استيقظ كال على أصوات الطيور. بطوطات تاقق، وحمام يهدل، وطيور أخرى نكرة تطلق تغريداتها الحادة. لم يكن هناك أثر لأي سكلج يُسمع. وكان جافاً دافئاً، واحتضنته ملاءات نظيفة وهو يجلس ويمتمد. شعره بدا ثقيلاً وعيناه غامشتين، لكن ذلك لم يكن من نوم عسير. فقد شرب كثيراً البارحة وشعر بمعدته حامضة. لحسن الحظّ، كان قد ترك لنفسه كوب ماء قبل أن يقع في السرير شديد النعومة.
الماء الصافي البارد روى حلقه الحاكّ. جلس هناك دقيقة يستوعب الأصوات، ويستمتع بمتع بيت وغرفة تخصانه وحده. مئات الأفراح الصغيرة داهمته دفعة واحدة وكانت... أكثر مما يتحمل.
بكى.
لم يستطع إيقافه. لم يختبر قطّ مثل هذه الراحة، ومثل هذا الأمان.
في النهاية، توفقت الدموع وضحك على نفسه. وبّخ نفسه صراحة على البكاء لأجل أمور تافهة كهذه. ثم أدرك أنه سينام في هذه الغرفة كل ليلة. وأن طريقة الاستيقاظ هذه ليست معجزة لمرة واحدة، بل حياته الجديدة.
بكى، مرة أخرى، مختنقاً بضحكة وهو يفعل.
وقف كال، وارتدى ملابسه، ومسح عينيه بكمّ قميصه. قرقرت معدته. لا يزال يشعر بالغثيان من مخلفات السكر، لكنه عرف أن قليلاً من الطعام سيساعد في تهدئة معدته. ولديه كل البهارات والطعام الذي اشتراه من السوق. فرحة أخرى.
شعر بقليل من الذنب، فقد عرف أنه غالباً دفع أكثر من اللازم في بعض الأشياء التي اقتناها. لكن لورين لم تكن هناك لتساعده في المساومة أو تحذره من أنه يتعرض للنصب، لذا وجب عليه الاعتماد على ما يعرفه. وأي طريقة أفضل للتعلم سوى الفشل؟ هكذا أخبرته على الأقل عندما بدأت تعلّمه.
كانت جميلة ورغم أنه كان من السهل الإنصات إليها، وشرحها كان منطقياً، لم يستطع كال إلا أن يقع في ذهول وهو معها. بدا الأمر كأنها جعلته سكراناً.
أيمي كانت بالمثل، مع أنه كان سكراناً حقاً عندما تحدث إليها. كافح ليتذكر ما تحدثا عنه. غالباً الكيمياء، كانت مهتمة جداً بذلك. لكنه تذكر غالباً ابتسامتها الرائعة وعينيها الجميلتين، وبشرتها الناعمة وشعرها النابض بالحياة. عبر ذلك الضباب الدافئ، شعر بحجر بارد يستقر في صدره، شعور بأنه ربما قال شيئاً ما ما كان ينبغي قوله. ربما أفشى سراً.
هزّ كال رأسه، لم يكن الأمر يهم الآن ولم يستطع التفكير في اللحظة الراهنة. التقط كتاب مهارة الطبخ الخاص به من طاولة السرير واتجه نزولاً إلى المطبخ. وهناك وجد مقلاته السحرية وقدرًا جديدًا. وضعهما على الموقد وتأكد من وجود خشب للاحتراق. ثم وجد نفسه في مخزن المؤن الواسع، يختار المنتجات للوصفة التي اختارها ليصنعها.
أنقليس مغطى بالعجين المقلي، ورقائق بطاطس ونقانق. طبق بسيط. دهني، لكنه ممتاز لمخلفات السكر.
في نوبة امتنان، قرر صنع ما يكفي للجميع. وسيعرض أيضاً بعض الخبز، والزبدة وجرة مربى. كان متحمسًا لتجربة تلك الحلوى الأخيرتين وستكون روزي كذلك.
أخيرًا مستعدًا، بدأ كال بإعداد الفطور.
"يمكنني الاعتياد على هذا."
* * *
استيقظ فريتز، فرائحة دخان الخشب الخافتة ثم السمك المقلي هاجمت أنفه وأججت جوعه. تأوه وهو يجلس ويحدق حول غرفته. نادت الطيور وبكت في صخب أغاني الصباح التي تغنيها دائماً. لم يكن هناك سكلج على الأقل، كانت مقرفة.
