه."
قال فريتز بمبالغة: "أنت تقرأ الكتب!؟"
رغم أن الاعتراف لم يفاجئه إلا قليلاً فقد قرر أن يبالغ في ردة فعله.
أجاب بيرت في تظاهر بالاستياء: "بالتأكيد فعلت. أَتظن أنني اندفعت لأصبح مروض وحوش هكذا دون تفكير مطول؟"
قال فريتز: "بصراحة، نعم. ومتى وجدْتَ الوقت حتى؟"
قال بيرت: "قبل التسلق. هنا وهناك."
قال فريتز: "وها أنا كنت أظنك كنت تمرح وتلهو فحسب."
قال بيرت بافتخار: "أستطيع فعل الأمرين."
قال فريتز: "هاه. لماذا لا يمكن أن يكون الحشرات؟"
سأل بيرت: "ماذا؟"
سأل فريتز: "لماذا لا يمكن للقرش الليليّ أن يستخدم الحشرات للتجسس؟"
قال بيرت: "أوه. تقصد تلك. الرابطة تقتلها."
"أحقاً؟"
"نعم. معظم الحيوانات الأصغر من الإصبع ستتصلب فقط وتتشنج بعنف عندما تحاول أمرها. والحشرات تموت وحسب."
لاحظ جورج: "ديل حشرة."
قال بيرت وهو يعقد حاجبيه: "وحوش البرج مختلفة. وهو ليس حشرة."
سأل فريتز: "كيف هي مختلفة؟"
قال بيرت: "لا أعرف. هي كذلك وفقط. ربما لأنها سحرية."
قالت لورين: "سمعت حكاية عن متسلق استطاع أمر سرب من العناكب. قد تكون القدرة على ربط الحشرات نادرة أو شكلاً متطوراً لصفة ربط الوحوش."
ارتجف فريتز عند فكرة مثل هذه القدرة المرعبة ولم يكن وحده.
قال بيرت: "ربط أكثر من وحش واحد أمر نادر أيضًا لكنه ليس غير مسموع به. له صلة بتطورات القدرات والصفات."
قال فريتز: "أظن أنه من الآمن بما يكفي القول إن القرش الليليّ يمتلك قدرة تربط عدة وحوش. على الأرجح طيور وجرذان وربما أسماك. لا يمكنني تخمين إلى أي مدى يستطيعون التجسس سواء عبر الاستماع والإبلاغ أو إن كانوا يرسلون رسائل عبر الرابطة. رغم أنه يجب علينا جميعًا توخي الحذر في قول أي شيء إن شككتم في وجود جرذ أو أي آفات أخرى بالجوار."
نظر فريتز إلى بيرت ليرى إن كان لديه المزيد ليقوله عن ترويض الوحوش. لكنه اكتفى بهز كتفيه.
قال فريتز للفريق الهادئ على غير العادة: "على أي حال، ظننت أنه يجدر بي تحذيركم جميعاً. وبما أنكم هنا بعد، سنبدأ التدريب بعد ثلاثة أيام".
سأل كال: "التدريب لأجل ماذا؟"
قال فريتز: "لأجل التسلق. أريد صقل مهاراتنا، والتدرب في بيئة منخفضة المخاطر هذه المرة. سنستخدم الفناء الآن، فهو يبدو كبيراً بما يكفي للركض والمصارعة والمبارزة. يمكننا البحث عن قاعات تدريب مخصصة لاحقاً".
قالت روزي وهي تبتسم: "يمكنني دائماً القيام بشيء من المصارعة".
أضاف جورج: "وأود اختبار نصلتي ضد نصلتك يا فريتز".
قال فريتز: "سيكون هناك متسع من الوقت لذلك. هل لديكم أفكار أخرى؟"
اقترحت لورين: "يمكننا استئجار معلم، أو التحدث إلى فرق تسلق أخرى أكثر خبرة. يمكنهم مساعدتنا في وضع روتين ومعرفة الجوانب التي يجب أن نركز عليها".
قال فريتز: "فكرة رائعة، رغم أنني لست حريصاً على كشف قدراتنا".
هزت لورين كتفيها وقالت: "نخبرهم بالأساسيات فقط، ساحر هجومي، سياف هجومي، مدافع حارس، ما شابه ذلك".
تهرب كال قائلاً: "وماذا عني، أنا ماذا؟ دعم؟"
عدد بيرت قائلاً: "مهاجم، طاهٍ، دعم. مجموعة مثالية إن سألتني. بغض النظر عن مجموعتي".
سأل كال: "والتي هي ماذا؟ سيد وحوش... أم شيء من هذا القبيل؟"
قال بيرت: "ما زلت مدافعاً. مع القليل من الهجوم".
قالت روزي: "وحلزون".
وافق بيرت قائلاً: "وديل".
سأل كال وهو يقطب حاجبيه: "كيف يعمل كل هذا؟"
سأل فريتز: "ماذا تقصد؟"
أجاب: "مثل كل هذا الهراء الخاص بالأدوار. كيف يمكن لكل من روزي وبيرت أن تكونا مدافعين بينما قدراتهما مختلفة إلى هذا الحد؟"
قال فريتز: "الأمر لا يتعلق حقاً بالقدرات نفسها بل بما تفعله بشكل عام. توجد طرق عديدة لتكون مهاجماً. خذ سحر النار الخاص باللورين أو مهارات سيف جورج. فهما يؤديان الدور بشكل مختلف لكن كِلَيْهما يتخصص في قتل الوحوش أو تدمير العقبات".
قال كال: "هاه".
قالت روزي: "أنا أفهَم. حراشفي قاسية وأنا صلبة. وبيرت أكثر ليونة، لكنه يتعافى بسرعة. لكن كلينا صعب المراس ويصعب قتله ويمكننا إلهاء الوحوش".
قال فريتز: "بالضبط".
قال بيرت بفخر: "وحالما يكبر ديل سيتمكن من المساعدة. أتتذكرون كم كان من الصعب قتل تلك الحلزونات الأخرى؟ لقد كانت تلتئم أسرع مني".
صحح له فريتز: "حتى تحطمت أصدافها. أو قُطعت بنصل ملعون".
"هذا صحيح، لكنني سأكون قادراً على حماية صَدَفَتِهِ، ولدي مهارة كامنة تتيح لنا مشاركة استعادة الصحة".
سأل فريتز، مندهشاً حقاً من وجود قدرة كهذه: "ماذا؟"
صرح بيرت: "هذا صحيح، الحيوية بالإضافة إلى قدرات استعادة الحلزون. يا له من تناغم رائع!"
أثار ذلك حفيظة فريتز لأن الرجل كان محقاً تماماً، فقد بدا الأمر رائعاً وجعله يشعر وكأن عدته الخاصة قد جُمّعت من الخردة بالمقارنة. وتساءل كيف تعثر الرجل في مثل هذه المجموعة من القدرات المتكاملة والمتناغمة؟ ثم رأى فريتز تلك اللمعة الماكرة في عين بيرت العمبرية وأدرك أنه لم يتعثر في أي شيء. بل كان يختار قدراته بعناية منذ أن عثر على بيضة الحلزون، وربما قبل ذلك أيضاً.
أكد بفخر: "وبوجودنا كلينا، سيكون الأمر وكأن لديك مدافعين في الوقت نفسه!"
تسلل ديل بتردد من صدفته وحدق وهو مرهق، ومن الواضح أنه استيقظ على تباهي بيرت. فأصدر تغريداً منزعجاً.
قال كال: "هاه. أعتقد أن ذلك منطقي بعض الشيء. أتمنى فقط أن تكون الحدود الفاصلة بين الأدوار أكثر وضوحاً بقليل".
