غضب "سبير" الفصل 13

اقرأ غضب "سبير" الفصل 13 باللغة العربية على مانجا تايم.

أبعد فريتز عينيه عن المشكلات وشرع يتأمّل تفاصيل الغرفة. كانت قاعة دائرية واسعة يبلغ قطرها نحو ستّين قدماً وعلا سقفَها الترابيّ علوُّ ثمانية أقدام تدعمه أعمدة خشبية خشنة كثيرة. اتسعت الأرضية لتسعهم جميعاً بسهولة ولم تكن المشكلة سوى الوحوش الستّة المتجمّعة في الوسط وهي تصدر أصوات نقر وتتحرك بطيش.

تبدو كالمسوخ، هكذا فكر فريتز في المخلوقات بفظاظة ثم صحّح ملاحظته، هذه المخلوقات تبدو لطيفة مقارنة بالمسوخ البائسة.

كانت تمتلك قوقعة كيتينية مجعّدة ونتوءات تشبه المسوخ لكن المقارنة تقف عند هذا الحدّ. أوحت القوقعة المعدنية الشبيهة بالخنافس بحجارة ذهبية غارقة في بحر من النحاس المتموّج. غرست أرجلها الستّ القصيرة والشبيهة بمسامير نحاسية مقسّمة في التراب وهي تحوم حول وسط القاعة.

غطّت قوقعتها الكيتينية الجانب السفلي أيضاً، وتمتلك رؤوساً مستديرة تشبه بطيخة نحاسية وفكوكاً شرسة تنقر وتدور عشوائياً فيما يبدو. ما أقلق فريتز حقاً هو حجمها إذ بلغت قمم قوقعتها أربعة أو خمسة أقدام طولاً لتضاهي أقصَرهم ناعومي.

عاد فريتز إلى مجموعته وشرع يهمس لهم بالوضع: "ستناسبنا الغرفة تماماً، لكن هناك ستّ خنافس ضخمة. تبدو القوقعة صلبة ونقاط الضعف غالباً المفاصل وأي شقوق في القوقعة. تمتلك فكوكاً شرسة وتبدو أرجلها قادرة على تمزيقكم شرّ تمزيق".

"أية أفكار حول التكتيكات؟"، سأل بيرت المجموعة بهدوء.

"أرجلها قصيرة، ربما يمكننا قلبها على ظهورها"، اقترح فريتز.

"لننجرّب تكتيك المجموعات الثلاث المكوّنة من ثلاثة أفراد، فرقتَا خطّ أمامي وفرقة إسناد بعيد. بيرت وتوبي وأنا، ثم غريغ وفيرونيكا ولين كخطّ أمامي. سيد وجين وناعومي كإسناد بعيد المدى".

"نعم نعم، نعرف التشكيلات"، وبّخت فيروسيكا بصرامة وهي تعيد تفحص أشرطة درعها وتجهز رمح العبيد المنقذ.

"الأمر يستحق التكرار. بعد وابل الضلوع تستهدف كل مجموعة إفراساً من الخنافس وتقضي عليها أو تقلبها بأسرع ما يمكن ثم تتولى إسناد إحدى المجموعات الأخرى. الهدف هو النجاة بأقل قدر من الإصابات، تذكروا ذلك"، ذكّر فريتز الفريق.

تفقدّهم للمرة الأخيرة ملاحظاً عتادهم. كان بيرت يرتدي قميصاً حرشفياً ودسّ سيفه القصير ذو الزعانف في حزامه وكأنه يستعد لقتال الخنافس بيديه المكسوّتين بالدروع الحرشفية فحسب. كان يهمهم بهدوء إحدى أغانيه المفضلة وتحديداً تلك التي تملك إيقاعاً للمسير أو للقتال في هذه الحالة.

أمسك توبي بخناجر رميه في كلتا يديه مرتدياً سترة جلدية فوق قميصه الداكن وألقى عباءته السوداء على كتفيه. اضطر فريتز للاعتراف مرغماً بأن توبي بدا مخيفاً بحق. كأنه أحد قتلة العين السوداء أو ربما نسخة رديئة لعصابة نحاسية ثلاثية.