أقل تقريفاً، وإن لم تكن مثالية تماماً، كانت هذه الملاءات الكتانية الخشنة، وهو يفضل كثيراً ملاءات حرير السيرينات الخاصة به، حتى وإن اضطر للاعتراف بأن امتلاك ملاءات سرير مصنوعة من الحرير الناعم بصورة فائقة سيكون ذروة الترف. افترض أن الملك وحده أو ربما أغنى الدوقات والدوقات النسوة يستطيعون تحمل تكلفة رفاهية كهذه.
انسلّ فريتز من السرير، داهناً لعابه ليرشده حتى لا يترنح كثيراً وهو يقف على ساقين تؤلمانه. كتفه شعر أيضاً بالألم وسرعان ما تذكر السبب. حمل لورين. ضحك وخرجت الضحكة كرّامة. كان الصوت أعلى من اللازم وجعله ينكمش. احتجّ إلى إيجاد علاج مضاد للسموم، بطريقة ما شرب ما يكفي لتجاوز طبقة موسلفر عظمامه وخصائص التنقية تلك التي توفرها.
بعد ارتداء ملابسه، تعثر داخل الممر، بسلاسة، ثم طرق باب بير متمنياً لو أنه يعرف أين خزّنوا العلاجات الاحتياطية. كانت هناك تأوهات مخلفات سكر بأكثر من صوت واحد. استدار فريتز وانطلق نازلاً على السلم، مقرراً أنه لا يريد رؤية ما يوجد على الجانب الآخر من ذلك الباب، وموفراً عينيه وصحته العقلية معاً.
استقام وبطّأ خطاه عند قاعدة السلم، ثم خطا داخل المطبخ.
قال فريتز بنبرة مبحوحة قليلاً: "يا كال، يا صاحبي الجيد، أين تُرصَد الإمدادات الطبية؟"
نظر كال أعلى من قدر مُدَخَّن وابتسم على وسع، بدا أسعد مما رأه فريتز عليه قطّ. لقد أثبت أن هناك رجلاً رائعاً تحت كل هذا التذمر والتشكي. ناسبه ذلك.
قال كال: "إنها تُخزّن في المخزن الآن."
سأل فريتز: "جيد، هل لدينا شاي؟"
قال كال: "لدينا. حصلت على بعض البارحة. والغليون يكاد يغلي."
قال فريتز: "أقلت صاحبي الجيد؟ قصدت العظيم."
التقط بعض جرعات مضاد السموم وأمسك علبة الشاي بجانبها مباشرة. غادر المخزن والمطبخ، ثم وضعهما على طاولة الطعام. ابتلع حبة داكنة مع كوب ماء نقي طازج. تنهد وانتظر العلاج ليؤتي مفعوله.
حين صفا ذهنه، عاد إلى المطبخ مع كال وأعدَّ الشاي، بمهارة ضئيلة. مع أن فريتز كان عاشقاً كبيراً لهذا الشراب اللذيذ، إلا أن براعته في تخميره لم تبلغ بعد مستوى ذوقه الرفيع. لكنه صبّ منه بلطف لكال الذي لم يتذمّر أبداً من المذاق الناقص.
قال كال: "هذا جيد".
قال فريتز: "رغم أن تحضيري يترك مجالاً للتحسين".
قال كال: "أراه لذيذأ".
كان فريتز ليوبّخ الرجل عادةً، فهو صبيّ شوارع لا يكاد يُميّز بين الشاي الجيّد والسيّء أكثر مما يفعل الحصان.
تمتم كال عاقداً حاجبيه: "التخمير".
ثم شحب وجهه والتفت إلى فريتز بقلق.
تنهّد فريتز.
سأل: "ما الأمر؟ ماذا فعلت؟".
اعترف كال: "أنا... ربما، أمم... أفشيت السر... لأمي... بشأن ذلك التكتيك الذي نملكه".
سأل فريتز بسرعة: "أي تكتيك؟ ماذا أخبرتها؟".
"أنا، أمم، أخبرتها عن لفائف الغزاة. ليس كيف حصلنا عليها، بل أننا نملكها. وكانت ملقاة هناك في حقيبتي الشخصية وبدت مهتمة للغاية لدرجة أنني... كما تعلم..."
سأل فريتز مسترخياً وهو يتكئ على منضدة المطبخ: "أريتها لفافة؟".
اعترف كال: "نعم".
ساد صمت لدفيه بينما استمتع فريتز برشفة أخرى من الشاي وانشغل كال بالطبخ.
سأل كال: "هل أنت غاضب مني؟".
قال فريتز: "لدي كل الحق لأكون كذلك. لكن لا. كنت أنوي عقد اتفاق مع هذين الاثنين على أي حال. قد يكون مفيداً للغاية أن يعمل معنا موهوبان مثلهما. كنتُ أنتظر فقط لعرض الأمر على الفريق أولاً".
