غضب "سبير" الفصل 131 — المجلد الثالث - الفصل الثالث

اقرأ غضب "سبير" الفصل 131 — المجلد الثالث - الفصل الثالث باللغة العربية على مانجا تايم.

اقترب الظهر واشتد المطر. لم يردع الطقس السيّء الناس. ظلّت الحلقة العليا تعجّ بالرواد. احتموا تحت المظلات أو ساروا في الشوارع، مرتدين معاطف داكنة واقية من المطر أو حاملين مظلات. لجأت بعض الفئات الثرية إلى كنوز مشحونة بدرع المطر أو إلى خادم يتمتّع بالمهارة نفسها تفادياً لعناء تلك الأردية المزعجة ومظورتها البالية.

قرر فريتز الانضمام إلى تلك الحشود المتحركة بسرعة في الشوارع، لكنه احتجّ أولاً إلى ما يقيه المطر. لا يمكنه الظهور مقطراً بالماء كما فعل من قبل. بدا ذلك غير لائق، ولا يليق برجل في مكانته، أو بالأحرى بالرتبة التي لم يطالب بها بعد.

انحنى تحت مظلة، وسرعان ما اكتشف متجراً يبيع المظلات ومعاطف المطر.

بحث في المتجر لدقائق ثلاث، ثم اشترى مظلة سوداء قابلة للطيّ ذات مقبض خشبي داكن مطعّم بنقش زهري من الخطوط الفضية. لفتت نظره أساساً لشبهها بقبض سيفه. ما إن أقبض عليها حتى أخذ يلوّح بها لا إرادياً، ثم طعن بها كأنها سيف دقيق. حدق إليه المالك، ملوّحاً بابتسامة خفيفة تكاد ترتسم على شفتيه.

سعل فريتز بارتباك واقترب من المنضدة. ركّز على المساومة بنبرات أغنية الغسق المهدئة، لكنه لم ينجح سوى في خفض ثلث السعر الأصلي. كان باهظ الثمن على نحو مفاجئ، وادعى المالك أن السبب يعود إلى سحر الطي الفعال. حدق فريتز بشك في ساق المظلة، باحثاً عن الرون الدقيق المخفي في النقش. عجز عن رؤيته وصرح بذلك. اكتفى المالك بالقول إن تلك علامة الصنعة الحقيقية.

كبح فريتز رغبة في هز كتفيه. ما زال يملك ما يكفي من الذهب، لذا قرر إنفاق القليل. خصوصاً أنه قد أعجب بالفعل بهذه القطعة المتينة. دفع الفضة الست المطلوبة، أو بالأحرى دفع قطعة ذهب واحدة وتلقى ثلاث قطع فضية مقابلها.

غادر فريتز المتجر ومرر إبهامه فوق رون التفعيل. انتظر حتى انفتحت المظلة ببطء. رفعها فوق رأسه وانطلق في الشوارع، بينما دكّ المطر غطاءه الجديد.

وجد سهولة أكبر في اجتياز الشوارع المكشوفة الأقل ازدحاماً؛ كان الناس يفسحون له الطريق بلا تذمر.

وإن خطا أحدهم في طريقه، سارع بالاعتذار بعبارة "عذراً يا سيد"

أو "المعذرة يا مولاي"

مع انحناءة خفيفة، حتى لو كان فريتز هو المخطئ. بدا أنه لا يحتاج إلى معطفه الفاخر لكي يبدو كنبيل. لعل مشيته الواثقة هي ما كشف أمره، وتلك، إلى جانب كويكسيلفر المتدلي عند جنبه.

لم يتوقف فريتز طويلاً عند الأمر، بل تبنى ببساطة ذلك الوقار المتأصل فيه منذ صباه.

مع تلألؤ دار الايتام في الأفق، بدأ يشك في خططه. غرزت فيه مخاوف مفاجئة وملحة أسئلة حادة.