وافق فريتز: "لو كانت الأمور بهذه البساطة والوضوح. للأسف، هذه أرض رمادية ومطيرة".
قالت لورين: "الأمر كذلك في مدينة المطر. رغم أن العالم مكان كبير، يضم أبراجاً عديدة وأشياء تستحق الرؤية".
وافق فريتز: "مغامرات كثيرة. أود بشدة تحدي البحر. ذات يوم".
سأل كال: "وماذا عن خطر التعرض للاكل، أو السحق من قبل الوحوش البحرية الضخمة؟"
أضاف جورج: "أو نسلها المتكاثر".
قال بيرت بحماس: "أو الوقوع في عاصفة مانا؟ مخاطر عديدة ومتنوعة!"
قال كال: "يبدو الأمر مميتاً".
قال فريتز: "إنه احتمال محفوف بالمخاطر، لكنه ليس مستحيلاً. يمكن للبحارة ذوي الخبرة عبور البحار إن كانوا حذرين. ومن المعروف أن أسطول جاستيلي يجوب المحيط ويجارة جميع الأراضي، سواء كانت مرسومة على الخرائط أو غامضة".
أوضحت لورين وبشيء من الإعجاب أو الحسد في صوتها: "شعب جاستيل صنف مختلف حتى عن البحارة المخضرمين. فالسفن هي منازلهم، والطاقم عائلتهم. مخاطر المياه المفتوحة لا تعني لهم شيئاً حيث يرجح أنهم يمتلكون ثلاثة آلاف حيلة لاجتياز البحار".
تنهدت وقالت: "رغم أن هذا ليس موضوعنا الآن، فقد كنا نتحدث عن المستقبل، لا عن الخيال الأحمق".
أومأ فريتز برأسه. ورغم أنه لا يزال يشعر برغبة في مغادرة مدينة المطر، إلا أن رحلة كهذه ستكون مكلفة وخطيرة وستعني ترك عائلته خلفه، أو اصطحابهم معه. وهو أمر لم يستطع قبوله، ليس طالما أنهم بلا رتب ولا يزالون بحاجة إلى حمايته.
سألت روزي: "إذن تريد منا أن نلتقط أنفاسنا ونرتاح ثم نبدأ التدريب؟"
"أود أن تبحثوا عن أي شيء يجعلكم أكثر قوة وتنوعاً. جدوا بعض التقنيات أو المهارات العادية المفيدة التي ترغبون في تعلمها، أو كتباً تحتوي على معارف حول كيفية تحقيق الاستفادة القصوى من سماتنا وقدراتنا. هذا النوع من الأمور. ويجب أن نكون على يقظة لأي معلومات حول طوابق برج المطر وأبوابه".
تداخل جورج قائلاً: "يجب علينا جميعاً الحصول على معدات أفضل أيضاً".
وافق فريتز: "نعم. الآن بعد أن حصلتم على ذهبكم الخاص، يجب أن تستخدموا القليل منه لتجهيز أنفسكم بشكل كامل".
أومأ الفريق برأسه، مدركاً وجاهة طلباته.
سألت لورين: "وستستأجر خادماً وخدمة لغسل الثياب أيضاً، أليس كذلك؟"
قال فريتز: "بلى، فبصفطي قائداً أتحمّل مثل هذه المسؤوليات. غير أنّني سأحتاج إلى بعض الذهب للمساعدة في دفع تكاليفها."
احتجّ بيرت: "تبّاً!"، وطفا صوته فوق تمتمات بقيادة الطاقم الأكثر تحفّظاً.
ذكّرهم فريتز: "اعتبروا ذلك من حقوقي كقائد، إذ إنّني لم أستوف حصص الغنيمة المعتادة وهي ثلاث حصص. وثياب الغرف النظيفة أمر سنستمتع جميعاً بفوائده."