سأل جورج وقد ظهر رأسه في الممر بين المطبخ وغرفة الطعام: "ما هذا؟".
قال فريتز: "خطط للمستقبل. سنناقشها لاحقاً. تعال اشرب الشاي".
قال جورج منضمّاً إليهما: "حسناً".
تراجع برت وروزي على السلالم بعد ذلك، معاً.
عقد كال وفريتز حاجبيهما نحوهما، لكن الاثنين كانا يبتسمان بتبجّح ودون أي شعور بالذنب. مع ذلك، لم يقل أحد شيئاً لوجهيهما البَلِيهين السعيدين. كان فريتز يدرك أن فعل ذلك سيُدفع برت فقط للتبجّح بالتفاصيل المقزّزة لمجونهما.
قال كال: "الفطور جاهز، أحضروا الصحون".
سرعان ما صار الجميع يأكلون بنهم في غرفة الطعام، جائعين للغاية عن الثرثرة. انبعث أنين رهبي من الدرج وترجّلت لورين على الخطوات كأن قدميْهما صُنعتا من الرصاص. لم يستطع الفريق إلا أن يتبادل الابتسامات الساخرة بينما تعثرت في دخول غرفة الطعام. كان شعرها فوضوياً، ورمشت بعينيها بوهن وبدت على وشك أن تتقيأ.
جلست على مقعد طعام بثقل وأسقطت جبهتها على الطاولة متأوهة وهي تحجب عينيها عن الضوء المتسلّل من النوافذ التي لطختها الأمطار.
سارع كال لنجدتها، فقدم لها كفاً من الماء، وأحد العلاجات، وقطعة من المقرمشات الشهية. شربت الماء وتناولت الدواء متمتمة بكلام غير مفهوم، لكنها دفعت الطبق بعيداً.
لاحظ جورج بتلك الابتسامة الماكرة النادرة التي كان يرتديها أحياناً: "يبدو أن أحداً قضى وقتاً ممتعاً".
قال برت: "أنت لا تعرف النصف حتى. لقد صادقت إحدى النادلات".
سأل جورج: "أحقاً؟".
أطقت لورين أنيناً وما زال وجهها محجوباً واحمّرت أذناها: "لاااا".
أضاف برت موفراً على المرأة مزيداً من الإحراج: "بلى، حقاً. لكنكم فوتّم أيضاً شجار روزي الأول في الحانة".
سأل جورج: "شجار؟ هل أنت بخير؟".
قالت روزي، وفمها ممتلئ بالخبز والزبدة والمربى: "نعم، ولا خدش حتى. أنا صلبة. آذيتُ كليهما جيداً".
ضحك برت: "أشك في أن ذلك الرجل الذي لكمته سيتبوّل باستقامة مرة أخرى".
خارت روزي ثم بدأت تختنق.
تذمّرت لورين: "أهذا كلام مناسب حقاً على مائدة الطعام؟".
جادل برت: "إنه فطور لا عشاء".
قالت لورين وهي ترفع رأسها، وقد أصبحت عيناها أثبت وانحسر ذلك الشحوب المريض ببطء: "أرغ... أنت تعلم ما أعنيه. أيمكنك مناولتي الخبز والمربى؟".
قال فريتز وهو يناولها ما طلبته: "بالتأكيد".
أكلا في شيء من الهدوء بمجرد أن انضم إليهما كال، مركزين على تناول الطعام لا الحديث.
وجد فريتز الوجبة باعثة على الحنين بشكل غريب، بل ومريحة أيضاً. ومع أنها كانت مختلفة عن وجبات فطور عندما كان نبيلًا شاباً، لكونها أقل رهافة وتكلّفاً بكثير، إلا أنه وجد فيها شعوراً معيناً بالقرب من الفريق. وكانت مختلفة تماماً أيضا عن نبش والتهام أي شيء يمكنه البقاء به في الشارع، وأقل بكثير من ذلك الضغط واليأس والارتجاف. تصاعد شعور بالذنب لفترة وجيزة، فقد كان يدرك أن هناك أطفالاً في الأسفل بالحلقة الغارقة يعانون كما عانى هو ذاته.
أيمكنه إيجاد سيلة للمساعدة؟ تنحى بالفكرة جانباً في الوقت الحالي ودفع عنه ذلك اللوم الذاتي. كان عليه أن يقلق بشأن جلده الخاص في الوقت الراهن. مع أن الأمر لم يكن مجرد جلده الذي ينبغي عليه القلق بشأنه، بل كان لديه فريقه وإخوته وبرت ليحافظ على سلامتهم أيضاً.