أحقاً يريد تحمل مسؤولية عائلته؟ أسيضطر إخوته لمغادرة أمان دار الأيتام إن فعل ذلك؟ كيف يصبح المرء نبيداً؟ ما العقبات التي سيضطر لاجتيازها؟ كم من الوقت سيستغرق هذا كله؟ أسيحظى قرش الليل بالعلم؟ ماذا سيحدث حين يُساقون حتماً أمامهم؟ أستكون عائلته بأمان؟ أسيضمن أمان فريقه؟ أسيحفظ سيد؟

تضاربت الأفكار وتناقحت، وراحت تعجّ في ذهنه. شيء ما زحف صعوداً على طول عموده الفقري وبدأ قلبه يتسارع. توقف فريتز مكانه.

شعر فجأة بالحاجة إلى الاختباء. تملّكته رغبة ملحة في التوارعي عن الأنظار للثوانٍ معدودات. انزلق إلى ظل بناء وانحنى بسرعة، محيطاً نفسه بالغسق. تنفس بسرعة، وخفق قلبه ضارباً أضلعه، محاولاً الإفلات من سجن صدره. لعن نفسه وحاول السيطرة على هذا السيل من المشاعر. تدفقت عليه طفيحات من الخوف، والذنب، والتوقع، والفشل.

حدق فريتز حوله بجنون باحثاً عن خصوم، لكن لم يكن هناك سوى سواه. أبطأ وتيرة تنفسه، مادّاً لهاثه السطحي إلى أنفاس طويلة وعميقة. أصغى إلى أغنية الغسق وهي ترنّ مأنّبة. بدا أن رعبه قد أزعجها بطريقة ما. تساءل عن السبب وأرغم عقله على التركيز على أي شيء سوى قلبه الذي واصل الصراخ. وجّه وعيه ليفهم كنه هذا الانفجار المفاجئ.

لم يكن بحاجة لذلك؛ فقد بدا الأمر جلياً حين فكر فيه. كانت المسؤولية الجليلة والثقيلة، وكان يخشاها.

لم يكن لذلك أي معنى.

لقد كان يقود فريق تسلق عبر دروب الموت والحياة طوال أسبوعين تقريباً، ومع ذلك أثار مجرد التفكير في تولي زمام عائلته مثل هذا الألم داخله. كان أمراً غبياً، ومثيراً للشفقة. جرح قديم، وخوف قديم، تُرِك ليتقيّح ويتحلل.

آن الأوان لاستئصال ذلك الالتهاب. عليه مواجهة مصيره بالكامل، واغتنام ما يستطيع. وحدها الأفعال تشكل البلسم الكفيل بوقف انتشار هذا الداء.

حدث نفسه بهذه الكلمات، لكنه ظل عاجزاً عن الحراك. مرت الدقائق. دندنت أغنية الغسق، وفي الأعماق ومضت نيران، وتفرقعت وقهقهت. تصاعد غضب قاتم في داخله جراء ذلك الاستهزاء الناري. أرغم نفسه على الوقوف. صعب الأمر في البداية، ثم سهل. اختيار الدرب كان دوماً الجزء الأصعب. لكنه كان كشّافاً وسيجد سبيله.

صار واقفاً الآن وقد اكتسب تنفسه رقة الهدوء الانسيابية. كفّ قلبه عن محاولة القفز خارج صدره. لقد عبرت العاصفة وهو ماضٍ في فعل ما يتوجب عليه، وإن تعنى ذلك العودة إلى صفوف النبلاء والانقياد لقيود قواعدهم السخيفة، فسيفعل. كل شيء في سبيل القوة. قوة تحمي المقربين وقوة تمنح الحرية.

كانت تلك الغايات متعارضة. عرف ذلك عقلياً كما عرف تناقض الكثير من رغباته. لكنه ظل يسعى خلفها. تلك طبيعته.

هدّأ روعه دقيقة أخرى ثم أطلق زفرة طويلة وبدأ يخطو نحو الملجأ مجدداً. بلغ البوابة سريعاً وقفز فوقها برشاقة بالغة ثم اتجه نحو الباب الثقيل. طرق فاستقبله وجه فرانك المتجهم المليء بالتجاعيد.

قال بصوت خشن وعميق: "أهلاً يا فرنسيس".

