"يا أبناء روما!"
أمعنت النظر في الوجوه الماثلَةِ أمامي. بدت عليها جميعا أمارات القلق والغضب. لقد هجروا روما أعواماً طوالاً، وماتوا رعباً تحت وطأة الحروب مع الهمج، ولم يحصدوا في النهاية شيئاً. لو كنت مكانهم لعتوت غضباً.
"حتى قطط روما الضالة تجد سقفا تأوي إليه من المطر! أما أنتم، يا من زرعتم رايات روما في إسبانيا، وفي بحار المتوسط الهائجة، وفي أقاصي الشرق المنسية، ماذا بقي لكم؟"
وحين انصرفت أنظار الجميع نحوي، واصلت صياحي.
"لولاء دمائكم وعرقكم لما نعمَت روما اليوم بالسلام والرخاء! أنتم روما نفسها!"
"وااااااه!"
رفعت الجنود أيديهم وهرعوا بالتصفيق إقراراً. لكن هذا لم يكف قط. رفعت يدي ببطء وانتظرت حتى يخفت ذلك الصخب. كان هجاء الشيوخ لتقاعسهم عن إقرار قانون الأراضي أمراً يسيراً. لكن فعلي هذا سيجرّ صداماً مباشراً مع مجلس الشيوخ. لم أكن أبلد من أن أعيد خطى الأخوين غراكوس بحذافيرها.
"إن الشيوخ الأجلاء يحكمون روما بأسرها، ولذا يستغرق إقرار قانون واحد وقتاً طويلاً وتحقيقاً دقيقاً. فأنّى لنا أن ندرك حكمة الشيوخ وعمق نواياهم؟"
رفعت يدي مجدداً لأضع حداً لهتافات السخرية بين الجنود.
"لكنني أعلم هذا! أعلم تمام العلم أنكم تحتاجون اليوم إلى المال لسدّ إيجار دوركم وشراء رغيف الخبز لأسركم الجائعة."
توقفت هنيئة، وخطوت على المنصة. إن وُجِدَ ميزة وحيدة لعيشي في القرن الواحد والعشرين، فهي مشاهدة لا تُحصى لخطب مسجلة بالفيديو. فإلقاء الخطبة يقف في منزلة بعيدة كل البعد عن قراءة كلمات مطبوعة على الورق. مواضع التوقف، وتوقيت الإشارة باليد—هذه التفاصيل الدقيقة هي ما يحسم مصير أي خطاب. وقد أتيحت لي فرصة تأمل عدد لا يُحصى من الخطب لزعماء شتى، من هتلر إلى روزفلت وكينيدي وتشرشل.
فأي معلمين أفضل من هؤلاء كنت أبتغي؟
"كيف يكون أمر رعاية من أفنوا أعمارهم في خدمة الجمهورية من مسؤولية الشيوخ وحدهم؟ إن التجار ورجال الأعمال الذين راكموا ثرواتهم في روما الآمنة ملزمون بمقاسمة تلك الثروات مع الأبطال الذين حاموا عن الجمهورية. ولهذا، عزمت على أن أكون أول من يفتح كيس نقوده."
أمهلتهم حتى يستوعبوا مغزى كلامي. ربما لم يدركوا تماماً كنهه بعد.
"لقد منحكم القيظيم العظيم بومبي مجد النصر! أما أنا، لوسيوس يوليوس قيصر، فساأهبكم غداً بلا جوع!"
وحين صرخت بذلك، أشرت إلى بومبي. فأومأ برأسه قليلاً دلالة على تأييده.
"بدءاً من اليوم، سأوظف أكثر من خمسمائة عامل جديد. وسأجعل الأولوية لكم أيها المحاربون القدامى، كما سأقتطع جزءاً من أرباح بالموليف لإنشاء صندوق خاص! صندوق يضمن ألا يجوع المحاربون القدامى ولا عائلاتهم."
وما إن فرغت من كلامي حتى علت تمتمات الجنود.