أمر برت: "توقف عن التخطيط وكل، فريتز".
كان فريتز على وشك الاحتجاج بأنه يأكل، لكنه وجد أنه بالكاد مسّ سمك الأنقليس المحمّر وكان يملّق طبقه فقط. قرر الاستماع إلى برت الآن.
حين انتهيا من الفطور، أُزيلت الصحون ورُفعت. حمل برت دلو بقايا الطعام وحمله إلى غرفته، بحجة إطعام ديل ظاهرياً.
سأل كال: "كيف نحدد من يقوم بغسل الأطباق؟".
سألت لورين وقد بدا عليها الارتباك من السؤال البسيط وبدت وكأنها تحسنت كثيراً الآن بعد أن أخذ علاج السموم مفعوله الكامل: "ماذا؟".
قال جورج: "يمكننا سحب البطاقات مجدداً أو اعتماد نوع من التناوب".
نظرت إليهما لورين كما لو أنهما مجنونتان ثم سعلت وعدلت ملامحها.
قالت كأن الأمر بدهي: "سنجعل خادماً يقوم بذلك. أليس لدينا واحد بالفعل؟".
قال فريتز: "أظن لا، لم يُنصّ على ذلك في العقد".
سألت روزي: "نُصّ؟".
قال فريتز: "مكتوب. عذراً، قضيت وقتاً طويلاً مع محامٍ البارحة. لا بدّ أنه أثر فيّ".
قال بيرت وهو يعود إلى غرفة الطعام: "أرجو ألا يكون قد فعل، ماذا سيقول سيد؟".
أطلق جورج ضحكة خافتة، وأبدت لورين امتعاضاً، وأمش جفنا كال. نهضت روزي وبدأت بالمغادرة، وأمكت بقميص بيرت وهي تمر بجانبه.
قالت: "لنذهب ونأخذ حماماً".
استجاب بيرت بحماس، ملوحاً ومبتسماً للفريق الجالس والذي بدا مستاءً بعض الشيء.
لم يمضِ على غيابهما سوى تسع ثوانٍ حتى سألت لورين: "هل سنسمح... بأي شيء يكون هذا؟".
قال فريتز: "أظن أنه يجب علينا ذلك. منعه سيؤجج فقط نيران العناد المشتعلة في داخل بيرت. ولست متأكداً من أنه ردع روزي أيضاً".
سأل كال: "ماذا؟".
قال جورج بحكمة: "سيستمران لمجرد أننا قلنا ألا فعلا".
"إذن، ماذا؟ نتركه هو وأختي..."
صمت كال، بدا مذهولاً ومريضاً بعض الشيء.
قال فريتز: "هما حران في فعل ما يريدان. ليس علينا أن نحب ذلك، لكننا لا نملك حقاً كبيراً في التدخل".
قال كال بيأس: "ظننت أن إحدى القواعد هي عدم إقامة علاقات داخل البرج".
صححت لورين: "إنشاء علاقات جديدة داخل البرج هو المحظور. المتزوجون والخطاب يدخلون معاً كثيراً. رغم أن الناس لا يتبعون تلك القواعد دائماً على أي حال. مع كل الخطر والإثارة، من السهل أن ننسى".
سأل كال: "ألن يعترض ذلك طريق التسلق إذن؟".
هزّ فريتز كتفيه والتفت ليرى لورين وهي تفكر في السؤال.
قالت لورين: "قد يفعل، رغم أنني أشك في أن يكون خطراً جسيماً. هل سيدوم أصلاً؟".
قال فريتز: "أنت لا تعرف هذا بعد، لكنك ستعرفه. يمكن لبيرت أن يكون، حسناً، متقلباً، وتافهاً بعض الشيء عندما يتعلق الأمر برفقاء السرير. إعصار حب إن جاز التعبير".
قالت لورين: "لن أُجاز، ومع ذلك تابع".
تابع فريتز: "حسب ما تبدو الأمور فأنا متأكد من أن هذا سيهدأ قريباً. أتمنى فقط أن تخرج روزي سالمة من هذا الإعصار".
قال كال وهو يقطب حاجبيه: "ستكون بخير. إنها صلبة".
سأل فريتز: "على أي حال، ألن نكف عن الثرثرة ونعرض خططنا لهذا اليوم؟".
قال جورج: "بالتأكيد".
سأل فريتز: "لورين، أحتملين بدء بيع غنيمتنا الكبيرة اليوم؟".
اعترفت قائلة: "ليس بعد. سأحتاج إلى تفقد الأسواق ومعرفة الأسعار. ربما أعقد بعض الصفقات هنا وهناك".
