غادر فريتز الملجأ، لكن ليس قبل أن يجد أخته ويتمنى لها السلامة. كانت أكثر حماسة لرؤيته من أخيه، وابتسمت عريضاً حين أبصرته.
تعانقا، وظلا متشبثين بعضهما ببعض برهة قبل أن يوضح فريتز أنه بحاجة للذهاب. أهداها دبوساً عظْمياً صغيراً منحوتاً على شكل سمكة واثبة، إحدى القطع الصغيرة التي استخلصها من غنائم الصندوق البرونزي. ابتسمت بلطف، وبدت بوضوح غير معجبة بالحليّة، لكنها سُرّت بهدية من أخيها الأكبر والأفضل. وكما كان فريتز يدرك تماماً أنه كذلك.
ثم قال وداعاً سريعاً وغريباً لجيس تحت عين فرانك المراقبة والمتعبة. فكر فريتز في حياكة لعنة أخرى للرجل، لكنه لمرغب في حرمان الملجأ من أحد حراسه، تحسباً لوقوع أي خطر غير متوقع.
وبينما كان الحارس يرافقه إلى الخارج واقتربا من البوابة الحديدية، قال فريتز: "يا فرانك، لعلّي صنعت بعض الأعداء".
سأل فرانك: "أمر غير مستغرب. لكن ما علاقتي بذلك؟".
قال فريتز بنبرة لا مبالاة تخفي قلقه الشديد: "حسن, أعلم أن كثيرين لا يرغبون في المخاطرة بغضب نقابة المرشدين. لكن بما أن عائلة هايتايد غير محبوبة، فقد يحاولون أذية عائلتي بغض النظر عن حماية الملجأ".
تذمر فرانك مطلقاً همهمة، وهو يمرر يده على ذقن خشنة اللحية.
توسل فريتز: "هل يمكنني الاعتماد على مساعدتك، ربما كلمة في أذن بقية الحراس؟".
قال فرانك: "حسناً. سأفعل ما بوسعي".
ابتسم فريتز، وأخرج بعض الثلاثيات الذهبية وناولها لفرانك. أو حاول فعل ذلك.
سأل فرانك عاقداً حاجبيه: "ما هذا؟".
ابتسم فريتز بخبث: "شيء يجعل تشديد الرقابة أكثر استساغة".
ارتج وجه فرانك، ثم دفع الثلاثيات في صدر فريتز بقوة، وبصق إلى الجانب.
زمجر فرانك: "احتفظ بذهبك يا فرانسيس. هذه ليست تجارة. إنه عملي اللعين وأنا أهتم بهؤلاء الصغار".
على قدر مفاجأة فريتز، خطف القطع النقدية التي تساقطت عندما أبعد فرانك يده، دون أن يدع واحدة تلامس الأرض.
سعل فرانك واستعاد هدوءه المنحني.
أمر: "اخرج من هنا".
اومأ فريتز. غادر في عجلة وقورة وقفز فوق البوابة الحديدية برشاقة لا عيب فيها. وعلى الرغم من أنه استشاط غضباً من الاستقبال الخشن الذي ناله فقد سرّه أن واحداً على الأقل من الحراس يمتلك شيئاً يشبه القلب الطيب أو ما يقارب الأخلاق.
ابتسم وهو يمشي تحت المطر.
* * *
كانت محطة فريتز التالية في شارع الصاغة وشق طريقه إليه سريعاً. نشر مظلته حتى بلغ العوارض الخشبية ورأى المعروضات المتلألئة لواجهات المتاجر المتنوعة. راح يتأمل لدقائق كل الأحجار البراقة والأطواق اللامعة وسلاسل المعادن الثمينة المصقولة بإتقان.