قال فريتز: "يا لك من ذكيّ، تصلح حارساً".

فتح فرانك الباب على مصراعيه ليُدخل فريتز هرباً من المطر وقال: "أنا حارس بالفعل، وظننتك تتسلق".

خطا فريتز إلى الداخل وطوى مظلته وقال: "من الواضح أنني لا أعلُو. أمتأكد أنك حارس؟"

ردّ فرانك وقد غلب المزاح على عبوسه: "بقدر ما أنت علّة في الرقبة أيها الفتى".

سأل فريتز: "أإخوتي هنا؟"

أومأ فرانك برأسه.

"أيمكنني رؤيتهم؟"

هزّ فرانك كتفيه.

تفرّس فريتز في نهاية الرواق بحثاً عن الفتاة اليتيمة السابقة التي باتت تدرّس وتدير الدفاتر وسأل: "أمضي لأجد جيس إذن؟"

التفت فرانك وابتعاد أصدر صريراً من درعه النصفية وهو يقول: "سأقودك إليها، فلا مجال لأن تمرح في كل مكان".

تبعه فريتز ثم ما لبث أن سار بجانبه بدلاً من أن يقاد كطفل.

سأل فريتز باهتمام فاتر: "أحدث شيء في غيابي؟"

قال فرانك: "بدأت أماثيا تواعد شاباً".

كاد فريتز يتعثر وكاد يصرخ بأنها أصغر من ذلك.

رمقه فرانك بنظرة وابتسم بخبث حين رآه مقطب الجبين.

قال فريتز: "هي ليست كذلك".

ضحك فرانك وقال: "ليست كذلك. انظر إلى وجهك. هاه".

فور الغضب في جوفه لكنه تركه يهدأ سريعاً. لم يأتِ لأجل ضغائن تافهة. كلا بل كانت الضغائن التي عليه تسويتها أعظم بكثير. لذا اكتفى بنسج خمول يسري في جسد الرجل وهما يمشيان.

تثاءب فرانك وارتخت جفناه قليلاً.

قال: "يا للسيّد أيها الفتى، أنت مشكلة حقيقية. مجرد القرب منك يُنهكني".

أجاب فريتز ببرود: "أنت تتقدم في السن فحسب".

توقفا أمام باب وطرقه فرانك ثم أطلّ قائلاً: "فرنسيس عاد".

سُمع صوت حفيف أوراق وإغلاق زجاجة حبر وجاء الرد: "خمس دقائق، أكمل هذا السطر الأخير من الأرقام فحسب".

أغلق فرانك الباب وانتظرا معاً في الرواق الهادئ.

سمع داخل الغرفة شكاوى مهموسة من احدهم عن سوء التوقيت وأنهم يبكرون دائماً. توقف فريتز عن الاستماع وما هي إلا لحظات حتى فتحت جيس الباب وخرجت منه بكل ما تملكه من وقار مصطنع. وهو كثير حقاً.

كانت جيس جميلة وكانت كذلك دوماً، بشعر كستنائي طويل مضفور وعينين داكنتين تكادان تكونان سوداواتين. بدا وجهها لطيفاً وإن خالطته مسحة مشاكسة تخفيها بمهارة خلف ابتسامة محببة. كانت ترتدي المئزر البنيّ زيّ المساعدين، وقد لاءمها رغم أنه لم يكن جذاباً. أثار رؤيتها جذوة هادئة في صدره، أشبه بالحب الذي يكنّه لعائلته وإن لم يكن مثله تماماً.

ابتسمت جيس حين رأته فقلد فريتز حماسها وابتسم بدوره.

قالت جيس: "تعلم أن هناك غيري ممن يمكنهم مساعدتك في إيجاد ثيا وإيلي".

غازلها فريتز تلقائياً: "لا أحد بجمالك وكفاءتك".

قالت جيس وهي تحمرّ خجلاً وتضرب ذراعه برفق: "يا هذا، توقف".

عبس فرانك إذ بدا واضحاً أن هذا المشهد يثير اشمئزازه.

سألت جيس: "أأذهبالك لأحضرهما كالسابق؟"

أجاب فريتز: "لا، أريد التحدث إلى إليوت فحسب".

