تأمّل تيان النّار بحيرةٍ. لم تكن لديه أيّة فكرةٍ عمّا يمكنه فعله. كان جلّ ما يعرفه هو مكبّ النفايات وكلّ مشاكل جسده. والغابة والنّهر. هذا كلّ ما في الأمر.
«لا أعلم. طعامٌ يكفي. ومكانٌ جافٌّ أنام فيه حيث لا تستطيع الحيوانات عضّي. ربّما ملابس أفضل وشيءٌ أطبخ به؟ لا أظنّ أن بإمكاني الطّبخ كثيراً على ورقةٍ أو عودِ خشبٍ. أودّ فعل أيّ شيءٍ يمنحني ذلك».
أترغب في لقاء النّاس؟ والعيش في منزلٍ لطيفٍ مثلهم؟
«لا. إنهم مرعبون ويقذفون الحجارة. لا أظنّ أنّني أودّ حقّاً أن أكون بشراً. أو أن أكون حول البشر على أيّ حال».
غريزة بقاءٍ جيّدة في الوقت الحالي، لكن... سيجب علينا العمل على تلك النّقطة. أخمين أن بإمكاننا البدء بمقولة «الإنسان كائنٌ يجب تجاوزه» والمضيّ قدماً من هناك. ما رأيك بشيءٍ أكثر بدائيةً قليلاً... الأمان. كيف تعجبك الفكرة أن تكون قويّاً لدرجةٍ لا يستطيع معها أحدٌ إيذاءك؟
أومأ تيان برأسه. «بالتأكيد هذا أمرٌ جيّد».
في مستوىً عالٍ من الاستزراع، لا يحتاج النّاس إلى الأكل بعد الآن. إنهم يفعلون ذلك من أجل المتعة فحسب. أتريد ذلك؟
«ألا يشعر المرء بالجوع أمرٌ جيّد».
الخلود؟
«لا أعرف ما هذا».
أن تعيش إلى الأبد، أو لفترةٍ طويلةٍ لدرجة تبدو معها كأنّك تفعل ذلك.
«لا، هذه فكرةٌ فظيعةٌ. التألّم إلى الأبد يبدو شيئاً سيّئاً».
ستكون بصحةٍ جيدةٍ. بلا ألمٍ عندما تتبوّل، وبلا آلامٍ حادّةٍ مُباغتةٍ في أحشائك أو تسري في نخاع عظامك.
اكتفى تيان هزّ رأسه. لم يستطع تخيّل ذلك.
كنت سأسأل عن الثّراء، لكنّك لا تملك هذا المفهوم بعد. وكذلك الشّهوة، ويا لسعادتي لأن سوء التّغذية يساعدني في هذا الأمر. لم أظنّ أبداً أنّني سأقول ذلك، ها نحن ذا.
«جدي، أنا لا أفهم أيّاً من هذا».
ستفعل. لكن في الوقت الحالي، لا بأس إن لم تفعل.
خيّل لتيان أنه شعر بتنهيدةٍ.
أنت موجّه نحو البقاء حقّاً. وهو أمرٌ جيّد، لكنّه محدودٌ أيضاً. تحتاج إلى المزيد من السّياق، والمزيد من الخبرة. والمزيد من الاحتكاك ببشرٍ آخرين. حتّى وإن كنت لا تحبّهم.
مراقب تيان النّار وهي تشتعل. تحوّلت الأعواد البنيّة إلى سوداء، ثُمّ إلى جمرٍ أحمر متوهّج، ثُمّ إلى رمادٍ أبيض وتوقّفت عن الاشتعال، لكنّها ظلّت شديدة السّخونة. لا تزال ترعبه، لكنّها كانت جميلةً أيضاً. تحوّل الضّوء والشّكل. صوت الطّقطقة المتدفق. مرعبةٌ، لكنّها مريحةٌ. ويمكنك طهي الطّعام بها. لم يكن يريد أبداً فقدان ذلك.
«برأيك، ماذا يجب أن أفعل يا جدّي؟ عدا عن إنقاذ العالم».
سيبدو الأمر غريباً صادراً عن وحشٍ عجوزٍ مثلي، لكنّني أُريدك أن تجد شيئاً تحبّه، وأن تقوم به من كلّ قلبك. حتّى عندما يكون مُمِلاًّ، أو محبطاً، أو يبدو كأنّك لا تحرز أيّ تقدّمٍ. أُريده أن يكون شيئاً تجد فيه الرّضا. أنت تعلم كيف يتعفّن كلّ شيءٍ في مكبّ النفايات. في النهاية، كلّ شيءٍ، حتّى الفخار والمعدن، يتحلّل.