سأل فريتز: "أبخير أنت في فعل ذلك وحدك؟".
قالت لورين: "بمجرد أن أتعافى وأخذ حمامي، يجب أن أكون قادرة على تجوال سوق ثوروفر وحدي. رغم أن بعض المساعدة لن تضر. أيريد أحدكم مرافققتي؟".
قال كال بسرعة وهو ينقض على العرض: "أود بشدة مرافققتك".
أومأت لورين برأسها متألمة قليلاً من الوجع. فركت مؤخرة رأسها.
قالت لورين وهي تنهض وتهم بالمغادرة: "أشعر بالبؤس. إن عذرتموني فسأرتاح بعض الوقت".
سأل جورج: "ما أمرك أنت يا فريتز؟ أستستعيد اليوم ما طلبته من والدي؟".
استفسر فريتز: اممم.
أظن ذلك، لماذا تسأل؟".
قال جورج: "أود الذهاب معك. أحتج للعودة وإخبار والدي بما حدث. ولا أود فعل ذلك وحدي".
أومأ فريتز برأسه. رغم أن المهمة لم تكن في صدارة قائمة أُمور ليومها إلا أنه لا بدّ من إنجازها عاجلاً أو آجلاً. وإن شعر جورج بعدم الارتياح وجب تدارك الأمر سريعاً. استطاع فريتز منح الرجل بعض الدعم.
أعلن فريتز: "سنذهب فور استطاعتي، لدي أشياء كثيرة جداً وأريد البدء في أسرع وقت".
أومأ جورج بجدية.
قال مغادراً: "سأذهب لأخذ حمام"، ولم يبقَ في غرفة الطعام سوى فريتز وكال.
سأل كال وهو يختلس النظر إلى الأطباق المتسخة: "إذن أترك هذه للخادم؟".
قال فريتز وهو ينهض ثم يساعد الرجل في العمل الشاق: "أظن لا، سنقوم به نحن هذه المرة".
كان لا بأس من اتساخ الأيدي بعض الوقت.
ما إن انتهيا حتى أخذ كل منهما حماماً في الأكشاك الخارجية واستعدا للذهاب في مهماتهما. جمع فريتز جلود سمك القرش والأنقليس، وأراد معالجتها بالشكل اللائق لدى مدبغ وقد أُنجز الكثير من ذلك العمل المنتن في حي البخار حيث تقع حدادة أنكورورث أيضاً. كان الأمر مجرد انعطافة صغيرة وكلما أُنجز أسرع استطاع الحصول على درع جديدة.
كان جورج ينتظر في الصالة مرتدياً درعه النصفية حين وجده فريتز أخيرًا. بدا متوتراً، مثل فولاذ مشدود تحت وزن هائل. أومأ إليه فريتز وغادرا دون كلمة نحو بوابات الحلقة الغارقة.
كان المطر خفيفاً ودافئاً في هذا اليوم، وهبت الرياح بقوة عاصفة تعبث بملابسه. فتح فريتز مظلته وتقدم الصفوف.
انضما إلى الحشود المتدفقة، وشقا طريقهما أخيراً إلى بوابات حي البخار، ثم عبرا إلى الحي نفسه. تصاعدت سحب بيضاء وسوداء إلى السماء، ملطخة المطر ومملوءة تلك القطرات الساقطة بالوحل النتن. اقترب جورج أكثر من فريتز ليستفيد أكثر من حماية المظلة.
منح الرجل فريتز ابتسامة معتذرة.
بلغ الاثنان باب حدادة مرساة الحديد في النهاية. بلع جورج ريقه وعقد حاجبيه في عبوس مخيف.
سأل فريتز: "أتريد أن أسبقك بالدخول؟"
أجاب جورج: "لا، أتنتظر هنا؟ أودّ مواجهته وحدي."
هزّ فريتز كتفيه وقال: "افعل ما بدالك. سأنتظر."
أومأ جورج امتناناً، ثم اقتحم الحدادة بخطى واسعة.
توقع فريتز سماع صياح أو سيلاً من التوبيخ العنيف لكنه لم يسمع شيئاً من ذلك، بل صمتاً مشدوداً فحسب. غالبه الفضول فلتحف بعباءة الغسق وأطلّ من الباب المفتوح.
رأى الرجلين يحدقان في بعضهما بنظرات صفراء حجرية متطابقة تقريباً. تحرك العجوز بروس أولاً، فوثب فوق المنضدة واندفع نحو ابنه بكل تهور وعنفوان ثور هائج. أُطيحت منضدة محملة بالفؤوس، وتساقطت النضال ثم رنّت على الأرض الحجرية.