عقدت جيس حاجبيها قليلاً فاستدرك فريتز: "سأزور أماثيا بعدها أيضاً".

بدا أن ذلك قد أداه ولين من غضبها فتقدمت تقود الطريق قائلة إنها تظن أنه كان يدرس غالباً.

تجاذبا أطراف الحديث أثناء مسيرهما واستفسرت جيس عن مدى نجاح تسلقه. ورغم أن فريتز قلّل من شأن غنيمته الكبرى إلا أنه ادعى أنه أصبح ميسوراً للغاية بفضل تسلقه الفضي. بدا أن ذلك قد أثار إعجاب جيس والمدهش أنه أثار إعجاب فرانك أيضاً.

قال فرانك: "لم نسمع بنبضة فضية".

ردّ فريتز: "حسناً، الفريق الذي كنت معه كان مليئاً بالمبتدئين. لا بد أن النبضة الذهبية قد غطت عليها".

قال فرانك بريبة: "لا بد أن الأمر كذلك"، ورغم ذلك ترك الحديث ينتهي.

تمتم فريتز في سره: "لماذا يظن الناس دائماً أنني كاذب؟ ألا يمكنهم تصديقي فحسب؟"

سأل وسط الصمت: "كيف كانت دراستك وواجباتك؟"

أجابت جيس: "حسناً، أنا على وشك اجتياز اختبار النساخ الرسمي".

سأل فريتز: "أحقاً؟ ما هذا؟"

"سيؤهلني لكل أنواع أعمال النسخ، بدءاً من حفظ السجلات وصولاً إلى عمل نسخ رسمية من الوثائق والكتب".

كذب فريتز قائلاً: "يبدو رائعاً".

أوضحت جيس وقد اخترقت موافقته المصطنعة في لمح البصر: "إنه عمل مستقر وآمن ومجزٍ ماديّاً".

قال فريتز: "تعلمي أن عرضي ما زال قائماً بشأن إرشادك صعوداً إلى برج البحر، حتى لو كان لمستواك الأول فقط. سأدفع الجزية بنفسي أيضاً".

صمتت جيس لبرهة قبل أن تتمتم: "سأفكر في الأمر".

كاد فريتز يحاول إقناعها أكثر لولا أن قاطعه فرانك.

"يا فريتز، دعك من هذا. ليس الجميع مناسباً للتسلق".

ألقى فريتز نظرة على وجه جيس المكسوّ بالأسى ورأى الخوف الذي تحاول إخفاءه. قرر الأخذ بالنصيحة.

لم يلبثا أن وقفا أمام باب. طرقت جيس بحزم ثم فتحته. كان في الداخل غرفة تعلو أحد جدرانها سبورة كبيرة مغطاة بالكتابة. رفع معلّم بصره عن مكتب، وحين أخبرته جيس بأنها تبحث عن إليوت، أشار الرجل للصبيّ كي يغادر مقعده. نهض إليوت عن مكتب كتابته وترك الغرفة سريعاً.

تلفّع فريتز بالظلمة وخطا إلى الجانب، ساعياً لبث شيء من العبث في الرواق المعتم.

قال إليوت وبات القلق واضحاً على وجهه: "ما الأمر؟ هل كل شيء على ما يرام؟"

ابتسمت جيس وأشارت إلى حيث كان فريتز يقف.

نظر إليوت فانزلقت عيناه مباشرة فوق فريتز.

سأل بارتباك: "ماذا؟"

عبست جيس ونظرت بنفسها، لكنها هي الأخرى بدا عاجزة عن رؤيته.

تمتمت جيس: "أين ذهب؟"

قال فرانك وهو يدفع فريتز إلى الأمام: "إنه هنا تماماً، يستعمل مهارة ما".

أتاح لهم تعثره البسيط وتوجيه انتباههم إلى مكانه الحقيقي أن يروه.

أخفَى إليوت انكماشة مفاجئة، وانتفضت جيس بخفة.