لاحظ أن بعضها مصنوع بوضوح في برج البحار. حملت الحراشف الدقيقة الواضحة أو زخارف الأسماك التي تفرضها على مكافآتها. يمكن أن تكون أخرى من صنع برج المطر. لكن فريتز لم يستطع تمييزها تماماً عن المجوهرات البشرية لتشابه الأنماط. تساءل كم منها يعد كنزاً أو يمتلك خصائص سحرية.
تذكر فريتز الجوهر الحمراء بحجم القبضة التي أمّنها في حزمته وفكّر في دخول أحد المتاجر لتقييمها وتحديد هويتها. كان عند أحد أبواب المتاجر وهمّ بالدخول حين شعر بوميض من الرعب غير المبرر. كان مراقباً. استدار خفية متظاهراً بأنه يستمع إلى شخص ينادي باسمه وسط الحجم البشري.
تفقد مجموعات الزبائن المختلفة من نبلاء وعامة فلم ير أحداً يحدق في اتجاهه. ثم تطلع من فوق كتفه نحو حارس العاصفة المتمركز عند الزاوية فوجدهم لا ينظرون في اتجاهه قط. وكانت هذه منحة بالنظر إلى أنه تعرف عليها بوصفها رقيبة الحراس التي أوقعته في متجر خياطة كوليت. لن ينسى تلك العيون البنية القاسية والناعمة في آن. إذا استذكر جيداً فاسمها لويزا.
لو كان يرتدي معطفه لرفع ياقته ليحجب وجهه. لكنه لم يمتلك مثل هذا التنكر لذا اكتفى بالبقاء خارج نطاق رؤيتها فتسلل وانزلق إلى مكتب المحامي الذي جاء لزيارته.
كان مكتباً صغيراً بجدران من الحجر والخشب علقت عليها لوحات صغيرة. توقفت عن يمينه أريكة من الجلد الرمادي المنقوش وأمام مباشرة على بعد ياردات قليلة مكتب كبير منظم بعناية. جلس خلف المكتب شاب هندم مظهره. رفع نظره عن بعض الأوراق التي كان يقرأها وحيّا فريتز فور دخوله.
قال الرجل بحماس مسلطاً عينيه الرماديتين الصافيتين على فريتز وابتسم: "أهلاً بك يا سيّد".
سأل فريتز: "شكراً لك. هل أنت تيموثي وورث؟ المحامي؟".
قال الرجل: "أنا تيموثي وورث ولكن لست من تبحث عنه".
كان بشوشاً أكثر من اللازم وحين رفع فريتز حاجبًا استطرد: "أنا مساعد المحامي الجليل وابنه".
قال فريتز بلطف عارضاً ابتسامة مهذبة: "آه حسناً. يسرني التعرف عليك يا سيّد وورث. أنا فرانسيس هايتايد. أثمة احتمال أن أتمكن من مقابلة المحامي؟".
قال تيموثي بندم مصطنع: "لست أحد عملائنا الحاليين. ويا للأسف نجد أنفسنا مضغوطين في الوقت الحالي ولا يمكننا بأي حال تولي أي قضايا إضافية".
قال فريتز مبتسماً رغم الرفض: "إن كان هذا يصنع فرقاً فقد أرسلني الناظر هارفست".
عادت الابتسامة إلى وجه تيموثي فقال: "هذا يصنع فرقاً حقاً! المعلم هارفست صديق حميم لوالدي ورجل طيب بشكل رائع. بماذا تحتاج إلى المساعدة؟".
قال فريتز: "ألا يجدر بي مناقشة هذا مع المحامي نفسه؟"، وهو لا يريد أن يبدو فظّاً ولا أن يضطر لشرح وضعه لكل من تقاطعه طريقه.
أوضح تيموثي بسلاسة: "كلما قدمت تفاصيل أكثر الآن، مضى الاجتماع بالمحامي بسلاسة أكبر. سيمنحني هذا أيضاً الوقت لدراسة طلبك والقوانين والسجلات ذات الصلة".