«مم همم».
العالم برمّته هكذا. لا يهمّ إن كنت سيّداً مبجّلاً خالداً عظيماً ذا عشرة مليارات نصل أو أياً ما كان، ففي النهاية يموت حتّى الخالدون. وفي النهاية، تحوّل إبداعاتهم إلى غبارٍ ويطويها النّسيان. قد يستغرق الأمر وقتاً أطول عند البعض مقارنة بالبعض الآخر، لكنّ في النهاية، كلّ شيءٍ يتعفّن.
«حسناً؟»
إذن ها هو ذا. هذا هو كلّ ما هناك. يجب أن يُنفق اختيارك لكيفية قضاء هذه الحياة على ما يجلب لك البهجة، ونأمل أن يجلب البهجة للنّاس من حولك. لا شيء سيجعل العالم مكاناً أفضل إلى الأبد، ولكن بما أن الوقت الحالي هو كلّ ما هو متاحٌ، أليس حسناً بما يكفي جعله أفضل للوقت الحالي؟
«أتراني يجب أن أفعل أيّ شيءٍ يجعلني سعيداً فحسب؟»
أكثر من مجرد سعيدٍ - يجب أن تفعل ما يمنحك الرّضا. ما تجد فيه معنىً. وحينها سيتعين عليك معرفة ما يجب عليك فعله لدعم ذلك. قد يتطلب منك تربية عائلةٍ دراسة الزراعة، أو درب المال. قد يتطلّب الدفاع عن عائلتك إتقان السّيف أو الرّمح. قد يتطلّب شفاؤهم إتقان الفنون الطبية، أو إنشاء التشكيلات، أو حتى صياغة أدواتٍ قويةٍ.
في كلّ حالةٍ، ونظراً لعدم معقولية العالم المطلقة، ونظراً للأشياء غير المبررة وغير العادلة تماماً التي ستحدث لك، سيتطلب الأمر قوّةً. قبل كلّ شيءٍ، سيتعين عليك أن تكون قويّاً. وسيعني ذلك أنك ستنتهي بإنقاذ العالم، لأنّ السّماوات الحاقدة لن تمنحك السلام حتى تفعل ذلك.
ضحك تيان. «جدّي، أنا لم أفهم أيّاً من هذا».
لقد فهمت. وستقضي ما تبقى من حياتك في تعلّم مدى صوابي.
نهض تيان مع الشّمس، سامعاً الضّجيج الذي تحدثه الطّيور لإعلان ضوئها. «جدّي، إلى أين نتجه الآن؟ هل ما زلنا ذاهبين إلى الجبال؟»
نعم، لم يبعدنا النّهر كثيراً عن مسارنا. لنختر بضعة أشياءٍ لنأكلها على طول الطريق، ولننطلق.
كان محظوظاً بعض الشيء - فلم تكن هناك هجمات نمورٍ عشوائية، أو هجمات طيورٍ، أو حوادث غابةٍ شائعةٍ مشابهةٍ. وُجد عشّ زنابيرٍ بحجم رجلٍ كامل النمو، لكنّه مشى بعيداً جداً حوله.
خلايا النّحل العملاقة تستحق الاستكشاف، وغالباً ما يكون عسلها مميزاً للغاية. ستعجب بالعسل عندما تجربه - مادة شديدة الحلاوة. بل إنّ بعض العسل كنزٌ نادرٌ لتحسين الجسد. أمّا الزنابير فلا. فهي لا تصنع العسل. الزنابير بارعةٌ حصريّاً في مكافحة الآفات، وصولاً إلى اللحظة التي تصبح فيها مصدر إزعاجٍ. ابقَ بعيداً جداً إن استطعت.
كأنّ تيان استطاع شعور عبوس الجدّ. كما أن الدبابير لقطاء قتلةٌ، جميعها، وستقتلك إن استطاعت. وهي قادرةٌ بالتأكيد. إن رأيت واحداً، فابقَ بعيداً عنه. وإن كان لزاماً عليك قتلُه، فاقتله، ثمّ اركض بعيداً، بعيداً جداً. يمكنها شمّ رائحة موت أحد أفرادها، وهي تنتقم دائماً.
