"أهذا ما اقترحه اليهود؟"
"اقترحوا بناء حصان خشبيّ تخليداً لألعاب طروادة."
أطلق فيليكس ضحكة خفيضة إثر ذلك.
"من بين كل الأشياء، اختاروا حصان طروادة. أليست هذه سخافة؟"
"إنه مقترح غير متوقع بالمرة."
أومأت برأسي. بلغني أن أفراد الجملة اليهوديّة حاولوا لقائي مراراً لتقديم هديّة امتنان. لم أكن أودّ مطالبَتهم بأيّ مقابل في هذا الوقت المبكر. لم أكن بحاجة ماسّة إلى المال على أي حال. كنت أنوي طلب معروف متى احتجتُ إلى مساعدتهم مستقبلاً... لكنّ تفكيرهم في بناء حصان طروادة أمر لم يخطر ببال. تجاوز هذا كل التوقعات.
"في الواقع، يبدو لي مقترحاً عبقريّاً إلى حدّ ما."
حين يفكر الناس في مملكة طروادة القديمة، لا يتبادر إلى ذهنهم رمز أشهر من حصان طروادة. ومن المفارقات أن ذلك الحصان ذاته كان أداة دمار طروادة. يمكننا حتى إحراق الحصان بعد انتهاء الألعاب. ألم يكن هناك مهرجان مشابه في نيفادا؟
تذكّرت مهرجاناً يقيمون فيه هياكل خشبيّة عملاقة ثم يحرقونها — "رجل الاحتراق"، إن لم أكن مخطئاً.
"بيد أنّ الوقت المتبقي قبل انطلاق الألعاب أقصر بكثير من أن يسمح ببناء حصان خشبيّ عملاق."
قال فيليكس وهو يسعل خفيفاً.
"لقد تحقّقنا من الأمر بالفعل، ويبدو إنجازه مستحيلاً عملياً."
"ألا يمكننا ببساطة استئجار المزيد من العمّال؟"
"كنت أعلم أنك ستعلق هكذا يا سيدي الشاب."
أفرقع فيليكس أصابعه وبدا مزهواً بشكل لا يُطاق. وفور إشارته، فتح فيتروفيوس باب غرفة الاجتماعات وخطا إلى الداخل.
"طلبتُ من فيتروفيوس مراجعة الفكرة مسبقاً. وهو من سيشرح لك بدقة أسباب استحالتها."
"انتظر، إن كانت هذه هي الخطة، فلمَ لم ينتظر فيتروفيوس داخل الغرفة منذ البداية؟"
اكتفى فيتروفيوس بهزّ كتفيه تعقيباً على ملاحظتي.
"كنت أنوي ذلك، لكنّ فيليكس طلب مني الانتظار في الخارج لحظة."
هززت كتفي.
"حسناً. لمَ هو مستحيل إذن؟"
"الوقت المتبقي ضيق للغاية. حصان خشبيّ ضخْم بهذا الحجم هو نوع المشروعات التي تُسرّع نبضات قلب أي مهندس. لكنّ المستحيل يبقى مستحيلاً."
أخرج فيتروفيوس بضع أوراق ومناولني إياها.
"ستقام ألعاب طروادة في سيرك ماكسيموس."
يعود تاريخ سيرك ماكسيموس إلى عهد الملوك، وكان ملعباً مُخصّصاً في المقام الأول لسباقات العجلات الحربيّة. إنه يشغل مساحة فسيحة تضمّ وادي مورسيا بأسره بين تلي البالاتين والأفنتين. إنّه حلبة هائلة قادرة على استيعاب مئة ألف متفرج مذهل.
"وحتى لو نجحنا في بناء الحصان، فلن يمر عبر أيّ باب من أبواب سيرك ماكسيموس. سيكون أطول من أن يتسع لذلك."
أخرج فيتروفيوس شيئاً من رداءه ووضعه على الطاولة. كان حصاناً خشبيّاً صغيراً، بحجم لعبة تقريباً.
"لا خيار أمامنا إذن سوى تجميعه داخل الحلبة."
عقدت ذراعيّ مطيلاً النظر إلى الحصان المصغر. عنى ذلك أننا سنضطر إلى نقل الأخشاب إلى داخل الحلبة قطعةً قطِعة.
"نعم. وسيلزمنا أيضاً تفكيك كل المعدات اللازمة للتجميع، وإدخالها للداخل، ثم إعادة تركيبها. سيستغرق هذا أشهر عدة على الأقل."
"بالتأكيد، إنجاز ذلك في غضون أسابيع قليلة يُعدّ أمراً مستحيلاً عملياً."