قال فريتز، مردداً ما سمعه دون أن يدرك تماماً كُنه المصطلحات أو معناها: "حسناً، الأمر يتعلق بالوراثة واستعادة أملاك بيت هايدتايد الموضوعة تحت الوصاية".
قال تيموثي بينما رسخت قطبة ما بين حاجبيه ملامح وجه البوشوشة: "أه، أرى ذلك. قد يكون هذا أمراً عسيراً".
* * *
غادر فريتز مكتب المحامي. كانت التجربة مفعمة بالتبصر ومحبطة حتى العظم. قوانين الخلافة عتيقة وبعضها مفروض اعتباطاً وفق نزوات المَلِك لا وفق ما يمت للمنطق أو النظام بصلة.
مع ذلك، أكد وورث أن لقب فريتز بصفته سيّداً آمن، بينما بدا أقل يقيناً حيال أي ثروة أو عقارات جرى الاستيلاء عليها أو "وضعها في الوصاية"، وهو على ما يبدو تعبير منمّق للدلالة على أن نبيلًا آخر يدير إرثه بلا رادع وبأدنى درجات الرقابة.
كان مفترضاً بوليّ الوصاية ظاهرياً أن يتعهد الصيانة بالعقار، رغم اتفاق وورث حتى على أن هذا لم يكن المرجح لبيت هايدتايد. لم يكن هناك أدنى اكتراث بالبيت المنبوذ والبالغ الموت في غالبيته، مما جعل كل ما امتلكوه غنيمة سائغة لنبيل محنك وعديم الضمير. وهو ما كان يمثله النبلاء جميعاً في نظر فريتز.
لم تكن مأساة بالمطلق. ظل خاتمه الرسمي يحتفظ بسلطته، أو بالأحرى بسلطته النبيلة، واستطاع بيسر إتمام الخطاب المطلوب ليتولى رئاسة بيته. احتاج فقط ثلاثة شهود نبلاء للتوقيع على الوثيقة وختمها ليغدو معترفاً به شرعاً. ما دام البيت بلا رئيس، تعذر عليه السعي لاستعادة إرثه، لكن ذلك ظل أقل همومه بالوقت الراهن، إذ استطاع الاستمرار في استخدام خاتمه الرسمي لختم أي اتفاقيات تتطلب مثل تلك العلامة الرسمية.
تنهد وفتح مظلته مقتحماً الشارع، متأففاً من اضطراره لإنفاق قطعتين ذهبيتين من التراياد على مشورة المحامي، ومبغضاً بيروقراطية المَلِك بكل جوارحه. لمَ تعجز هذه الأمور عن أن تكون يسيرة؟
ومع تشويش عقله هامشياً بتلك التفاصيل الدنيوية المستجدة، تقدم فريتز بخطى حثيثة ليتوقف مرغماً حين اعترض أحدهم طريقه. كاد يقطب حاجبيه قبل أن يتعرف على المرأة؛ رقيبة الحرس التي رآها وتسلل من جوارها قبل ساعة أو ساعتين لا غير.
نبحت وهي تحدق في وجهه مباشرة: "أنت".
قال فريتز ببرود، مقطبًا حاجبيه بخفة ومتظاهراً بعدم التعرف عليها: "نعم؟ أيمكنني تقديم خدمة لك يا حارسة الحرس؟".
قالت الرقيبة: "أتحقق فحسب من أنك لا تدبر أي مشاكل يا 'فرانسيس'".
قال فريتز متظاهراً بالارتباك: "عليك معذرتي. لكني لا أذكر أن لي أي خصومة مع حرس العواصف الجليل".
قطبت لويزا حاجبيه.
سألت بريبة: "ألا تذكر؟ ألا تذكر اقتحام متجر خياط وإطلاق التعاويذ الواقية وإسقاط أحد حراسي مغشياً عليه؟".
قال فريتز وهو يدلك ذقنه الملساء متظاهراً بالبحث في ذاكرته: "ممم. أكنت محتساً للخمر؟".