كانت جين ترتدي سترتها وتحمل كيس جرع ملأى وستحتاج إليها نظراً لأن مهارة خياطة الجروح ستستهلك قدرتها على التحمل. لا تزال تحمل أحد رماح أضلاع الأسماك غير المكسورة إذ استُهلك معظمها على العبيد أو ضاع أثناء التدافع نحو الباب في الطابق الأول.

تجهّزت فيرونيكا وناعومي بسترات جلدية ودروع خشبية صغيرة ورماح عبيد وخناجر زعانف مدسوسة في أحزمتهما. علقت مع فيرونيكا مقلاع سيد بجانب خنجر زعانفه الذي أُعير لهما قبل فترة. بدا عليهما التوتر والإرهاق لكن ثمة إصراراً يلمع في أعينهما تحت غبار التعب والأوساخ.

لم تحلم لين سوى بحقائبها والسترة الجلدية الاحتياطية وبدت قلقة لكنها تشتاق لاختبار قبضاتها الحجرية ضد قوقعة هذه الخنافس العملاقة.

ارتدى غريغ خوذة الحديد الأسود الغليظة ولا يزال يلوّح بمذبة جمجمة السمكة رغم تذمره من تفكك الألياف الرابطة للعمود الفقري. وتألق جسده بالقميص الحرشفقي الآخر.

تفقد فريتز بنفسه سترته الجلدية ودرعه للتأكد من موضعهما وأعاد تشديد مقبض قماشي لسيف السمكة مرة أخيرة. نظر أمامه وأومأ للباقين وتقدم شاهراً سيف السمكة والدرع.

لم تلاحظ الخنافس وجودهم إلا حين تساقطت رماح الضلوع عليها كوابل من إبر الفضة. ارتدت الرماح عن قوقعتها المعدنية بلا ضرر لتصدر رنيناً كأجراس ريح فولاذية وتهوي على الأرض.

تلفتت المخلوقات ببطء محركة كرات العنبر المثبتة في رؤوسها للبحث عن مهاجميها. رصدت الفريق أخيراً غير أن خطة المعركة دخلت حيز التنفيذ وانقضّت فرقتا الخط الأمامي على هدفيهما.

أجرت الخنافس النحاسية منعطفات متعرجة لمواجهتهم لكن لم يحدث ذلك قبل أن يلوّح غريغ بمذبة الجمجمة في قوس متألق نحو الأعلى. تداخلت الجمجمة والعمود الفقري وانفجرت بخطوط سوداء متقطعة فور اصطدامها بجانب قوقعة الخنفساء السفلي. أحدثت الضربة حفرة في كيتين الوحش اللامع وأطاحت به على ظهره بفضل القوة الهائلة للضربة.

قهقه غريغ بظلام بينما تتخبط أرجله القصيرة الحادة في الهواء بلا جدوى وبدأت الشقوق تنز صمغاً برتقالياً على درعه.

ركض فريتز خلف بيرت أثناء هجومهما على الخنفساء التي اختارها فريقهما.

اصطدم بيرت بالمخلوق ليزحزحه قليلاً لكنه توقف في مكانه تماماً. استدارت الخنفساء ببطء وثقل لمواجهة القوة المفاجئة وشرعت تطعن وتقرض بفكوكها الذهبية المعقوفة. اقترب رأسها من بيرت فانحنى فجأة من تحت الفك المتأرجح ونهض بلكمة صاعدة قوية. بدا وكأن يده تهتز بطاقة خفية وبدت قبضة الرمح وكأنها مغطاة بسراب حراري ينبض بسرعة.

سقطت اللكمة بصوت أصم. انثنت ساقا الخنفساء من تحتها. تمايل رأسها واهتز وهي تحاول النهوض مجدداً. اندفع توبي بسرعة غامزة بخنجر الرمي إلى الفراغ بين رأس المخلوق وجسده المدرع. توهج النصل ببريق أحمر أسود خفيف. انطلق الضوء كحافة مسننة.

لامس النصل المفصل وغاص بعق. سحب توبي النصل بسلاسة من عنق الخنفساء. تفجر سيل من الدماء من الثقب. رش وجه توبي المبتسم مباشرة. تراجع متعثراً وهو يبصق السائل البرتقالي اللزج من فمه.

صرخ فريتز محذراً عندما رأى الخنفساء الوسطى تتجه نحو توبي وتندفع بسرعة مذهلة وبقوة لا تقل عن ثور. ثور خنفساء معدني ضخم.

مسح توبي الدماء عن عينيه. تمكن بصعوبة بالغة من التدحرج لتفادى الخنفساء المهاجمة. رمى أحد خناجره بنفس ذلك الضوء الأحمر الأسود المنبعث منه. انزلق واحتك بصدفة المخلوق المتلألئة. ترك أخاديد متعرجة حيث أصاب لكنه ترك الخنفساء سليمة بخلاف ذلك.

اندفعت الخنفساء متجاوزة فريتز وهي تواصل التقدم. عندما تحركت ساقاها النحاسيتان الشبيهتان بالمكبس أمامه هوى بنصل سمكته نحو الأسفل. أصابه تماماً عند مفصله المقسم وقصه بقطع نظيف.

أبدع سمك الفضة في هزيمة خنفساء النحاس هكذا استنتج فريتز وهو يطارد الحشرة البطيئة قاطعاً ساقيها الباقيتين اللامعتين والمتحركتين بضربة واحدة في محلها. من دون ساقين على جانبها انزلقت الخنفساء إلى توقف مرتعش محطمة أطرافها الباقية تحت كتلتها الهائلة.

أبعد فريتز انتباهه عن الوحش باحثاً عن الخنافس الأخرى التي لا تزال نشطة. قلبت لين واحدة أخرى ولم يب سوا اثنتين تستعدان للهجوم على الفريقين. أسرعت واحدة نحو بيرت المشتت. كان ينظر نحو فريتز بقلق عندما تواصلت فكوك الخنفساء. اخترقت نتوءاتها قميصه المتقشر مثبتة إياه في مكانه.

أطلق بيرت صيحة ألم عندما اخترق ورفع عن قدميه. تمكن من تحرير ذراع واحدة من فخ الفكين وضرب إلى الأسفل بقبضته كالمطرقة. تموجت القبضة في ذلك السراب الحارق مجدداً وارتطمت فوق عين الخنفساء ففقأتها. تسبب ذلك في سقوط المخلوق على بطنه مع إطلاق صرير مزعج. ظلت فكوكه مشدودة بإحكام حول صدر بيرت وذراعه بينما أمطر قبضته على رأسه الصلب مراراً وتكراراً وبدون أي تأثير فيما يبدو.

تحرك فريتز لمساعدة بيرت مندفعاً إلى الأمام وتاركا الخنفساء المنهارة بلا ساقين لتوبي لكي يقضي عليها بمهارة التمزيق. رفع نصل سمكته أمامه وبطعنة اندفاعية طويلة وجد مفصل الصدفة بطرف نصله دافعاً إلى الأمام بكل وزنه خلف الضربة. انزلق السيف بمقاومة خفيفة مع احتكاك خفيف عند حوافه. لواء فريتز نصله مفككاً صدفَتَها كأنه يحاول فتح محارة.

حاول الوحش التعثر بعيداً عن النصل المفكك لكن فريتز تابع تراجعه ساحباً النصل على طول الجزء الداخلي لصدفته. كان ينشر أحشاءه وتدفق دمه البرتقالي اللزج وتناثر على الأرض مع كل دفعة وسحب لحافة النصل المسننة. أطلقت الخنفساء طنيناً وصرخات رن الضوضاء في أذني فريتز المتألمتين. استمر فريتز في نحت الخنفساء لما بدا وكأنه دقائق حتى أدرك أن أحدهم ينادي باسمه.

صرخ بيرت وهو يئن محاولاً تحرير نفسه من قبضة الفكين الساحقة: "فريتز! لقد ماتت! لقد قتلته! لقد مات!"

بدا أن المخلوق لم يترك قبضته حتى في الموت.

"ساعدني على التحرر".