"أسيختار عمالاً من بيننا؟"
"صندوق؟ ما عساه يكون هذا بحق الجحيم؟"
"أيمنحنا جزءاً من أرباح بالموليف؟ ولم يفعل لوسيوس قيصر هذا؟"
لابد أن الأمر استعصى على فهمهم. فشاب نبيل لا رابط يربطه بهم يتقدم فجأة بمثل هذا المقترح. ولكن كيف وقع طرحي في أسماعهم؟ هؤلاء الجنود الفيلق العائدون من حملات دامت أعواماً بلا أي عائد. لقد وفدوا إلى المنتدى يعلقون آمالهم الوحيدة على استرداد متأخرات أجورهم وأراضيهم. ولا بد أنها كانت أياماً مفعمة بالخيبة واليأس. وها أنا ذا أنفخ فيهم أملاً جديداً.
"لقد عبرتم صحاري الشرق وبحاره، رافعين من شأن مجد روما! والآن، عليكم أن تبنوا مستقبل روما!"
توقف برهة. لقد انقطع نَفَسي، وربما جراء الصياح الموصول. على هذه الحال، سأكون أول الساقطين. لكن الأمر لم ينته بعد. آن أوان الضربة القاضية.
"لقد طالبت الجمهورية بدمائكم وعرقيكم إلى الآن. لكن دعوني أسألكم بصيغة أخرى! ماذا يجب أن تقدمه لكم هذه روما التي حميتموها بدمائكم رداً لذلك؟!"
حلّ صمت وجيز. وهدأت ساحة المنتدى الصاخبة حتى كاد المرء يسمع صوت الأنفاس. أأمعنت في تجاوز الحد بهذه العبارة الأخيرة؟ وبينما كنت أتوجس، رفع رجل يده وصاح.
"قيصر!"
وانضم إليه آخرون على الفور.
"قيصر! قيصر! قيصر!"
وانتشرت الهتافات كالموج لتغمر ساحة المنتدى بأسرها. لوّحت بيدي نحوهم ثم دناوت من بومبي الواقف بقرب المنصة.
"لن يجد مجلس الشيوخ مأخذاً في خطابك يا لوسيوس. فقد أعلنت صراحة أنك تستعين بأموالك الخاصة لدعم المحاربين."
"لعل الشيوخ توقعوا أن نطالب بقانون الأراضي اليوم."
أجبته. بيد أن ما أعلنته خالف تماماً ما رامه الشيوخ. تماما مثل مناظرتي لكاتو، أظهرت احتراماً جلياً بل وإجلالاً للشيوخ والقوانين ظاهراً. فلا سبيل لهم لوسم هذا بالخيانة أو التحريض. ولم أهددهم بإقرار قانون الأراضي عبر جمعية الشعب. فلا طريق ولا مبرر يمنعني من إعانة المحاربين من كيسي الخاص. كانت الفكرة أن تنتصر بلا قتال.
"على كل حال، لم أعلم أن بلاغتك بلغت هذا المبلغ. أبوك خطيب مفوه، لكنك... تجاوزت التوقعات حقاً. لا عجب أن كاتو أُفحم في مجلس الشيوخ."
"لا زلت أتعلم الكثير."
رددت مبتسماً. فالخطاب الذي ألقيته لتّوه كان تعديلاً طفيفاً لخطب كينيدي وغيره من الساسَة الشهيرين. وهل من خدعة أجدى من هذه؟ في تلك اللحظة، خفتت أصوات الجنود المنادية باسمي تدريجياً. بل تحولت إلى سخرية. ما الذي يجري؟ التفتّ فرأيت رجلاً يرتقي المنصة. إنه كراسوس. كان كراسوس يصعد المنصة محاطاً بخبثائه من العبيد.
"اغرب من هنا، أيها الطفيلي المحب للمال!"
"أتحسب نفسك في مكان تتدلى فيه هكذا نحو قائدنا؟!"
بصق الجنود وسخروا. وكان ذلك رداً طبيعياً بطريقة ما. فقد ظل بومبي وكراسوس غريمين منذ أن خدما معاً تحت إمرة سولا. وخلال ثورة سبارتاكوس، تناحرا أيضاً حول شرف النصر. ولكن لأي شيء يصعد كراسوس إلى هنا؟ وقفت منتصب القامة أرقب اقتراب كراسوس. تقدم بخطى صامتة وثابتة، ومدّ يده ليقبض على يدي. أهو ناوي على عراك معي الآن؟ وما إن هممت بفتح فمي، حتى أحكم كراسوس قبضته على يدي ورفعها عالية في الهواء.