قال كال: "على سير الحديث عن الغنيمة، هل يمكنني الحصول على بعض بذور الليمون الدموي؟"
عاضه فريتز: "لماذا؟ ألتُهديها إلى كيميائية حسناء لعلّ وعسى؟"
احمرّ وجه كال قسماً، لكنّه أنكر التهمة.
وقال: "لا، كنت أنوي شراء بعض الأوعية والتراب ومحاولة زراعة إحدى الشجيرات. وبهذه الطريقة يمكننا الحصول على إمدادات ثابتة منها... عاجلاً أم آجلاً."
سأل جورج: "ألم تكن تنمو في الماء المالح؟"
أومأ كال برأسه، وهبطت ملامحه.
اقترح فريتز: "يمكنك محاولة ذلك رغم ذلك، وربّما زراعتها في مكان ما في الحي الغارق حيث تختلط مياه البحر بالمطر."
تهرّب كال: "سأفعل ذلك إذن، إن استطعنا الاستغناء عنها."
وافقت لورين: "يمكننا ذلك"، رغم أنّها لم تبد سعيدة تماماً بأنّهم يبدو وكأنّهم يبددون موادهم.
سأل فريتز لورين: "هل هناك أيّ شيء آخر نحتاج إلى شرائه أو توفيره؟"
قالت لورين: "لست متأكدة تماماً. أحتاج إلى دفتر سجلّ ملائم، رغم أنّني أستطيع الحصول عليه بنفسي."
سأل فريتز: "أتستطيعين إيجاد شيء لي لأكتب فيه أيضاً؟"
سألت: "أستبدأ دفتر مرشد؟"
كاد فريتز ينكمش من السؤال، وكبح ذلك التعبير والمشاعر الجارفة المندفعة من ذكريات قديمة بعيدة لتصفّح دفاتر والده الخاصة. ومضات من وحوش مرسومة باليد ومناظر طبيعية غريبة تصحبها ملاحظات مدوّنة بعناية.
سأل بيرت: "دفتر مرشد؟"
أوضح فريتز: "كثيرون، إن لم يكن معظم المرشدين، يدوّنون مختلف الطوابق والأبواب التي يصادفونها خلال صعودهم. يمكن أن تكون المعرفة قيّمة. وخاصة أيّ شيء يمكنك ملاحظته حول الطوابق المتكررة أو المستمرة."
سألت روزي: "أيمكننا ببساطة كتابة كتاب عن صعودنا وبيعه؟"
قال فريتز: "يمكنكم ذلك. غير أنّ هناك العديد من الروايات الكاذبة والدفاتر الوهمية لدرجة أنّه لن يساوي الورق المكتوب عليه. الكذب في كتاب كهذا قد يعني موتك، لذا فإن اليائسين وحدهم هم من يلجأون إليهم لأي نوع من النصائح."
قالت روزي: "هف."
قال كال: "لكنّني سمعت أنّ نقابة المرشدين تشتري أشياء كهذه."
قال فريتز، محاولاً ألا يعبس: "إنّهم يفعلون ذلك. تحرص نقابة المرشدين على بيع أيّ معرفة مماثلة لها. وهم يتحقّقون من دقة الادعاءات، ثم يجمعونها في أدلة باهظة الثمن ويعلّمون كل ما يعرفونه لأعضائهم لمنحهم الأفضلية على الكشافة "العاديين". إنّها تحافظ على قبضتهم الخانقة على معرفة الصعود بالغة الربح. وهم يحبّون الأمر على هذا النحو، لذا فإن أنشأت دليلك الصحيح والمفيد الخاص بك فسوف يطرقون الباب بسرعة كبيرة."
قالت روزي، وهي تبصق جانبًا وعلى سجادة خضراء: "أوغاد."
قال كال: "لا تقومي بذلك. هذا المكان جميل وجاف، ولا نريد غمره ببصاقك."
قالت روزي: "حسناً، عذراً."
