بدا أن ما يثير اهتمام سيد هو قطعة خشب طويلة ذات انحناء خفيف. بالتدقيق، تبيّن أنها قوس قصير من دون وتر. وُجد بالقرب من القوس أجزاء ممّا يجب أن يكون وتراً، وجعبة جلدية تحوي تسعة سهام، وجميعها ذات ريش أخضر.
سأل فريتز بأمل: "أحدكم يعرف كيف يرمي بالقوس؟"
هزّ الفريق رؤوسهم لكن سيد ظل يتابع بحماس وتحدث بسرعة: "لا، لكن يمكنني التعلم، إضافة إلى أن هذا يتلاءم جيداً مع مهارة ضربة الرياح الخاصة بي، إنها إحدى أكثر مجموعات مسار الرامي الموصى بها. أن أكون رامياً هو ما حلمت به منذ أن كنت صغيراً. طالما أحببت الحارس السريع والمراوغ في القصص".
نظر فريتز إلى سيد، الذي كان كتلة من التوتر المتحمس، هزّ كتفيه وناول القوس والسهام والأوتار للرجل.
قال فريتز ببهجة وهو يمنحه ابتسامة: "حظاً سعيداً. ليس وكأنك تحتاج إليه إن انتقلت أي من مهارات المقلاع الخاصة بك إلى ذلك القوس".
كان فريتز مسروراً لقدرته على تبديد بعض التوتر الذي كان يشعر به تجاه سيد بفضل هذه الرشوة الكبيرة.
أخذ سيد السلاح وذخيرته، وتوقف لثانية فقط حين التقت عيناه بعيني فريتز وابتسم. أبعد نظره بسرعة وأعجب بقوسه الجديد ثم ابتعد عن المجموعة ليربط الوتر ويختبر شدّه وثباته.
التفت فريتز مجدداً إلى الصندوق على وقع أصوات طنين وتر القوس القادمة من خلفه. رفع حُزمة من الحبال رمادية اللون، كانت خشنة وباردة الملمس وقدر فريتز طولها بنحو عشرة ياردات. رمى الحُزمة فوق أحد كتفيه ثم مدّ يده نحو الغرضين الأخيرين في الصندوق.
علق فريتز: "كان يمكنني استخدام هذا قبل أن أتسلق إلى الحفرة، لكن هيا، أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي أبداً".
كان الغرضان الأخيران، اللذان لا يقلان أهمية بكل تأكيد، كتابين. أحدهما مجلد كبير لا يقل عرضه عن قدم والآخر أكبر بقليل من كف مدودة.
حين أزال الغرضين الأخيرين من الصندوق، تحرك الخشب المحاط بالبرونز ببطء. بدا في البداية ضبابياً ثم بدأ يصبح شفافاً إلى أن صار في النهاية شفافاً كالزجاج المعشق. تلاشى في النهاية عن الأنظار وخارج الوجود. استغرقت العملية نحو ثلاثين ثانية لكنها كانت مثيرة لفضول حواس فريتز.
وقف مكانَه، يراقِب الموضع الذي كان فيه الصندوق حتى تنحنح بيرت بصوت عالٍ معيداً فريتز إلى وعيه وإلى الكتابين الذي كان يحملهما.
كان الكتاب الأول الكبير مجلداً ثقيلاً بغلاف جلدي أحمر صلب وورق رقّي، وهو أمر نادر في مدينة المطر.
ظهر على المقدمة شعار لقبضة مشدودة داخل دائرة وعبارة "الإخوة إيسكانتور: الفن القتالي، البراعة الحربية، الأطروحة التكتيكية"
محفورة بجرأة بفضة باهتة.
لم يحمل الكتاب الثاني أي عنوان على غلافه الجلدي البالي اللين وبدا أشبه بدفتر يوميات أو سجل رحلات منه بمجلد معارك.
ومع ذلك، كُتب العنوان بوضوح على الصفحة الأولى بخط كفؤ ومرتب: "ملاحظات وانطباعات ضابط يناضل في صراع غير متكافئ: طريقة التدريب ودليل الاشتباك الاستراتيجي الفعال والمناوشات بقلم ثيودور فلينت".