وفي اللحظة التالية، دجل صوته في أرجاء المنتدى.
"لوسيوس يوليوس قيصر! إن قولك لحق!"
انتظر، ماذا؟
* * *
"لوسيوس يوليوس قيصر! إن قولك لحق!"
صرخ كراسوس، وما زال ممسكاً بيدي.
"لقد تنعمت روما بالرخاء بفضل الدماء والعرق اللذين بذلهما جنود لا يحصون! فكيف نبخل عليهم بالعون؟"
مهلاً. أرجو ألا يكون الأمر كما يدور في خلدي.
"أنا، ماركوس ليسينيوس كراسوس، أتفق مع طرح القيصري الشاب! وتبعاً لذلك، سأتبرع أنا أيضاً بخمسة ملايين سسترستيس من ثروتي الخاصة لصندوق المحاربين القدامى! ولن يقتصر هذا على جنودي فحسب، بل يشمل كل جندي حارب في سبيل روما طوال العقد المنصرم!"
ساد صمت مطبق على المنتدى. وبعد سكون وجيز، انفجر هتاف أشد صخباً من ذي قبل.
"وااااااه!"
رمقت كراسوس بصمت. كان هذا خارج حساباتي تماماً. لكنه يشبه كراسوس أشد الشبه. قرار صادر عن عقلية تجارية بحتة، إن صح القول. في تلك اللحظة، اقتراب بومبي منا ووجهه محمر غضباً.
"يا كراسوس، أيها الابن العاق الحقير. إن كنت تحاول إغواء جنودي بالمال الآن..."
"سيدي بومبي."
اعترضت طريق بومبي. لن يبدو الأمر حسناً لو تشاجرا الاثنان الآن. فالمقترح الذي طرحه كراسوس لتّوه نافع لي ولبومبي على حد سواء. ووسط هذين الرجلين الكهلين، وقفت في المنتصف. لا أدري لم أقع دائماً عالقاً بين العجائز. ولدت نبيلاً في روما القديمة، وبدل أن أنعم بالنساء الجميلات، لا أتعامل سوى مع هؤلاء الكهول.
"عليك أن تثق بي."
"..."
بدا بومبي متردداً بين تفجير غضبه وكبته. وفي اللحظة التالية، تمتم بلعنة وقبض على يدي. كراسوس وبومبي. وممسكاً بأيدي الرجلين، رفعت قبضتينا المشبوكتين عالياً.
"وااااااه!"
ترددت الهتافات في المنتدى بلا انقطاع، ولم تبد أي أمارة على التوقف.
* * *
تعهد كراسوس بثروة طائلة—خمسة ملايين سسترستيس— لصندوق المحاربين القدامى. فلماذا أقدم على هكذا إعلان فجأة؟ بدا السبب بديهياً عند التمعن فيه.
"يبدو أن منافستك طويلاً يا لوسيوس لم تعد مجدية."
هكذا قال كراسوس. وعقب الفراغ من الإعلان في المنتدى، توجه الثلاثة—كراسوس وبومبي وأنا—معاً إلى منزلي. وتحت أنظار أختي الصغرى يوليا التي كانت تختلس النظر إلينا، جلس الثلاثة لنتحاور.
"أقولها بصراحة، لقد كنت أتكبد خسائر فادحة بالفعل بسبب بالموليف."
"لأنك تبيعها بسعر يقل كثيراً عن تكلفة الإنتاج."
أومأت برأسي. وبالطبع، بالنسبة لكراسوس، كانت خسارة يتحملها. لو أنه أطاح بكل المنافسين واستحوذ على سوق بالموليف وحدَه، لجنى أرباحاً أعظم. لكنني دعمت المحاربين واستخدمت اليانصيب لأفسد خططه.
"تلك مقولة شائعة، 'إن لم تستطع هزيمتهم، فانضم إليهم'. لذا قررت مساعدتك أيضاً."