صمتوا لبعض الوقت بينما كان كلّ منهم يفكر في خطواته التالية والمهام التي يتعيّن عليه إنجازها لتحقيق أهدافه.
أعلن فريتز: "أعتقد أنني سأخذ حرير الحوريات الذي حجزناه لأنفسنا إلى الخياط الذي ذكرته. يجب أن نبدأ في تفعيل أي طلبات نرغب فيها مبكراً. وعليكم جميعاً الحضور لأخذ القياسات."
سأل جورج: "فيما يخص الطلبات والدروع، كم من الوقت ستستغرق جلود القرش والأنقليس لتدبغ؟"
قال فريتز: "في أي وقت من أسبوع إلى شهر. وحينها يمكننا صنع شيء منها أيضاً."
أومأ جورج.
أمر فريتز: "حسناً، لن يتحرّك أحد."
أطاع الفريق، وانسلّوا إلى الرواق، فأمسك فريتز بيرت من ذراعه وسأل: "ألا تزال بيضة الأنقليس سليمة؟"
أومأ بيرت.
"أحتفظ بها في وعاء كبير. إنّها في أمان تامّ."
قال فريتز: "جيد، لأنّنا سنحتاج إليها لكسب رضا القرش الليلي. لدي شعور سيّئ، ومن الأفضل تقديم الهدايا بدلاً من حمل الضغائن وحدها."
صرح بيرت: "أنا لا أحمل ضغائن."
اعترف فريتز: "كنت أتحدث عن نفسي."
سأل بيرت: "أي شيء آخر؟"
قال فريتز، متاحاً لبعض قلقه بالظهور: "لا أعلم. إنّني خائف."
ربت بيرت على كتف فريتز، ثم جذبه في عناق.
قال بيرت: "لا تقلق. سنواجه الأمر معاً. إنّه مجرد زعيم الحلقة المغمورة بأكملها. كم يمكن أن يكونوا مميتين حقاً؟"
ضحك فريتز على سخافة التعليق.
قال فريتز ببرود: "الشخص الأكثر فتكاً في مدينة المطر فحسب، باستثناء الملك."
قال بيرت: "انظر إلى الجانب المشرق إذن."
"وما هو؟"
قال بيرت مبتسماً: "لم تزعج الملك... بعد."
ابتسم فريتز باستهزاء: "بعد؟ ما الذي يمكنني فعله، وأنا أدنى بكثير من أن يلاحظه جلالته، لإزعاجه حقاً؟"
ابتسم بيرت: "لا أعلم، لكنّك ستجد طريقة. أشعر بذلك في عظامي المطلية بفضة القمر."
قهقه فريتز: "هاها."
قال بيرت: "وسأكون هناك حينها أيضاً."
أومأ فريتز.
فكّ بيرت العناق وقال: "والآن لنتوقف عن القلق ونذهب للتسوق. أنا أحب التسوق."
ابتسم فريتز، وابتسم بيرت وانطلقا منضمين إلى الآخرين وقائدين إياهم إلى الأمام.
* * *
كان متجر كوليت يشهد حركة نشطة، مع أن فريتز لاحظ أنه ليس من المحال الأكثر رواجاً. كانت هي وأحد مساعديها مشغولين في الوقت الحالي، لذا انتظر فريتز وفريقه، يشغلون أنفسهم بتأمل القطع والقصات المعروضة على الدمى الكثيرة.
قال جورج: "هذه ثياب مصنوعة باتقان، وأنيقة للغاية. أندهش لعدم وجود زبائن أكثر".
قالت لورين: "السبب هو أن هذا النمط ليس رائجاً في الوقت الحالي، فقد أُهملت هذه الخطوط النظيفة والمنحنيات الملساء في البلاط لصالح أكوام كبيرة من الكشكش والدانتيل".