كانت هذه هي القاعدة للرحلة. لكل شجرة حكاية، وفائدة، وسرّ. وكل الصخور كانت لها أسماء، وكان بوسع المرء قراءة الغيوم كأنها آثار أقدام حيوانات الغابة. وكان الجدّ جون يعرفها جميعاً. لم يكن يصرّ على أن يتذكر تيان كل شيء، لكنه كان يصرّ بين الحين والآخر على أن حفيده قادر قطعاً على إخباره بأربعة أمور تُصنع بنبتة رونو، أو التمييز بين ندائي طائرين يبدوان متطابقين تماماً؛ أيهما نداء استغاثة لطائر إرهاب النمل ذي الحنجرة الخضراء، وأيهما نداء لنفس الطائر يتظاهر فيه بالاستغاثة ويطلب التعزيزات.
أبلى تيان بلاءً حسناً في الاختبارات. كان كل هذا ساحراً لدرجة أنه لم يستطع إلا أن ينتبه. كان الأمر أشبه بأن العالم يخاطبه، والجدّ يعلمه الكلمات. كان باستطاعته تعلم تلك اللغات أيضاً. وكل ما كان عليه فعله هو الانتباه، والإصغاء.
كان الأمر ذاته حين يتوقفان عند حلول الليل. فقد كان كل مخيّم يُختار لعدة أسباب، ولكن دائماً على أرض منسطحة بالقرب من الماء.
إياك ثم إياك أن تنصب خيمتك في منخفض! قد تظن أنك تظهر ذكاءً بابتعادك عن الرياح، لكن الهواء البارد ينحدر على جوانب المنخفض وسيجمدك. والأمر سيان بالنسبة للماء. قد تنجو بفعلتك تلك في ليلة دافئة وصافية ضمن مناخ دافئ، لكنني بالتأكيد لن أراهن على ذلك.
«ما هي الخيمة؟»
تشبه منزلاً متنقلاً أو مأوى مصنوعاً من القماش. هممم. لدينا بعض الوقت قبل غروب الشمس. سأريك هذه المرة كيف تبني مأوى مائلاً. إنه يشبه الخيمة بعض الشيء، من حيث الشكل على الأقل.
«جدّي؟ أستختفي مجدداً بعد أن تعلمني كل هذه الأشياء؟»
هذه أدنى حِكَم البشر وأحكام الحيوانات. إذن لا، تكلفة الطاقة تُعوَّض بالكامل. هناك نقطة عمياء بعض الشيء في هذا الأمر. هي هه.
«نقطة عمياء لمن؟ وماذا تعني كلمة "تُعوَّض"؟»
أوه انظر- أترى تلك النبتة ذات الأوراق الشائكة والعروق مائلة الأزرقاق التي تسري على طول الساق؟ التقطها! إنها تمتلك طاقة غذائية هائلة حقاً. وطعمها ليس سيئاً أيضاً.
لقد بات تيان يحب التطلع إلى النجوم. لم يكن يدرك أن سماء الليل بهذه الجروحة من الجمال، أو أن هناك الكثير من الأسرار الخفية فيها. كان يُمعن النظر في مليارات الأنوار داخل الفراغ اللانهائي ويترك روعة المشهد تغمره بأسرها. كان الجد يتوقف عن الكلام في تلك الأوقات. واعتقد تيان أنه لا بد أنه يحب النجوم أيضاً.
«جدّي؟ إلى أاين نحن ذاهبان، بخلاف الجبال؟ أسنذهب إلى هناك حقاً لننظر حولنا على أمل إيجاد شيء مفيد؟»
أجل.
كانت أصوات حفيف الليل تحيط بهما كبطانية دافئة من الأصوات. أحياناً كانت الحشرات مزعجة بصوتها العالي، لكن لم يكن في ذلك بأس أيضاً. يمكنك أكلها، وإن أرادت الصراخ للإفصاح عن مكانها، فذاك أفضل بكثير.
«بهذه السهولة؟»
السهولة كلمة مبالغ فيها بعض الشيء، ولكن نجل. نحن نتحرك هنا بتناغم مع الطبيعة، لا ضدها. هذا العالم مبني حول تلك الطاقة الكاونية التي كنت أتحدث عنها. إنها شاسعة وعميقة، وإذا حاربتها فستقتلك. أما إذا تعلمت التحرك معها، وتعلمت الرقص على إيقاعاتها، فستغدق عليك البركات. وستمهد لك طريقاً واضحاً نحو القوة، حتى وإن بدا وكأنه لا يوجد طريق البتة.
