قال فريتز موافقا: "نعم، لنذهب".
هزت رجفة أخرى الغرفة، باعثة بالكتب نحو حجارة البناء، وبموجة من الخوف في صدره.
لم يشأ المخاطرة بغضب الطوفان من جديد. تحرك هو وفريقه بسرعة بعدما أكملوا حزم أمتعتهم، ليمضوا عبر ممرات خزانات الكتب الملتوية.
تتبع فريتز انطباعات حاسة الأبواب لديه، فكان ينبض بها متعجباً من قلة الجهد الذي تتطلبه منه الآن، وملاحظاً في الوقت ذاته مدى سهولة "ضبطها"
لتتوافق مع ما يبحث عنه. استنتج أن ذلك يعود إلى توافق أعلى مع التركيز والتحكم.
لقد حرر التركيز قدراً أكبر من عقله حقا، وجعل التركيز على ما يفعله أبسط بكثير، بينما بدا أن التحكم يمنحه قوة أكبر للتلاعب بحواسه وسماته. بدا الأمر وكأن الأمر لا يقتصر على تشكيل المهارات فحسب كما كان يظن من قبل. أثبتت السماتان قيمتهما تدريجيا، وشعر أن نفسه السابقة كانت حمقاء لتجاهلهما على هذا النحو. رغم أنه ربما لا ينبغي له أن يكون قاسيا جدا، فقد كان لا يعرف سوى الأساسيات المطلقة في ذلك الحين، وحتى آنذاك كانت المعرفة النظرية شيئا والتجربة شيئا آخر.
أعاد فريتز عقله إلى إيجاد الطريق نحو الأبواب. ورغم أن كثرة الأرفف وعروض الحائط المحطمة أحيانا أو الجداريات المتعفنة كانت شبيهة بالمتاهة في تمركزها، إلا أنه استطاع استنباط نوع من النمط وسط تلك الفوضى. دائما ما يكون الممر الذي يبدو وكأنه يؤدي إلى المخرج طريقا مسدودا أو حلقة تدور حول نفسها، بينما يقودهم الطريق الدائري غالبا، بشكل متعرج، إلى حيث يود الذهاب.
خمن أن هناك بعض الدرس في الأمر، نوعا من "الحقيقة العميقة"، لكن لم يكن لديه وقت لمثل هذه الأمور، فهذا المكان سيغمره الماء خلال ساعة.
هذا فضلا عن أن المعنى الخفي سيكون على الأرجح عبارة عن حكمة تافهة حول "أن الطريق نحو الفهم الحقيقي طويل ومتعرج، فابطأ وتأمل كل ما يحيط بك قبل أن تندفع مجتازا إياه".
شيء يتعارض تماما مع طريقه وغايته. لم يستطع الانتظار، ولم يستطع الإبطاء، ولم يُمنح مثل هذه الرفاهية. اللحظة التي يتوقف فيها عن السباحة سيغرق.
سرعان ما أصبحت الأبواب والدرج الذي خلفها قريبين، وكذلك الفريق الآخر. كان يسمعهم، وهم يتخبطون عبر الممرات ويتوقفون عند التقاطعات تماما مثله. رغم أنهم كانوا يتخلفون بعض الشيء مقارنة به وبفريقه. أيا كانت المهارة التي استخدمها الآخرون للتنقل فقد كانت فعالة، وإن لم تكن بنفس فعالية حواسه.
ظن أنها قد تكون مهارة ساحر الهواء، إذ كان بإمكانه سماع رجل يهمس بشأن "تدفق الرياح".
كان قراءة تيارات الهواء لاكتشاف طريق الخروج مهارة مفيدة بالتأكيد، وشيئا حاول فريتز نسخه مرة واحدة فقط قبل أن يجد النسيم أضعف من أن يُحس. اشتبه في أنه قد يكون قادرا على إنجاز هذا الفعل بقدر عال من الإدراك والتدريب، ولكن ليس وهو على حاله الآن.
خرج فريتز وفريقه من ممرات المكتبة المتعرجة قبل الفريق الآخر، وتجمعوا على الدرج الذي يتجاوزها، وهم يلهثون قليلا وينتظرون.