التحم اللحم بالصلداد بصوت مكتوم، ثم انبعثت ضحكة عميقة من الأعماق حين عانق الأب ابنه. بدا أن جورج لا يدري ما يفعل بنفسه فبادرة العناق بحذر.
صاح بروس وما زال يضحك بابتسامة عريضة تفقد بعض الأسنان: "أيها الأحمق! لقد عُدت!"
قال جورج: "لقد عُدت."
"لقد جعلتني فخوراً. ما كنتُ أظن أن في وسعك الفرار وتسلق برج. هاه! لديك عمود فقري متين أيها الفتى!"
سأل جورج: "ألسْت غاضباً؟"
قال بروس: "بالطبع لا، التسلق أمر عظيم. إلى أي علو وصلت؟ أحصلت على مسار؟"
قال جورج: "لدي مساري، لكنني لا أستطيع الإفصاح عن أكثر من هذا."
"لمَ لا؟"
أجاب جورج بغموض: "أوامر القائد."
قال بروس بمرح: "هاه. حسن جداً، أوجدتَ أي معادن جيدة؟"
قال: "لا معادن، بغض النظر عن بعض أسنان ثعبان البرق. لكنني لست متأكداً إن كان الفريق يستطيع التخلي عنها."
أومأ بروس بحكمة.
سأل مغيرًا الموضوع: "أرجعتَ لتبقى؟ أم في وسعي أخيرًا استخدام غرفتك للمخزن؟"
قال جورج: "لدي مكان جديد، في الوقت الحالي"، ثم شرع يشرح شيئاً من أفعاله وخططه للمستقبل.
تركهما فريتز وشأنيهما، وبحث عن مدبغة لمعالجة جلود وحوشه الكثيرة.
قرر أولاً زيارة بضعة صانعي جلود ليعرف من هو الأكثر جدارة بالثقة في التعامل مع هذه المواد. واكتشف أنها متقاربة في الجودة على الأرجح، وتلقى بعض التوصيات والتحذيرات التي قرر الأخذ بها، فشق طريقه أكثر داخل الحي نحو البحر.
عثر على المدابغ سريعاً، باتباع حاسة الشم غالباً، ثم وجد بغيته. دباغ يدعى غروله. كان أجنبياً استقر في مدينة المطر. وتقول الرواية إنه أُنقذ من سفينة عبيد كراكوسية على يد بحرية الملك، ورغم أنه وجد نفسه حراً، عجز عن العودة إلى وطنه بسبب التكلفة الباهظة والمخاطر الهائلة لعبور البحار. لذا مارس مهنته القديمة وأتقنها. ثم تزوج وأنجب أطفالاً ولم يعد يشعر بالحاجة إلى الرحيل.
سمع فريتز هذه القصة من ثلاثة أشخاص على الأقل، من ضمنهم الرجل نفسه عندما استفسر فريتز عن خدماته. بدا أن غروله يستمتع بالشهرة والهمسات بأنه يعرف تقنية دباغة من أراضٍ بعيدة. وعندما سأل فريتز عن مثل هذه الشائعات، اكتفى الرجل الأسمر المشعر بابتسامة ذات مغزى.
دفع فريتز בסך הכל ثلاثي ذهبي لقاء معالجة الجلود والإهاب، وتحديداً تلك القابلة للإنقاذ منها. فقد كان الكثير منها متفحماً ومهترئاً وفاسداً لدرجة لا تصلح لشيء سوى النفايات. ومع ذلك، خمّن غروله أن هناك ما يكفي لصنع طقم كامل واحد على الأقل من كل نوع، وربما أكثر إن تطلب الأمر صدريات وسراويل وأحذية فحسب.
قال فريتز: "أستبقى بعض خصائص الوحوش؟"
قال غروله: "ربما، إن ذهبت إلى أحد صانعي الجلود الفاخرين في الحلقة العليا. يمتلك بعضهم مهارة في التحرير. ليس بجودة الجلود المنقوشة بروناي ديسكاين بالطبع، لكنني متأكد من أنهما يستطيعان خياطة شيء مققبول. أنتم أهل مدينة المطر تبرعون في التدبير بما تملكون من قليل."
ابتسم فريتز وسلم الجلود والإهاب.
وقال: "كم تستغرق الدباغة؟"
قال غروله: "تستغرق بضعة أسابيع، وربما شهراً حتى تجهز."
سأل فريتز وهو يلوح بثلاثي آخر: "هل من طريقة لتسريع ذلك؟"
هز الرجل رأسه.
"ليس إن كنت تريد إنجازها بحق."
ظن فريتز أن الرجل يعرف عمله فترك عنواناً ليتمكن من الوصول إليه فور انتهاء الجلود. ثم انطلق عائداً إلى الحدادة.