همس فريتز بذهول: "كتب تقنيات. في الطابق الثاني، داخل صندوق برونزي. أمر لا يُصدق".
سأل بيرت بحيرة وذهول مماثل: "ما قصة العناوين الغريبة؟ تلك التي سمعت عنها تبدو شبيهة بـ: مناورات الهراوة المتقدمة أو أسلوب السيف: الضباب".
"لا أعرف حقاً، لكن هناك الكثير من التقنيات وتظل معظمها مخفية، أسرار يحتفظ بها النبلاء والنقابات. لعل هناك بعض التقنيات الغريبة حقاً التي لم نسمع بها؟"
حاول فريتز تفكيك المسألة أثناء حديثه.
"على أي حال، لنفتح هذه الكتب ونرى ما نعمل به"، بدأ فريتز بتقليب صفحات المجلد الأحمر الكبير أولاً.
كان كتاب "الفن القتالي، البراعة الحربية، الأطروحة التكتيكية"
للإخوة إيسكانتور دليلاً حول نوع ما من أساليب القتال الشجاري الأعزل. بدا أنه يركز على الضربات القصيرة والفعالة والصدات باللكمات والركلات. مع دروس مصاحبة وموجزة للتفادى والمراوغة للقتال عن قرب، وتعليمات حول القفزات الطويلة والدحرجات للابتعاد عن المهارات بعيدة المدى أو واسعة النطاق.
أعلن فريتز أثناء قراءته للمجلد الغريب: "يبدو أنه أسلوب قتال أعزل أو بأسلحة القبضات، مع مناورات دفاعية مكتملة. أي شخص مهتم، قد تكون لين جيدة بقبضتيك الحجريتين، Oh وانظر هنا يا بيرت، إنه يذكر الضربة الارتجاجية!".
هتف بيرت من دون أدنى تلميح للسخرية، وعيناه العنزيتان تتوّهجان بحماس جامح: "ممتاز! طالما رغبت في تحويل جسدي كله إلى سلاح، وأن أمشي إلى المعركة شبه عارٍ وألكم الوحوش في وجوهها مباشرة".
سایلت لين بتوجس، وقد عبرت ملامح القلق والقنوط وجهها الداكن: "ألن تختفي بمجرد دراستها؟"
قال فريتز بحدة والغضب يغلي في صدره: "ماذا؟ لا! تلك كلها أكاذيب ينشرها أولئك الذين يريدون الاحتفاظ بكتب التقنيات لأنفسهم. مع أنها تميل إلى التحلل بسرعة عندما تكون خارج البرج. يمكن الاحتفاظ بها لسنوات أو حتى لعقود إذا كنت حذراً، ويمكن تدريسها من الذاكرة. إنها ليست مثالية كالكتاب لكنها قد تكون أيضاً نسخة أفضل قام متسلق بتحسينها. هذا ناهيك عن التقنيات ذاتية الصنع"، واصل حديثه في هجوم غاضب.
عدّل فريتز كلامه قاطعاً محاضرته وراشاً الكتاب بين ذراعي لين: "هذا غير مهم الآن. خذوا أنتم كتاب اللكمات وتدربوا عليه معاً، ومع أي شخص آخر يرغب في لكم الوحوش لكسب العيش".
التقطته بسهولة ووقفت، وتوجهت بخطوات واسعة نحو بيرت الذي كان يهم بالنهوض وينفض عن نفسه الغبار الدائم. لفت لين ذراعها حول ذراعه وقادته بعيداً لممارسة التقنية.
توقفا على بعد خطوات وقرآ الكتاب معاً. تناقشا في الرسومات والشروح بصوت خفيض وهما يقلدان الحركات المرسومة على الصفحات. مارسا اللكمات السريعة والمدمجة الواردة في الكتاب أحدهما على الآخر ببطء، جامعين بينها وبين خطوات وحركات خفية وردت في النص الغريب.
سألت فيرونيكا بنفاد صبر وهي تقطع على فريتز شذوده الذي سببه تدريب بيرت و لين: "حسناً وماذا عن الآخر؟ ليكن مفيداً للعقلاء بيننا."