سألت روزي: "أَنُغلق الأبواب في وجوههم؟"
قال كال: "لقد فعلوا بنا المثل. سيكون ذلك عدلاً".
قال فريتز موافقا: "سيكون كذلك"، بينما كانت أغنية غسق تتناغم في صدره، تحضه على رد الإساءة بالمثل.
قال بيرت: "لقد اتفقنا على ألا نفعل".
سألت لورين: "أحقا اتفقنا؟"
قال بيرت وهو يهز كتفيه: "ظننت الأمر مفهوما ضمناً".
قال فريتز وهو يكبح أغنية غسق لديه: "مفهوما ضمنياً أم لا، سيسن ذلك سوابق سيئة".
تمتمت روزي: "لقد سنوها أولاً".
حسم فريتز الأمر: "سنغلق جانباً واحداً، ونكون مستعدين لترسيخه بمجرد أن يعبروا".
قال بيرت: "فكرة جيدة، سيتحركون بسرعة أيضاً إن ظننا أننا نستبعدهم".
قالت لورين: "يمكننا تركهم لإغلاق الأبواب. ليس علينا أن نفعل كل شيء بأنفسنا".
قال فريتز: "هاه، أنت على حق. أظن أن الأبواب الأخرى ستستغرق خمس عشرة دقيقة أخرى على الأقل لتتحطم. هناك متسع من الوقت لصلوهم إلى هنا. خطة جيدة، لنذهب. احفر رسالة على العارضة لنخبرهم بأننا مضينا قدماً".
قال بيرت وهو يسحب خنجراً احتياطياً ويحفر توضيحاً وشيئاً وقحاً بما يكفي على الخشب: "دعني أقم بذلك".
ما إن انتهوا من ذلك حتى تركوا الأبواب وصعدوا الدرج نحو القسم التالي من الأرشيف.
سألت لورين وهما يصعدان: "كم طابقا تظن أن لهذا المكان؟"
تخمّن كال: "تسعة؟"
نظر فريتز: "أكثر من اللازم. هذه هي الطابق الثامن من السبير، ولا أظن أن هذه المكتبة ستعلو عن ذلك".
سألت لورين: "وسيرغب في أن يكون من مضاعفات العدد ثلاثة، فهل تفكر في ستة إذن؟"
قال فريتز: "بالضبط. مجرد حدس، تذكر ذلك، رغم أنه يبدو صحيحاً".
أضافت روزي: "أظن ذلك أيضاً. أَتظن أن هذا وعي؟"
أقر فريتز: "على الأرجح. إنه لسمة غريبة حقاً".
عقّبت قائلة: "نعم، إنه أمر غريب، ليس حقيقياً... هكذا، كالمتانة أو القوة".
كانت روزي على حق. كان الوعي بالتأكيد واحداً من أكثر السمات غرابة وباطنية، ومليئاً بالألغاز والغموض. بينما السمات المتقدمة الجسدية، مثل الرشقة، حتى لو كان لها ملمس ناعم وزلق، بدت أكثر صلابة بكثير. حرك أصابعه بذهول، شارعاً في استشعار الرشقة تسري عبر يده.
عبروا القوس ليدخلوا إلى طابق أكثر تنظيماً بكثير، كان هذا الطابق يضم مستوى واحداً فقط بينما كانت جدرانه الخارجية مصطفة بجداريات وفسيفساء وبلاط ملون. استُبدلت خزانات الكتب بعروض حائطية مرتفعة، وكان يكتنفها منحوتات أو قواعد تحمل قطعاً أثرية أخرى متنوعة من الفخار والخشب المنحوت. هذا لا يعني أن الكثير منها كان بحالة جيدة. كانت القطع المخزنة كلها لا تزال... قديمة، عتيقة، متشظية ومكشوفة.
مغبرة، متسخة، وأبعد ما تكون عن الإصلاح.
