غضب "سبير" الفصل 128 — الموسم الثاني - الفصل 70

اقرأ غضب "سبير" الفصل 128 — الموسم الثاني - الفصل 70 باللغة العربية على مانجا تايم.

جثم بيكي عالياً على حافته المفضلة. راقب الزقاق. راقب الباب. كانت تلك مهمته. وكانت بالغة الأهمية. نفض ريشه الداكن الجميل ومدّ جناحيه. لم يعودا يؤلمانه. وهذا أمر جيّد. لقد كان أولئك المشاة الأشرار القساة فظّين معه.

لقد لَفّوه وسرقوه! لكنهم أطعموه السمك بعد ذلك وتركوه يذهب. حاول الطيران إلى السيّد، لكن الرياح كانت سيئة في ذلك اليوم، وألمّ بجناحه فلم يعمل. كان من المفترض أن يخبر السيّد أن المشاة دخلوا من الباب. الكثير من المشاة. أكثر من ثلاثة. لكن وجوههم كانت غائمة الآن. كلهم ما عدا ذاك الذي يحمل ريشاً برتقالياً على رأسه.

كان ذلك الوجه واضحاً، لكنه لن يخبر السيّد عنه. ذلك الوجه لم يعد يدخل من الباب. ذلك الوجه كان يمنحه السمك كل يوم!

سمك لذيذ، لذيذ!

أحبّ بيكي السمك. لكن بيكي أحبّ السيّد أيضاً. لقد منح السيّد بيكي الذكاء ومهمة. وجعله أفضل من أسياد السماء الآخرين ووعده بأنثى. لكن بيكي أحبّ السمك أيضاً.

تفرقع شيء في صدره وصرخ بيكي في وجه المطر. كانت صرخة عالية وحادة. كان نداءه كاملاً. لم يبهة أيّ صداء. راح ينقل وزنه من قدم إلى أخرى. كان غاضباً وحزيناً في الوقت ذاته. لم يكن يدري لماذا.

في أسفل الزقاق الحجري، كانت هناك حركة. مشاة، كان يجري. تعثر ووقع. نهض مجدداً ونظر خلفه. كان خائفاً. جرى أكثر. تغيرت الرياح، صفّر شيء ما، وسقط الماشي. تدفق الدّم من ظهره حيث غرس عصاً بارزة منه. صرخ الماشي. كان صراخاً أجشّ وقبيحاً.

زحف الساقط. مدّ يده بلا قدميه ولمس الباب.

ماشٍ آخر سار في الزقاق. كان يلفّ رقبته ريش أحمر ويحمل عصاً كبيرة ذات وتر. أكانت العصا إحدى العصي التي يستخدمها المشاة لصيد السمك؟ أحبّ بيكي السمك. لكن لا، لم تكن إحدى تلك العصا. أدرك ذلك لأن الماشي ذا الريش الأحمر وضع عصاً صغيرة أخرى على الوتر ثم حلقت العصا الصغيرة مثل سيّد سماء. إلى ساق الماشي الساقط. لم تكن العصا الكبيرة لصيد السمك. بل لصيد المشاة.

تعلم بيكي شيئاً اليوم.

"لا يمكنك فعل هذا بي!"

صرخ الماشي. اقترب الآخر.

عرف بيكي بعض الكلمات وليس كلها. استمع على أي حال. ربما يستطيع تعلم المزيد ليصبح أذكى.

"يمكنني أن أعلّق بك ما أشاء، ومتى أشاء"، قال الماشي ذو العلامة الحمراء وهو يقترب من الساقط.

كان صوت هذا الماشي ألطف من صوت الآخر. كان لا يزال خشناً من الخارج لكنه في الأعماق كان أملس وحلواً. كان للماشي عينان زرقاوان أيضاً، تماماً مثل بيكي. جميلتان جداً.

"لا، لا تقم بذلك! أرجوك سأفعل أيّ شيء تطلبه، لا تقتلني!"