سحب فريتز نصله من صدفة الوحش ووجهه إلى أحد الفكين الملطخين بالدماء اللذين كانا يثبتان صديقه المقرب. بدأ بالنشر عليه وفي غضون لحظات قليلة تحرر بيرت ورق مصاباً على الأرض.

أسرعت جين إلى جانبه وألقت تعويذة خياطة الجروح. تدفق الضوء الأخضر الشاحب ليخيط أسوأ جروح بيرت. أطلق بيرت أنين ألم ثم تنهيدة ارتياح بينما بدأت فيرونيكا في وضع بعض مرهم المعالج على كدماته وجروحه الأخرى الأقل خطورة.

نظر فريتز حول ساحة المعركة السابقة ليجد خمس خنافس ملقاة بلا حراك مع بقاء خنفساء واحدة تتخبط عبثاً على ظهرها. تقدمت لين بخطى واسعة نحو المخلوق العاجز وبدا جلد قبضيها الداكن بلون الجرانيت ولكمت رأس الخنفساء محطمة إياه بصوت أجش أصم. تابعت بمجموعة من الضربات المستقيمة القصيرة التي حطمت في النهاية رأس المخلوق ففتتحته كبطيخة نحاسية ممتلئة بهلام برتقالي لزج.

كانت إحدى الخنافس ذات ثقب يخترق رأسها مباشرة وسهم غارق في صدفَتِها خلفه بينما بدا أن البقية إما نزفوا حتى الموت بسبب التمزيق أو حُطمَت رؤوسهم بضربات المِقْمَع أو قبضتي لين. لم يستطع فريتز تمييز ذلك.

نادت جين باحترافية وهي تعالج آخر جروح بيرت مع فيرونيكا: "هل هناك أي شخص آخر مصاب؟"

جاءت جوقة من كلمات "لا"، "لا شيء هنا"، و"أنا بخير"

من الفرق المعنية.

تنهدت جين بارتياح وكذلك فعل فريتز حين هوى على الأرض وجلس بثقل. أسقط نصل سمكته إلى جانبه والتقط الفك الذي قطعه متفحصاً إياه.

قال بيرت وهو يتقوس بألم أثناء جلوسه دافعاً شعره المبلل بالعرق بعيداً عن وجهه ناظراً إلى فريتز: "أنا أحب الخنافس النحاسية أقل من العفاريت".

أوضح فريتز مفكراً: "أنا أختلف معك؛ على الأقل دماء هذه الخنافس رائحتها أفضل، تشبه تقريبا العسل المخلل الممزوج بعرق السوس".

قال بير محتجاً وهو يعجّن أنفه ثم يكشر: "أكره العرقسوس، ثم انظر كم ثقباً أحدثه هذا الخنفس في جسدي".

نزع بير قميصه المدرّع مستعرضاً كثرة الثقوب والتمزقات حول خصره حيث مُسك وطوح ورجّ.

هتف فريتز محملقاً بحسد: "تبّاً، انظر إلى عضلات صدرك، وانظر، عضلات بطنك أشدّ وضوحاً بكثير. بالكاد أرى ضلوعك، لحم ذلك الوحش يملؤك بسرعة حقاً".

وألفى نفسه ليس الوحيد الذي يفعل ذلك، فقد انضمّت الفتيات جميعاً وحتى سيد إلى التملّق بالنظر إلى التغيرات التي أحدثتها الأسماك والقوّة.

ألقى فريتز نظرة سريعة على جسده، معتصراً وشارطاً ذراعيه وصدره ثم استنكر: "ويل لي، ليس لي أيّ نموّ يشبهه. أتركتني حقاً خلفك، بلا عضلات، يا أخ الحقيبة؟!"

أتيح لبير من حسن الطالع أن يبدو مرتبكاً من كل ذلك التملّق فبادر مستعجلاً بردّ قميصه المذرّع فوق جلده الجريح والموسوم.

علّق بمرح ضاحكاً بوجه محمرّ حول الفتيات: "لا تكن غبياً يا فريتز، أنت تمتلئ أيضاً، كلنا نفعل ألم تلاحظ ذلك؟ ظننتك وضعت كل نقاط خصائصك في الإدراك. على الرغم من معرفتي بك، فقد عُرض عليك خصائص الجنون المتقدمة فوضعتهن جميعاً فيها".