لم تكن هذه المشكلة لتُحلّ بمجرد حشد عدد هائل من العمال. لا يزال فيليكس يبدو مزهواً تماماً بعد سماع إجابتي.
"انتظر، فيتروفيوس هو من شرح كل شيء، فلمَ تبدو فخوراً هكذا بنفسك؟"
"فرص إحباط طموحاتك الجامحة نادرة يا سيدي الشاب. أردت فقط الاستمتاع باللحظة."
أطلقت ضحكة خفيفة والتقطت الحصان الخشبيّ الصغير. حسنًا، إنها لخسارة، لكنّ لا حيلة لنا. كان بناء حصان خشبيّ ضخْم لألعاب طروادة ليبدو أمراً مسلياً للغاية. انتظر. لا يوجد قانون يفرض أن يكون الحصان عملاقاً، أليس كذلك؟ دقّقت النظر في الحصان المستقر براحة يدي — النموذج الدقيق الذي أحضره فيتروفيوس. تعذّر علينا بناء حصان ضخْم. لكنّ هذا النموذج الصغير في يدي كان مكتملاً بالفعل.
في تلك اللحظة، استقرّت الفكرة في ذهني. هل يشترط في الحصان أن يكون ضخماً؟
"ما رأيكم لو صنعنا هذه بدلاً منه؟"
"عفواً؟"
"ننتج هذه الخيول الخشبيّة الصغيرة بأعداد كبيرة — عشرات، لا، مئات منها — ونوزّعها على المتفرجين."
"مثل تذكار احتفاليّ بطريقة ما."
تدخل فيتروفيوس قائلاً: "إن كان الأمر كذلك، فهو قابل للتنفيذ تماماً..."
"ما رأيك يا فيليكس؟"
"حسنًا، صنع العشرات أمر ممكن، أما المئات... فسيتطلب ذلك حجماً هائلاً من العمالة. رغم أنه يمكننا الاستعانة بالأموال التي تبرع بها اليهود لسداد التكاليف."
"نحن نعلم بالفعل أين نجد الأيدي العاملة اللازمة."
ابتسمت للرجلين اللذين بدا عليهما الارتباك.
"أنسيتما كمّ هدايا الزفاف التي أرسلها إليّ الفنانون؟"
أمطروني بكل شيء، بدءاً من التماثيل وصولاً إلى اللوحات وغيرها من الأعمال الفنية. وبفضل جهودي — بعيداً عن التواضع — وُلد سوق إعلانات حقيقيّ في روما. وارتفع حجم عمل الرسامين والنحاتين والنجارين بشكل صاروخيّ، وزادت أجورهم بصورة ملحوظة أيضاً.
"إذا طلبت منهم ذلك شخصياً، فأنَا واثق من أن الكثيرين منهم سيتقدمون بكل سرور."
"إن انضمّ نجّارو روما بأسرها، فقد يصبح الأمر ممكناً حقاً. فهناك وفرة من الحرفيين الذين يصنعون تلك الدمى الصغيرة من الشمع أو الصلصال التي تُهدى عادةً خلال احتفالات ساتورناليا."
"وكما قلتم، نمتلك من الأموال ما يزيد عن حاجتنا. لنستعن بالأموال التي قدّمها اليهود لصنع هدايا لمواطني روما."
وكما أشار فيليكس، كانت روما تعجّ بالفعل بعدد هائل من صانعي الدمى. وخلال ساتورناليا، سادت تقاليد عريقة تتمثل في تبادل دمى صغيرة تُدعى سيجيليا. اعتاد الباعة نصب أكشاك مؤقتة في ساحة مارس لبيع هذه الدمى والتماثيل بمختلف المصنوعات اليدوية الأخرى.
"سيكون هذا مفيداً للجملة اليهوديّة أيضاً."
تثمل الشكوى الرئيسيّة التي يحملها العديد من المواطنين الرومان ضد الجملة اليهوديّة في ما يرونه رفضاً للمشاركة في الطقوس والمهرجانات العامة. وإذا انتشرت أنباء تمويلهم لهذا المشروع الخاص بألعاب طروادة، فستتحسن نظرة العامة إلى اليهود بصورة ملحوظة.
"وفوق ذلك كله..."
لا يجب أن تقتصر الهدايا التذكاريّة على المنحوتات الخشبيّة فحسب. فقد صادف وجود غرض آخر يناسب هذه المناسبة تماماً.
"لنضف شيئاً آخر كنا نجهّزه."