فوجد جورج واقفاً قرب الباب ينتظر.
سأل: "إلى أين ذهبت؟"
قال فريتز: "رتبت الجلود والإهاب فحسب، لم أرد لها أن تتعفن أكثر كما تعلم. ولم أرد إزعاجك أنت وبروس."
أومأ جورج برأسة بجدية، ثم ابتسام وأشار بإبهامه خلف كتفه.
قال جورج: "طلبيتك جاهزة، وهي براقة للغاية. لست متأكداً من أنها تناسب كشافاً."
قال فريتز بثقة: "أنا بالكاد كشاف عادي."
ابتسم جورج إزاء ذلك.
"لا، أظنك لست كذلك."
ربت فريتز على كتف الرجل وخطا داخل الحدادة.
استُقبل بابتسامة عريضة ولم يستطع بروس كبح رغبته في التفاخر بعمله. اضطر فريتز للاعتراف بأن المنظر كان جميله وبات أكثر شوقاً من أي وقت مضى لاستعراضه. وللأسف، كانت فضة القمر المصنوع منها شديدة اللمعان كالمرآة وتلفت الانتباه أكثر من اللازم لحملها، لذا جعل الرجل يغطيها للنقل.
تسلّم فريتز طرده الملفوف بالقماش. كان أخف بكثير ممّا ظنّ. ظلّ حمله مزعجاً بعض الشيء، ولن يستطيع حمله في مهمّته التالية المتمثلة في تفقد خزنته المخفية في الحي المغمور.
طلب من جورج حمله إلى البيت بدلاً منه.
قال فريتز: "ضعه في خزانتي فقط. أريده قربي."
أومأ جورج برأسه، وانطلق بلا تذمر بخطوات خفيفة شبه مرنة.
ابتسم فريتز لظهر الرجل ثم شقّ طريقه خارجاً من حي إلى آخر، حيث تستبدل الفضلات والبخار بالفيضانات والأماكن المنسية.
دخل الحي المغمور ملتحفاً بالغسق، فوقع عليه ضغط خفيف. مدّ كتفيه فبدا أنه خفّ، وإن لم يزُل كلياً. انسلّ عبر الأزقة، فباغته هلع زاحف حين رأى وجوه البائسين واليائسين الشاحبة والمهزولة.
وحين اجتاز الأسطح وعوارض الخشب وأقواس الحجر، راوده شعور واضح بأنه مراقب. نبض بوعيه باحثاً عن نظرات العيون التي عرف أنها ترمقه. لم يكن هناك شيء سوى الطيور والجرذان والقوارض. مع ذلك، توخى فريتز الحذر فعاد أدراجه، ثم سلك طرقاً ملتوية ليضلّل أياً كان من يتعقبه.
مجدداً لم يظفر بأحد، سوى قارض كريه مغطى بالحراشف. سبح تحته، ثم هرول بقدميه الغشائيتين إلى كومة من النفايات. حدق إليه بعينين سوداوين خرزيتين تطفحان بالخبث.
أزّ فريتز في وجه الجرذ: "اغرب عن وجهي."
فتوغل القارض أكثر في القذارة.
قال فريتز في نفسه: "جرذ ذكي، لألعننّ حظي. يكاد يكون أبهظ سخافة من حلزون ذكي—"
استقر شيء في مكانه بذهن فريتز. كل تلك التفاصيل الصغيرة، والتلميحات الواضحة الآن، تضافرت لتشكل نظرية.
ماذا لو كان قرش الليل، مثل بيرت، نوعاً من مروض الوحوش؟ ماذا لو كانت الطيور والآفات الأخرى مجرد جواسيس؟ مع هذه الفكرة المقلقة، ظهرت أسئلة وإجابات جديدة إلى النور.
هوى بطنه إثر الإدراك، واستقر حجر من الرعب في جوفه. تذكر أن صقراً عاصفياً كان جاثماً قرب أحد مداخل الأنفاق وتذكر كيف تعاملوا معه. صار يشتبه الآن — وكان المفروض أن يفعل من قبل — في أن الطير، الملعق، كان يراقب الزقاق لا يعشش هناك فحسب. إن كان تخمينه صائباً، فإن قرش الليل لعرف بأمر خزنته سلفاً، أو سيحط على أمرها عاجلاً أم آجلاً.
هزّ فريتز رأسه. لم يذكر أن الصقر تتبعه، مع أن عدداً لا يحصى من الطيور الأخرى أو حتى الجرذان ربما رأته.
