غضب "سبير" الفصل 11

اقرأ غضب "سبير" الفصل 11 باللغة العربية على مانجا تايم.

لم يدرِ فريتز كم استغرق نومه، لكن أحداً لم يأْتِ للبحث عنه، لذا لم يتجاوز الأمر خمس دقائق ربّما. أمعن النظر حوله، وابتلع الغشاوة الأولى التي أربكت عينيه. ما إن انقشعت حتى تبين الغرفة بوضوح وقد صُبغت بضياء برتقالي متموج ينبعث من حجر الكهرمان.

أخذ جسده يؤلمه إثر المعركة السابقة وما زال رمح الغوبلين مغروزاً في ذراعه اليسرى. حاول نزع العصا، لكن جرّها ولو لبوصة واحدة كان عذاباً مقيماً. قرر تركها هناك ليتولى أمرها شخص آخر، جين على الأرجح، في وقت لاحق.

تفحّص الغرفة وسجل ما فاته قبلُ: رماحاً بدائية شتى، ومجموعة ثقوب بحجم الأصابع في الجدار المقابل تطل على نفق مظلم يشبه ذاك الذي دخل عبره الفريق. ثقوب للمراقبة؟ خمن فريتز. إذن سيكون الغوبلين داخل الجدران يتجسسون علينا ويتتبعون خطواتنا. يحسن بنا توخي الحذر بشأن مناوبات الحراسة إذن.

غير أن نظره انساق مرغماً إلى الصندوق بحجم الجذع القابع قرب عرين الغوبلين. انعكس ضياء الحجر البرتقالي على أشرطته النحاسية فبدا وكأنه ذهب سائل. زحف نحوه على يديه وركبتيه ووضع كفّه على غطائه. كان بارداً واهتز طفيفاً تحت لمسته. اضطر إلى قسر يده على الابتعاد ليردع نفسه عن فتحه في تلك اللحظة بالذات.

عرف من أبيه وجوب فتح صندوق الكنوز رفقة فريق التسلق، إذ تنطوي الكنوز على طريقة خاصة لتفصيلها في السبير خصيصاً للفرقة التي تفتحه.

علاوة على ذلك، عجت الذاكرة بحكايات تحذيرية لا تنتهي عن «جامعي الكنوز»

ممن طالهم عقاب غضب السبير، إلى جانب فرقهم حين تكتشف حتماً أن أحدهم فتح صندوقاً بمعزل عنهم. ومع ذلك، لم يمنع هذا بعض الكشافة أو الأدلة الأقل ورعاً من الاستحواذ عليها على أي حال، هذا إن أخبروا أحداً بطبيعة الحال.

استبدت به رغبة جامحة لفتحه هنا والآن، فالقلة تعني كنزاً أفخر بعد كل شيء. لن يعرف أحد، أليس كذلك؟ سيعرف بيرت. تنهد فريتز وحاول حمل الصندوق. باغتته النتيجة؛ فقد بدا أخف بكثير مما توقع. رفعه تحت ذراعه السليمة التي كانت تمسك أيضاً بنصل السمكة، تطلب الأمر شيئاً من البارع في الموازنة، بينما استقر الضوء البرتقالي بثبات في ذراعه اليسرى المصابة، ليتسلل عائداً من حيث أتى.

خلا طريق العودة من أي مفاجآت. لحسن الحظ، لم تكن هناك كائنات غوبلين متربصة تستعد لكمين كما أخشى ربما. كانت قدما فريتز تجران جراً وتمايلت ساقاه رغم خفة وزن الصندوق. غمر العرق جبينه وقميصه حتى كاد يغدو شفافاً ملتصقاً به لولا البقع التي لطختها قاذورات الغوبلين.

كان مهشماً، دموياً، مرضوضاً ومحاطاً بعدة جروح أخذت توخزه وتلسعه كخطوط ملتهبة كابدها طوال ذلك المسير المضني. بلغ حفرة الأوتاد أخيراً وصاح في فريقه بتهكم درامي:

"أنا السر فريتز، قد عُدتُ ومعي صندوق كنوز! لكنني أصبت بأسى جرحاً مميتاً في مهمتي! ها أنا أموت شجاعاً الآن!"