قالت: "نعم".
سأل فريتز مانحاً المرأة ابتسامته الأكثر جاذبية ومراوغة: "صحيح! القائدة ليسا، أأنا محق؟".
صححت له وبدت مستاءة وهي تبعد شعرها الأسود الطويل عن وجهها: "الرقيبة لويزا".
قال فريتز وهو يعانق أغنية الغسق الخاصة به: "بالتأكيد، ها هو كل شيء يعود للذاكرة الآن. لا بد أن أقر بأن الرؤية ضبابية بعض الشيء. ولكن يا لها من ليلة مفعمة بالهوى!".
وقبل أن يتسنى للحارسة الرد على نوبته المبالغ فيها، تابع فريتز: "أشكرك مجدداً لحسن كتمانك. لولا أناقتك وحكمتك اللتان لا تنكران، لارتعشت فرائصي مما كان سيحدث. لربما جلب ذلك الخطأ الصغير العار لعائلتي، أو الأسوأ، خيب آمال البارونة".
قالت: "أه-ها"، وهي تفليله بحثاً عن أي زيف، فلاحظت خاتمه الرسمي وحدقت فيه باهتمام بالغ كأنما تحفره في ذاكرتها.
شبك فريتز يديه خلف ظهره على الفور.
"أنا آسف أشد الأسف الآن، لكن لدي الكثير من المهام لأنجزها، ومع روعة صحبتك إلا أن عليّ الرحيل. طاب يومك يا رقيبة".
خطى فريتز جانباً ومضى عابراً. لم توقفه، لكنه شعر بنظراتها تحرق ظهره حتى استدار عند ناصية الشارع.
تنهد فريتز مجدداً؛ يوم واحد فقط في مدينة المطر جعله يتمنى العودة إلى السبير. كانت الأمور هناك بسيطة على الأقل: التسلق، والنجاة من التجارب المميتة، واكتساب القدرات. يسيرة. لا كل هذه الخطوات الحذرة حول شتى السلطات سواء أكانت المَلِك، أم الحرس، أم قرش الليل.
لو لم تكن الأسرار مقرونة بالنجاة فقط.
مع ذلك، كان الدرب معبداً، وعليّه خوضه.
استقام ظهر فريتز وعاد أدراجه نحو صف المنازل المستأجرة. استغرقت العودة نصف ساعة كاملة، واستطاع ختم عقده في غضون دقائق. مجرد تسخين لبعض الشمع الأسود وضغطة من خاتمه ليصبح كل شيء رسمياً. غدت النازلة برمتها بالغة التفاهة وبدت كأنها لا تستحق كل هذا الجهد الذي بذله ولا الألم الذي تسبب به لإليوت ولنفسه.
وحين أُنجز الأمر، صار لديه مكان آمن بما يكفي ليقيم فيه، وبات بإمكانه تخصيص بعض الوقت للنظر في خطواته التالية وتدبير المكائد ليرتاح قلبه. طرق باب منزله الجديد. فتح كال الباب وأدخله. شق فريتز طريقه نحو غرفة الجلوس حيث تجمّع الفريق. كان الخمسة قد استرخَوا تماماً، وبعضهم تجاوز الحد، إذ كانت روزي ترتدي فستاناً أصفر قبيحاً وتتمدد نائمة على إحدى الأرائك وهي تغطّ بفظاظة.
كان غريباً أن يراهم الجميع مسترخين وفي ملابس عادية لا متأهبين ومدرعين. أثار المنظر ابتسامة على وجهه.
سأل بيرت جالساً في مقعد وثير قرب المدفأة والصغير دايل على كتفه المكسوة بقميص: "على ماذا تبتسم بارتياب؟".
قال فريتز: "لا شيء حقاً، سررت فحسب لاستقراركم جميعاً بهذه الراحة".
