فخر السماء الفصل 74 — لكلّ حياة معاناة فريدة

اقرأ فخر السماء الفصل 74 — لكلّ حياة معاناة فريدة باللغة العربية على مانجا تايم.

بقي اثنانُ طوالَ بقيةِ اليومِ صامتيْنِ. كانا معتاديْنِ على حياةِ الرهبنة، ورغمَ أنَّ الإخوةَ والأخواتِ لمْ يُؤدُّوا قَطُّ قَسَمَ الصمتِ، إلَّا أنَّهُم قَضَوْا وقتاً طويلاً هائلاً في التأمُّلِ. وقدِ اكتسبَ الصغيرانِ تلكَ العادةَ. كانَ تيان مُمَتَّناً للهدوءِ، فرأسُهُ كانَ يَكْدِمُ بالألمِ. كانَ قضاءُ اليومِ في التأمُّلِ مُمِلّاً، لكنَّهُ لَمْ يَكُنْ الأسوأَ. لكنَّ تيانَ شعَرَ بالحاجةِ عاجلاً أم آجلاً لسؤالِ شيءٍ ما: «إذنْ، لكي نكونَ واضحينِ، أَلستَ غنيّاً؟ لأنّي كنتُ واثقاً من أنَّكَ غنيّ». «لستُ غنيّاً. أنا أغنى منكَ، لكنَّكَ أفقرُ شخصٍ في الأرضِ المقفرةِ. ما كنتُ لأظنَّ ذلك ممكناً. بصراحةٍ، لم يُصَدِّقْ أحدٌ أنَّ بمقدورِكَ فعلَها. لكنْ يا سماءَنا، لقد تمكنتَ من التفوقِ في الفقرِ على المارقينَ». «يُكررُ النَّاسُ على مسامعي ذلكَ، وأنا لا أفهمُهُ. لا أشعرُ بالفقرِ. في بعض الأحيانِ لا أملكُ ما يكفي من المالِ أو الجداراتِ لأجلِ الأشياءِ، لكنَّ الأمرَ ليسَ بهذا القدرِ من الأهميةِ. الأمورُ تسيرُ على ما يرامُ». ضحكَتْ هونغ بخفةٍ: «وجباتُكَ مَدْفوعةُ الثمنِ من الطائفةِ، وسلاحُكَ مَدْفوعُ الثمنِ من الطائفةِ ممَّا نِلْتَهُ من الطائفةِ، نظيرَ عملٍ قُمْتَ بهِ خِدمةً للطائفةِ، لصالحِ شخصٍ يعملُ لصالحِ الطائفةِ، ومَصنوعٌ من موادِّ جَمَعَها أشخاصٌ آخرونَ في الطائفةِ. تعيشُ في معبدٍ بَنَتْهُ الطائفةُ، على أرضٍ تملُكُها الطائفةُ، وتدرسُ نُصوصاً كتبَتْهَا وجمَعَتْهَا الطائفةُ، وترتدي زِيّاً تَفُرْضُهُ الطائفةُ... ألا تَرَى نمطاً هنا؟» «أَحْقاً؟ أنا أخٌ علمانيٌّ في الطائفةِ». «وكيفَ تَسَنَّى للطائفةِ امتلاكُ كلِّ هذهِ الأشياءِ لتُعطِيَها لكَ؟» «لا فكرةَ لدي». هَزَّ تيان كتِفَيْهِ. لَمْ يَتَسَاءَلْ يوماً حَقّاً هكذا كانتِ الأمورُ وحسبُ». «أَتَدْرِي ما الإيجارُ والضرائبُ؟» «نعم، تَظْهَرُ كثيراً في الكتبِ التي يُجبرنِي الأخُ فو على قراءتِها». «وما شأنُ البارجةِ الطائرةِ العمالقةِ التي وظيفتُها الأساسيَّةُ التجارةُ الدوليةُ، وفقاً لأخواتي على الأقلِّ؟» «ماذا تعني التجارةُ الدوليةُ؟» «التجارةُ بين البدانِ. لكنَّ الأمرَ في هذهِ الحالةِ يَتَعَلَّقُ حقّاً بالتجارةِ بين الطوائفِ. كانَ لإحدى أخواتي صُغرى صَارَتِ الآنَ في القاعةِ الداخليةِ وتعملُ كاتبةً. على ما يبدو، تذهبُ "السيل الصيفيُّ" في جولاتِ تجارةٍ طويلةٍ بجنونٍ، مثلَ عَشْرِ أو عشرينَ سنةً أو أكثرَ، جامعةً محيطاتٍ مُطْلَقَةً من الأشياءِ في كلِّ مكانٍ وحاملةً إياها حتَّى تجدَ مكاناً لتفريغِها بربحٍ. توجدُ هُناكَ مصنعٌ كامِلٌّ من الحرفيينَ، فضلاً عن مزرعةِ أعشابٍ ذاتِ حجمٍ لائقٍ ومجموعةٍ كاملةٍ من الأشياءِ الأخرى. مثلُ ديرٍ عملاقٍ يَطيرُ في الأرجاءِ ويحاولُ جنيَ قدرِ المستطاعِ لأجلِ الطائفةِ». ضحكَ تيان بخفةٍ: «صعبُ التخيُّلِ. لقد كنتُ على متنِها، ومن الصعبِ تخيّلُها». «نعم. يتطلبُ الأمرُ مالاً طائلاً لِيَدَعَكَ تعيشُ كصعلوكٍ». عامَلَ تيانِ الأمرَ بأسرِهِ وكأنَّهُ لُغزٌ يجبُ فكُّ عُراهُ. فمن ناحيةٍ، لم تكنِ الطائفةُ تُعاملُهُ كشخصٍ مميزٍ. فعَلَ الأخُ فو ذلكَ، وفعلتِ العجوزُ روي، والخالةُ وو والإخوةُ، لكن ليسَ الطائفةَ ككلٍّ. ما حصلَ عليهِ كانَ ذاتَ ما حصلَ عليهِ الجميعُ، عاجلاً أم آجلاً. أفضلُ بقليلٍ لأنَّهُ كانَ في القاعةِ الخارجيةِ لبلدةِ الغربِ، لكنَّ ذلكَ لم يكنْ يخُصُّهُ. ومن ناحيةٍ أخرى، كانتْ هونغ على حقٍّ. كانَ هناكَ خدَمٌ بشريونَ في المعبدِ. كانَ عليهِم إحصاءُ الحبوبِ للتأكدِ من أنَّ البشرَ يُقدمونَ كُلَّ ما يُفترَضُ بهِم تقديمُهُ. تلكَ الحبوبُ أَتَتْ من مكانٍ ما. صارَعَ الأمرَ صَمتاً لبضعِ ساعاتٍ، ثمَّ هَزَّ كتِفَيْهِ. اسْتَقَرَّتْ هونغ لقراءةِ كتابٍ وأطلقَتْ صرخةً قصيرةً حينَ تحدثَ تيان من العدمِ: «كبيرٌ للغايةِ. أنا لا أفهمُهُ. لكني أعرفُ ما يأملُهُ الإخوةُ منِّي وما يتوقعونَه منِّي، وهذا سيكونُ كافياً في الوقتِ الراهنِ. كُلُّ شيٍء آخرَ، سأكتشفُهُ لاحقاً». «أيُّ شيءٍ يَجْعَلُ الإخوةَ سعداءَ، أليسَ كذلكَ؟» «نعم». تنهَّدَتْ هونغ: «محظوظٌ أنتَ». انطلقا في صباحِ اليومِ التالي قبيلَ الفجرِ. كان ضوءُ النهارِ المتنامي يُعمي الأعينَ بعدَ كلِّ هذا الوقتِ في الظلامِ. أشارتْ حلقاتُ البوصلةِ إلى طريقِ العودةِ نحو المستودعِ. ليسَ هناكَ ما يُفعلُ سوى الانطلاقِ. سافرا لمدةِ ساعةٍ بعيداً عن الحافةِ الصخريةِ التي خيما فيها حينَ لمَحَا قافلةً أخرى. «أَتَعْرِفُ ما تلكَ الحيواناتُ؟» «لا فكرةَ لدي. لها أربعُ أرجلَ مثلِ الحصانِ، لكنْ بخلافِ ذلكَ...» هزت هونغ كتفيها: «يبدو أنَّهُم يَحملُونَ بضائعَ وركاباً عليها معاً. شخصٌ واحدٌ لكلّ... أياً ما كانَ ذلكَ. وهُم يتحركونَ ببطءٍ شديدٍ أيضاً». أحصى تيان قرابةَ مائتي شخصٍ في القافلةِ. كانوا ملفوفينَ مِثْلَهُ، لكنَّ ملابسهُم كانتْ أكثرَ رخاوةً بكثيرٍ. ضَيَّقَ تيان عينيهِ: «فنُّ إدراكِي لا يزالُ خاميّاً- أَتلكَ المرأةُ تحملُ طفلاً؟» «إنَّها تفعلُ. وهيَ ليستِ الوحيدةَ. انظرْ، ذلكَ... أياً ما كانَ... لديهِ طفلانِ يمتطيانِه». أشارتْ هونغ، مُتجاهلةً حقيقةَ أنهَا وتيان كلاهما في الثالثةِ عشرةَ فقطْ. «بشرٌ. هناكَ بشرٌ يعبرُونَ القفرَ. لا بدَّ أنَّ هناكَ ممارسينَ ممتزجينَ بالقافلةِ، لكنَّ الأمرَ يبدو مختلفاً عن قافلةِ التُجَّارِ». «إنَّها تتحرَّكُ ببطءٍ أكبرَ بكثيرٍ، لسببٍ واحدٍ». وافقَتْ هونغ. «ما عساهُم يفعلونَ هُنا؟» «لا فكرةَ لدي. لكني أُراهنُ على أنهُم متوجّهونَ نحو الكهفِ الخفيِّ. بالسرعةِ التي يسيرونَ بها، سيستغرقُ الأمرُ بضعَ ساعاتٍ للوصولِ إلى هُناكِ، إنْ لم يكنْ أغلبَ اليومِ». «هذا منطقيٌّ. سيُفسرُ ذلكَ كلَّ تلكَ المقصوراتِ لسببٍ واحدٍ. كيفَ لا يُؤكلونَ من قِبَلِ كُلِّ شيءٍ؟» سألَتْ. «لا فكرةَ لدي». راقبا القافلةَ وهي تتخبطُ في مسيرِها. «لا أظنُّ أنَّ هناكَ ممارسينَ هُناكَ. أظنُّ أنَّهُم بشرٌ جَميعاً». قالتْ هونغ. «لماذا؟» «مجردُ شعورٍ. انظرْ كيفَ يتحركونَ ببطءٍ. موكبُ تُجَّارٍ يَستأجرُ سادةَ غُو ما إن يُغادروا خَندَقَ الصخرِ الأسودِ يغدو منطقيّاً نوعاً ما. هذهِ قبيلةٌ تهاجرُ. لا يوجدُ ما يكسبُهُ ممارسٌ في الأمرِ، وكانَ سيستغرقُ الأمرُ جهداً كبيراً لصناعةِ تلكَ المساحةِ في التلِّ. لَمْ تَكُنْ لتفعلَ ذلكَ بلا ثمنٍ». راقبا القافلةَ لبضعِ دقائقَ أُخريينِ، مُتعجبيْنِ من الجمالِ ذاتِ السنامينِ والرداءاتِ الفضفاضةِ المرفرفةِ للبشرِ. لقد بَنَى اثنانِ منهما حتى مظلاتِ شمسٍ بسيطةٍ وربطَاها بسُروجهما، لكي يتمكنا من الركوبِ في ظلٍّ ما على الأقلِّ. اعتقدَ تيان أنَّ ذلكَ كانَ ذكيّاً للغايةِ. سيكونُ مزعجاً حملُ مظلةٍ طوالَ اليومِ، لكنَّهُ رأى الجاذبيةَ في الأمرِ. كانتْ للشمسِ طريقةٌ في الحفرِ داخلكَ. «عقاربُ عملاقةٌ. طيورٌ شيطانيةٌ. تلكَ الحشراتُ الحافرةُ الصغيرةُ التي تبرزُ من الرمالِ ويوجدُ الآلافُ منها وكلُّها تمتلكُ حُمَاتٍ أطولَ من عَرضِ إبهامي. كُلُّ. يومٍ. لعينٍ. كيفَ هُم أحياءٌ؟» لمْ يَكُنْ تيان مستعداً للتخلي عن الأمرِ. «لا فكرةَ لدي. لعلَّ ذلكَ لأنَّهُم بشرٌ؟ إنْ كانَ الأمرُ لِيَسريَ على الممارسينَ، لكُنَّا نفعلُهُ». «لا يمكنُ أنْ تكونَ الأمورُ هكذا». «أتريدُ الذهابَ وسؤالَهُم؟» تنهّدَ تيان: «لا. هذا شيءٌ علَّمني إياه الإخوةُ. لا يجيءُ شيءٌ جيدٌ من اختلاطِ البشرِ بالممارسينَ». أومأتْ هونغ. ركضا مُبتعدَيْنِ مجدداً. وخلفَهما، شقَّتِ القبيلةُ طريقَها عبرَ الرمالِ المتحركةِ. بحذرٍ، لكن بلا خوفٍ. فقدْ كانا يعلمانِ أنَّ عينيّ الملكِ عليهما. _____________________________________________________________ «انظرْ، هذا أشبهُ بما كنتُ أتوقعُهُ». تمتمَ تيان بخفةٍ. ثلاثُمائةِ ياردةٍ من الأرضِ المقفرةِ تحولتْ إلى ما يشبهُ حديقةَ تماثيلَ، حيثُ كانتْ كلُّ المنحوتاتِ مصنوعةً من الرَّمْلِ. كانتْ تُشبهُ بشراً مشكلينَ بخشونةٍ، مُذابينَ بنصفِهِم ثمَّ منحوتينَ بفعلِ الرياحِ. رقصتْ نيرانٌ حمراءُ باهتةُ فوقَهَا، مرئيةً حتَّى في شمسِ الظهيرةِ. «لا أستطيعُ القولَ إنَّ الأمرَ يبدو مُريحاً»، أومأتْ هونغ على مرَغَمٍ منها «حتَّى وإنْ بدا أشبهَ بقفرِ الحجرِ الأحمرِ الذي أعرفُهُ. أَتسمعُ صوتاً خافتاً للصراخِ؟» «نعم. وليسَ خافتاً، بل عالي النبرةِ للغايةِ. نحنُ لا نسمعُ أغلبَهُ، لكنَّ فنَّ إدراكِي يلتقطُ الاهتزازاتِ». راقبا النيرانَ المرتجفةَ وهي تحترقُ. بدا أنَّ وجوهَ التماثيلِ الثابتةِ تعاني ألماً. «أَنلتفُّ حولَها؟» سألَتْ هونغ. «التفافٌ عريضٌ». وافقَ تيان. «أَيَّةُ فكرةٍ عمَّا يكونُ هذا؟» «لاشيءَ. التفافٌ عريضٌ للغايةِ». مضيا. «إنَّهَا عادةً حيواناتٌ أو مارقون». لاحظتْ هونغ. «مَنْ قالَ إنَّ هذا ليسَ كذلكَ؟» «عادلٌ». التفّا على نطاقٍ واسعٍ حولَ التشكيلةِ الغريبةِ، مما يعني أنهُم اصطدُمَا صدفةً بمجموعةِ عقاربَ تتحركُ في الاتجاهِ المعاكسِ. تبيّنَ أنَّ أحداً لمْ يرغبْ في الاقترابِ من تلكَ الأشياءِ. خاضتِ العقاربُ العملاقةُ والممارِسانِ نقاشاً قصيراً لكنْ حيويّاً حولَ الداو، ورغمَ كثرةِ أعدادِهِم، انتصرَ المنطقُ العذبُ للقاعةِ الخارجيةِ لبلدةِ الغربِ. لكنْ ليسَ بلا ثمنٍ. «أَتملكُ ترياقاً؟» سألَتْ هونغ. «أفضلُ استخدامَ الخاصةِ بالتائفةِ على الخاصةِ بي. أعتقدُ أنَّ تلكَ التي أعطتْني إياها الجدةُ باهظةُ الثمنِ للغايةِ». «نعم، ترياقُ سُمِّ العقاربِ هو أحدُ ما أملكُ منه الكثيرَ». كانَ لتيان مشاكلُهُ الخاصةُ. كانَ بِدْلَتُهُ الواقيةُ ممزقةً بشدةِ. كانتْ لديهِ عدّاتُ رقاعٍ، لكنَّها صُمِّمتْ لتكونَ رقاعاً، لا لإصلاحِ تمزقاتٍ ضخمةٍ. «من الممكنِ أنني كنتُ استخفُّ بهذهِ الأشياءِ بعدَ قتلِ الكثيرِ منها». تمتمتْ هونغ. كانَ لتيان رغبةٌ قويةٌ متزامنةٌ في مشاكسَتِها بلا رحمةٍ، وفي إبقاءِ فمِهِ مُغلَقاً. كانَ عليهِ ذلكَ. اختارَ أن يُسلمَ الترياقَ صامتاً ويُركزَ على رقعِ البدلةِ. كانَ عليهِ الاعتمادُ على جسدهِ المُطَوَّرِ للتعاملِ مع الغبارِ والتشي المتسربِ. انتقلَ إلى القافزِ العكسيِّ كاحتياطٍ روتينيٍّ ريثما يَعملُ. لا شيءَ يستحقُّ الملاحظةَ. عادَ إلى رقعهِ. ثُمَّ نظرَ بحذرٍ إلى الرَّمْلِ ووضَعَ يدَهُ منبسطةً بلطفٍ عليهِ. ثمَّ استلقى هو نفسُهُ مُنبسطاً عليهِ. «الأخُ تيان؟» «صهْ». كانَ هناكَ شيءٌ ما. اهتزازٌ خفيفٌ باهتٌ للغايةِ، بالكادِ يُمكنُ تمييزُهُ كنمطٍ. كانَ عليهِ إجهادُ الفنِّ وتوجيهِ كاملِ انتباهِهِ نحو الأعصابِ في جِلدِهِ، لكنَّهُ استطاع بالكادِ استشعارَ شيءٍ ما. قدْ لا يكونُ شيئاً. لكنَّ الأمرَ في الاعتمادِ على الاهتزازاتِ عبرَ الرمالِ هو أنَّهُ، إنْ استطعتَ استشعارَهُ، فمهما يكنْ "ذلكَ الشيءُ"، فهو قريبٌ. «أُختي... شيءٌ ما قادمٌ». «ممم؟» سمعَها تقفُ، شعرَ بحركتِهِ كدقاتِ الطبولِ عبرَ الرَّمْلِ. «الاتجاهُ؟» «لستُ متأكداً. توقفي عن التحركِ في الأرجاءِ». بقيتْ ثابتةً. باعدَ تيان بينَ ذراعيهِ ورجليهِ بأوسعِ ما يمكنُ، محاولاً تكوينَ إحساسٍ بمكانِ قدومِ الاهتزازاتِ. «هناكَ». قالتْ هونغ. رَفَعَ تيان رأسَهُ وتتبعَ إصبعَها. لَمْ يرَ شيئاً سوى الصحراءِ المتموجةِ وتموجاتِ الحرارةِ في الغبارِ. «لا أراهُ». «هناكَ- إنَّهُ طويلٌ، لكنني لا أستطيعُ تبيُّنَ شكلِهِ». «أهو قادمٌ نحونا؟» هزَّ تيان رأسَهُ. «لا بأسَ، سؤالٌ غبيٌّ. أيمكنُنا مجاراتُهُ سرعةً؟» «لا». وقفتْ هونغ بثباتٍ، والرمحُ في يدِها. تفرّقا قليلاً، تيان برمحهِ الحبليِّ يدورُ ببطءٍ، وهونغ برمحهَا مستقرّاً على كتفِها. استطاعَ تيان تمييزَ شكلٍ ضبابيٍّ، أقربَ ممَّا كانَ يُفضلُ، وأطولَ. لم يستطعْ تحديدَ ماهيتِهِ أبداً. «أيُّ شيءٍ يمكنكِ إخباري بهِ، أُختي هونغ، سيكونُ موضعَ تقديرٍ». «لديهِ جسمٌ منخفضٌ وكثيفٌ، مغطىً بما يبدو شعراً طويلاً للغايةِ. لا أعرفُ كم قدماً لهُ، لكنَّها أقلُّ من أمِّ أربعٍ وأربعينَ، وأكثرُ من عقربٍ. لا أستطيعُ في الحقيقةِ معرفةَ أيِّ شيءٍ آخرَ». لا بدَّ أنَّهُ فنُّ إدراكِها. هزَّ تيان رأسَهُ. «إنَّهُ يجمعُ جسدَهُ- إنَّهُ يهاجمُ!» صرخَتْ هونغ. اندفعَ تيان يساراً، ركضتْ هونغ إلى يمينِها. كانَ هناكَ صوتٌ مثلَ الريحِ عبرَ الخيزرانِ، وبدا أنَّ الرملَ حيثُ كانَا يقفانِ قد أخرجَ المئاتِ من الإبرِ الرفيعةِ كالشعرِ. صَارَ أياً ما كانَ أكثرَ وضوحاً بقليلٍ. كانَ بطولِ عشرةِ أقدامٍ ربما، أطولَ من هونغ، وامتدَّ الشعرُ الطويلُ ثلاثةً أو أربعةَ أقدامٍ أخرى حولَهُ. غيرُ مرئيٍّ تقريباً، سريعٌ، مغطىً بإبرٍ طويلةٍ، ويمكنُهُ إطلاقُ تلكَ الإبرِ من مسافةِ عشرينَ قدماً. أقسمَ تيان أنَّهُ ما إن يعودَ إلى المستودعِ، سيتوقفُ عن جرِّ قدميهِ ويحصلُ على سلاحِ مدىً مناسبٍ. لكنْ في الوقتِ الراهنِ، كلُّ ما كانَ متاحاً للفعلِ هو البقاءُ على قيدِ الحياةِ- والفوزُ!