"فريتز، أيمكنك التسلق لأعلى؟"

سأل بيرت بلا تعاطف من القاعة العلوية.

"كلا، إنني أموت!"

صرخ فريتز مردداً، مترنحاً، ثم هوى مستلقياً في إعياء عند قاعدة الجدار، تحديداً تحت المقابض التي صنعها سلفاً.

طالع وجه بيرت الحافة، وبدا مستاءً إلى أن رأى مدى إصابات فريتز. شحب وجهه واختفى عبوسه ليحل مكانه تعبير عن قلق عميق.

أدرك فريتز أن الجروح بدت أسوأ مما هي عليه في الواقع، لا سيما بعدما باتت تحظى بمستوى الآن، لكنها ظلت تبدو سيئة من منظور بيرت. يستحق ما جرى له لتشكيكه في كلامي ثانية! همس صوت صغير تافه في رأسه. كان ذلك آخر ما تذكر فريتز التفكير فيه داخل حفرة الأوتاد. ثقل العالم وغمره سواد دامس.

* * *

راقب سيد بيرت وهو يسارع بالهبوط نحو الحفرة مستخدماً مقابض فريتز، محاولاً بلوغ جسد رفيقه المتهالك. ما بال فريتز ومهمات استطلاعه البسيطة ظاهرياً والتي ما فتئت تجلب له إما وحوشاً أو جروحاً جديدة.

إنه بارع حقاً في جلب المتاعب لنفسه، لقد كان توبي محقاً بشأنه حين قال إنه يحفر قبره بيديه، هكذا فكر سيد. لكن لماذا استمعت في و لين ونومي إليه دماعاً ورفضن الاستماع إلي حين حاولت إقناعهن بالتسلق أعلى؟

تجهم سيد ثم التفت إلى في والفتيات. انتبهت في ونظرت إليه متسائلة.

"ما بك يا سيد؟ ليس من عاداتك هذا التبرم،"

سألت برفق.

"همف،"

حاول سيد أن يهمهم، لم تكن قد ضبطت الخشونة تماماً بعد، غير أن أحداً لم يعلق على ذلك، حتى الآن.

عدلت رباط صدرها، شعرت وكأنه يزداد ضيقاً وتقييداً مع مرور الساعات. لا بد أنه لحم الوحش، لم يلاحظوا ذلك تماماً بعد، لكن هيئاتهما النحيلة الجائعة بدأت تمتلئ، مكتسبة وزناً وعضلاً، وفي حالة سيد، منحنيات.

تنهدت متسائلة عن المدة التي يمكنها خلالها الحفاظ على هذه الحيلة. كان في و لين ونومي يعلمن بالطبع، لكنهن كنّ أبعد ما يكون عن زلة اللسان. لم يفعلنها طوال سنين معرفتهن الطويلة. بيد أنها لم تدرِ أين تقف في زمرة فريتز وبيب.

ارتياب سيد أن جين تشك في الأمر إذ رفضت مفارقتها وإبقائها وحدها مع توبي، لكن لعل ذلك مرده فقط لالتصاقهما كظلّين.

أصل التنكر عاد لسلامتها بعدما شهدت عدداً مفرطاً من الفتيات الصغيرات أمثالها ضحايا للافتراس، وخوفاً من أن تكون التالية، عملت بنصيحة تالي.

حذرتها صاحبة الحانة بالقول: "إن لم ترغبي بالعمل هنا تحت سقفي، فخير لك أن تَدعي الناس يظنونك صبياً يافعاً. واجتنب الآخرين، فلن تدرين أبداً من يبيفك مقابل بضع قطع نحاسية."

اتّبعت سيد النصيحة حتّى إنّها غيَّرت اسمها وصارت تقوم بـ«أعمالها الشّاقّة»

وحدها. كانت وحيدةً لكنّها كانت تزور شاحنة تالي أحياناً للاطمئنان على الفتيات الأخريات والتأكّد من سلامتهنّ. كان عليهنّ التكاتف وإلا التهمنّ واحدة تلو الأخرى.