أجاب بيرت: "ليس هنالك ما يُفعل غير ذلك. أنا ملان".
ابتسم فريتز بخبث إزاء ذلك.
سأل بيرت: "أحصلت على الشارة لدايل؟".
أجاب فريتز ملخصاً ما أخبره به متدرب المحامي: "لا، عليك الذهاب إلى الثكنات الرئيسية للمراوغين وإثبات أنه ليس تهديداً عبر حزمة اختبارات. ثم يمنحونك الشارة".
تذمر بيرت: "تباً لهؤلاء المراوغين. لكن إن كان الأمر لأجل دايل فأنا أستطيع تحمل زيارة عرين الأوغرام هذا".
نصحه فريتز: "خذ بعض الذهب، للشارة والرشاوي معاً".
تنهد بيرت ثم نهض سريعاً مودعاً: "سأذهب لفعل ذلك الآن. لا فائدة من إضاعة ضوء النهار".
ثم ظهر رأسه ثانية في المدخل: "أسنخرج ليلاً؟".
وافق فريتز: "حتماً، علينا الاحتفال بصعودنا الذهبي المجيد".
اقترح بيرت محركاً حاجبيه وبابتسامة عريضة: "تاليز؟ لا مانع لدي من رؤية بعض الأصدقاء".
سألت لورين مجعدة أنفها: "أهذا حانة في حي ما؟".
صرح بيرت بفخر: "من نوع ما، جوهرة الحي الغريق. وأجمل الفتيات أيضاً".
بدا أن ذلك أثار اهتمام لورين، مع أنها تظاهرت بالامتعاض.
قال كال بقلق: "قد يكون الأمر خطيراً بعض الشيء على سيدة مثلك النزول إلى الأحياء".
هتف بيرت: "هاه! بالنسبة لهم ربما. نحن باثيون الآن يا كال".
قالت روزي متثائبة ومتمطية: "بيرت على حق. إن أزعجني أحد أو لورين، فسأحطم رأسيهما. كليهما".
قال فريتز: "حقاً، جدر بنا توخي الحذر بشأن إحداث ضجة. مع أنني أشعر أنه حتى لو انطوينا هنا لأبيات في السر فسيتحدث الناس دائماً. لا شيء يوقف القيل والقال".
وافقت لورين: "صحيح كالمطر".
قال فريتز: "سنضع خطة عند الغسوب. عُد بحينها".
أومأ بيرت برأسه مرة وغادر.
استفسر فريتز من جورج ولورين: "أليست لديكما أعمال أيضاً؟".
قالت لورين: "يمكنها الانتظار. أريد أن أكون مستعدة حين أعيد عصا اللهب والعدسة إلى عائلتي. سأذهب خلال ساعة أو ساعتين".
عادت إلى قراءة كتاب، مع أنها راحت تنقر بقدمها بتململ.
هز جورج كتفيه.
"سأقوم بذلك في وقته. نلت كل ما أحتتاجه هنا، باستثناء موقد حدادة".
أومأ فريتز برأسه، ثم وجد نفسه حائراً بعض الشيء فيما يفعله ريثما يحين الغسوب.
فكر في الذهاب للبحث عن سيد، لكن ذلك سيستغرق وقتاً طويلاً ومن يدري أين تكون أو ما تحتال. أبعد الفكرة عن رأسه، فنظر إلى جورج مفكراً في طلب نزال سريع في الساحة منه، ثم نبذ الفكرة مجدداً. لقد للتو اغتسل ولم يرغب في إرهاق نفسه أكثر من اللازم قبل احتفالهم.
دندن لنفسه وجلس في المقعد الوثير الذي خلا للتو من بيرت، واضعاً حزمته لترتاح إلى جانبه ومخرجاً الجوهرة الحمراء من أعماقها. تلألأت في ضوء المدفأة، ومضت خطوط متراقصة داخل وجوهها الداخلية وانعكس فرادى على أرضية المفروشات بأنماط غريبة وعابرة. كان أحد هذه الأشكال هو ما تطلب انتباهه. خيل إليه أنه يرى مغزى ما. مثبتًا يداً مرتعشة، أدار الجوهرة ببطء، محاولاً التقاط الضوء بالزاوية الصحيحة لإعادة إنتاج الأثر.