هسّ إليوت: "لماذا؟"

ابتسم فريتز باستهزاء: "كنت أختبر مدى انتباهك. لا يمكنك أبداً أن تدرك متى يهاجم وحش قاتل".

كان ذلك، بالطبع، لأنه واجبه كأخ أن يزعجه.

أدار إليوت عيناه البنّيتين الداكنتين اللتين تشبهان عيني والدته إلى حدّ جعل قلب فريتز يتألم لبرهة.

سأل إليوت بضجر: "ماذا تريد؟"

قال فريتز منتقلاً إلى صلب الموضوع: "أحتاج إلى خاتم الختم يا إيلي".

لم يكن يبدو أن شقيقه في مزاج يتقبل مقالبه، هذا فضلاً عن أنه لم يكن يملك وقتاً يضيّعه. سيعوضهما عن ذلك لاحقاً.

سأل إيلي وفي نبرته مسحة اتهام: "لماذا؟"

أعلن فريتز: "لأن الوقت قد حان لكي يعود بيت هايتايد. وبصفته رئيسه، أنا بحاجة إلى خاتمنا".

حدق به إيلي فحسب، ثم التوى وجهه غضباً.

طالب وقد تفجّر إحباط غير متوقع: "ماذا!؟ ماذا تقصد؟ لقد تركته لي. حين رحلت، قلت إن الأمر سيكون متروكاً لي لأكون سيّد البيت. لكي أتولى أمره".

قال فريتز ببرود: "لقد تغيرت الأمور. أنا بحاجة إلى دعم نبيل لأعزز أهدافي. وأي دعم أفضل من دعمي الخاص".

مع أن فريتز كان يحاول إبقاء المحادثة خفيفة بشرحه البسيط ونبرته، إلا أن ذلك لم يغيّر شيئاً من غضب إيلي الدفين، بل بدا أنه لم يفعل سوى تأجيجه.

قال إيلي بصوت هادئ يحمل نبرة خطرة: "ماذا؟"

وأطبق قبضتين خاليتين من الخواتم.

قال فريتز متخلّياً عن ابتسامته الساخرة ومتجاهلاً الأمر: "لا مهمّ. لا يهم حقاً. أعطيتك الخاتم لتحفظه بأمان. أرى أنك لا ترتديه هنا. أين هو؟"

قال إيلي من بين أسنان مكوكة وهو يغلي غيظاً: "بعد كل هذا الوقت، تعود فقط لتسلبني إرثي".

أشعل غضب إيلي غضب فريتز نفسه. الصبي لا يدري ما ضحى به لإبقائهما آمنين، وما قاساه داخل الأبراج وخارجها. ها هو ذا في ملجأه المريح الجاف، ويمتلك الوقاحة ليتهمه بالسرقة.

قال فريتز ببرود: "إرثنا".

ردّ إيلي: "لا يبدو الأمر كذلك. أسيتبقى ثالوث واحد بعد أن تخسره كله في إحدى خططك؟"

عبس فريتز وبدأت أغنية الظلام تبصق وتصدر أزيزاً بالتزامن مع دقات قلبه، فقمعها مكتفياً بحدق حادّ نحو شقيقه الذي بادله النظرة الغاضبة بذات الشراسة.

تطلعت جيس بين الاثنين بقلق وأفركت يديها.

قال فرانك: "لا شجار في الأروقة".

كاد فريتز يزمجر: "نحن لا نتشاجر. هذه مجرد حالة تمرد طفولي".

بدأ إيلي يقول: "لست طفلاً—"

قبل أن يقاطعه فرانك رافعاً يده بالقول: "عليكما فعل هذا على حدة. من هنا".

تبعانهم وهما يغليان في ضغينتيهما، ويحاول كل منهما أن يخطو خطوة تسبق الآخر. سارت جيس خلفهما بتوتر. قاد فرانك الثلاثة إلى غرفة مطالعة غير مستخدمة وأدخل الشقيقين قبل أن يغلق الباب خلفهما. استطاع فريتز سماع همسات جيس القلقة عبر الخشب لكنه لم يتعرّف على الكلمات بوضوح.