فتح فريتز الكتاب الشبيه بدفتر وقلب صفحاته الورقية الرقيقة. بدا أكبر من مستواه واهتمامه منصرفاً إلى تكتيكات الفرق الصغرى والحروب، مع بعض النصائح حول قتال خصم أقوى بكثير وأفضل عتاداً. فكر فريتز بمرارة: مثالي لنا على ما أظن. ضم أقساماً للأسلحة البسيطة واستخداماتها إلى جانب التركيز على التخفي والانسحاب والفخاخ.
خلاصة ما قال فريتز: "يحوي مجموعة من تكتيكات الفرق وتمارين الأسلحة البسيطة ونصائح التخفي والمماطلة. دونها شخص يدعى ثيودور فلينت لم أسمع به قط. ينبغي أن يكون مفيداً لنا حتى إن لم يكن تقنية قوية للغاية، فهو يبدو متنوع الاستخدامات للغاية وهذا ما نحتاجه."
استفسرت فيرونيكا وهي تلتقط إحدى السترات الجلدية وتضعها على صدرها لتتفقد مقاسها: "وماذا عن العتاد الآخر، لمن سيذهب؟"
كانت السترات مزودة برباطات خشنة لشد الدرع أو إرخائه حسب الحاجة.
أوضح فريتز وهو يرمي السترات والدروع لمن ذكرهم: "حسن هناك ست سترات وبما أن بيرت وگريگ يرتديان قمصان حراشف السمك فينبغي أن يحصل البقية منا عليها، ولن يبقى سوى شخص واحد بلا نصيب. أما الدروع الصغيرة فالأرجح أن أولئك الذين سيكونون في الخطوط الأمامية ولا يتعلمون تقنية قتالية مجردة هم الأنسب، لذا تبدون أنت وتوبي وناومي الخيارات الأفضل."
أمر فريتز قائلاً: "توجد أيضاً رماح يمكن جمعها من الحفرة لكي نستطيع تطبيق بعض تمارين المليشيا هذه."
صاح بيرت وهو يرفع رأسه من كتابه ويخطو حتى وقف أمام فريتز: "أوه لا لا لا أيها اللطيف فريتز. لن تفلت هذه المرة من ارتداء الدرع، فأنت تصاب دائماً ولا نريد أن تموت ببسولة، مرة أخرى. ارتدي السترة واشدد ذلك الدرع على ذراعك."
أمر بحزم وهو يلتقط سترة جلدية عن الأرض ويدفعها في صدر فريتز.
ابتسم فريتز بضعف: "لم لا نطرح الأمر لتصويت آخر؟ للحيطة."
قال بيرت قاطعاً أي جدال من فريتز الذي عرف أنه لا فائدة ترجى، فقد حسم بيرت أمره: "لا تصويت ولا نقاش، ارتدِ العتاد فحسب واهنأ بحمايته."
تذمر فريتز على غير عادته وهو يضع نصل السمكة جانباً ويرتدي عتاده الجديد: "حسناً، ولكن من أجلك وحدك. لكنني أريد الحبل أيضاً، سأحتاج إليه. للتسلق، ليس لأي شيء آخر."
وأضاف بطريقة مريبة بما يكفي.
سألت ناومي بفضول طفيف: "انتظر، ماذا ستفعل بالحبل؟"
رفعت حاجباً فحسب وأتى بحركات عقد رخيصة بلغت من الغموض ما يكفي لغرضه.
احمر وجه ناومي وهمت بطرح المزيد من الأسئلة حين قاطعها توبي.
أوضح توبي متأففاً من حركات فريتز: "لا تعذبي نفسك بالسؤال، إنه يحاول فقط التغطية على خسارته أمام بيرت."
عبس فريتز في وجه توبي ثم تفقد الغرفة من حوله.
أمسك كتاب التقنية الثمين مفتوحاً ومقارناً متطلبات تدريباته بالغرفة: "ليس في هذه الغرفة متسع لممارسة ما ورد في هذا الكتاب، سيتعين علينا الانتقال إلى مكان ذي مساحة أرضية أكبر."