هزّ فريتز رأسه، وتسلّق منصة عرض متينة، وحدّق في الظلام الساطع. لاح له على أحد الجدران الخارجية، في مكان بعيد، رسم صغير محفور لشخص يحمل سيفاً. كانت السطوح المبلّطة بالكاد تُرى، إذ تطلّ قطعها العليا من فوق جدران العرض، فأشار إليها ليلفت انتباه جورج.
قال جورج: "لا أستطيع الرؤية، الظلام حالك. أيمكنك قيادتنا إلى هناك؟"
أعلن فريتز: "بالتأكيد، وبما أنه يبدو أفضل مكان لنبدأ بحثنا فيه، فعلينا الوصول إليه فوراً".
لم يلبثا أن صارا بين الجدران الصغيرة والتماثيل. تحطّم الكثير منها، وتفتّت بعضها إلى أنقاض، غير أنّه كانت توجد هنا وهناك حجارة يمكن تمييزها على هيئة وجوه أو أطراف.
علّقت لورين وهي تمرّر يدها على تمثال نصفيّ متصدّع: "هذا أشبه بمتحف لا بمكتبة".
كان نصباً لامرأة ميتة منذ زمن بعيد، أو ربما لامرأة وهمية تماماً. لم يَبقَ سوى كتفين تكسوهما التوجة وعنق، أما الرأس فقد انكسر، وصار على الأرجح الحصى المفروش تحت أقدامهم.
سأل كال: "ماذا؟"
أجابت بينما انصدع التمثال النصفيّ من المنتصف وتداعى إلى كتل: "إنه أرشيف للأشياء، لا للكتب".
قالت روزي: "يبدو مجرد خردة".
ذكّرهم فريتز: "ابقوا أعينكم مفتوحة لأي شيء يبدو قيّماً".
مع أنه لم يكن بحاجة لذلك، فقد كانت نظرات فريقه تفحص المكان بحدّة بحثاً عن كنوز محتملة ولمحات من مهارات.
وأردف: "ودعوني أبحث عن الفخاخ قبل أن تلمسوا أي شيء".
هتف بيرت وهو يربت على كتف فريتز: "حسناً، حسناً. نعرف ما يجب فعله، لننطلق إذن. لا نريد للآخرين اللحاق بنا وسرقة أسبقيتنا".
وافق فريتز: "كم أنت محقّ"، ثم قادهم دون إطالة كلام في أروقة الحجارة المحطّمة، رافعاً المصباح عالياً.
مرّوا بتواريخ عديدة غريبة ومكسورة، وبدا أن السِمات الغالبة التي تتكرر مراراً وتكراراً هي سقوط الإمبراطوريات، والملوك العظام، والملوك السحرة. لم يكن أي منها مألوفاً لفريتز، بينما اعتقدت لورين أنها مزيفة حتى وإن بدا بعض القصص مألوفاً بشكل مبهم. كانت كلها تمتلك مصداقية حكايات قبل النوم وتناسقها التي لا تُستعاد إلا نصف مسترجعة.
قالت بينما مرّوا برسم توضيحيّ لقصر غريب الطراز يشطقه برق: "إنه مجرد هراء اختلقه السبير. لا منطق ولا سبب، حسب ما أراه".
تأمّل فريتز قائلاً: "قد تكون معارف قديمة منسيّة منذ زمن طويل. من عصر ما قبل السابرز"، مع أنه لم يكن يؤمن بذلك حقاً.
كانت هذه القطع الأثرية تشبه التتماثيل في البئر السابقة، خاطئة جميعها بشكل خفيّ، وتتداخل معاً كحلم محموم.
حذّرت لورين بحزم: "لا، ليس شيئاً من هذا. لقد جُنّ رجال وهم يحاولون دراسة التواريخ المزيفة التي يفرُضها السابرز. لا يمكن الوثوق بها لتكون حقيقية".
تنهّد فريتز: "أعلم، أععلم. سيكون الأمر مشيقاً فحسب لو استطاعت إخبارنا بشيء عن العالم القديم".
قالت روزي: "لماذا؟ العالم كما هو. وما كان قد مضى".