نوح الساقط.

"الأمر ليس ممتعاً كثيراً عندما تكون في الطرف الآخر، أليس كذلك؟"

حذّر الماشي. خفض عصاه وأخرج مخلباً لامعاً. لوّح بالحافة الحادة أمام وجه الساقط.

"أرجوك. لا. لم أرتكب شيئاً بحقّك"، سعِل.

"الأمر لا يخصّني".

تغيرت الرياح مجدداً وغرز الماشي الأحمر مخلبه في صدر الساقط. كان سريعاً! كان هناك دم! الكثير من الدم! يتناثر في كل مكان!

غسله المطر وأجراه في الجداول.

نفض بيكي ريشه ونفخ صدره. أطلق صرخة. استدار الماشي ذو العلامة الحمراء.

التقتا العينان المتشابهتان.

أطلق الماشي هسيس أنفاسه وانكمش.

"أيها الطائر اللعين. كدت أبول في ملابسي من الخوف".

نظر مجدداً إلى بيكي وعبّس عن أنيابه.

"لا تعربد، أسمعتَ".

تذمر صدره واتسع فمه وهو يصدر صوتاً غريباً.

"ها ها ها".

انقطع الصوت عندما نظر الماشي إلى الساقط من جديد.

كانت لدى بيكي مهمة. شخص بلا جلد بني علوي لمس الباب. لم يدخل إليه، لكن السيّد قد يمنح بيكي السمك إن كانا مسرورين منه.

أطلق بيكي صرخة. كانت لتشير إلى طيرانه. لتحذير الطائرين الآخرين بالابتعاد عن طريقه. فتح جناحيه وانطلق إلى السماء.

طال طيرانه في الريح المبللة. كان التحليق ممتعاً للغاية وكانت السماء موطنه. أحبّ ذلك.

نسي بيكي أن لديه مهمة، لكنه تذكرها قبل أن يعود محلقاً إلى حافته المفضلة. طار إلى المنطقة المرتفعة وإلى عُشّ السيّد. كان كبيراً ومصنوعاً من الحجر. وله سقف أزرق داكن جميل. هبط في النافذة المفتوحة وعلى مجثم صُنع خصيصاً له. تشبث بالخشب الناعم بمخالبه وتساقطت منه قشور صغيرة.

صرخ بيكي بندائه التامّ. ثم انتظر.

كانت الرياح تتغير في الخارج. نفض ريشه واستمر في الانتظار.

مرّ وقت طويل قبل أن يظهر السيّد.

"أهلاً بك، بيكي"، حيّا السيّد، بصوت أملس ومنخفض وحلو للغاية.

نظر بيكي إلى السيّد. كانا ماشياً أصغر حجماً، يغطيه جلد اصطناعي من الأحمر اللامع. ولهما حراشف داكنة مثل السمك. لكنهما لم يكونا سمكة، بل استطاعا المشي، وتدلت على رقبتيهما خطوط تشبه الأسماك. وحيث خلا جسدهما من الحراشف بدا جلدهما باهتاً، ونبتت على رأسيهما ريشات سوداء طويلة ومتموجة. كانت عينا السيّد حمراوين عميقا ومخيفتين.

"أرأيت شيئاً؟"

سأل السيّد، وكان يعلم تماماً عمَّ يسألان. كان فهم الكلمات سهلاً عندما ينطق بها السيّد.

نفخ بيكي صدره وزقزق.

"نعم!"

كان فخوراً للغاية بقدرته على نطق هذه الكلمة.

داعبت مخالب السيّد الصغيرة جسده وحكّت رأسه. تماماً في المكان الذي يحبه. زقزق مجدداً.

لم تكن كلمة، لكنها تعني "أنا أحبك".

توهج ضوء ناعم، وغدا الإحساس كله ضبابياً، وصار كل شيء مشوشاً. بدا الأمر رائعاً للغاية.