ظهرت للحظة قبل أن تخبو مجدداً. بدت تقريباً كرسم رمزي.
لا، كان رسماً رمزياً واستطاع قراءته «مضيء».
حاول استحضار الكلمة ثانية أو أي كلمة أخرى، لكنه لم يوفق. أدرك فريتز المشكلة فوراً، كان ضوء المدفأة غير مستقر البتة، يتراقص ويرقص على هواه. احتاج إلى مصدر ضوء أكثر ثباتاً. ربما نوع ما من مصباح مانا أو لعل—
"روزي، أيمكنني استعارة معولك؟"
سألت روزي: "ها؟"، منفتلة عليه، وفستانها المزركش المتنافر ينتفش، كاشفاً عن ركبتين وساقين حرشفيفتين فوق بطين ناعمين شاحبين للحظة عابرة.
قال فريتز بحماسة: "معول ضوء النجوم الخاص بك. أحتاج لاختبار شيء ما".
قالت: "حسناً"، ثم استدارت وغادرة صالة الجلوس.
استطاع سماع خطاها، وقدماها تثقلان على السلالم القوية، لحسن الحظ.
عادت خلال دقيقة، والمعول بيدها. أخذه فريتز منها بابتسامة وفعل قدرته على بث الضوء. أضاء رأسه كنجم بعيد، غاسلاً الغرفة بضوء أبيض.
رفع الجوهرة ودع الضوء يتألق عبر الأوجه المعقدة. وحيثما تدفق الضوء، غُمِرت الأرض والجدران أمامه فوراً بعرض مذهل من خطوط قرمزية مبعثرة متداخلة.
ابتسم فريتز، ثم قطب حاجبيه إذ وجد أنه لا يستطيع تبين أي معنى لهذه الحزمة المحيرة. تساءل عما إذا كان قد تخيل للتو الرسم الرمزي الذي رآه آنفاً. بحث الجميع في الغرفة وسط متاهة الضوء صامتين لقرابة دقيقة.
قالت روزي بفتور وعدم اكتراث جليّ: "جميل".
وافق جورج: "حقاً. لكن ما هذا؟".
تذمرت لورين: "ما هو عليه: يصيبني بصداع. أيمكنك فعل ذلك في مكان آخر؟".
أبعد فريتز الضوء عن الجوهرة. تحركت الأنماط، وتغشت أو حدت، متأرجحة مع المسافة والأوجه المعرضة لإشراق المعول. ظن أنه يستطيع رؤية زوج آخر من الرموز التي لها معنى، ولو للحظة فحسب.
قرأ فريتز بصوت عالٍ: "قص. إعداد. لمعان".
سأل جورج: "مم؟".
قال فريتز وهو يحاول قمع رغبته في القفز من شدة السرور: "أنا أعرف ما هذا".
سألت روزي: "ما هو؟ أليست مجرد جوهرة لامعة؟".
قال فريتز باختيال، بعدما استوعب جزءاً من أسرار الججوهرة وسرّه ألا يكون قد عرضها على صائغ ليجلوها: "لا، فكري أين وجدناها".
قالت روزي: "ماذا... في المكتبة أليس كذلك؟".
أكد فريتز: "نعم".
أردفت لورين وقد فطنَت سريعاً: "إنه كتاب".
صحح فريتز: "ليس مجرد كتاب، بل فن قتالي".
سألت روزي: "أي نوع؟".
سأل جورج وقد دُبغ فضوله: "فن سيف آخر؟".
فترض فريتز: "لا أظن. وإن يكن ما أظنه فسيخدمنا جيداً".