"نثر الأموال هو ما يجيده أمثالك يا كراسوس."
زمجر بومبي.
"إن ظننت أنك قادر على استمالة جنودي ببضع عملات معدنية، فأنت واهم أشد الوهم."
"لا أود حقاً سماع ذلك منك، أنت العاجز عن صرف متأخرات أجور جنودك أنفسهم. أظن أن جنودك سيقبلون بغبطة أي عملات يحصلون عليها."
"ماذا؟! يا ابن الـ..."
مددت يدي مفارقاً بين الرجلين. لسنا أطفال مدارس، ومع ذلك يتشاجرون فور تلاقيهم. كيف استمال أبي هذين الرجلين وروضهما في التاريخ الأصلي؟ تنهيدة انفلتت مني دون أن أدري.
"أرجو منكما الهدوء. لا مبرر لنا لنتشاجر الآن."
التفت برأسي فرمقت بومبي.
"مهما بلغ حجم الدعم المالي الذي نقدمه أنا وكراسوس، سيظل الجنود يتبعونك يا سيدي بومبي. لأنك في النهاية من انتزع الدعم منا كلينا."
"لديك وجهة نظر. على أية حال، ساعدتني اليوم على حفظ ما وجهي وأخمدت سخط الجنود."
تنحنح بومبي وجلس مجدداً.
"سيدي كراسوس، ستظفر أنت الآخر بقلوب المواطنين الرومان بهذا الإعلان. فحين تجاهل مجلس الشيوخ المحاربين وأساء معاملتهم، لم يتقدم لأجلهم سوانا نحن الثلاثة."
ولم يكن الوضع سيئاً بالنسبة لي أيضاً. أراد كراسوس هدنة معي، وبمعونته تمكنت من مضاعفة حجم الصندوق.
"سيلزم مجلس الشيوخ الصمت برهة أيضاً. لقد راموا الإشكال على أمر اليانصيب خاصتك، فكيف لهم مهاجمتك بعد إعلانك اليوم؟"
قال كراسوس. وظل متظاهراً بعدم رؤية بومبي، ناظراً إليّ وحدي.
"ألم تكن هذه غايتك حين أطلقت ذلك الإعلان اليوم؟"
"كلا، لدي خطة أخرى لذلك."
هززت رأسي. لم يكن مجلس الشيوخ خصماً هيناً. كان العديد من الشيوخ يحاذرونني منذ حين. وكانوا يخشون تنامي صالتي أكثر من أي شيء آخر. ولم يكونوا يخشونني وحدي، بل بومبي وكراسوس كذلك. ولا ريب أنهم سيحاولون النيل من سمعتنا بطريقة أو بأخرى.
"اليانصيب بالنسبة لهم ذريعة مثالية—واحدة لا يمكنهم تفويتها بحال."
"أفتعلت اليانصيب عمداً وأنت تعلم ذلك؟"
أمال كراسوس رأسه.
"ما الذي تحيكه بالضبط؟"
"الأمر بسيط. جعل مجلس الشيوخ يهاجمني."
في أي عصر، كانت السياسة عصية على التنبؤ. شبيهة ببحر لجي تصوغه مئات الشخصيات السياسية. فالسياسي الذي تمتع بالمجد يوماً يهوي إن واجه الموجة الخاطئة، والنكرة يعتلي القمة أحياناً. بيد أن ثمة أمراً وحيداً لا يتغير.
"كاتو رجل مهووس بتقاليد روما ونظامها أكثر من أي شخص آخر."
منذ لقائنا الأول في مجلس الشيوخ، دأب كاتو على عرقلتي في كل منعرج. ولا حاجة بي للتخمين بشأن الفعل الذي سيقدم عليه كاتو. إن كان الأمر كذلك، فهل من مبرر لعدم استغلاله؟ كاتو ثور يندفع نحو مصارع الثيران. وهو من طينة الثيران التي ترى اليانصيب، فتسميه قماراً، وتقتحم بلا نظر إلى ما هو أمامها. متى عرفت كيف ستتحرك، صار وضع التدابير المضادة أمراً يسيراً.
"سيدعمنا كاتو حتماً—سواء أدرك ذلك أم لا."