"ماذا رأيت يا بيكي؟"

تذكّر بيكي. رأى الطائر ذي الريح الحمراء يطارد طائراً آخر. تجسّد كلّ شيء أمام عينيه تماماً كما جرى من قبل. ثم توقّق.

لم يكشف السيّد عن أنيابه الطويلة. ليس هذه المرة. وخاف بيكي أن يكون السيّد غاضباً منه. وأنّه لن يحصل على السمك.

قال السيّد بلطف: "أهدأ، أهدأ. لست غاضباً منك".

عاد السيّد يحكّ رأسه بمخاليبه. ممتاز.

"لقد استحققت مكافأة".

ظهر سمكة فجأة بين مخاليب السيّد البّراقة. سمكة حمراء لم يرَ مثيلها قط.

زقزق بيكي وأخذ مكافأته بفمه. كان طعمها رائعاً. التهمها.

يا لها من لقمة. يا لها من لقمة. يا لها من لقمة.

كان يحبّ السيّد.

كان يحبّ السمك.

* * *

قالت قرش الليل، وهي تطرد المنقار بيد مرصعة بالحلقات: "إلى طريقك. عُد إلى موقعك".

وجّه الطائر المُرتبط بها عينه الزرقاء المضيئة نحوها فشعرت قرش الليل بالحبّ الذي يرسله عبر رابطهما. ابتسمت. حتّى وإن كانت أخبار المنقار مزعجة فلا يمكن لوم الطائر. فهو مجرد رسول.

حرّك صقر العاصفة ريشه الأسود والأزرق الجميل وزقزق، متوسّلاً سمكة أخرى.

لبّت طلبه. استدعت سمكة أخرى من خاتمتها. ناولته رنجة الياقوت الغريبة. كانت طعاماً فاخراً قادماً من بورتوس هاي وكانت دهنية وحادة النكهة أكثر من اللازم بالنسبة لها، حتى عندما يطبخها أمهر الطهاة. لقد تلقت عدداً هائلًا منها هدية وكانت ستتخلص لولا حبّ وحوشها المرتبطة بها لها.

وبّخت المنقار بلطف بينما كان يبتلع الرنجة: "امضِ في طريقك".

زقزق من جديد. كان طماعاً حقاً. يا ليت كل مرؤوسيه بهذه البساطة.

قطّبت جبينها فتحرك الطائر على قدميه الفضيتين ذوات المخاليب. وعندما أدرك أنه لن ينال المزيد من المكافآت انطلق في السماء. ضاع شكله الداكن بسرعة وسط المطر.

استدارت قرش الليل وغادرت غرفة الأبراج. شقت طريقها إلى إحدى الاستراحات. استراحة خالية من المشتتات. كان عليها أن تفهم تلك الذكريات الصاخبة التي استخلصتها للتو من دماغ المنقار بفضل مهارة مشاركة الذاكرة.

بينما كانت ترتب أفكار الطائر الضبابية وما رأى وما سمع. فكرت في تخصيص المزيد من طاقتها لصقر العاصفة لتحسين ذاكرته وتركيزه. لكنها لم تستطِع التخلي عن طاقتها بحق. فرابطها الأخرى كانت أكثر أهمية بكثير للحفاظ على حدتها وذكائها.

سارت بخطوات واسعة في ممرات قصرها الفخمة المضاءة بمصابيح المانا، متجاوزة غرفاً تضج بالنبلاء والتجار على حد سواء. وهي تغريهم بالخمر والنساء، أو الجعة والرجال، بحسب أهوائهم.

لا بدّ أنها كانت عابسة لأن أحد حراس القصر سأل، في حضرة قائد حراسها ولا شك: "أهناك خطب ما يا مولاتي؟"

يا له من وقاحة. لم يكن أحد زبانيتها. وكان حريّاً به أن يعرف قدره فلا يتكهن بمزاجها ناهيك عن التعليق عليه. لم يستخدم حتى لقبها اللائق.