قال بيرت وهو يتلفت بدوره في الغرفة: "موافق. متى تراني تشعر بتحسن يجعلك قادراً على الاستطلاع في المقدمة يا فريتز؟"
أجاب فريتز بإرهاق: "أعطني عشر دقائق وسأكون سليماً معافى. تلك التعويذة خياطة الجرح صنعت عجائب في ذلك الثقب في ذراعي، عمل جيد يا جين، لكن ألا يمكننا التخفيف من الشحم المرة القادمة؟"
قالت جين ببرود: "ربما يجدر بك ألا تخطط لمرة قادمة من الأساس يا فريتز."
رد فريتز بأقصى قدر ممكن من الإخلاص وهو يربط الدرع الصغير بذراعه اليسرى: "صحيح، نعم، بالطبع، لن أعود محتضراً مرة أخرى. أعدك بذلك."
قابلت هذا التعليق جوقة من عبارات "كذاب"
و"أبله"
و"أحقاً"
بكل ما يستحقه من اهتمام، وهو الصفر الإجمالي.
جلس فريتز واستراح، شرب بعض الماء وأكل من سمك الوحش بينما كان يقلب صفحات دفتر التقنيات مسجلاً بعض اللقطات الأكثر إثارة للاهتمام حول تلويح النصل وإلحاق المزيد من الضرر بضربات بسيطة.
كان الكتاب قراءة كئيبة حقاً، فمنه تميز النص الجاف وشبه الفلسفي باهتمامه الغالب بإسقاط الأقوياء عبر استنزافهم حتى العظم أو دفعهم لارتكاب الهفوات وإضاعة الوقت في البحث عن خصوم غادروا منذ أمد بعيد. كما لاحظ من نظرته الأولى، كان التركيز منصرفاً على شح الموارد والتخفي والاستنزاف.
مفيد للغاية، لكن فريتز راوده شعور غريب بأن هذا لم يكن كل ما في كتاب التقنية هذا. كان مجرد حدس، لمسة خفيفة على سطح عقله عجز عن الإمساك بها تماماً. ربما كان تمنياً بحتاً، فأمامهم مشقة طويلة وكان شعوره تجاه فرصهم أسوأ من أي وقت مضى.
أدرك مدى افتقارهم للاستعداد لهذا الأمر. كان هذا البرج أكثر فتكاً بكثير من أي برج صغير آخر سمع به، كما أثبتت المكافآت. يعد كتاب التقنية الغامض غنيمة لأي من الطوابق العليا في الأبراج الكبرى أو صيداً ثميناً في أي مكان آخر، فما بالك باثنين؟ أكان الأمر محض صدفة أم أن هذا البرج أسوأ بكثير مما ظن ومنحهم هذه الكتب لتكون لهم فرصة ضئيلة للنجاح؟
بلع فريتز لعابه. سرى الخوف في عروقه وامتدّت مجساته الجليدية لتعتصر عضلاته وهو يتوجّس مما قد ينتظرهم في الطوابق العليا. تساءل في تشاؤم: إن كانت تلك الكلاب الملوّثة في الأول والعفاريت في الثاني فكيف سيكون شكل الثالث؟
أكان قرش الليل يدرك إلى أي مدى كان هذا السبير مميتاً؟ نعم، لا بدّ أنه كان يعلم، فأي شخص يخرج من هذا السبير ومعه مسار سيكون صلباً، أصلب من المتسلق المعتاد. وحتى إن أسرّوا لأحد، فمن المرجح أن يموت المتسلل فحسب.
يا ترى كم من الناس ينجو أصلاً من هذا السبير في كل جباية؟ أمن هنا يجلب أعوانه؟ وإن نجونا أصلاً فهل سيكون لنا خيار في خدمته أم لا؟ ألارجح أننا سنُقتل إن رفضنا أوامره؟
هزّ فريتز رأسه طارداً أفكاره المتسارعة والمقلقة، ثم نهض. مرّت عشر دقائق على الأقل وشعر أن التفكير لأكثر من ذلك سيجعله مرعوباً إلى حدّ يعجزه عن الفعل.