صرخ إيلي ممزقاً تشتت فريتز: "حسناً!؟"

سأل فريتز: "حسناً ماذا؟ فقط أخبرني أين الخاتم وسأمضي في سبيلي".

سأل إيلي بعناد: "ولماذا أفعل؟"

أكد فريتز باستبداد، فيما وافقته أغنية الظلام مضيفة ثقلاً يشبه الرصاص إلى نبرته المتعالية: "لأنه، وبصفتي الأكبر، هو حق لي. ولأني أطالب به".

تدفق صوتُه على إيلي فجعل نظرة شقيقه تتهاوى وأجبره على التراجع. تسلل الرعب إلى عينيه، وشعر فريتز فوراً بموجة من الذنب. لم يقصد استخدام أغنية الظلام، وليس ضد عائلته.

قال فريتز برفق وهو يتراجع عن تلك القوة القاسية: "أسف يا إليوت".

صفا عينا إليوت وعاد الغضب.

سأل باتهام ويده تتلمس قبضت سيف غير موجود: "وعلى أي شيء تعتذر بالضبط؟"

تأمل فريتز لبرهة ثم تنفس الصعداء. كانت هناك أشياء يندم عليها، مع أنه اعتبرها ضرورية آنذاك.

توجع فريتز: "على كل شيء".

كرر إليوت باحتقار: "كل شيء. يا له من ردّ شديد الغموض. لا تستطيع حتى الاعتراف بأمر واحد".

تبخر ذنب فريتز ومخضته حرارة غضبه حتى تلاشى.

قال فريتز هابساً سحره داخل صدره وعقدتا حاجبيه تعتصمان بالغضب: "أنت لا تعرف ما فعلته لأبقيك آمناً".

قاطعه إليوت متقدماً خطوة: "ولا أبالي. هربتَ تحت المطر إلى قنوات الصرف. وتخلّيت عني؟ ولمَ؟".

قال فريتز بحزم: "كي لا أجرّ البلاء عليك".

أعلن إليوت: "كي تتجنّب الألم والعقاب على جُرمك. لقد تخليت عنا يا فرانسيس خوفاً".

قال فرانسيس: "هذا غير صحيح. كنت لأفعل أي شيء من أجلك. كنت لأقتل من أجلك. لقد كدت أنجح. في القتل. من أجلك".

عَبَس إليوت وهزّ رأسه.

"كان ذلك من أجل نفسك. لكي تشعر أنك بطل وتستطيع الهرب بلا ندم ولا تفكير ثانٍ".

بدا أن إليوت كان يُملي هذا النقاش طويلاً، وأنه كان يُنضج المرارة التي يحملها كأنها دواء زعاف. لقد وصل إلى استنتاجات بالغة السوء والظلم. أراد فرانسيس أن يصرخ ويهوي بقبضته على الطاولة، أراد أن يدحض هذه الظنون الباطلة. لكنه استطاع أن يرى كم يتألم أخوه، وأن جروح القديم عميقة كجروحه.

تابع إليوت كأنه يتلو خطبة حفظها: "كان كلّ ذلك جزءاً من خطتك لتركنا خلفك بينما تمرح طليقاً من أي مسؤولية أو قواعد".

وهو غالباً ما فعل.

ترك فرانسيس أخاه يتابع، لاعباً في ذهنِه أن عليه إخراج ما يحتقن في صدره. كان هذا دماً فاسداً ركَد. والدّم الفاسد يجب أن يُسفَح. لذا استمع فرانسيس إلى إليوت. لا لأنه يوافق، ولا لأن أخاه على حق، بل لأنه احتاج إلى ذلك. كلاهما احتاج إليه.

تلا إليوت حتى تحوّل الاتهام المفعم بالحياة إلى همس موجوع: "خالياً منّا. من المرشدين، من لقبك النبيل، من أي شيء وكلّ شيء".

ترك فرانسيس الصمت يحلّ واحتضنه. انتظر إليوت إجابة، وغالباً ما توقّع إنكاراً متحدياً أو نوبة غضب أخرى.

قال فرانسيس ممعناً التفكير فيما قال أخوه: "أنت تقرأ نوايا كثيرة في تصرفات طفل حزين في التاسعة".