استدارت. انزلق ذراعها في الهواء وفي أقل من طرفة عين كان كفها يلتف حول عنقه. غاصت أظافرها الحادة في الجلد وتوقفت، مستقرة فوق شريان مباشرة. مع أن الرجل كان سالكاً، إلا أنه لم يكن قريباً حتى من سرعة رد الفعل لتجاري سرعتها الهائلة.

وعندما راح يتخبط بحماقة، ضغطت بقبضتها أكثر قليلاً وغاصت أطراف أظافرها بعمق أكبر. شحب وجهه وهي تمسك بحياته بين أصابعها. كان بإمكانها تمزيق حنجرته بسهولة الورق. ولو كان واحداً من الجرذان التي تتعامل معها يومياً لفعلت. سال خيط من الدم على عنق الحرس. وشعرت بنبضاته المتسارعة تقرع كطبل عظيم من خلال أطراف أصابعها شديدة الحساسية تفوق الطبيعة.

أبعدت يدها وقالت: "أيها القائد تارن، اصرف هذا... الرجل".

لقد عدلت عن فكرة ذبح الحرس في الحال. فدمه سيلوّث السجادة الخضراء الناعمة التي يقفان عليها. سيكون ذلك هدراً للصوف.

"احرص على ألا أراه مجدداً".

أجاب قائدها: "حاضر يا سموّ الدوقة".

كان رجلاً طاعناً في السن في أواخر الخمسينيات من عمره، غير أن خطوته كانت شبابية وظهره مستقيماً كالسهم. ارتدى أفخر درع صفيحي كامل من فولاذ المطر يمكن للمال شراؤه. وتسلح ببعض الكنوز القوية التي اشترتها قرش الليل أو عثرت عليها في تسلقاتها السابقة. أمسك القائد بالحارس الوقح من مرفقه وبدأ في اقتياده بعيداً. لم يقاوم.

أمرت قائلة: "آه، وأحضر خادماً، كبيراً للخدم إن أمكن. سأحتسي الشاي في الاستراحة الزرقاء".

أجاب تارن وهو يميل برأسه باحترام بينما كان يجذب أسيره بعيداً: "حاضر يا سموّ الدوقة".

راقبت بصمت للحظات وهما يبتعدان وحغذاؤهما الثقيلة ترتج في الممر. فكرت بلا مبالاة في إحضار إكسسير جديد من إكسسيرات الحيوية المتجددة لقائدها المخلص الذي لا يشكك في أمر قط. وقد حان دورها هي الأخرى لنيل واحد. فقد بدت على مشارف الثلاثين من عمرها مجدداً. في العمر تقريباً الذي أعيدت فيه إلى مدينة المطر لتتولى مقاليد زعامة عائلتها بعد أن أودى وباء الهزال بحياة أبيها وزوجته، ثم فتك بما تبقى من إخوتها غير الأشقاء.

لم ينفع سحر ولا علاج ولا كنز ولا إكسسير أمام ذلك المرض السريع الفتاك. وسرعان ما أصبحت الوحيدة الباقية من سلالتها، ومتسلقة متمرسة على عتبة الاحتراف في ذلك. لقد باتت الثروة والهيبة كلها ملكاً لها، حقاً وحقيقة. وهي تحكم شؤون عائلتها منذ خمسين عاماً، والأزقة لسبعة وأربعين.

سنوات مزدهرة كثيرة من الذبح والوحشية والدماء. أجل، ستحتاج إلى المزيد من ذلك الإكسسير المجدد للشباب والمطيل للعمر مهما كانت التكلفة. ما زال لديها مدينة لتحكمها.

استغرقت نايتشارك وقتها في السير نحو الصالون الأزرق، والمسمى هكذا نظراً لطاغوت ألوانه. تدرّجت الأقمشة الزرقاء والحرير ولوحات المحيطات والجزر لتزين الغرفة بترف عفوي، تماماً كما تفضل. جلست على الأريكة الفاخرة وشرعت في فرز الذكريات الضبابية التي جمعتها من مراقبها، بييكي.

كانت الأوضح تلك الخاصة ببلطجي تعرفه جيداً، أحد صاعدي القوة في هذا الجيل، وأول متسلق ذهبي للبرج المغمور منذ ثلاثة وثلاثين عاماً. وقد أنجز الفتى كل ذلك بنفسه.

امتلك ذلك السيد مقومات القاتل الفتاك كافة، فهو لا يطرف عند الموت، وكان نوعاً من النوابغ في الرماية، وامتلك قدرات رياح قوية لن تتوقف عن النمو كلما ارتفع في التسلق. وإلى جانب ذلك، امتلك قلباً من حجر منحوت من المعاناة، واستعداداً للخدمة، ونزعة حماية وليدة أمل قاتم.

رغم أن هذا الضعف الشبابي قد يوقعه في بعض المتاعب، إلا أنه سيبثبت كونه رافعة بسيطة للسيطرة عليه. ستدعه يجمع أجنته، أولئك الفئران الصغار الذين آواهم في الساحة التي ادّعى أنها ملكه في الحي البائس. تستطيع عبره تجنيد أولئك البلطجية لصالح قضيتها. برزت مشكلة ولائهم له، لكن يمكن علاج ذلك بسهولة ببعض الذهب وملذات حريمها وزوج مختار من المسحضرات والمساحيق الكيميائية.

كانوا فئرانًا في نهاية المطاف، والفئران تأكل وتعبث متى استطاعت، ناسين ولاءاتهم الأصلية.

يمكن لسيد أن يشكل تهديداً أكيداً لأي من خصومها ورادعاً فتاكاً لمن تسول له نفسه اعتراض طريق نايتشارك. سهم مدعوم برياح سحرية يستطيع اصابة أي شخص في العراء، وهو تهديد سيغلف الأحياء بالرعب. ستنظر كل عصابة مارقة إلى السماء بخوف لأن نايتشارك ستملكها.

لكن كان عليها معالجة أمر سيد أولاً.

كانت تعلم، بالطبع، بحملته الصليبية الصغيرة ضد أخسّ أنواع مجرميهم. عصابة من المغتصبين تُقتل هنا أو هناك لم تكن تعني لها شيئاً. في الواقع، كانت تنوي تنظيف بعض تلك الطواقم منذ فترة. غاب الأمر عن بملكا دائماً، كما أنه سيمثل عناءً كبيراً بغض النظر عن صورة الظل واسع الاطلاع الذي زرعته، فهي لم تكن واسعة الاطلاع حقاً. كانت ترى الكثير، وتعرف الكثير، وتسمع ما يلزم سماعه.

اعتقدت نايتشارك أن الفتى سيحرق نفسه قريباً، ويكتفي من الدماء وينتهي الأمر. بدا أن الحال لم تكن كذلك. كان عليها إجراء حديث معه، ومعاقبته وكبح جماحه. وإن لم ينحن، فسوف تكسره.

ظهر وجه آخر واضح بشكل غريب في ذكريات بييكي. لسبب ما، ربط قدر كبير من المودة بهذا التذكر، واستطاعت نايتشارك رؤية السبب. كانت الملامح لشابة فاتنة ذات بشرة شاحبة وملساء وشعر أحمر ناري. نعم، كان عليها دعوة تلك الشابة للقائها أيضاً.

قُدّم الشاي على يد أحد خدمها، وكانت ندوب تكسو مفاصل أصابع أصابعه، وكان سيئاً في الصبّ وببراعة ثور. ولكن يا له من وسيم. عرفت أنه كان منحوتاً ومفتول العضلات تحت معطفه الأسود، وكان أحد أولئك البلطجية الذين صعدوا عبر الرتب ويخدمونها الآن شخصياً، داخل حريمها وخارجه. ربما تجعله ينضم إليها وإلى هذه الفتاة الجديدة. أو ربما تأخذه الآن وحسب.

راقبته لبرهة، ثم طردت الفكرة. العمل أولاً ثم المتلّة. ألوحت له لينصرف، وأخذت شايها، وتناولت بعض البسكويت الشهي، واستدعت إحدى روابطها المقربة، نابضة بقصدها عبر الخيوط التي تربطهم.

اندفع شيء عبر النافذة المفتوحة وحطت حمامة حرشفية بجانبها وهي تتقافز على قدميها متلهفة للخدمة.

قالت للطائر الرمادي المهدل: "أهلاً أوسكار".

تدفقت المشاعر والأفكار جلية عبر هذه الرابطة الأشد قوة. راحت تحك رأسه بشرود دون أن تبالغ فظفارها كانت حادة كالشفرات. ثم تناولت الورقة والقلم ونقلت أوامرها بسرعة بضربات دقيقة وأضافت رسماً متقناً للوجه الجميل الذي رأته في ذكريات بيكي.

أنهت عملها في غضون دقيقة وأدخلت الورقة في ظرف مقاوم للماء وختمته بالشمع المحفور عليه ناب القرش الليلي الأسود.

قالت: "إلى نيك مباشرة".

رغم أنها لم تكن بحاجة لذلك فقد كان أوسكار يعرف مسبقاً عبر رابطهما.

طار أوسكار خارج النافذة وتاهت عيناها نحو الباب الذي يقف خلفه الخادم الوسيم. كانت تستطيع سماع وجيب قلبه وزفير أنفاسه الخافت عبر الخشب.

كان لديها متسع من الوقت قبل أن تلتفت لأعمالها. فكت أزرار القسم العلوي من فستانها الحريري الأحمر.

قالت: "أيها الخادم امثل بين يدي".

* * *

تسللت سيد عبر الزقاق مبللة حتى العظم وترتجف. كانت قد تركت الجثة خلفها ولكن ليس قبل أن تشوه طعنات السهم بنصلها لتخفي الشكل الأصلي للجرح. كانت ستفشي بالكثير لو تُركت كما هي ولم تكن تريد أن يُقبض عليها. ليس بعد.

كانت سيد تعلم أنه سيُقبض عليها عاجلاً أو آجلاً لكنها ستكون قد تركت بصمتها على الأزقة ووجهت تحذيرها للوحوش الدنيئة التي تجوب المقاطعات. لقد كان ممتعاً أن ترى أعداءها بهذه الخشية. لقد أصابهم التوتر وأخذوا ينظرون خلف أظهارهم ولا يمنحون ظهورهم لأحد خشية أن تمزقهم العاصفة القرمزية إرباً.

شدت صوف وشاحها الأحمر الرث. كانت الشائعات سلاحاً ذا حدين. صحيح أنها زرعت الرعب في قلوب العصابات لكن أي شخص يمتلك نصف عقل استطاع ربط التفاصيل لو أنه أمعن النظر في وشاحها فقط. لم تتحمل سيد فراق وكل من وجه اتهاماً بعنف نال جزاءه بالمثل.

استمتعت بقضيتها قدر ما تستطيع، لكن القتل مهنة باردة، وحتى ذلك الرضا الذي يعقب انتقامها، رغم برهته، تلاشى. أخذت المجزرة تنهكها.

كم كان عليها أن تقتل بعد؟ لمَ لا يكفون عن شرّهم؟ أدركت أن العيش في هذه الأقذار صراع، لا سيما للأفقر والأضعف. لكن حين يكون المرء قوياً أو غنياً، أمن الصعب حقاً أن يكون صالحاً؟

رأس يعجّ بالأفكار المريرة وصدر يموج بأحقاد لا تحصى، شقت طريقها نحو مسكنها. أو مساكنها، هكذا كان يجدر بها أن تقول.