ابتسم فريتز ساخراً من فوق كتفه: "يا له من عمق، يا روزي. أتحتفظين بتخطيط لترقي مسار إلى حارس فيلسوف؟"
كشرت روزي وجهها وقالت: "لن أكون حارسة عروض أسماك، أسواق الموانئ نتنة. بين عمليات التسلق سأكون حارسة شخصية، أحمي رجلاً غنياً وسيماً، نبيلاً أو ما شابه".
قال كال متنهداً: "بالطبع ستفعلين".
قال بيرت: "بالثروات التي وجدناها أشك في أنك ستستحتاجين للعمل بين عمليات التسلق. إلا إذا كنت تخططين للإسراف في الإنفاق مثلي".
صرحت روزي وكأن الأمر برمته قد خُطط له مسبقاً: "حينها سأنقذ رجلي الغنيّ الوسيم من قاتل، ثم يقع في حبّي".
سألت لورين، وقد مزجت بين الفضول والشك حيال هذه الخطة: "أه، وسيترك زوجته السيدة ويتزوجك؟"
قالت وهي تبتسم وتحك القشور على كتفها: "كلا، ليس شيئاً كهذا، لكننا سننجب حفنة من الأطفال".
ضحك بيرت: "يا للفضيحة!"
شاركتها روزي الضحك: "أعلم!"
صرخ كال شاعراً بالامتعاض: "روزي! لا!"
تصارعت على وجه لورين مشاعر البهجة والتقزز كأنها لا تدري بما تفكر. استقرت أخيراً على قهقهة مكتومة. أما جورج فاهتزّ رأسه بابتسامة فحسب.
تجاهل فريتز الثرثرة، دافعاً فريقه للمزاح والدعابة. لم يلبثوا أن شرعوا في الإسهاب بأفكارهم حول كيفية إنفاق الثروة الهائلة التي حازوها. كان لكل منهم أحلامه البعيدة وخيالاته القصية، ولم يكن ممكناً تحقيقها كلها فوراً، لكن عملية التسلق هذه كانت الخطوة الأولى الحاسمة نحو حياة جديدة. حياة يستطيعون فيها الاختيار. كان شعوراً محرّراً، مع أن فريتز لم يجرؤ على مشاركتهم إياه، إذ شعر بطريقة ما أن مصيره مرتبط بعاصفة عظيمة.
شقّوا طريقهم أخيراً إلى حيث رأى فريتز البلاطات المحفورة لرجل السيف. رفع المصباح ليري البقية ما عثر عليه. كان هناك، ممتداً صعوداً وعرضاً على الجدار، نحو مئة لوح من الطين الأبيض بحجم الكف، وكلها منقوشة برجل مدرّع يحمل سيفاً طويلاً بكلتا يديه. في كل رسم، كانت وقفة المحارب وشكله القتالي يتغيران. فصّلت البلاطات وقفات راسخة وثابتة، وضربات قوية وساحقة.
قال جورج ونظراته ترقص في كل أرجاء الجدار: "يا للهول. إنه جميل".
قال كال: "إنه مكوّن من كتل بعض الشيء"، واضطر فريتز لموافقته الرأي، فبينما كانت خطوط النحت جريئة وواضحة، إلا أنها تركت الكثير مما يُشتهى من الناحية الفنية.
وافق بيرت: "متيبّس".
لاحظت لورين: "إنه بسيط نوعاً ما".
هتف جورج: "انظروا إلى نظافة الخطوط، البساطة هي المقصود!"
حدّق به الفريق متفاجئين بثورته المفاجئة والمحمومة.
قال جورج مستعيداً رباطة جأشه: "آسف".
قال فريتز: "لا حاجة للاعتذار، شغفك بالسيوف أرعبنا فحسب".
وأومأ بقية فريقه موافقين.
قال جورج كمن لا يريد تعليق آمال كبرى: "فريتز... أهاب الإجابة، أهذا فن فحسب أم..."
ابتسم فريتز بخبث وقال: "يا له من فن قتالي حقاً".
اتسعت ابتسامة جورج ثم تلاشت وهو يتأمل البلاط الماصٔ بالمئات.
قال: "سأحتاج إلى مساعدة في اقتلاعه".