سينفجر الوضع عاجلاً أم آجلاً وما أهمية أن يعلم أحدهم في السبير أنَّ سيد امرأة؟ لاسيما إن كانت تنوي بلوغ القمّة تماماً فلن يجترئ أولئك الحثالة المفترسون في الحلقة الغارقة على التعدّي على صاحبة مسار أو إثارة غضبها. كانوا جبناء حتّى النخاع يفترسون الضعفاء والمستضعفين وعندما تعود إلى الحلقة الغارقة ستضع حدّاً لهم.

بقليل من القوة ستتغير الدفة ويمكنها إيجاد أوكارهم وإحراقها عن آخِرها كالحشرات التي هم عليها.

قاطعت نبرة في الهادئة أفكار سيد الغاضبة: "سيد هل أنت بخير؟ تبدين غاضبة".

"أنا آسفة غرقت في أفكاري فحسب كنت أتساءل لمَ استمعتِ إليه…"

ألوحت سيد بذراعها نحو فريتز المترهل المحمول على ظهر بيرت بينما كان يتسلق ببطء وحذر عودةً إلى قمة القاعة حيث تقف جين متوجسة اللحظة "...بدلًا مني؟ ما الذي يملكه ولا أملكه أنا؟"

أدركت حتى وهي تسمع صوتها أنّها تبدو متذمرة.

استدركت سيد عندما رفعت في حاجبيها وابتسمت بِمكر: "أقصد عدا الواضح طبعاً؟".

سردت في تلك الشائعات السخيفة والقصص الملفقة بوصفها إنجازات وحقائق: "حسناً ألا تعرفين سمعته بوصفه لصّاً جريئاً؟ خزانة اللورد وايتشيب؟ غارة قفص الطيور؟ يوم الخبز المحلى المجاني؟".

عقّدت سيد وهي متأكدة من سماعها هذه القصص المبالغ فيها ودون أن تصدق حرفاً منها: "كلّ هذا مبالغات وشائعات لا أساس لها وحتّى لو زعم الناس فعله لتلك الأمور فأنا أشكّ في ذلك بشدة. لم يسبق له أن تفوق عليَّ أصلاً".

ابتسمت في تلك الابتسامة الجميلة: "حتى لو صحّ ثلث ما يُثرثر به الناس عن فريتز لكان قد مات ست مرات. لكنّه حيّ ينجو ممّا لا يُفترض أن ينجو منه فهو ابن مرشد منفيّ من ملجأ أيتام ومُلقًى في الشوارع. كان مفترضاً أن يموت في غضون أسبوع طافياً في مجارير الصرف. ومع ذلك ها هوذا يقود طاقماً من أبهى اللصوص والسرّاق مهارةً في هذا الجيل. هذا ما تقوله تالي فهي متواجدة منذ مدة وتضع إصبعها على نبض العالم السفليّ"

هكذا شرحت في بلطف.

عارضت سيد وهي تقطب حاجبيها: "فريتز لا يقود الطاقم بل أل".

قالت في باستهانة: "أرجوك فريتز وأل متلازمان كاللصوص تماماً. إنهما بمثابة أخوين وأل يصغي لفريتز".

كررت سيد بصوت أعمق وأجش: "همف".

لم تتراجع في فاستطردت: "إذن طالما أنّه يزعم قدرته على مساعدتنا في نيل مسار فأنا أرى لا بأس في المخاطرة معه وما عُرف عنه يقيناً أنّه يفي بوعوده".

اكتسى وجه في بصلابة وعزم على اجتياز هذا التسلق وعدم التشكيك في خيارها. أومأت لين موافقةً إيّاها فهي على أيّ حال تقف دائماً في صفّ في.

أضافت نعومي فجأةً وبنبرة مرحة في صوتها الصافي: "ولا يضرّ أيضاً أنّه جذاب للغاية".

وافقت سيد وهي تتابع بيرت يمدد فريتز أمام جين التي باشرت فوراً بقطع كمّ قميصه ليصل إلى الرمح الغارز في ذراعه اليسرى: "إنه لا بأس به".

أمرت جين بنبرة حازمة: "بيرت أعني أل ثبت ذراعه غريغ تعال إلى هنا وانتزع هذا الرمح فوراً".

استجاب بيرت وغريغ بسرعة ومع صوت امتصاص مصمّت انتُزع الرمح وأُلقي جانباً ليتدفّق الدم بغزارة مشكّلاً بركة حمراء داكنة تحت ذراع فريتز.