أهداها قرش الليل حياً بأسره لتستخدمه ملجأ. كان ملاذاً من نوع ما، أو هكذا بدأ يُعرف في الأسبوع الذي بسطت فيه سيطرتها على المنطقة. أدركت العصابات الأخرى ألا تتجاوز الحدود، لكنها ظلت تحوم بالقرب، تنهش الأطراف وتصطاد الهاربين المعنفين من دور البغاء أو الأعمال الوحشية الأخرى.

احترق غضب بارد في صدرها كلما فكرت في أولئك الأوغاد الحائمين حول أرضها والمانعين لمن يبتغي الملاذ.

اشتاقت لكسر حصارهم التافه، لكن قتلهم بمثل هذه الكثافة قرب منطقتها، حين لا يخرقون تقنياً أيّاً من "قواعد"

الحي، جلب سخط قرش الليل. وما كانت تطيق ذلك.

كان الأمر مختلفاً تماماً إن وطئت قدم إحدى العصابات حماها، كما اكتشف أحدهم المسمى جو المرح في وقت مبكر من ذلك الأسبوع نفسه. فقد أقبل متبختراً برفقة ثمانية من رجاله، مطالباً برؤية زعيمة العصابة الجديدة التي كانت تأوي مومساته الضائعات ولصوصه الأطفال. وقف في الساحة المفتوحة، وظهرت سيد أمامه، واقفة مقابلة له ولرجاله، وقوسها مُمسك بكسل إلى أحد الجانبين.

صرخ مبتسماً عبر ندبة طويلة تلّف وجهه: "أثق أنه سوء فهم، لكنك تحتجزين ممتلكاتي وأرغب في استرجاعها".

أنذرت باقتضاب: "لا. ارحل".

حذّرها وقد زالت تلك الابتسامة كحجر ساقط: "أنا لا أطلب. فرصة أخيرة، أيتهَا الدخيلة".

أحدرت سيد سهماً في قوسها فسخر الرجل. كان عابراً على الأقل، وكان أتباعه خليطاً مرجحاً من المستويات أو العابرين أيضاً. بدا جلياً أنه ظن الكفة طائشة لصالحه.

قالت: "لا داعي لهذا، فقط سلميهم ولن نكون قساة عليهم كثيراً".

حين لم تردّ، عبس وأشار لفريقه.

"يا فتية، خذوا—"

اخترق طيران السهم كلماته، كما اخترق رئته. تُمزق ثقب بحجم نصف قبضة تماماً عبر صدره، وبتأخر فعّل خاتم حاجز قبل أن يهوي على ركبتيه.

ثم أصيب الرجل عن يمين جو، إذ مرّ سهم بنظافة عبر عنقه وهو يندفع.

ألقت سيد قوسها وأشهرت سيفاً قصيراً بينما هجم الرجال الباقون عليها والتفّوا سريعاً. امتلك أحدهم نوعاً من القدرة تتيح له القفز، ويا للأسف، لقد قفز مباشرة على نصلها المحاط بالرياح.

مع عالق سيفها القصير في الرجل، أحاطها الباقون بأسلحة مغطاة بالماء أو قبضات وهراوات من حجر. دوى صوت رعد، رامياً الرجال حولها بعيداً عن أقدامها وعن نصلها. قفزت فوق أحد الأوغاد الممددين، غارزة سيفها في الحلق قبل أن يفيق من الانفجار.

مع تفعيل خاتم الغول الخاص بها، وبصيحة، "اثبت!"، سُمّر رجل آخر في مكانه كأنه مقيّد بسلاسل.

من هناك غدا الأمر ضباباً من المطر والأحمر. من بين السبعة الذين هجموا عليها، رقد ستة موتى عند قدميها بجروح فظيعة فاغرة، وفرّ الناجي الأخير بإصابات طفيفة.

كان بوسع سيد مطاردتهم أو اصطيادهم بقوسها، لكنها احتاجت منهم رواية ما حدث هنا.

ألا يُعابث «الدخيل».

تسعة رجال، وكلهم مستويات، وبعض العابرين ردهم فرد واحد، لم ينل حتى خدشاً من القتال.