أمر فريتز: "سمعتم الرجل، فلنزعزِع هذا الجدار".
* * *
قال فريتز وهو جالس فوق كتفي بيرت: "ناولني الإزميل".
تذمر بيرت لكنه ناوله الأداة المصنوعة من المعدن الأسود الأملس. أخذها فريتز وغرز حدها بين البلاطة والجدار ليقتلع رسم السياف، ثم التقطه وناوله إلى الأسفل. لم تكن كل البلاطات المنقوشة صعبة الإزاحة، بل إن أغلبها تحرر بمجرد سحبه. غير أن بعضها، كتلك الواقعة فوق قامة فريتز مباشرة، تطلبت عناية الإزميل الأسود، أو بالأحرى عزمَه.
استغرق العمل على إنزال بلاطات الفنون القتالية خمس عشرة دقيقة حتى الآن واقتربوا من إتمام ثلثيها. كادت خطوات جورج ترقص حماسة وهو يهمهم بأغنية خفيضة بلا نغم، مبتهجاً باكتشافهم. لطالما ظن فريتز أن هذا الرجل بحاجة إلى الابتسام والكلام أكثر، وبات يندم على تلك الأفكار الآن. لم تفارق ابتسامة بلهاء وجه جورج طوال فترة انشغالهم، وظن يثرثر محاولاً تخمين أسلوب السيف الذي عثروا عليه.
كان واضحاً أنه فن ذو قبضتين يركز على الضربات المستقيمة القاطعة المنفردة والمدمرة. ويبدو مخصصاً لقتال جموع الوحوش، أو الوحوش الضخمة المنفردة، بناء على الرسوم المرسومة على الصلصال الباهت. وما افتقر إليه من دقة وبراعة عوّضه بمتانة صلبة، ولذا لم يكن مناسباً للنزالات الفردية. ومن ثم، فلم يكن يعني فريتز كثيراً إذ يفضل أسلوب قتال يحفل بالاستعراض والتلويح.
لكنه كان مثالياً لجورج. لعن فريتز حظ الرجل. لماذا لم يعثرا على أسلوب سيف يخصه هو؟
قال جورج بنبرة طفولية مبتهجة تكاد تقترب من الغناء: "أيمكنني استخدام الإزميل، فهذا البلاط مستعصٍ تماماً؟"
قال فريتز وهو يرجو ألا تبدو ابتسامته متكلّفة: "بالتأكيد".
وقذف الأداة إلى رفيقه.
التقطها جورج بسهولة وألقى عليها نظرة قبل أن يثبت طرفها فوق بلاطة مستعصية. ثم تهاوت ابتسامته وقطّب حاجبيه بحدة ممعناً النظر، لا في الجدار، بل في معدن الإزميل الأسود.
قال متسائلاً: "باسم الهاوية... ماذا؟... أين؟"
ثم رمى فريتز وبيرت بنظرة محتدة ومد الأداة: "أين عثرتم على هذه؟!"
هتفا معاً: "سبير".
سأل فريتز: "ما العيب فيها؟"
أضاف بيرت: "أكسرتها؟"
أجاب جورج وهو يمرر يده على رأسه المحلوق: "لا شيء ولا. لا أعتقد أن بمقدوري كسرها، حتى لو أردت ذلك. ألا تدركان ما تملكان حقاً؟"
قال فريتز: "إزميلاً؟"
أوضح بيرت: "أداة لا تصدأ؟"
رمقاه بعينين صفراوين حادتين تكادان تنفدان غضباً.
سألا وقد دب فيهما الاهتمام: "ما هي إذن؟"
قال جورج: "أدمانت".
سأل فريتز: "أتشبه المادة التي يغطي القوس نفسه بها؟"
قال جورج: "نعم، لكن تلك مجرد مادة مستحضرة".
سأل فريتز: "وهناك فرق؟"
قال جورج وهو يقلب عينيه: "بالتأكيد، المواد المستحضرة تتلاشى بمرور الوقت. لكن ما تمليكنه هنا هو شظية خالصة من الأدمانت الخالص".