قال مساعد، وهو يكشكش وجهه اليانع استياءً: "أنت محقة تماماً. النبلاء الأجلاء يريدون جبالاً حقيقية من الزركشات، محاولين إبهار أمير الإمبراطورية بلا شك. ويُفضل أن تكون منسوجة من صوف مجرى الفضة. بالطبع، ما إن أصبح ذلك القماش مرغوباً حتى صار الحصول عليه مستحيلاً. مع أنني متأكد من أن هذه البدعة الحالية ستزول قريباً. بمجرد أن يغادر أمير الإمبراطورية أخيراً".
سألت روزي: "وماذا عن حرير الحوريات؟"
أطلق الرجل سخرية بأنفه.
صرح قائلاً: "رائج بلا توقيت، أنيق إلى الأبد وباهظ بشراسة. إنه أملس وخفيف بشكل رائع، كأنك تلمس محيطاً بارداً وساكناً".
قالت روزي، وهي تحك بخفة حراشفها وتستدر عبوس الرجل: "أجل، أظنه لطيفاً".
سأل بانزعاج، وليس للمرة الأولى: "أيمكنني مساعدتكم؟"
قال فريتز بابتسامة ماكرة: "ما زلنا ننتظر سيدك فحسب".
قالت كوليت، وهي تطل من خلف قاطع يسترها بستر: "حسناً، أنا جاهزة الآن".
بدت مختلفة عن المرة التي رآها فيها فريتز من قبل، وربما يرجع ذلك إلى أنه لم يكن يقتحم متجرها في منتصف الليل. فقد زال ثوب النوم وشبكة الشعر، ليحل محلها ثوب أزرق داكن يناسبها تماماً. لم يكن ثوب سهرة تماماً، لكونه عملياً أكثر من أن يُعد لباساً كهذا، لكنه لم يكن يخلو من الجمال أيضاً. كان شعرها الفأري مربوطاً في كعكة مرتبة، وقد مُسح وجهها بمسحوق خفيف ووُضعت عليه لمسات من الألوان.
في هذه الهيئة الأليق، كانت جميلة حقاً.
حيّاها فريتز بابتسامة عريضة: "كوليت".
قالت كوليت، وقد أشرقت ابتسامتها المهذبة وتألق عيناها الرماديتان فرحاً: "فرانسيس!"
أردفت قائلة: "آه، لو علمتُ أنك أنت لكنتُ سارعتُ للتحية".
قال المساعد وهو يقلب عينيه: "لا، لما فعلتِ. أنت لا تسارعين في شيء أبداً".
قالت مساعدة أخرى: "لا تكن فظاً يا فيل".
وكانت تشبه الرجل بشكل لافت للنظر، إذ اشتركا في الشعر الأسود والعيون الزرقاء والذقون البارزة.
قالت كوليت: "عليك أن تعذر هذين الاثنين يا فرانسيس. فهما كفؤان، لكنهما نزقان".
لاحظ بيرت: "وتوأمان".
سألت كوليت، ثم عدّتهم بسرعة وصححت لنفسها: "آه، وهؤلاء هم أصدقاؤك؟ لا، فريق التسلق الخاص بك. بالطبع".
تجعد جبينها عندما وردت إلى ذهنها فكرة.
"وهل سمعتُ أحدكم يذكر حرير الحوريات؟"
قال فريتز: "ربما".
أشرق وجهها أكثر، واغرورقت ابتسامة، ثم انقلب وجهها إلى قلق والتفتت حولها بريبة.
"يا فيل، ويا جينا، اعتنيا بالمحل. أحتاج إلى التحدث مع السير هايتايد على انفراد".
تبادل اثنان نظرة فضول، لكنهما أطاعا أمرها.
وتابعت غير آبهة بما تبدو عليه كلماتها: "يا فرانسيس، دعنا ندخل إلى الغرفة الخلفية لتريني ما لديك".
وافق فريتز بوقار: "بكل سرور"، بينما ابتسم بيرت وكبح التوأمان ابتساماتهما الساخرة.