أدخل كتاب التقنية الثمين في كيس إلى جانبه ونادى الفريقي: "أنا مستعد للمغامرة بشجاعة، اتبعوني على مسافة ثلاثة أطران بالتشكيل المتفق عليه. سننطلق صعوداً نحو المغامرة!"
رسم فريتز ابتسامة زائفة على ملامحه ثم استدار ليغادر، وترك وراءه تلك الحركة الخوف الذي كان يجمّد أطرافه.
علت أصوات الأنين والشجار من خلفه وهو يتقدم ممدود الكف وفي قبضته حجر كهرماني يتوهج. خرجوا من غرفة الحفرة إلى الظلام ولم يهنكهم سوى الضوء البرتقالي الدوامي.
كأنوا أهدأ ما يكونون، لكن بين حين وآخر كان يقع خدش خفيف أو خشخشة لحجر سائب على الأرضية الحصوية. كان الممر أمامه ينحدر صعوداً وهبوطاً ومنعطفات النُّقب كانت تمنع فريتز من رؤية ما أبعد من ياردتين أمامه.
لم يلتقوا بالكثير سوى الحرّ والظلام، إلى أن ظن فريتز أنه وجد الردهة، أو ردهة شبيهة بتلك التي رآها خارج «غرفة نوم»
العفريت. كان الممر يضم تلك الثقوب الناظرة ذاتها، فتسلل نحو إحدى الفتحات الصغيرة وراح يختلس النظر بحذر.
سمع قهقهة حادة من الجانب الآخر للجدار كأن العفريت لم يستطع كتم مسرته. ارتدّ فريتز هلعاً عن الصوت في تذكّر مؤلم. تلك الحركة الصغيرة أنقذته على الأرجح من فقدان عينه إذ انطلق رمح من الفتحة بعد لحظة واحدة فقط ليخدش طرف أذنه.
تعثر فريتز إلى الوراء ضاغطاً بيده على الإصابة. لحسن الحظ لم تكن هناك دماء، بل ضربة خاطفة وحسب.
لعن فريتز نفسه. ثقوب ناظرة! ما أبلَهني؟ كانت ماثلة أمامي مباشرة. فخ آخر وكان قد رآه من قبل لكنه لم يدرك مغزاه. بغضب قبض على قوّته موجهاً راحة كحته للأمام ليلقي حفرة الحجر على الثقب.
اتسع الثقب فوراً وتزحزح تراب الجدار ليكشف عن وجه عفريت مبتسم. سدد فريتز نصله السمكي عبر الثقب ليصيب العفريت في عينه السوداء الصغيرة. وما إن ضرب السيف وشعر بالطرف يبلغ مؤخرة جمجمة العفريت حتى لوى النصل وجذبه للخلف بعنف.
سقط العفريت هامداً على الأرض الحصوية وقد زالت القهقهة تماماً. صرخ عفريت بجانبه غضباً ورعباً منبهاً الباقين إلى الخطر. تراجع فريتز قبل أن يتحركوا.
أشار للفريقي وهمس لسيد: "صنعت ثقباً، أتستطيع إطلاق النار على العفاريت من خلاله؟"
أشار مجيباً: "ضوء."
أومأ فريتز وصوّب رمية، وأدار حجره الكهرماني ضوءه الدوامي وهو يقذفه عبر الهواء مباشرة من خلال الثقب الواسع قدماً. علت صيحات غليظة ومكتومة من الدهشة حين استقر الحجر وسط مجموعة من أربعة عفاريت.
اتخذ سيد من دهشتهم سانحة، فاستل سهماً ووضعه في وتر قوسه. شعر فريتز بنسيم خفيف ورأى هالة من الهواء المموج تتجمع حول السهم أثناء التصويب. أطلق سيد السهم فانطلق صفاراً في الهواء بسرعة مخيفة. اخترق مباشرة صدر العفريت الأقرب وأصاب أحد الواقفين بجانبه مستقراً في ضلوعه البارزة.