قرر تفقد الأراضي وحدها، أو بالأحرى المياه المحيطة بالقصر المغمور. لم تكن هناك نفوس تُرَى، لكن نورسًا كان جاثماً هناك على السطح القرميدي المرقع. كان يتبختر يمنة ويسرى، متظاهراً بتربص الأسماك، رغم أنه قد يكون في مهمة مراقبة.
تسلل برد عصبي في جسده، فاقشعر بدنه. مهما بلغ ارتيابه في الماضي، بدا أنه لم يكن كافياً أبداً لخداع قرش الليل تماماً.
بدل المغامرة للتقدم وتفقد الخزنة والمجازفة بالوقوع، غدي فريتز وجهته وانطلق للعثور على مخابئه الأخرى الأقل شأناً بكثير لاستعادة ما جمعَهُ من حلي وملابس. ينبغي أن يبدو مسلك الاسترجاع هذا أقل إثارة للريبة بكثير من الاستدارة والمغادرة خالي الوفاض، سيما أن هناك كيساً مخفياً مماثلاً قريباً، محشوراً بدقة بين عتبة نافذة متعفنة وجدار.
بهذه الخطة في ذهنه، غادر. كان جمع كل القطع النحاسية الغريبة والأغراض الصغيرة التي سرقها وخبأها في أنحاء الحي المغمور أمراً يسيراً. وجد أيضاً معطفه الأرجواني الفاخر وحرره، رغم أنه لم يرتده فوراً؛ بل سيصبر حتى يصير في الحلقة العليا لأجل ذلك.
مسلحاً برؤى جديدة ومحتاجاً لتحذير فريقه، شق طريقه نحو بيته. لكن قبل أن يغادر كلياً، أخذ وقتاً للحديث مع بعض نمامين محليين ليلمّ بما يحدث في المجاري.
كان الوضع كئيباً ودامياً، ومجرد الاستماع إلى حكايات "عاصفة القناني"
ورئيس العصابة الصاعد الجديد "سيد الابتسامات"
جعل قلبه يتفطر. ثم احترق صدره بغضب بالكاد يسيطر عليه حين علم بالحصار الجاري على منطقتها والاقتراب الموشك لحرب عصابات بالهمس.
قال أحد النمامين: "لن يدع قرش الليل حرباً تقع. سيتعين عليهم التخلص من هذا الفتى الجديد. لقد نفش ريشه أكثر من اللازم. أسمع أنه يواصل سرقة العاهرات، أراهن أنه يحاول بناء حريمه الخاص. ويأخذ الأطفال أيضاً. ذلك الوغد المريض. يقولون أيضاً إن لديه وشاحاً أحمر. وبدأ الناس يهمسون بأنه والعاصفة شخص واحد. لكن تلك مجرد إشاعات، ولعلها فرية أطلقها بنفسه ليبدو أشد خطورة مما هو عليه."
فار فريتز غضباً باطنياً ممّا سمع. الكثير جداً من الازدراء والكثير من السخرية. لم يصدق الكثيرون أن سيراً يضمر خيراً، فقطعتهم القاحلة كالقلوب لم تستطع تقبل أمر كهذا.
صرح نمام آخر كمن يملك الحقائق كلها: "سينتهي كل هذا في شهر. لا شيء يتغير قط. يحرص قرش الليل على ذلك."
أراد فريتز أن يصرخ في وجوههم، وأن ينفي يأسهم، لكنه علم أنه لن يجدي نفعاً. ما لم يروا الحقيقة بأنفسهم، فسيعمون أبصارهم بعبارات كئيبة بلهاء حول كيف ظل الحال دائماً وكيف سيظل سرمداً.
محتضنين أغنية الحورية المظلمة لليأس التي تتطلب منك القبول بـ: "الأمر هكذا وحسب. اعتده."
تلك الكذبة العتيقة.
كان فريتز على وشك الابتعاد بخطوات حثيثة وفك الحصار بنفسه حين أحس أنه مراقب، مجدداً. توقف مكانه وبرّد غضبه ليغدو أكثر قسوة وتعمداً. سكين باردة تحسباً لتلعثمه لاحقاً، تماماً كما علم أنه سيفعل.
رغم رغبته الشديدة في العثور على سيد وربما التحدث إليها، اتبع نصيحة تالي بالمراقبة والانتظار. لن يكون نافعاً وهو في هذا الهياج على أي حال.
أطلق تنهيدة طويلة ثم استقام، بخ بخطواته نحو بوابات الحلقة العليا وترك الحي البائس خلفه.
كان لدى فريتز أمور ليجزها وقوة لينتزعها. متى حاز ذلك صار قادراً على المساعدة.
كل ما احتج إليه هو مزيد من القوة.