لم يكن ذلك الجزء الأخير صحيحاً تماماً، فقد شقها أحد العابرين على طول صدرها وأضلاعها، تحت ثديها الأيسر مباشرة. أُصيبت بسكين مغشاة بشيء شبيه بضربة الظلمة. لكن لم يبق أحد ليرى ذلك عند تلك النقطة، سوى الميت نفسه، وأخفت الدماء بسرعة.

بعد تجريده من نقوده وكنوزه، أُلقي جُثّة جو في أحد المصارف، ووجهه للأعلى ليعلم الجميع مصيره بحلول نهاية اليوم، مما زاد في الشائعات.

طردت سيد الذكريات، وتجاوزت الأوغاد الحائمين على أطراف منطقتها. منحوها مساحة واسعة، عابسين وباصقين جانباً بينما كانت تخطو بثقة في الشارع المرصوف بالحجارة. بادتهم نظراتهم القاسية، لكنّ أياً منهم لم يستطع تحمل عينيه طويلاً ولن يجرؤ على تحديها. جبناء.

شقت سيد طريقها سريعاً إلى الساحة وإلى الميسن الذي تدعوه بيتاً، في الوقت الحالي. سمعت ثرثرة المحادثات، وأطفالاً يركضون في الممرات الصارخة، ضاحكين وصارخين أثناء اللعب. شمت رائحة طعام يُطبخ، يخنة حبار وفئران مقلية. عرضت عليها امرأة منتفخة الوجه وعينها سوداء سيخ لحم غامض وهي تمر.

كانت سيد جائعة، فأخذته بامتنان، متمتمة بشكر، ثم قضمت القطع الساخنة والزيتية. كانت ليفية لكنها مشبعة. صعدت السلالم حتى الطابق السادس، وهو الأعلى في هذا البناء والمباني المحيطة به، ودخلت غرفتها الرطبة والكئيبة.

تفحّست سيد الزوايا المظلمة والكئيبة ولم تجد خطباً، فاستلقت على فراش مؤقت من الخرق. استخدمت رداءها بطانية، وخلدت للنوم في لحظات.

أُيقظت سيد بعد ما بدا دقائق معدودة، لكن الشمس غربت لذا لا بد أنه مضى ساعتان على الأقل.

قال صوت صغير: "سيد".

قالت الصوت مجدداً وهي تتحرك: "السيدة سيد".

كان هناك صبي صغير بشعر رملي يرتدي أطماراً ولا يجاوز عامه الثاني بعد. تفقدت سيد جيبها لتتأكد من عدم سرقتها أثناء نومها. خاتم العفريت وكيس الثالوث لا يزالان هناك.

قالت سيد بحدة: "ماذا؟"

انكمش الطفل خوفاً من لكمة لم تكن قادمة.

قالت سيد بلين أكبر: "ماذا؟"

قال: "هناك رجل يبحث عنك. إنه يقف في الساحة".

أومأت سيد برأسها وأمسكت بقوسها ثم زحفت نحو النافذة. دفعت الشرائح الخشبية بوصة واحدة وطلت برأسها ناظرة إلى الأسفل نحو رجل يرتدي معطفاً بني اللون. هبطت معدتها. يمكنها التعرف على ذلك الجسد المحدب والوجه الندبي في أي مكان. نيك المسنن.

أتمكّن من كشف أمرها؟ أأتى ليؤذيها أم ليوبّخها؟

خطر لها لبرهة أن ترديه صريعاً بسهم. استبعدت الفكرة سريعاً. يشبه الأمر إعلان حرب على الحارة بأسرها. أكثر مما فعلت سلفاً. لا، كان عليها أن ترى ما يبتغيه. أطلقت أنّة ونهضت.

سألته شابة اقتربت من الصبي عند الباب ووضعت يدها على كتفه الصغيرة: "أنت بخير يا سيد؟"

"أنا بخير."

بدا الرعب وجوههم.

"سنكون جميعاً بخير. سأحميكم."