تبعها من الباب المحصن إلى غرفة ربما كانت تخدم كمنطقة الخياطة الرئيسية. ومثل غرفة الخياطة الشخصية التي رأاها في الأعلى، كانت مكان العمل هذا فوضوياً وغير مدار جيداً، مع وجود شعور معين بالفوضى المسيطر عليها وسط لوازم الخياطة المبعثرة.
اصطف العديد من لفات القماش مختلفة الألوان على طول الجدران، وفُرشت طاولات العمل بصناديق مليئة بخيوط ملساء متنوعة وإبر لامعة. وُزعت أوراق مبعثرة كُتبت عليها أنماط ورسومات للأزياء، وبينها بضعة أثواب غير مكتملة ملقاة على المكاتب، بانتظار أن تُخاط.
قالت كوليت سهواً: "لا تهتم بالفوضى".
وأضافت، وهي تقوده إلى الطاولة الأكبر والأكثر ازدحاماً: "من هنا".
أضاءت فانوساً ساطعاً ومهدت مساحة له ليعرض بضاعته.
"دعنا نلقي نظرة على هذه الخيوط".
انتظرت كوليت بشوق، وكادت تقفز من قدم إلى قدم، لكنها سيطرت على نفسها بشبك يديها أمامها.
بدأ فريتز في إخراج عرى الخيوط الطويلة غير المنسوجة، فانفتح تعبيرها إلى بهجة وقورة. وضعها على الطاولة برفق. مدت كوليت يداً ثابتة ومررت الخيوط الباردة الملساء بين أصابع متصلبة.
تمتمت قائلة: "رائع. ناعمة جداً"، ثم جذبت الخيط تختبر قوته وأومأت.
"سيحتاج الأمر إلى نسج لصنع أي شيء متين، ولكن لا يوجد تنسيل أو تلف آخر لذا سيكون ذلك سهلاً. أو يمكن استخدام هذه الخيوط لحياكة الدرزات، ستكون قوية للغاية".
أشرقت بوجهها نحوه قائلة: "يسرني حقاً العمل بهذه المادة. ماذا تريد ثمناً لها؟"
قال فريتز: "كنت أود أن أطلب منك أن تصنعي لي وللفريق بعض الثياب من حرير الحوريات، أرادت لورين رداء معركة".
هبط وجهها، وقالت: "يأسفني أن أقول إنه ليس هناك ما يكفي هنا لصنع أكثر من قميص. إلا إذا استخدمته كخيط فقط وجعلت قاسماً مشتركاً من قماش آخر كقاعدة".
قال فريتز محاولاً إخفاء ابتسامته الساخرة وفاشلاً: "آه".
قال: "ما رأيك في استعمال هذه؟"
وهو ينشر قطعة طويلة من حرير الحوريات المنسوج. كانت زرقاء باهتة وتبرق بلطف. انزلق القماش كالماء بين أصابعه حين أرسله ليقَع على المكتب.
حدّقت في القطعة البارقة بلا تصديق، ثم مرّت يدها عليها برقة. اتسعت ابتسامتها ورفعت جزءاً منها إلى عنقها لتجعله ينزلق فوق بشرتها.
قالت: "هذا... هذا... أكبر من أن يوصف".
قال فريتز: "حسناً، يمكنك الاحتفاظ بتلك، هدية لمساعدتك. لدينا المزيد".
استمتعت بإحساس حرير الحوريات لحظة أخرى. ثم بلغتها كلماته وساورتها فكرة ما.
فتحت عينيها واسعتين.
هوت كوليت على كرسي، بوجه شاحب كأنما أصابته صاعقة، وهي تشبث القماش الثمين.
همست مكسورة، وهي تجدّ حرير الحوريات إلى صدرها: "من أين لك هذا؟ لم تسرقه أليس كذلك؟"
قطب فريتز جبينه، ثم أزال التجهم وابتسم بثقة.