ألقى فريتز نظرة عابرة على الآخرين في الفريق، ملاحظاً أن بير كان على حق، فقد بدا الجميع أشدّ صفاءً حتى مع إعنائهم. كان غريغ و بير قد امتلاءا بشكل ملحوظ بينما ظل توبي و فريتز و سيد على حالهم إلى حدّ كبير، نحيلين إلا بصلابة أكبر في هياكلهم. أما النساء فكنّ قصة أخرى إذ كنّ من بين الأفضل تغذية بين أطفال الشوارع، لكنّ بدا عليهن النحل الواضح عوضاً عن النحافة وحسب. حاول فريتز ألا يحدّق في مفاتنهن الأبرز، فهو رجل نبيل بعد كل شيء.

ضبطه سيد وهو يفقدهن تفحّساً وعبس في وجهه قائلاً: "كفّ عن التملّق حدّاقاً، واحتفظ بإدراكك المعزز هذا لنفسك يا أحمق السمك".

حاول فريتز التظاهر بالبراءة لكنه ظن أنه بدا أكثر إدانة فحسب.

فكر في الجزء الآخر من كلام بير، ثم تكلّم: "لا بد أن نقاط القوة تلك تساعد، وتبني عضلاتك بسهولة أكبر. بغض النظر عن ذلك أنا سعيد لوجود توبي و سيد يؤنسان وحدتي في طاقم عديمي العضلات".

تجهّم توبي و سيد في وجهه، ثم بعد أن وجدا فريتز مبتسماً وغير نادم، التفتا إلى الخنافس: "ماذا سنفعل بها؟"

سأل توبي مشيراً إلى الجثث النحاسية.

"أنستخرج قشورها للدروع؟ تبدو أفكاكها كاللذهب، ربما تكون قيّمة في الخارج؟"

تأمّلهما بير، ولكن قبل أن يتكلّم قاطع سيد: "ما رأيك أن نستخدم جثثهن لتحصين المدخل؟ لا يبدو أن ثمة طريقاً آخر للداخل وعلينا أن نستريح. ربما يمكننا التدرب على بعض تلك التقنيات إذا كان هذا المكان قابلاً للدفاع. لابد أنه مضى أكثر من يوم ونحن جميعاً مهدودو الحيل".

لم يعترض أحد وبدؤوا العمل في محاولة لتحريك الخنافس الثقيلة الضخمة، معتمدين غالباً على قوة غريغ و لين و بير المتزايدة لإنجاز ذلك. صفّوها مسدّة الطريق الوحيد للداخل بينما فتّش فريتز بقية الغرفة، متفحصاً الفخاخ والمفاجآت الخفية الأخرى. لحسن الحظ لم يجد شيئاً.

قالت فيرونيكا إنها ستتولى الحراسة الأولى لأنها تمتلك قدرة النفَس الثاني، وجلست بجوار متاريس الخنافس. انضمّت إليها ناعومي و لين ناشرتين قماشهما الزيتي للنوم بينما كانت هي تراقب العفاريت المتخفية.

كاد فريتز لا يطيق فتح عينيه فاستلقى بجوار بير و غريغ اللذين كانا يستقران في المنتصف. استقرت جين و توبي بجوار الجدار للحصول على القليل من الخصوصية، ليس وكأنهما بحاجة إليها إذ غطّت جين في نوم عميق بين ذراعي توبي ولحق بها في النوم بعد لحظات بالكاد.

قرر سيد أن يفرش قماشه الزيتي بين النساء والرجال الآخرين، كحاجز. ربما انزعج فريتز من هذا في أي وقت آخر لكنه كان متعباً للغاية في هذه اللحظة.

حتى في الهواء الحارّ الثقيل وشخير غريغ المتواصل فقد غطّ في النوم بسهولة ونام إلى جوار أصدقائه.