هوى اثناهما إلى الأرض بألم، يتخبطان ويغرغران بينما تفجّرت الدماء مزبدة من رئتيهما. نظر العفريتان الباقيان برعب ثم فرا هلفين. ترددت أصوات ثرثرتهم الخائفة ووقع أقدامهم القذرة عائدة للمجموعة بينما هرب العفاريت إلى الظلام.
انتظر فريتز برهة منسصتاً لأي هجوم قادم، لكن شيئاً لم يحدث فتسلل إلى الثقب ونظر في الغرفة الخفية. بحث عن أي متخلفين أو كمائن لكنه لم يجد سوى خرق وحصى ودماء عفاريت منتنة.
سأل بير بجدية وهو يبقي عينيه مفتوحتين تحسباً لأي هجوم ويكفهرّ مقطباً حين رأى تلك القباحة التي تخص جنس العفاريت: "كم قتلنا؟"
أجاب فريتز معاتباً نفسه على خطئه: "سيد أصاب اثنان، وأنا واحداً، احذروا الثقوب في الجدران فهي ليست للتجسس وحسب كما أدركت متأخراً. وبالمناسبة رمية موفقة يا سيد، فقوة الريح تبدو كأنها أثمرت بالفعل، لقد اخترقت ذلك العفريت تماماً"، مدح فريتز بإخلاص وهو يمسح الدماء عن سيفه السمكي بخرقة.
أشاح سيد بصره فحسب، وبدا محرَجاً. تساءل فريتز عن سبب عجز الرجل عن تقبّل المديح لكنه قرر عدم الخوض في الأمر داخل مستنقع العفاريت المنتن هذا.
اعترف سيد بتواضع: "نعم إنه لأمر جلل، كنت أستهدف الرأس مع ذلك."
هز فريتز كتفيه، وتسلل للأمام مواصلاً الاستطلاع وهذه المرة ترقباً لمزيد من «الثقوب الناظرة»
والفخاخ الأخرى.
مضى ما تبقى من اليوم على هذه المنوال. كان فريتز يعثر على فخ أو جماعة من الغوبلن داخل الجدران. فيتبعون الخطة ذاتها في كل مرة. يوسعون الفجوة بمهارة حفرة الحجر ثم يمطرونها بالرماح والسهام والمهارات. إما أن يموت الغوبلن المذعورون أو يفروا. استمر ذلك إلى أن انقطع ظهور غوبلن الجدران تماماً.
قال فريتز وهو يتفقد الفجوة الممتدة: "لا أحد في هذه الغرفة".
لقد أدى تعدد إطلاق المهارة طوال اليوم إلى استنزاف طاقته حقاً. وشعر أنه لا يستطيع المضي قدماً سوى لساعة أخرى فحسب حتى مع تحمله المعزز.
قال توبي مبتهجاً للمرة الأولى في حياته وهو يربت على حزام خناجر الرماية برضا: "لا بد أنهم فطنوا إلى خطتنا وخافوا. ربما لم يعودوا يعبؤون بنا الآن بعد أن قتلنا نحو عشرين منهم".
صححه بيرت بنبرة يشوبها الإعياء: "ثلاثة عشر بما في ذلك أولئك الذين قال فريتز إنه قتلهم أسفل الحفرة".
تذمر فريتز وهو يحدق أمامه في الظلام: "آمل أن نجد غرفة واسعة بما يكفي لنستريح فيها. لقد بدأت أنهك حقاً هنا".
واصلوا المسير على سيقانهم المتعبة متخبطين قدماً بلا توقف. يتصببون عرقاً ويتثاءبون ويتعثرون أحياناً في الهواء الثقيل. تصدّر فريتز المقدمة لما بدا أنه ساعات. إلى أن عثروا أخيراً على ما كانوا يبحثون عنه.
أشار للفريق بالثبات. ثم حدق في مدخل كبير محاط بخشاب عثر عليه. كانت بالداخل حجرة واسعة بما يكفي لتسعهم جميعاً بسهولة.
غير أن هناك مشكلة كبيرة. أو ست مشكلات كبيرة لدقة أكبر.