"من الحوريات فحسب. وهنّ في وضع لا يسمح لهن بالاعتراض على سرقتي".
نظرت إليه وفتشت في ملامحه.
سألت كمن لا تكاد تصدق: "أتقول الحقيقة؟"
قال فريتز بانزعاج طفيف: "بالطبع أقولها"، ثم خفّف نبرته وخلطها بنغمات أغنية الغسق المهدئة.
"لن أجعلك أبداً تعملين بمسروقات، أو أجرّ الخطر إليك".
أثرت الكلمات بعض التأثير فأومأت.
سألت: "عليك أن تغفر لي، كان الأمر فقط... أتعلم كم تساوي هذه؟"
قال فريتز بكتفيه هازّاً، محاولاً إخفاء مدى فخره بغنيمتهم الضخمة بينما أخرج قطعة أخرى خضراء ذات بريق ذهبي: "ليس تماماً. قدّر أحد أفراد فريقي، لورين، أن لدينا ما يوازي ألف قطعة ذهبية من حرير الحوريات، وربما أكثر".
سألت، بينما تدور ذرات من القلق والحماس حول رأسها في هالة مربكة: "كم قطعة مثل هذه تمتلك؟"
قال فريتز: "الكثير، ثلاثون قطعة على الأقل بحجم مماثل أو أكبر".
شهقت ثم ابتلعت لعابها: "ثلاثون!؟"
قال فريتز: "نجل، كنا محظوظين".
حدقت إليه، ثم طفقت تضحك. كانت ضحكتها عالية وصافية، على حافة الجنون.
قهقهت: "محظوظون! يقول محظوظين! يا بني، هذه القطع تساوي مئة ثلاثية ذهبية على الأقل. الواحدة منها!"
سأل فريتز وقد باغتته الكلمات: "ماذا؟"
أعلنت: "لقد استخف عضو فريقك بما تملك تقديراً وحشياً. وهذ مادّتها وحدها فقط، فلو أنني فصّلت لك شيئاً منها فسوي تساوي أكثر بكثير. بحق الملوك، يا فرانسيس، لقد جلبت لي مشكلة فادحة حقاً".
سأل: "مشكلة؟"
احتجت كوليت، رغم أنها لم تفلت حرير الحوريات: "هذا كثير. الكثير يا فرانسيس!"
ضحك فريتز من ذلك.
"لا تقلقي بشأن قيمتها. أريد فقط شيئاً جميلاً يصنع لي ولفريقي. لقد مررنا بالكثير من المتاعب من أجلها وأودّ أن أراهم يستمتعون بثمار تعبهم".
سألت وبدت غير متأكدة الآن: "أمتأكد أنت؟ لم أعمل بهذه من قبل، قد أفسدها".
قال فريتز: "لدينا الكثير. وأنا أثق في أنك ستفعلين أفضل ما لديك. لقد خدمتِ بيت المد والجزر بإخلاص من قبل. وهو يدعوك مجدداً. أستجيبين؟"
حدقت إليه بينما ترددت نبراته الملوكية بشكل غريب، وتسرّبت أغنية الغسق إلى كلماته.
ابتسمت كوليت باتساع وانفجرت ضاحكة.
"أنت سخيف! أنا خياطة ملابس، لست فارساً!"
أعلن فريتز: "وهذا ما يطلبه منك بيت المد والجزر".
حين خبا مرحها، رفعت نظرها إليه ثم نهضت.
مدّت يدها وقالت: "أنا أجيب. سأقبل هذه المهمة، لنأخذ مقاساتكم جميعاً. سيتعين علينا أخذ مقاساتك أنت أيضاً بما أنك امتليت".
صافحها فريتز وأومأ.
قالت: "ويا فرانسيس، شكراً لك".
رد فرانسيس: "بل شكراً لك".
بدا ردّ الدين شعوراً طيباً.