زمجر غريغ وهو يمسك أنفه: "ما هذه الرائحة؟ أيّتها السبيرز فريتز يُنتن هل تمرّغ في أحشاء الحبار هناك أم ماذا؟".

أوضحت جين وهي تسارع بإخراج قربة ماء وخرقة قماش إضافية: "اصمت يا غريغ وساعدني في غسل هذه القاذورات عنه وتنظيف جروحه".

انضما إلى جهودها ونسخا أفعالها.

عقب تنظيف معظم الأوساخ عن فريتز ألصقت جين كفها اليمنى بالجج في عضده الأعلى وبدت كأنّها تركز ثمّ ومضت عيناها بلون أخضر شاحب.

تسلّلت خيوط فضية خضراء أثيرية من حافة الجرح إلى الأخرى ثمّ انكمشت كأفعى تعتصر فريستها لتغلق الجرح. ومض الخيط واختفى تاركاً ندبة وردية فاقعة مكان الفجوة وموقفاً النزيف تماماً.

انتقلت جين إلى الجرح الأشدّ خطورة التالّي وهو قطع في ساقه وأغلقته بتعويذتها. كانت تلهث بعنف عند هذه النقطة وجلست للخلف من شدّة الإرهاق. راحت تعبث في حقيبتها مستخرجة إحدى علب مرهم الشفاء.

لصقت الغطاء وكسرت ختمه.

طلبت جين وسط لهاث ثقيل وقد غرق جبهتها وعنقها في العرق: "بيرت ساعدني في دهن هذا الشيء عليه. لا أستطيع إلقاء المزيد من التعاويذ فقد استنزفتني تعويذتي تماماً".

وافقت بيرت دون أن يبدي أيّ انزعاج من مخاطبته باسم بيرت لا أل: "حسناً أنا أتولى الأمر".

لطخ بعض المادة كريهة الرائحة على أصابعه وباشر طلاء أيّ جرح عثر عليه في جسد فريتز فاقد الوعي.

سألت سيد جين وبصوتها قدر من القلق تجاوز ما رغبت به: "أسيجتاز محنته؟"

أأهتم إلى هذا الحدّ؟ لقد كدت أخنق اللقيط بنفسي أحياناً. عجزت عن تحديد مشاعرها نحوه. لقد كان ساحراً بلا شكّ لكن كم من شخصيته كان حقيقياً وكم منها مجرد تباهٍ أجوف ومحسوب؟ كم من الوقت سيمضي قبل أن يخونها؟

طمأنتها جين وابتسامة ارتياح ترتسم على وجهها: "سيكون بخير إنه أقل برودة بكثير من المرّة السابقة التي أُصيب فيها ونبضه لا يزال قوياً".

قال توبي وهو يتلصّص من حافة الهاوية: "يا رفاق، هناك صندوق كنز في الأسفل، لم يكن فريتز يكذب علينا".

وأشار بإصبعه نحو الظلام صوب بقعة ضوء.

تدافع الطاقم نحو فتحة الهاوية، وتطلعوا في العتمة، فبصروا الصندوق وأطلقوا شهقات أو صصفيرًا أو همهمات ذهول.

وفي غمرة تلك الصيحات المفعمة بالدهشة والابتهاج استيقظ فريتز.

* * *

مات فريتز حقًّا هذه المرة، ولهذا علت أصوات البكاء حوله بكثرة، انتظر، لم يكن ذلك بكاءً بل ضحكًا، كان حماسًا، وكان مرحًا. كيف يتجاسرون على الابتهاج وهو ميت! سأطاردهم طيفًا مزعجًا جزاء عدوانهم!

انقلب فريتز على جنبه، وفتح عينيه ودع الوهج البرتقالي الناعم يشوي دماغه.

تمتم ببلاغة: "أوف، لا تخافوا، لقد نجوت من مخالب الموت القاسية مجددًا، وها قد جئتُ بكنز"، وتابع بتمتمة كريمة، وبدا أنه لم يسترد قitوه كاملة قط قياسًا بصوته الأجش.

شعر بالسوء والضعف، لكنه كان أفضل حالًا من مرّته الأخيرة في "الموت"، آلمه ذراعه وكانت هناك بقع خدر كثيرة في أنحاء جسده.