ومعظم ما هذى به كان هراء، إلا أنه لم يكن باطلاً كلّه. استطاع جزء منه الاعتراف بذلك، وإن آلمه أشد الألم.

سأل إليوت: "ماذا؟".

أوضح فرانسيس: "كنتُ شبه مجنون حينذاك. من الفقد والألم والضغط والخوف".

انتفض إليوت: "ماذا تقول؟ أأغفر لك لأنك كنت شبه مجنون؟".

اعترف فرانسيس: "أقول اغفر لي. لأني كنت صغيراً ومخطئاً فيما فعلت. أقول اغفر لي. لأني أخوك وأحبك".

استطاع فرانسيس أن يرى كلماته تُصيب قلب إليوت، ورأى روحه ترتجف. دارت ضبابية من الأفكار السوداء والمشاعر الأحالك حوله على رياح مرة. حرّك صدق تلك الكلمات شيئاً، وبدأ الظلام يضطرب ويفتح لونه إلى رماديات ناقمة بدل الكراهية الحالكة.

سخر إليوت محاولاً التظاهر بغضب لم يعد يسيطر على قلبه: "هذا كلّ شيء؟".

وافق فرانسيس: "هذا كلّ شيء. أنا آسف".

وقفا في الصمت مرة أخرى. كلاهما بلا ما يقال أكثر.

دُقّ ناقوس فوقهما معلناً نهاية الساعة.

قال إليوت: "لا أملك الخاتم. يحتفظ به الناظر لحفظه".

كاد فريتز يهمس بغضب: "أمرتك أن تعتني به. لا أن تعطيني إياه لكل من سأل عنه. ماذا لو استُخدِم في الشر؟".

ردّ إليوت بغضب مماثل: "أثق بالناظر، لقد كان هنا من أجلنا".

إذ لم يرغب في إعادة نقاشهما وإفساد ما صنعت اعتذاره القليل، أمسك فريتز لسانه.

لقد قال بيرت هذا ربما. لو كان هنا.

قال فريتز متجههاً نحو الباب: "حسن إذن، يجب أن أذهب. استمر في التدريب. سأضطر لمبارزتك ذات يوم. لأرى إن كنت تملك مهارة".

فتح الباب فرأى وجه جيس الممتعض، ثم التفت وعرض على أخيه يداً ليصافحها.

قال فريتز: "أراك قريباً".

حدّق إليوت في اليد المعروضة وأشاح بصره بعيداً.

لم يملك فريتز إلا أن ابتسم بمرارة، ثم غادر إلى مكتب الناظر.

* * *

لم تكن زيارة مكتب الناظر مليئة بالأحداث أو مرهقة كحديثه مع أخيه. كان الناظر نفسه هناك ومستعداً، بل كأنه متلهف للتخلي عن خاتم الخاتم.

عندما طلب فريتز خاتم عائلته، ضحك العجوز بخفة: "آه، بالطبع يا فرانسيس، أو لعلّي أقول اللورد هايتيد".

وقد بدا مفاجئاً بعض الشيء أن الرجل سعد بإعطائه الخاتم بلا ذرة من مكر أو استجواب.

أبدى فريتز بارتباك: "فرانسيس يكفي".

كان الرجل طيباً كما تذكره، وتصرف بفتوة كما كان دائماً رغم أن بقعة صلعه قد اتسعت وتكاثرت تجاعيده.

قال الناظر هارفست مبتسماً وهو يفتح خزانة مثبتة في الجدار خلف مكتبه: "عليك أن تفكر في توكيل محامٍ ليتعامل مع إرثك وكل أموره القانونية على الوجه الأكمل".

سأل فريتز: "أهذا صحيح؟".

أجاب: "إن لم ترغب في التعامل مع البيروقراطية بنفسك فأنصحك بذلك. بل يمكن للمرء أن يقول: أنا أوصي بمحامٍ".

ثم ضحك الرجل على كلماته الخاصة.

قال فريتز بعبوس مصطنع: "أرجو ألا تقول ذلك. على كل حال، ألديك أي توصيات؟".