سأل بيرت: "حسناً، أوهذه... نادرة؟"
قال جورج: "للغاية. خارج أبراج الحجر أو المعدن يكاد لا يسمع بها أحد".
استفسر فريتز: "ما المميز فيها إلى هذا الحد؟ أعلم أنها لا تصدأ وصلبة، لكن هذا يسري على العديد من المعادن السحرية".
أعلن جورج: "إنها أدمانت، تكاد تكون غير قابلة للكسر، ومحصنة ضد كل محاولات إطاحتها".
تساءل بيرت: "كل المحاولات؟"
قال جورج: "أشياء قليلة للغاية تستطيع إلحاق الضرر بالأدمانت. يمكن لملك فعل ذلك. وتنين. أو ليفياثان. وربما، لعل وعسى، متسلق محترف".
سأل فريتز: "أعلم أن الكمية لا تكفي لصنع سيف، لكن أترى أنها تكفي لإعادة تشكيلها خنجراً؟"
قال بيرت: "أو قفازات حديدية؟"
أوضح جورج وهو يكاد يهذي: "الهاوية، لا! ألا تستمعان؟ إنها شديدة التحمل للحرارة والنيران حتى إنك تحتاج إلى أنفاس تننين أو مصهر حمم كي تشرع في العمل بها فحسب! وحتى في تلك الحالة، ستحتاج إلى سندان ومطرقة مسحورين لتقترب من إعادة تشكيلها. ومن المرجح أن يلزم استبدالهما بعد دقائق معدودة من العمل".
قال فريتز بأسى: "يا للأسف"، رغم أنه وجد هذيان جورج ممتعاً إلى حد ما فأخفى ابتسامة جانبية.
تجاهله جورج وتابع ثورته: "وهذا المعدن العظيم المنيع يُستخدم لصنع إزميل!"
كرر: "إزميل! يا له... من... إهدار!"
عندها بدا أن الرجل قد نفد طاقته فترهل وجلس مقرفصاً بقوة على الأرض دافناً رأسه بين يديه، يتمتم بكلمات مبهمة عن أبراج قاسية غبية.
قال فريتز بلا مبالاة: "أتعيرنا إزميل الأدمانت إذن؟"
أضاف بيرت: "ما زال علينا خلع هذا البلاط".
دفع هذا جورج لرفع عينيه، فرمقهما نظرة مطولة، ثم ابتسم وهو يهز رأسه.
قال: "صدقتما. لحظة واحدة، فلدي بلاطي الخاص لأقتلعه".
وما إن انتهيا حتى عادا إلى العمل، فنزع بيرت وفريتز التقنية عن الجدار بينما تولى البقية فرز البلاط خلفهما قبل رصه في حقيبة كال السوداء. وبعد ذلك بقليل جاء وقت الغداء، والمزيد من اليخنة، وربما تكون إحدى آخر وجباتهم الساخنة ما لم يصادفوا وحوشاً أو نباتات قابلة للأكل. لقد كانوا مجهزين جيداً بالمؤونة على الأقل، إذ يملكون ما يكفي لأسبوع كامل، لكن أحداً لم يرغب في العودة إلى تلك الألواح الباهتة والمتفتتة ذات المذاق العصيدي والمشبوهة المحتوى.
وانطلقوا مجدداً في دهاليزهم الملتوية، وعلى الرغم من بحثهم عن كنوز أو قطع أثرية ثمينة، فلم يجدوا إلا القليل. بعض الحلى هنا وهناك، لكن شيئاً منها لم يضاهِ روعة التقنيات التي عثروا عليها.
سألت روزي: "أتروننا سنعثر على أخرى؟"
قالت لورين: "الحصول على اثنتين يعتبر حظاً وافراً للغاية. حتى وإن تبين أن إحداهما أقل قوة أو أكثر تقييداً."
سألت روزي: "أقل قوة؟ أليست كلها متشابهة تقريباً؟"
قالت لورين: "لا، ليس تماماً. فمنها ما هو أفضل ومنها ما هو أسوأ."