لعلها تلك الدهون الشافية المقرفة، استنشق برائحة كريهة ثم تقيأ عندما تسللت رائحة النعناع والصفراء إلى أنفه. لكن ذلك لا يضاهي رائحة العفاريت الكريهة قط.

دفع فريتز نفسه من على جنبه إلى وضعية الجلوس وهو يئن، وتلفت متوقعًا أن يراقب الناس تعافيه المعجزة، لكن لم يملك أحد عينين لتبهرا به، ولا حتى بيرت. بل انصب تركيزهم جميعًا على الصندوق محاط البرونز الذي استرده فريتز، وانطبعت نظرات الجشع المترقب على وجوههم.

أخرج فريتز قرص ماء وتجرع منه رشفة طويلة وقال بصوت متحشرج: "حسناً، هيا، اصعدا به إلى هنا".

ابتلع السائل البارد المهدئ، ثم ابتسم وقال: "هيا اربطوه بظهر بيرت أو شيء من هذا القبيل، فهو خفيف بشكل مدهش".

متحررين من ذهولهم، تحركوا، فرموا نوعًا من الحمالات أو الأحزمة فوق ظهر بيرت، تلك التي صنعوها ثم استخدموها لحمل فريتز إلى هنا، هكذا ظن. تسلق بيرت وتوبي الجدار بسهولة، وتأكد توبي من تثبيت الصندوق بإحكام على ظهر بيرت، مانحًا الحزام بضع صفعات وجذبات للتأكد من ثباته.

أومأ لبيرت بعلامة الإبهام ثم رقب بيرت وهو يتسلق ليجلب الحمل الثمين إلى الجمهور المنتظر. وتلاه توبي بعد هنيهة.

تجمع الطاقم محيطين بصندوق الكنز بترقب بينما وضعه بيرت على الأرض أمام فريتز.

سأل بيرت وهو يججلس ويمسح العرق عن جبينه: "أتصنع الشرف بنفسك يا فريتز؟ أم ما زلت مصاباً إصابة بالغة؟"

سخر فريتز متمثلاً الإهانة: "بما أنني تعافيت بنشاط من مأزقي المميت، فنعم بالطبع سأفعل"، فابتسم بيرت مبادلاً إياه الابتسامة وبدا مسروراً لكونه بخير.

وقف فريتز مبالغاً في عرجه وهو يخوض الخطوات الأخيرة نحو الصندوق، فرمى بصر حوله ورأى الجميع يراقبون بترقب شديد.

انحنى، وأنزل يده إلى شفة الغطاء فجذب الصندوق ليفتح. قاوم الغطاء ثانية واحدة فحسب، ثم انفتح بسهولة مندفعة ببريق منشور متعدّد الأوجه. وعندما كفّ الضوء غير المتوقع عن تعمية فريتز، تفحص جوف صندوق الكنز.

اكتظ جوفه الخشبي بأغراض متباينة. أخرج فريتز كومة من السترات الجلدية الداكنة، نحو ست إن كان يخمّن صواباً، ورصفها بعناية. وكان الغرض التالي حزاماً من حبال مجدولة بلون أحمر داكن متداخل مع الأسود، وقد تزيّن بحلقات مملوءة بسكاكين رمي حديدية مسودة.

أدار فريتز عينيه حين سمع توبي يطلق شهقة، ثم رمى الحزام إلى الرجل المفتون بالسكاكين.

سألت فيرونيكا بأمل: "أتظنّه سحريّاً؟"

أوضح بيرت محطماً أروع أحلام الطاقم: "كلا، إنه صندوق برونزي في الطابق الثاني، يمنحنا أشياء تجعل بقاءنا مرجحاً أكثر".

وجّه فريتز عرضاً: "هذا صحيح، لكنها ستكون أشياء مصنوعة جيداً، ربما أشياء لا ندرك حتى أننا سنحتاجها إلا لاحقاً، فالقمم قد تكون هكذا"، وأردف حين أخرج خمس قوارير صغيرة وجرّ ثلاثة دروع خشبية محاطة بالحديد: "مثل هذا".