قال الناظر مادّاً يده بخاتم من فولاذ المطر مرصع بختم فضي: "مم نعم".

تناول فريتز الخاتم المعروض وأدخله في إصبعه، ليجاور خواتمه الأخرى الأقوى منه. تأمل شعار عائلته المنقوش بالفضة، ثلاث أمواج تعلو داخل دائرة. ثم أحس بثقله الرصين، لقد ران على يده كأنه مصنوع من الرصاص.

أدرك المدير كُنوز أصابعه على حقيقتها، وتألق بصره باهتمام. فالرجل كان دليلاً متقاعداً في نهاية المطاف. سرعان ما جالت عينا الرجل على كل كنز من كُنوز فريتز.

قال: "يا له من موفق، لقد حقق أحدهم نجاحاً باهراً".

أجاب فريتز بابتسامة: "مجرد حظ".

سأل المدير من دون أمل يذكر: "أما زلت لا تميل إلى الانضمام للنقابة؟".

كان يعرف ما جرى لأمه حين جاءت النقابة تطرق الباب.

حين قتلت غيلة.

قال فريتز بلا حماسة: "لا".

لم يبقَ في صدره متسع لجدال.

قال هارفيست بحزن: "يا للأسف، كنت موهوباً وستصلح دليلاً ممتازاً. لكنني أقدر الأمر. بعد ما حدث-"

تلاشى كلام المدير وصمت لثلاث ومضات، ثم عاد يتكلم: "تيموثي وورث".

سأل فريتز: "ماذا؟".

أعاد قائلاً: "المحامي، تيموثي وورث. إنه هنا في الحلقة العليا، بالقرب من زقاق الصاغة. أخبره أنني أرسلتك".

لم يلمس فريتز أي خداع أو نية مزدوجة في سلوك المدير، لذا قرر أن يأخذ النصيحة مأخذ الجد. تماماً كما فعل حين حذره الرجل من المشكلة التي تسبب بها منذ زمن طويل.

تلك النصيحة هي التي دفعته للفرار من "العدالة"

القادمة نحوه، والتي عجّلت بنفي فريتز.

كان المدير قد أخبره أنه حين تقبض عليه حراسة العاصفة، فمن المرجح أن يتلقى جراحاً شبيهة بتلك الإصابات الشنيعة التي أوقعها بمدفعة خفيفة وحدها وبعض الدرج المرتفع. وتبين لاحقاً أنها ابنة القائد التي آذاها بهذا القدر البالغ. الفتاة التي عاقبها لتعديها على إيليوت وأماثيا وعليه هو نفسه.

كان بإمكان فريتز أن يحتمل الصفعات، والعصا اللاذعة، والشتائم القاسية التي وجهتها. لكن حين رأى الآثار والندوب ذاتها على إخوته، تغطي أذرعهم وسيقانهم ووجوههم، استحيل عليه الوقوف متفرك اليدين مكتوفاً. ما زالت الذكرى تغلي بدمه.

سأل هارفيست بقلق: "فرانسيس، أأنت بخير؟".

انتفض فريتز خارج ذكرياته، وعاد إلى الحاضر.

قال فريتز: "أنا بخير. شكراً لك".

قال هارفيست وهو يلوح بيده صارفاً الأمر: "لا شأن يستحق، يا بني".

قال فريتز بجدية: "لا. أشكرك على رعايتك لإيليوت وأماثيا. وعلى حمايتهما من عواقب... أفعالي".

أومأ هارفيست ببطء، وتوسمت وجهه مسحة مروعة من الذنب، فبدا وكأن السنوات قد أضافت إلى عمره عقد كامل.

اعترف قائلاً: "فعلت ما استطعت. ليتني استطعت فعل المزيد... من أجلك. لكن هيهات".

وافق فريتز: "هيهات".

صرح هارفيست: "أخشى أنهم سيعودون من أجلك مجدداً".

ابتسم فريتز وقال: "لا بأس. أنا قوي الآن. ولدي أصدقاء أيضاً".

"يمكننا التعامل معهم."