قال فريتز: "لست متأكداً من صحة هذا. لقد أخبرني أبي أن لكل التقنية نقاط قوة ونقاط ضعف خاصة بها، وحذرني من الاستهانة بالضعيفة ظاهرياً لأنها جميعاً تمنح ميزة ما. لدرجة أن الأبراج نفسها تعترف بذلك."
عقبت لورين جدلاً: "حين تتعلم تقنية ما، يجب أن تكون متخصصة لا متعدلة الاستخدام. لا فائدة تذكر من تقنية محترف الأسلحة إن كنت لا تستخدم سوى السيف. الأجدر بك اختيار أسلوب سيف. التخصص يفوق التعدل. وحتى مع ذلك، تظل بعض التقنيات أسمى من غيرها، خذ مثلاً: رقصة الخناجر الدانتوفية أكثر تهذيباً واحتراماً بكثير من تقنية طعنات جيم الحماسية المتتالية."
قال بيرت: "أنا أعرف أيها سأختار. يبدو اسم جيم حسناً مع تقنية تحمل اسماً مماثلاً."
تجاهل فريتز تعليق صديقه وقال: "مهذبة ومحترمة حقاً. غير أن الادعاء بأنها أسوأ مردود. بل قد تكون أفضل في مواقف معينة."
قالت لورين بنبرة متكبرة: "هذا مستبعد. هناك سبب وراء تناقل بعض التقنيات النادرة والسرية عبر العائلات النبيلة. وهو أنها أقوى شأناً من بقية التقنيات."
تساءل فريتز في سره عن ذلك. أكان الأمر صحيحاً تماماً؟ لم يساوره أدنى شك في أن النبلاء يحتفظون بالتقنيات القوية لأنفسهم، لكن هل كانت متفوقة بكل المقاييس؟ ربما كان الأمر كذلك. وسيحاول معرفة الحقيقة عاجلاً أم آجلاً. سيتعين عليه البحث في الأمر بالخارج، فما زال هناك الكثير مما ينتظره ليكتشفه. لقد شارف على بلوغ المستوى الثامن عشر، وكان على وشك الشروع في تطوير قدراته، ومع ذلك شعر أنه لم يلمس سوى السطح وأن أمامه الكثير ليتعلمه عن كل شيء تقريباً.
ترك الحديث يخفت، فانعطف يسرى وخطا بخطى ثابتة في ممر يسوده صمت التأمل. لفت انتباهه شيء ما بطرف عينه. كانت هناك جدارية في الظلام، وقد اكل البلى معظمها. وعلى عكس بقية الجداريات، حملت هذه اللوحة سمة غريبة اختلفت بدقة وبعثت على شيء من الفضول.
لم يعنِ له ما استطاع تمييزه من الجدارية الباهتة الشيء الكثير. فقد ظهر أناس في الأسفل راكعون ويرفعون أذرعهم ابتهالاً أو ربما تحدياً. ووقف فوقهم نفر من المخلوقات الغريبة التي تشبه البشر، وتعرف إلى إحداها كجنية ذات أجنحة تشبه أجنحة العث. ويعلو الجميع ثقباً متآكلاً في النسيج، لكنه أطلق منه ثلاثة أطراف عظيمة وملساء لتطوق التجمع بأسره وتحتويه.
سألت روزي: "ما هذا؟ ولماذا توقفت؟"
قال فريتز: "بلا سبب، انتابني شعور غريب حيال هذه فحسب. لا شيء يذكر."
قال بيرت وهو يغمزه بمرفقه: "لعن الجنية تذكرك بأحدهم. ربما بعثة عث الغسق المعينة."
قال فريتز وهو يلتفت مبتعداً: "لا بد أن الأمر كذلك."
وبخته لورين قائلة: "تذكر، إنها كاذبة ولا جدوى منها البتة."
كذب فريتز قائلاً: "بالتأكيد، إنها هراء."