اتجهت أبصار الطاقم فوراً نحو الأغراض الزجاجية في يد فريتز، متغاضية تماماً عن الدروع التي يحتمل أن تنقذ الحياة. وكانوا محقّقين في ذلك.

امتلأت ثلاث من القوارير الصغيرة بمادة برتقالية فاتحة فوارة، تمكنت نعومي سريعاً من تحديد هويتها كجرع تحنّل. بينما لم تحتاج القاروران الأخريان، اللتان تحتويان على سائل ثقيل أحمر فاتح، إلى خبرة نعومي للتعرف عليهما.

فقد سمع كل من كان هناك حكايات "جرعة الصحة"

المنقذة للحياة.

سأل فريتز المذهول نعومي المندهشة: "ألا تكون جرع الصحة نادرة جداً وباهظة الثمن؟"

ابتلعت نعومي ريقها وقد خرجت من غفوتها وقالت: "نعم، هي كذلك. قد يجلب فريق تسلق متمرس واحدة أو اثنتين لكل شخص. وتتراوح أسعارهن من مائة إلى آلاف التريدات الذهبية بناءً على الجودة. وحتى حينها، توجد قوائم انتظار وعقود حصرية تمنع أولئك الذين بلا محسن قوي من حيازة حتى الأقل قوة منها".

تذمر غريغ عاقداً حاجبيه: "تباً، ما معنى ذلك؟"

"يعني أن نبقي هذه سراً ولا نستخدمها إلا للضرورة، وإذا خرجت من هنا بواحدة منها لأدرسها فقد أستطيع استنساخها دون الاضطرار للانضمام إلى إحدى نقابات الخيمياء".

سأل فريتز ماداً القارورتين المتوهجتين خفيفاً: "ما مدى قوة هذه الجرع بالذات؟"

أخذت نعومي أحد مرققات الصحة من كفّه بأصابع تكاد ترتجف. قطّبت جبينها وهي تفحص السائل، انتزعت سدادة القارورة، أدخلت خنصرها في جوفها وسحبت قطرة من المرق الأحمر القاتم. شمّت الحبة الحمراء ثم وضعت القطرة على لسانها، وأهبت مغمغمة بتبرّم تفكير.

أجابت أخيراً: "لست متأكدة تماماً، لكنها ضعيفة التأثير".

تذمّر جريج: "لماذا تقيمين كل هذه الدنيا إذن؟".

استطرد فريتس بضجر: "يا جريج، يا ثمرة زواج علقة جرداء وبرتقالة متعفنة. البقاء على قيد الحياة أفضل من الموت، ومرققات الصحة سحر يحميك من الموت. أوعيت الآن؟".

ناول بعد ذلك مرق الصحة الآخر ومرققات التحمّل إلى جين، فقد علم أن من حسن التدبير إبقاء المعالجة معافاة وقوية.

سأل جريج وهو يشير بسبّابته نحو الصندوق المفتوح بعد: "أه، بلى كنت أعلم ذلك! أتلكم الخوذة?".

سأل فريتس وهو يلتقط الجسم الداكن الذي أشار إليه جريج: "أظن ذلك، أتريدها?".

كانت الخوذة مغلقة بالكامل، لا يظهر منها سوى شق طويل للرؤية وصفّ من الثقوب الدقيقة في الواجهة لتدفق الهواء. صُنعت من حديد أسود مطفأ بدا بارداً بشكل غريب عند اللمس، وكانت أثقل مما توقع فريتس. ومع ذلك، قذف بها نحو جريج الذي اتسعت ابتسامته وهو يلتقط الخوذة. ثم همَّ بوضع المعدن الأسود الغليظ على وجهه.

دوّى صوت جريج بنبرة معدنية حالكة: "ما رأيك؟ أوه! صوتي يبدو مخيفاً للغاية".

علق فريتس: "أعتقد أن تغطية وجهك تليق بك تماماً، ينبغي أن ترتديها في كل مكان، سيما بقربي".

لكن جريج لم يفعل سوى أن ضحك من إهاناته. وصار ضحكه أشد إرهاباً وهو يتردّد صدىً من خلف واجهة الحديد الأسود الوحشية تلك.

هتف سيد بحماس بصوت عالٍ بشكل مفاجئ: "أه، وما تلك?".