* * *
"سبوريوس، تهانينا! بلغني أنه تم تعيينك في لجنة مراجعة براءات الاختراع؟"
"لا يعني هذا سوى مزيد من العمل."
قال سبوريوس وهو يهز كتفيه أثناء سيره. كان يتفقد مطحنة الورق إلى جانب زملائه المهندسين.
"لم أظفر بلحظة ألتقط فيها أنفاسي منذ عودتي من هسبانيا."
"ألا يمنحك المنصب أجراً مجزياً للغاية؟ أنا واثق من أن زوجتك في غاية السعادة."
"لو أتيح لي الوقت لأنفق شيئاً منه حقاً."
"على الأقل باتت زوجتك قادرة على إنفاقه الآن."
"لا يمكنني إنكار ذلك"
رد سبوريوس بضحكة. وعلى الرغم من تذمره، كان يستمتع بعمله أكثر من أي وقت مضى. بعدما قاد تطوير مناجم الفضة في هسبانيا بنجاح، تلقى ترقية تلو الأخرى وأصبح يدير الآن عدة فرق هندسيّة.تُقترح تقنيات وأجهزة جديدة، وتُصنع، وتُختبر كل يوم. بيئة عمل تتيح للمهندسين التصنيع والتجربة لملء قلوبهم دون قلق بشأن التمويل هي أمر نادر الحدوث حقاً.
"على فكرة، لمَ نزور مطحنة الورق اليوم؟"
"هناك شيء جديد علينا فحصه."
فور دخولهم إحدى غرف مطحنة الورق، استقبلهم الموظفون بحرارة.
"لقد وصلتم في الوقت المناسب تماماً! كنا في خضم اختبار المعدات الجديدة!"
"كيف تسير الأمور؟"
"بنيناها مؤخراً وحديثاً، لذا ما زلنا نعتاد عليها، لكنها تبدو فعالة للغاية، تماماً كما قال قيصر."
حدّق سبوريوس في الجهاز الضخّم الماثل أمامه. يشبه هذا الجهاز معصرة العنب، مع لوحة كبيرة في الأسفل تغطيها كتل خشبيّة مرتبة بإحكام.
"يبدو كأنه مجموعة أختام."
"هو ختم بالأساس. الفارق بالطبع يكمن في قدرتنا على طباعة عدة نسخ بآنٍ واحد."
انحنى سبوريوس لفحص الكتل الخشبيّة المرتبة بإحكام على اللوحة. وتماثل تماماً ما وصفه المهندس الآخر، إذ حُفرت تصاميم دقيقة على الكتل مثل الأختام.
"تساءلت في البداية عن سبب تكبدنا عناء بناء آلة كهذه. ظننت أنه بوسعنا ختمها يدوياً. لكن هذه الطريقة توفر وقتاً هائلاً. كما أن الانطباعات المطبوعة يدوياً لا تأتي أبداً بوضوح أو اتساق."
راقب سبوريوس العمال وهم يشغلون الجهاز.
"علينا أولاً وضع الحبر على هذه الكتل."
بعد تثبيت ورقة على اللوحة الثانية، وازنها العمال فوق تلك التي تحمل الكتل الخشبيّة. وحين جذبوا ذراعاً خشبيّة متصلة بالآلة، هبطت صفيحة معدنيّة من الأعلى لتضغط الورقة بإحكام. وما إن عادت الذراع إلى وضعها الأصليّ، حتى ارتفعت الصفيحة مجدداً وسط صرير خشبيّ مزعج.
"الآن، كل ما علينا فعله هو قصّها حسب المقاس."
حدّق سبوريوس في الورقة المغطاة الآن بطبعات حبريّة واضحة.طُبعت عشرات التصاميم والكلمات في أنحاء الورقة. رسمة لحصان خشبيّ استقرت فوق جملة خطّت بحروف دقيقة.
[ألعاب طروادة، 694 بعد تأسيس روما]
عنت "لوسوس تروياي"
ألعاب طروادة، وكان الرقم 694 بعد تأسيس روما يشير إلى السنة المحسوبة منذ التأسيس الاسطوريّ لمدينة روما (منذ تأسيس المدينة).
"تخيل ذلك. عبر إرفاق هذه القطعة الصغيرة من الورق، يصبح بمقدور المرء إرسال رسالة إلى أي مكان في روما."
"وفي الوقت ذاته، تُعتبر تذكاراً احتفاليّاً لألعاب طروادة القادمة. قيصر شخص فريد بحقّ."