تسابقت الخطط والمكائد في رأسه لتداعيات الأمر وما سيتبعها من تنفيذ.
أه نعم، سيجدي هذا نفعاً كبيراً حقاً.
* * *
صاح بيرت من أسفل الدرج: "فريتز! لقد حل المساء! كفّ عن اللعب بحجارتك وانزل إلى هنا".
انتفض فريتز خارجاً من تجاربه مع الججوهرة، ووضعها جانباً هي ومصباح الضوء المتوهج. غطاها بقطعة قماش فائضة، فغرق هو وخزانة الملابس المضيئة في ظلام مبارك. تنهّد، فلم يحقق سوى نزر يسير من التقدم خلال الساعات التي سبقت صراخ بيرت وألمته عيناه، وسبحت خيالات باهتة في بصره برهة قبل أن تتلاشى.
ورغم استحالة القراءة تقريباً الآن، فقد علم أنه اقترب خطوة من سبر أغوار الأسرار الدفينة في الحجر. فرك فريتز عينيه وابتسم، باسطاً عبوساً تسلل إلى وجهه أثناء تركيزه على اكتشاف طريقة لقراءة معارف الفن القتالي. وبينما كانت جاذبية القوة تناديه، وجب عليه الخروج والترويح عن نفسه قليلاً. نأمل أن يساعده شيء من اللهو على صفاء ذهنه. حسناً، بعد صداع الخمر على الأقل.
نهض وغادر الخزانة، ثم خرج من غرفته واندفع هابطاً الدرج ثلاث درجات دفعة واحدة. قادته الرشاقة وسار بسلاسة متوقفة فقط حين بلغ ردهة الجلوس حيث اجتمع الجميع.
وقف بيرت وهناك شارة مثبتة على سترته، وديل على كتفه. كانت لورين قد ارتدت فستاناً طويلاً أخضر يجسد قوامها، وتزينت باللآلئ التي أخذتها من الصندوق النحاسي. كانت جميلة، رغم تعاليها وغضب عينيها المشتعلتين بحلقة من النار الصافية. لابد أن لقاءها بعائلتها قد شابَه التوتر.
وقفت روزي إلى جانبها في ثياب أنيقة مماثلة، وكان هذا بلون أزرق داكن بفتحة عالية جريئة على طول الساق. ناسب حراشفها ورغم قلة حليها ووقفتها المرتبكة قليلاً على كعبين مستعارين، فقد بدت حسنة الهيئة.
كان كال وجورج يرتديان مثل فريتز تماماً، قمصان طويلة الأكمام منقوشة بالحراشف والأسماك وأصداف المحار. سراويل داكنة تشدها أحزامة ذات أبازيم عظمية. لم يبدو أحد مسلحاً سوى فريتز، وغابت بوضوح كنوزهم الأكثر ضخامة.
سأل: "أين كنوزكم؟".
قال كال وابتسامة خונث تفتّح ملامحه: "في حقيبتي الشخصية".
قال جورج وهو يُري خاتم العملات النحاسية ويطرق ذراعه: "لقد أحضرتُ ما عندي".
ورنّ صوت المعدن بوضوح من تحت قميصه.
تمتمت روزي: "أغراضي في مهارة كال أيضاً. هل أحمل فأساً ومعولاً وأنا أرتدي فستاناً؟ ليس إن كنت أريد الظفر برجل. هذا ما تقوله لورين على الأقل".
قال فريتز: "خرجنا لنحتفي بصعودنا لا لنلهو".
قال بيرت بمكر وهو يرمش بعينيه ويحدق في روزي: "بلى بالطبع".
فأجابتْه بنظرة شغوفة مثلها.
لاحظ كال نظراتهما فوقف بينهما وقال: "ما خطتنا إذن؟ إلى أاين نذهب؟"
أجاب بيرت: "تاليز".