لا أعرف ما سنعثر عليه، وبصراحة، لا تكاد تهمّ الأمور. نحن نبني أساساً للأساس. بحق الجحيم، ما زلنا نختار موقع البناء ونتسوق لاختيار المقاول العام، ولم تُعتمد التصاميم الهندسية بعد. فقط راقبني. سيكون هناك شيء ما. سيوفر الداو ما يلزم.
بعد أسبوع ونصف، كان تيان مستلقياً تحت شحيرة، مطلاً على بركة مليئة بزنابق الماء المتأرجحة.
محظوظ. حسناً، اعتماداً على كيف تعرف الحظ. هذه بلا شك زنابق بلا غبار، وهي نبتة من رتبة البشر الأرضيين التي يمكن أن تنمو لتصل إلى رتبة البشر السماويين إذا مُنحت وقتاً كافياً. لم تصل هذه الزنابق إلى تلك النقطة تماماً بعد، لكنها ربما على بعد سنوات قليلة فقط من ذلك.
«لماذا يُعد ذلك أمراً جيداً؟» كان صوت تيان بالكاد يُسمع فوق الهمس. كان بإمكانه رؤية ثعبان كبير واحد على الأقل بالقرب من الماء، وكان واثقاً في سريرته من وجود الكثير غيره مما لا يمكنه رؤيته.
لأن الزنابق لو كانت من مرتبة البشر السماويين، لانفجرتَ محاولاً أكلها. أو لذبتَّ في حمام طبي، أو في حالة مؤسفة حقاً، لأصبحت أرضاً خصبة حية لزنبقة طافرة.
«يبدو ذلك الثعبان ساماً يا جدّي.»
أفعى السموم الثلاثة والموت السبع؟ أجل. شديدة السمية، ونادراً ما تكون وحدها. تلك التي يمكنك رؤيتها هي على الأرجح الأضعف في العشيرة، وقد أُجبرت من قِبل البقية على العمل كطعم للمفترسات الساذجة. أما الباقيات ففي البركة، ينتظرن وصول الفريسة.
«إذن كيف سنحصل على الزنبق؟»
الزنابق -بالجمع-. عشرة على الأقل. ستحتاج إلى مجموعة منها إن كنا سنستخدمها كمكون رئيسي لشوربة تيان الصاقلة. وهذا يعود إليك وحدك.
رمش تيان بعينيه. «ماذا تقصد؟»
أعني أن الأمر متروك لك. أوه، إن استطعت، فالتقط بعضاً من تلك الأفاعي، حوالي اثني عشرة أفعى أو نحو ذلك؟ يمكننا استخدامها أيضاً.
«يا جدّي، مستحيل تماماً.»
دائماً ما توجد طريقة. تذكر هذا- الكنوز تسعى دائماً للحماية من الأقوياء. الأشياء الجيِّدة ستجد دائماً من يرمقها بنظرات الرغبة في امتلاكها. الكنوز الطبيعية ستجذب دائماً الوحوش الحارسة إليها. هذه الزنابق بلا غبار تربطها علاقة تكافلية مع الأفاعي - فهما تساعدان بعضهما البعض على النمو. سيكون الوضع هكذا بغض النظر عن الكنوز التي نعثر عليها. أتذكر النمر والكمأة؟
«نعم، لكن كيف يُفترض بي الحصول عليها؟»
أنتَ تخبرني. لقد أمضينا سنواتٍ في تدريب جسدك. أنتَ مقاومٌ للسموم والسموم الفتاكة، وتمتلك ردود فعلٍ ممتازة، ورأساً مليئاً بالحكمة البشريّة والمعرفة الأرضيّة. لقد فتحتْ خزينةُ العالم أبوابَها لك، ولو بمقدار شقٍّ رفيعٍ كشعرة. لذا، هذه المشكلة لك لكي تحلّها. لقد كان الكمأ حظاً سعيداً لم نكن نسعى إليه. هذا حظٌّ سيتعين عليك القتال من أجله. لقد حان الوقت، أيها الحفيد. حان الوقت لتسدّد ضربتك الأولى في معركتك الطويلة، وتنتزع مصيرك!