لم يكن تيان ينوِي الكشف عن هويته. لقد رأى العديد من تلامذة القصر الخارجيّ «يحيطون» بهونغ ليرين وجدّتها، التلميذة الحقّيقى. خطر بباله فورا أنهم يشبهون الكلاب المنتظرة للتقدّم وهزّ أذنابها، آملةً في استرضاء البشر ونيل الطعام. كانت الفكرة مقيتة. لذا استدار بحدّة نحو الثكنات تاركاً إياهم يتبادلون الحديث على الطريق. لم يقطع سوى خطوتين تقريباً. - «أيها التلميذ الأصغر تيان، انضم إلينا». بدت الكلمات كأنها تخترق الهواء بلا مقاومة، لتستقر مباشرةً وبوضوح في أذنيه. استدار ومشى نحوه، معدّلاً رداءه أثناء قدومه. انحنى باحترام بالغ، ناظراً إلى الأسفل تماماً كما علّمه الأخ فو. - «تيان زيهاو من معبد مدينة الغرب يُحيي التلميذة الحقّيقى الموقرة». أعقب ذلك صوتُ استنكار. «مؤدّبٌ بالنسبة لطفل برّيّ، أليس كذلك؟» - «شكراً لكلماتي السادة الطيبة. ما زال لدي الكثير لأتعلمه». وكان الأمر كذلك بالفعل؛ فقد بدا دائماً أن هناك كتاب إيكيتات جديداً أو مجموعة نوادر تنتهي بعاصفة من الدماء بسبب خرق للبروتوكول. - «انظر إليّ». فعل تيان ما أُمر به. لم يفهم قطّ مغزى عدم النظر في وجوه الآخرين، لكنّ ذلك كان مُهِمّاً لمن رُكلوا على رؤوسهم، وهذا هو ما كان يهمّ. - «لم تكن الحياة لطيفة معك، أليس كذلك؟» كانت الجدّة هونغ جميلة. بات تيان يفهم ما هو جميل وقبيح الآن، ولا شكّ في أنها كانت فائقة الجمال. كانت بشرتها بيضاء كالللبن وبلا شائبة، وملامحها متناسقة تماماً، وانحناءة حاجبيها تؤطر عينين لوزيتّين عميقتي الغور بلا نهاية. راود تيان شعورٌ غامض بأن هونغ ليرين تنتظرها الكثير من المفرحات إذا قدر لها أن تكبر لتصبح هكذا. - «لم تكن لطيفةً بشكل خاص يا سيدة، لكنّ آخرين عانوا أسوأ». - «أحقّاً؟» أومأ تيان برأسه. «نعم». واصلت الجدّة هونغ تأمّلها له، ثم كظمت ضحكةً خافتة. «أنت حقاً لن تتراجع عن قول هذا، أليس كذلك؟ لقد استنفدت معظم عبارات الأدب التي حفظتها، وها أنت ذا تجذف بلا هدًى في عباب مياه الحديث. لست قلقاً حتى بشأن افتقارك للمجذاف والاتجاه». لم يقل تيان شيئاً. لم يُطرح عليه سؤال حقيقيّ، وعلاوة على ذلك، كانت محقّة. - «تخبرني الصغرى ليرين بأنك فظّ، وأحمق من الدرجة الأولى، وقبيح لدرجة تجعل الطيور تتساقط من السماء والأسماك تطفو ببطونها للأعلى في النهر، وكريه الرائحة، ومربى على أيدي الذئاب، ومن المرجح جداً أنك مصاب بتلف في الدماغ». أومأ تيان برأسه. بدا ذلك شيئاً مشابهاً لما قد تقوله. - «ما لم تقله، ولكنه كان جليّاً من قصتها، هو أنك كنت تحرسها منذ وصولك، واستنادا إلى ظهر رداءها، فقد قتلتَ مهاجماً واحداً على الأقل كان سيقتلها». أومأ تيان مرة أخرى. كان ذلك صحيحاً أيضاً. - «لماذا؟» - «إنها أختي». جعل ذلك الجدّة هونغ ترمش في دهشة وتلقي نظرة حادة على ليرين. «فسّري هذا». أغرقت هونغ ليرين، التي كانت تحدّق في تيان بصدمة مكتومة بالكاد، وجهها بين كفّيها. «إنه يقني المعنى بأننا كلينا عضوان في القصر الخارجيّ لمدينة الغرب. ولا شيء غير ذلك قطّ. لم نتبادل كؤوساً أو أيّ شيء من هذا القبيل. إنه لا يدري حتى ما يعنيه ذلك». - «حسنٌ. حسنٌ». تنفست التلميذة الكبيرة الصعداء قليلاً. «ولكن حقّاً، لا سبب آخر سوى أنها أختك؟» - «لا أحتاج لأي سبب آخر يا سيدة». ابتسمت الجدّة هونغ ببطء. لم يستطع تيان تبمّن ما تشعر به بناءً على تعبيرات وجهها. فقد بدا أن التسلية، والازدراء، وربما حتى مسحةً من الحزن، تتسلّل جميعها من فوق ملامحها. - «أتعلم أنه حين ترتقي إلى مرتبة الشخص السماويّ، تتحسن ذاكرتك كثيراً؟ إنها ليست استذكاراً تامّاً، لكنها قريبة جداً منه فيما يتعلق بالأمور الدنيوية». - «لم أكن أعلم، التلميذة الحقّيقى هونغ». - «هذا صحيح. سأتذكرك يا تيان زيهاو». كان هناك نبرة ما في صوتها، التواءة خفيفة في الصوت جعلت القشعريرة تسري في مؤخرة عنقه. تشبه حفيفاً في العشب، أو هديرًا من كهف مظلم. انحنى تيان. «شكراً لكِ، يا سيدة». - «انصرف». انتشرت الشائعة بأن تيان أجرى محادثة خاصة مع عضوة من القصر الداخليّ. وتلك التي كانت جدّة هونغ ليرين، لا أقلّ من ذلك. لم يكن من النادر تماماً أن يكون لأعضاء القصر الخارجيّ أقارب في القصر الداخليّ. ولم يكن أمراً شائعاً تماماً أيضاً. - «عليك أن تحسب بعض الحسابات بشأن هذا». أوضح الأخ سو بعد عودة دوريته إلى الثكنات. - «بإمكان ممارس مرتبة الشخص الأرضيّ أن يعيش قرابة مئتي عام إذا سارت الأمور على ما يرام. وربما مئتين وبضعة أعوام مع العناية والحظ. أغلبهم لا يعيشون تلك المدة الطويلة، لأن الأمور تسير على نحو خاطئ طوال الوقت. يستطيع ممارس مرتبة الشخص السماويّ عيش ثمانمائة عام بكل سهولة. بالطبع، يتم ذلك في ظلّ ظروف مثالية. سواء أكان الشخص أرضيّاً أم سماويّاً، فإن أُصيب أحد أو قُتل، حسناً، فهذا كل ما في الأمر. باستثناء أن ممارسي الشخص السماويّ يشفون بشكل أفضل بكثير، ويمتلكون وسائل أفضل بلا حدود للحفاظ على حياتهم، وما إلى ذلك وما إلى ذلك». - «هناك عدد أقلّ من تلامذة القصر الداخليّ، لكنهم يعيشون لفترة أطول بكثير». تتابع تيان هذا التفكير. - «نعم، ولكن ليس هذا قصدي تماماً. تبدو نسبة تلامذة القصر الخارجيّ إلى تلامذة القصر الداخليّ تقارب ثلاثة أو حتى أربعة إلى واحد، ولكن في الواقع، إذا نظرنا إلى عدد الأسماء المسجلة لكل قصر في فترة ألف عام، فربما ستكون أقرب إلى أربعين أو خمسين إلى واحد. لماذا؟» فكّر تيان لفترة وجيزة. «لأن الناس يموتون. هناك تلميذ جديد للقصر الخارجيّ في كل مدينة كل عشر سنوات تقريباً، لكن الناس يموتون بهذا المعدل أيضاً. بيد أن عدد قليلاً جداً جداً من الناس هم من يرتقون». - «نحن نجد ممارسين محتملين أكثر مما تتصور. لقد مرت مدينة الغرب بفترة جفاف غير عادية قبل مجيئك. لكن لديك الفكرة الصحيحة. لقد كان معبدنا وديرنا في مدينة الغرب ناجحين بشكل ملحوظ في جعل صغارنا يخترقون إلى مرتبة الشخص السماويّ، على الأقل منذ أن تولى الأخ الأكبر فو والأخت باي زمام الأمور. لقد كان الناس يدرسون أساليبهم، لكن من الصعب تبنيها. إنها تتعارض مع غرائز الممارس العادية». لوّح الأخ سو بيديه في الهواء قاطعاً إياه. «ولكن لهذا السبب وحده، لمجرد تمكننا من إرسال المزيد من الناس إلى القصر الداخليّ، لدينا أفضل معبد ودير في القصر الخارجيّ. لدينا أفضل طعام، وأفضل الأدلة والعتاد، ولا نقلق أبداً بشأن التمويل أو نفاد المهام - الأفضل على الإطلاق في القصر الخارجيّ. وهذا يشكل حلقة حميدة». أصدر تيان صوتاً خافتاً من حلقه، رابطاً بين العديد من