بعد مرور بعض الوقت استيقظ فريتز وجسده كله يؤلمه من فرط الاستخدام، غير أن عقله لم يعد كسولاً وموحلاً كما كان من قبل. لم يكن يدرك مدى التعب الذي لابد أنه كان فيه. جلس فريتز فلم يرى سوى سيد مستيقظاً هو الآخر، فلوّح له ليجذب انتباهه. أومأ سيد وأشار إليه بالاقتراب.

نهض فريتز بحذر، محاولاً عدم الضغط على عضلاته المجهدة أكثر من اللازم، ومشى بخطى خفيفة نحو مجلس سيد محاولاً عدم إيقاظ من لا زالوا نائمين.

همس فريتز مبتسماً: "مرحباً سيد، كيف تشعر في هذا الجميل.. أياً كان الوقت؟"

سخر سيد مبادلاً إياه الابتسامة: "أليست ملكة هذه المرة؟"

اعتذر فريتز ثم أخرج كتاب تقنياته، فاتحاً الدفتر الصغير على الصفحة الأولى: "آه، عذراً بشأن ذلك، تجارب الموت الوشيك تبدو وكأنها تخرج الجنون في داخلي. أتريد البدء بقراءة هذا الشيء؟"

قال سيد باسترخاء محرج بينما جلس فريتز بجانبه ووضع الكتاب بينهما: "بالتأكيد".

أوضح فريتز بهدوء: "فقط قل متى تنتهي من الصفحة، لا داعي للتسرع أو أي شيء، أعتقد أننا سنتدرب هنا بالأعلى حتى نتعلم هذه الأشياء أو نفنفذ طعامنا، أيّهما يأتي أولاً".

همس سيد مردّداً ومفاجئاً فريتز: "أعتقد أن علينا جميعاً تعلم كلا التقنيتين إن أمكننا ذلك".

سأل بفضول: "لماذا؟"

قال سيد وبنبرة يغشاها شجن خفيف: "لأننا لن نملك الأسلحة أو الذخيرة طوال الوقت، أحياناً تنكسر الأشياء أو تؤخذ. أود أيضاً أن أرى الفتيات قادرات على الدفاع عن أنفسهن حين تبلغ الحلقوم".

قال فريتز وهو يومئ برأسه ويمسح بيده شعره القصير: "أحقّاً تهتمّ لأمرهم؟ أوافقك، سنكتسب قدر ما نستطيع من المعرفة لنكون على أهبة الاستعداد لما ينتظرنا. وبحديثنا عما ينتظرنا، أستغادر بعد الطابق الثالث برفقة السيدات؟ فنحن جميعاً صاعدون حتى القمة، وقد أثبتّ حقّاً أنك تتجاوز مرحلة الكفاءة وحدها".

ابتسم سيد بخبث وقال: "أتُدعوني للصعود معكُم مجدداً؟ حسناً، قد أُفكر في الأمر إن طلبت بلطف، مجدداً".

شاكسه فريتز مبادلاً إياه الابتسامة: "أنا أطلب، وهذا لطف. وإن أصررت على ما هو ألطف، بوسعي كتابة خطبة، أو قصيدة إن كنت تميل إلى تلك الأمور".

قال سيد مطيلًا النظر في عينيه قبل أن يضحك ضحكة أنثوية بعض الشيء تفاجأ لها فريتز: "ما كنتُ أعلم أنك شاعر، أتكتب قصيدة لي وحدي؟ أودّ حقاً سماع ذلك".

غطى سيد فمه وقَطَع التواصل البصري، ليُطيل النظر في الكتاب الواقع بينهما، تاركاً إياهما في صمت حرج.

آثر فريتز ألا يعلق على رد الفعل الغريب أو وجه سيد المحمر؛ فقد بدا حرجاً للغاية بسبب تلك الضكّة، وما أراد إزعاجه أكثر من اللازم إن كانا سيواصلان الصعود معاً.

هز فريتز كتفيه وأخذ يقرأ محاولاً حفظ أكبر قدر ممكن من محتوى الكتاب في ذاكرته.

مع ذلك، ظل الصمت مخيماً بينهما، لا يكسره سوى صوت تقليب الصفحات الخافت وصوت سيد وهو يقول بهمش: "انتهيت".