سألت لورين بحدة والضيق يقطر من صوتها: "ألا يمكننا ارتياد حانة هنا في الحلقة العليا أولاً؟"
رغم أن قسوتها كانت وليدة ساعتها لا ضغنًا شخصياً.
قال فريتز بلطف: "علينا حقاً زيارة إحدى حانات المتسلقين هنا. وحينها نرى إلى أين تأخذنا الليلة".
قال جورج: "تبدو خطة سديدة".
أسهب فريتز قائلاً: "بعض القواعد الأخرى، لا تتحدثوا عن الطابق الثامن. ولا تخبروا الجميع بنجاحكم في صعود ذهبي. لا نريد لفت الأنظار. ليس بعد. نحن الليلة نسترخي ونمرح لا لنلفت أنظار أسيادنا".
قالت لورين: "أوافق. ولا تكثروا من الشراب أيضاً".
تمتم كال: "فلماذا نكبد أنفسنا عناء الخروج إن كان علينا التكتم هكذا. الأجدر بنا المكوث في الداخل".
قال فريتز: "لأنها تقاليد الصعود، نستحق هذا ونحتاجه".
رغم موافقته على وجوب الحذر، استحال عليه أن يدع الظلال المتربصة فوق رأسه تسلبه متعة اللحظات القليلة المتبقية من حريته. سيأتي نايتشارك من أجله عما قريب، وقريباً عليه القتال لأجل ما تبقى من داره، وقريباً سيشرع في حبك خططه والإعداد لتدريبه. لكنه الآن، الآن يملك ليلته وحده وسينعم بها. مع فريقه، مع أصدقائه.
حسرته الوحيدة أن إخوته لم يشاركوه. ومع أن ثمة صعوداً أخرى للاحتفال بها، بقيت تلك الوخزة المؤلمة للوحدة والانفصال.
هتف بيرت وهو يربت على ظهر فريتز ليخرجه من تلك الخواطر القاتمة: "فلنذهب!"
ابتسم فريتز وضحك بيرت وأطلق ديل صفراً.
سأل فريتز: "أكان لزاماً أن تصحبه معك أيضاً؟"
قال بيرت رافعاً حاجبه: "ها؟"
قال فريتز مشيراً: "ديل".
قال بيرت: "أه. أنت محقّ، هو أصغر من أن يخرج للشرب. سأضعه في وعائه".
سأل كال: "وعاء؟"
أوضح بيرت وهو يهزّ رأسه كأنّ الأمر يعجز عن فهمه: "وعاء سمك. النبلاء لديهم كلّ أنواع الهوايات، وجمع الأسماك النادرة إحداها. ملأته بالكثير من ملح البحر، وسيحبه بالتأكيد".
أطلق ديل ترديداً خافتاً.
قال بيرت: "حسناً، حسناً، سأعود مع الفجر. احرص على البيت".
أطلق ديل صفيراً ولوّح بلحيقاته في الهواء.
صعد بيرت الدرج قفزاً ثم هبط ثانية، بلا ديل.
تجمّع الفريق بحماسة، وهم يثرثرون ويُصلحون ثيابهم الفاخرة، ثم شقّوا طريقهم نحو الباب جماعة.
لقد بدوا جميعاً في أبهى حلة، إن صدقه فريتز القول. بدت النساء رائعات، في غاية الجمال كما لم يرهن من قبل. وكان الرجال نظيفين وثيابهم محترمة. كلّ واحد منهم وسيم بطريقته. حتى كال بدا لائقاً، بعيداً كلّ البعد عن الهيئة الرثّة التي كان عليها، وإن كان يُقال الشيء نفسه عن بيرت وعنه هو أيضاً.
قال فريتز وهو يفتح مظلّته في المطر ويترك السيدات يتزاحمن تحتها: "كما تعودتم، اتبعوني!"
ثم قادهم نحو الغسق الذي سيقود إلى ليلة من الصخب والمجون.