الأمور بسرعة. «بالنسبة للآخرين، فإن حظوة، أو حتى مجرد اعتراف من تلميذ في القصر الداخليّ، يمكن أن تعني الفارق بين الفناء والخلود. ليس لديهم أخ أكبر مثل فو أو أخت كبرى مثل باي». أومأ الأخ سو برأسه قليلاً. «إنهم مخطئون بشأن ثقل تلك الحظوة بالطبع. لا توجد حظوة يمكنها منح الإلهام. لكن يمكنك فهم سبب تفكيرهم على هذا النحو». تخيل تيان كيف ستكون الحياة لولا الأخ الأكبر فو، فزحفت القشعريرة على جلده. وتلوّت معدته، لأول مرة منذ ما يقرب من ست سنوات، بالغثيان. لا إخوة كبار مساعدين. لا نصائح. لا حراسة له في المهام، لا تعليم له للطب أو جمع الأعشاب، أو كيفية استخدام فنونه. المزيد من الضرب ورجم الحجارة. قد يسرقون طعامه. بالتأكيد سيقتاتون على طعامه. وما إن يكبر بما يكفي لتكون لديه أشياء تستحق السرقة، فسيسرقونها أيضاً. تذكر إخباره للأخ فو بأن إخوته الكبار يخيفونه. وبأنه قلق بشأن التهامهم له. كان الأخ فو قد قلل من شأن مخاوفه في ذلك الوقت، لكن تيان رأى أن العجوز كان يخفي شيئاً ما. ظن أنه الوجه القبيح لمعبده. وربما كانت تلك هي القبيحة الحقيقية للقصر الخارجيّ بأكمله. عاد تيان فجأة إلى ساحة المعركة، راءياً المهاجمين ينبثقون من الرمال. شاهدهم يطعنون أخاً كبيراً، اثنان ضد واحد. كان يمسك بيد تلك الأخت الكبرى التي لم يستطع إنقاذها، مشاهدة إياها تختنق. ومراقبة النُّور وهو يخفت من عينيها بينما كانت تعصر يده بيأس. عصرتها بقوة لدرجة أنه سمع عظامها تُطحن. - «استفق». تحدث الأخ سو بهدوء، لكن الكلمة هزت تيان كالجرس. لقد عاد إلى الثكنات، وإخوته الكبار يحيطون به. - «هذا يحدث. لا أعرف لماذا يحدث أحياناً وليس في أحيان أخرى. لا يمكنني فهم القلب البشريّ بذلك العمق. إنه يحدث فحسب». كان صوت الأخ سو ناعماً. - «الأخ الأكبر، ما التعويذة التي استخدمتها للتو؟» - «ليست تعويذة، بالمعنى الدقيق للكلمة. ستتعلم. أما الآن، فنَمْ فقط. لقد استحققت قسطاً وافراً من الراحة». لم يفهم تيان حقاً لماذا أمضى الأخ الأكبر سو كل هذا الوقت في شرح أمور القصر الخارجيّ حتى صباح اليوم التالي. كان الناس أكثر لطفاً معه. لم يندفعوا لتقديم أي خدمات له، لكنه نال الابتسامات والإيماءات المؤدبة. لو لم يكن يعلم الحقيقة، لظنّ أنه كسب احترامهم. سُلّمت مكافآت المهام فوراً وبدون أي ضجة. وكانت الدورية إجبارية، لكنها دفعت أربع جدارات عسكرية وثلاث بلورات ممارسة. تفاجأ تيان عندما علم أن خاتم تخزينه يعمل أيضاً كبطارية هويته ويسجل جداراته العسكرية. كان عليه فقط النقر به على الصفيحة الفضية التي قدمها أمين المستودعات، وتمّ تدبر الأمر برمّته بالسحر. شغّل طاقته وشاهد أحرفاً دقيقة تبرز. وُضعت جداراته القليلة المتبقية من المعبد في قائمة منفصلة عن جداراته العسكرية. لم تكن درايته تامة بالسبب، فسأل: - «في الوقت الحالي؟ لا سبب معيّن. لاحقاً؟ سيكون هناك أشخاص يحاولون التهرب من العمل - متظاهرين بأنهم يعملون وهم ليسوا كذلك. آجلاً أو عاجلاً، سيصدر الأمر بضرورة كسب التلامذة عدداً معيناً من الجدارات العسكرية في الشهر وإلا واجهوا العقاب. آه، لكنه بالطبع مقدار مختلف اعتماداً على مستواك ومرتبة ممارستك!» شكر تيان أمين المستودعات، ثم سارع بالمغادرة سريعاً. لقد سأل عرضاً عن تكلفة شراء نبلة حبل مخصصة، واحدة ذات قوة اختراق أكبر. كاد يغشى عليه من السعر المذكور. سيوفر المال. أمضى تيان اليوم في ممارسة كل فنّ يعرفه، لا سيما تقنية الجسم الخفيف. بعد التحدث مع بعض الإخوة الآخرين، علم أنها كانت تقنية غير معتادة إلى حد ما. تسمح تقنيات الجسم الخفيف الأخرى للمرء بالتحرك بشكل أسرع لمسافات طويلة، أو أن يصبح أكثر مراوغة، أو إخفاء صوت خطواته، أو حتى السماح له ببساطة بالقفز أعلى والسقوط بأمان إلى مسافة أبعد مما يفعل عادة. الجسم الخفيف، الأيدي الثقيلة، كانت تغيّر فقط مقدار وزنك. ليس جزءاً معيناً منك فحسب، بل جسدك كله. لكنك ظللت بقوة نفس القدر، وعظامك بنفس الكثافة، وكل شي آخر يعمل كالمعتاد تماماً. كان الأمر سحرياً للغاية. استغرق الأمر بعض الوقت من تيان ليفهم سبب إعطائه هذا الدليل بالذات من قبل الشيخ روي. كان هناك نقطتا ضعف كبيرتان في نبلات الحبل - ضعف قوة الاختراق، وانعدام القدرة على الحركة. تستطيع نبلة الحبل التحرك ككائن حيّ، لكن كان مفترضاً بالمستخدم أن يقوم بحركات صغيرة فقط. كان المفتاح هو خلق الزخم والتلاعب به في النبلة، لا الركض في ساحة المعركة. يمكنك التحرك إن كانت بحوزتك، لكنها لا تستطيع بناء الزخم. على الأكثر، يمكنك تدويرها حول رأسك، أو رميها والمطاردة وراءها. بناء الزخم في النبلة أثناء تنفيذ مناورات عالية السرعة؟ مستحيل. ومع ذلك. بما أن ملابسك وأسلحتك كانت تُعتبر جزءاً منك لأغراض التقنية، حسناً! استطاع تيان تأرجح الحبل بالسرعة الكافية لتصدر النبلة صوتاً يشبه تمزيق الفولاذ وهي تخترق الهواء في أقل من ثانية. وما إن بلغت سرعتها القصوى، حتى وجهها نحو الهدف، منتقلاً إلى وزنه الكامل قبل اصطدامها بلحظة. لم يحل ذلك مشاكل نبلات الحبل، لكنه جعلها أصغر بكثير. تماماً مثل الأشياء التي ضربها. أصبحت أصغر بكثير، كثيراً. تساءل تيان: «أتساءل إن كان بإمكاني جعل نفسي أثقل مما أنا عليه حقاً؟» لم توضح التعويذة كيف، وإن كان ذلك ممكناً أصلاً. ممكن. ممكن تماماً. مكلف للغاية الآن، لكن… كانت يدا الجدّ على كتفيه منذ الكمين، أو تفركان ظهره، أو تحتضنانه عندما ظن أنه سيطير بعيداً في رأسه. تعرّف تيان على نبرة صوت الجدّ جون. كان يريد من تيان أن يكتشف شيئاً ما. - «عليّ دراسة التعويذة أكثر؟» الدراسة الجادة هي دائماً فكرة سدية. تخوخ تيان بهدوء. «جدّي؟ هل أنا في ورطة؟» مع تلك المرأة هونغ؟ ورطة مميتة. أنا فقط لا أعرف السبب. راقبها عن كثب. أشكّ في أنها ستتحرك ضدك مباشرة، لكن سيكون من السهل للغاية تدبير موتك في ساحة المعركة. أظن أنها فعلت ذلك بالفعل. - «أتعتقد أنها طلبت إرسالي في مهمة مميتة؟» أبداً. أشكّ في أنها قالت كلمة واحدة عنك لأحد. أشكّ في أنها لَمَّحت إلى ذلك حتى. لماذا تفعل؟ أنت حقاً تستهين بمتملقي العالم. ذلك اللقيط الصغيّر الذي استجوبك أخبرك حتى بسبب موتك. أحد تلك الأمثال التي يجب أن تتذكرها من قراءاتك - من السهل التحدث إلى ملك الجحيم، لكن من الصعب التعامل مع كل شياطينه الصغار. - «جدّي، أنا لا أفهم أيّاً من هذا». ستفهم. قريباً.
فخر السماء الفصل 41 — يلتقي الأعداء في طريق ضيق
اقرأ فخر السماء الفصل 41 — يلتقي الأعداء في طريق ضيق باللغة العربية على مانجا تايم.