ومضوا تاركين وراءهم الجدارية، ولم يره فريتز شيئاً آخر يزعجه أو يثير اهتمامه. بل إنه بدأ يظن أن بلاط أسلحة السيوف هو الجائزة الحقيقية الوحيدة المتاحة في هذا الأرشيف. كم تمنى لو أنه استطاع اختيار إدراك الكอนوز، فقد بدأ هذا البحث الصامت يبعث على السمل، ولاحظ أن فريقه بدأ ينتابه التململ. وما زاد الطين بلة هو تزايد وتيرة الفخاخ إن لم يكن دهاؤها. فلم تعد الفخاخ تقتصر على الكتب الملعونة واللفائف المسمومة.
بل اصطدموا بحفر مفاجئة وأحجار متساقطة باتت تتكرر بغزارة، ربما تعويضاً عن سهولة المتاهة. وظن فريتز أن المخاطر لن تزداد إلا سوءاً من تلك النقطة فصاعداً.
وانطبع في ذهنه بوضوح شعور بأن المكتبة العظيمة التي يتواجدون فيها تغرق على نحو أسرع وتغمرها المياه بخطى متسارعة، وبدا قطرات الماء من الجدران الخارجية تدعم هذا الاستنتاج.
أعلن فريتز لفريقه الذي يتبعه: "علينا مغادرة هذه الطابق بأسرع ما يمكن."
سأل بيرت: "لماذا؟ لم نكث هنا سوى بضع ساعات على الأكثر."
أوضح فريتز: "هناك وقت محدد لهذا المكان، وأريد أن نكون في أعلى نقطة وأقرب ما نكون إلى السلم. حتى وإن تعذر علينا تمشيط كل شبر بحثاً عن الكنوز."
قال كال: "إنه لأمر غريب أننا لم نرى صندوقاً واحداً حتى الآن."
قالت لورين: "الأغرب هو أن التقنيات لم تكن سوى جزء من مواد هذا الطابق. مع أننا كان يفترض أن نجد صندوقاً برونزياً آخر بحلول هذه اللحظة. رغم أنني أعتقد أن اندفاعنا الجنوني نحو البئر السادس ربما كلفنا ذلك."
قالت روزي: "أعتقد أن الغازي ظفر بغنائم أفضل من أي صندوق."
أجاب كال: "أصدق من قطر المطر."
اضطروا إلى إبطاء خطواتهم حتى صاروا يمشون ببطء، فقادهم فريتز نحو مجموعة أخرى من الأبواب المزدوجة وإلى الطابق التالي. بدا أنهم كانوا الأوائل هذه المرة أيضاً، حُكماً بطبقة الغبار السميكة التي لم يمسسها أحد. للأسف، أثير ذلك الغبار نفسه وهم يصعدون السلالم الحجرية. أخذوا يعطسون ويسعلون وهم يغطّون أنوفهم وأفواههم بوشاح رقيق من حرير الحوريات.
تمطّط بيرت وقال بأنف مسدود: "تبّاً لهذا الغبار. حيويتي لا تفعل شيئاً حياله."
عرضت لورين: "يمكنني إحراقه."
قال فريتز: "أنا متأكد تماماً من أنها فكرة سيئة للغاية. أسمعت بانفجار الدقيق؟ أرايت طحناً للماء ينفجر كمعمل خيميائي مبتدئ؟ إنه أمر مرعب حقاً، أعلى صوتاً من الرعد وفتاك كصاعقة البرق، بل وأكثر."
قالت لورين والجمر في عينيها يخبو: "أه، صحيح، أجل، سيكون ذلك سيئاً."
قال كال: "أنا مسرور فقط لعدم وجود خيوط عنكبوت."
سأل فريتز: "ولماذا ذلك؟"
قال بمرح: "لا خيوط عنكبوت، لا عناكب."
كادوا يبلغون قمة السلالم حين توقف فريتز وربط فانوسه بقرب قوس الأبواب المزدوجة. كانت هناك طبقة سميكة من الخيوط الرقيقة المكسوة بالغبار والتي تتقاطع متصالبة عبر المدخل بأسره.
قال فريتز: "لعنة عليك يا كال. كان لزاماً عليك أن تذكرها."
سقط وجه كال حين رمق الأبواب المنسوجة بخيوط العنكبوت.
قال: "آسف."