"لكنك لابد مقرّ بأنه مفهوم عبقريّ حقاً، أليس كذلك؟"
سأل سبوريوس بضحكة. شعر وكأن هذا الجهاز ينطوي على إمكانيات أعظم بكثير. فالقدرة على إعادة إنتاج النصوص والرسوم بمثل هذه السهولة بدت ثوريّة. كيف سيغير هذا مستقبل روما؟ الكتب، والرسوم، وحتى المنشورات.
"أكاد لا أطيق الانتظار لرؤية إلى أين سيقودنا هذا."
تابع حديثه مراقباً العمال وهم يُجهزون ورقة العمل التالية.
"قال قيصر بنفسه إن هذه الأختام ستغدو بالغة القيمة في المستقبل القريب."
"قيمة؟ هذه القصاصات الورقية؟"
"حسناً، إنها الأولى من نوعها في النهاية."
هز سبوريوس كتفيه وهو يتابع حديثه.
"بصراحة، لست متأكداً تماماً أنا الآخر."
* * *
فور قبول الجملة اليهوديّة مقترح لوسيوس، تدفقت مبالغ طائلة من الذهب إلى الفنانين. كانت المهمة الموكلة إليهم بسيطة: إنتاج أكبر عدد ممكن من المنحوتات الصغيرة المخلّدة لألعاب طروادة. ورغم أن نجّاري الخشب شكّلوا جوهر المشروع، فقد انضم إليهم عدد كبير من الحرفيين الذين يصنعون تماثيل الصلصال أو الشمع.
"على فكرة، ما هذا التصميم الذي يُفترض بنا نقشه على قاعدة التماثيل؟"
"بلغني أنه أحد رموز اليهود المقدسة. يبدو أنهم يريدون أن يعرف الجميع أنهم هم من موّلوا هذا."
"يعتبرون مجرد شماعيّة مقدسة؟ يا له من أمر غريب."
وفي غضون ذلك، ومع اقتراب موعد ألعاب طروادة، لم يكن الحرفيون المحليّون وحدهم من يعانون زحمة الأعمال.
* * *
"لقد جعلته قائداً للفصائل اليونانيّة تحديداً لقطع صلته بلوسيوس قيصر، ورغم ذلك...!"
أطلق كوينتوس ميتيلوس زئيراً وهو يهوي بقبضته على مكتبه. وعلى وقع غضبه المفاجئ، سارع العبيد المحيطون به إلى التراجع. قليل من الأمور كانت أشد حماقة من البقاء بالقرب من سيد غارق في نوبة غضب.
"بدلًا من ذلك، يتبع لوسيوس كالتابع المخلص."
نقر ميتيلوس بلسانه اشمئزازاً.بدأ الأمر برمته من المؤامرة التي تورط فيها المتطرفون اليهود. فقد دعم ابنه وابن أخيه لوسيوس قيصر، وبات أعضاء مجلس الشيوخ الآخرين ينظرون إلى الاثنين على أنهما منحازان تماماً لفصيل لوسيوس. وهكذا قلّص أفراد آل ميتيلوس الأقوياء أنفسهم ليلعبوا دور الأتباع للشعبويّين. كان قد عيّن ابنه قائداً للفصائل اليونانيّة خصيصاً ليجعله في مواجهة لوسيوس قيصر.
ومع ذلك، كان ابنه يقبل في الوقت الحالي مساعدة لوسيوس ويتدرب إلى جانبه. وحتى إنّ شائعات سرت تفيد بأن الفصائل الطرواديّة واليونانية تجتمع كل يوم لممارسة رياضة سخيفة ما.
"لابد أن لوسيوس قد سحر ابني بواحدة أخرى من خططه الحمقاء."
تمتم من بين أسنان مصكوكة. لم يكن بمقدوره الجلوس مكتوف الأيدي ومراقبة سلالته المرموقة وهي تتخبط في العار.
"يجب أن أحلّ هذه المشكلة بطريقة ما."
"ما الذي تنوي فعله يا سيد؟"
سأل عبد نوميديّ يقف بجانبه وهو ينحني منخفضاً.
"في هذه المرحلة، بات تغيير رأي ابني الأحمق أمراً شبه مستحيل. فقد كاد يحط من قدره ليصير عبداً للوسيوس."
قال ميتيلوس، وقد التوى وجهه في عبوس عميق. بيد أن الخيارات لم تنفد منه تماماً بعد.
وأضاف بابتسامة باردة: "إن كان لوسيوس يتعطش للمجد إلى هذا الحد، فلنتجهّز إذن لنتوّجه، ليرى جميع أهالي روما حقيقته على أصولها أخيراً."