فخر السماء الفصل 390 — خاتمة 2 - الثقل المميت لمنحة الإنقاذ

اقرأ فخر السماء الفصل 390 — خاتمة 2 - الثقل المميت لمنحة الإنقاذ باللغة العربية على مانجا تايم.

كانت يدا هو ملطختين بالدماء. وطالت الدماء ذراعيه حتى المرفقين وامتدت عبر صدره. وكلما ابتعدت الدماء عن كفيه، جفت والتصقت أكثر، حتى إن بعضها تحول إلى قشور سوداء وتطاير. قدر أن ثمن ذلك كله يعود إليه وحده بنسبة ضئيلة لا تتعدى الثمن.

هتف هو: "هيا أيها الوحش العجوز! قاتل! يمكنك فعل هذا!"، بينما كان يضغط ليغلق شرياناً، محاولاً بيأس إيقاف العدوى الزاحفة التي تفتك بالداويني يان.

وكان ذراع يان الأيمن قد اختفى تماماً من بين المرفق والكتف، بعد أن سحقه مشعوذ بدا كأنه مسكون بدب، أو كأن الدب أبوه. لم يدر هو من شق بطن يان، أو غرس الخنجر في صدره، لكن الوحش العجوز كان يقف وسط كومة من المشعوذين الموتى والمحتضرين. ولم يكن التخمين صعباً. جفل يان، مراراً وتكراراً، محاولاً الاستمرار في التنفس، ومحاولاً دفع الهواء إلى داخل رئتيه. وانقلبت عيناه إلى الأعلى، فبدا بياضهما كبطن سمكة.

وسمع هو توقف القلب عن الخبض.

"تباً!"

لقد سبق ورأى جراحاً يعيد تشغيل قلب بتدليكه. وكانت الضلوع مكسورة على أي حال. فقطعها في نصف ثانية وبدأ يضغط القلب بيديّه. وتدفقت طاقته الحيوية داخل العضو المحتضر، لتجبره على الانقباض، وتجبر حجراته على الانفتاح والانغلاق بالترتيب السليم. واضطر للتوقف ليفعل المثل للرئتين. ثم للقلب ثانية. ثم عاد إلى الرئتين. بينما كان يحاول بيأس إبقاء الشريان مضغوطاً ومغلقاً. واستمر على هذا الحال لعشر دقائق.

وصرخت خطوطه الطاقية من الألم، وتحول بصره إلى الرمادي، ثم إلى الأبيض عند الأطراف. لم تكن الطاقة الحيوية مصممة لتستخدم هكذا، لكنها عقيدة طبيب، الفخر الصامت لكوخ الخيزران الطبي. تقاتل الموت حتى تسقط. وقاتل هو، وسقط. ولم يعود يان للتنفس من تلقاء نفسه قط. ولم يستعد قلبه نبضه المنتظم. لقد مات. عض هو على شفته لكبح صرخة. لقد كان يقاتل ليبقي يان على قيد الحياة لأربع ساعات. ولربما طال الوقت أكثر، لكن لم يعد أي من الممارسين الأرضيين الذين خرجوا للقتال سليماً.

وبطريقة ما، كان هناك أشخاص في حالات أسوأ حتى من شيطان السيف العجوز. لقد ترنح بينهم، محاولاً تثبيت أمد شخص بما يكفي ليتسنى له تثبيت التالي وهكذا، إلى أن يصبح أحد المثبتين غير مستقر ليعود إلى حيث بدأ، إلا أنه بات الآن أشد تعباً، وكل شبر فيه يتألم، وكل خطوة كانت عذاباً مبيناً. وكان مريضه الأول نفسه، إذ خاط بعض الجروح الغائرة في رأسه والتي كانت تنزف بجنون، وجبر ساقه المكسورة.

وكان يفضل أن يتعرض للضرب حتى الموت على أن يعترف بأنه تعثر فحسب، ثم داسه حصان. وكان صاحب السمو على حق. إنه حقاً لا يعرف كيف يقاتل. ولا يبدو أنه يمتلك الموهبة لذلك. ومنح هو نفسه هذا العذر — فالآخرون عرفوا كيف يقاتلُّون، وعادوا في حال أسوأ من حاله. أولئك الذين عادوا. لم يكن هناك الكثير من الممارسين الأرضيين في المدينة أصلاً. وصاروا أقل الآن. وكلهم يعانون من إصابات، باستثناء الوحيد الذي لم يذهب.

الوحيد الذي هرب في اللحظة الأخيرة. ما. يجب أن أقتل الداويني ما. يجب أن أقتل اليوم. لن أسمح للشمس أن تغرُب على هذا الثأر. يستطيع النبيل أن ينتظر عشراً لعقود لينتقم، لكني انتهيت من كونِي نبيلاً. انهار هو على مقعد، مستنداً إلى جدار المستشفى الحجري البارد. ولما صلح أن يكون كوخاً لتخزين المعاول والمجارف في الطائفة، لكن هكذا هي الحال في العالم الدنيوي. تبذل قصارى جهدك بما بين يديك، حتى لو لم يكن لديك سوى القمامة.

استغرق هو عشرين دقيقة ليدرك أن سبب برودة ظهره الشديدة هو أنه خلع رداءه، ولم يبق عليه سوى سرواله الخفيف. ولم يكن يرتدي حتى جوربين أو حذاءين. وفي لحظة ما، بلغت ملابسه من التشبع بالدم والمرارة حداً باتت معه عائقاً لا يُطاق. تباً للّياقة. فغسل الدم عن الجلد أسهل من إزالته عن الحرير على أي حال.

"أيها الحاجب."

"نعم أيها الطبيب السماوي هو؟ كيف أخدم سموك؟"

أبقى هو عينيه مسمرتين على العارضة فوق النافذة المقابلة لمقعده. ولم يحرك حتى حاجبيه. واستغرق نصف دقيقة ليجد الكلمات التي يريد قولها.

"أيها الحاجب، أعلم أنك رجل دنيوي، وأنك مؤدب. لكن إن ناديتني بـ «الطبيب السماوي» مرة أخرى، فسيتعين عليّ الاعتذار لارملتك. هناك رجل ميت على تلك الطاولة يا حاجب. لقد توقف قلبه بين يديّ. ناديتك لأجل حوض ماء دافئ، وبعض الصابون، وشخص يأخذ جثته للإحراق. لقد وضعت التعويذة عليه بالفعل. افعل ذلك الآن. وفي صمت."

بعد ساعة، بدا في هيئة لائقة لكنه لم يشعر بأنه أكثر بشرية، فوجد اثنين من رفاقه الأقل إصابة ومفرزة من الجنود الدنيويين. لقد جن جنون المدينة. لقد هبط ملك المدينة، المبجل الشهيد، في ساعة عسرتهم. وهبط المبعوثون الإلهيون، كراريس السماء المحترقة، وخاضوا المعركة إلى جانبه. وادرك الجميع أن الخلاص الأبيض والذهب الباسل قد اقتحما معسكر يوو، وعزما على الموت بدلاً من السماح للمشعوذين الكبار بكسر سور المدينة.

لم يكن أحد يتحدث عن الخالدين الصغار الذين هرعوا لتدمير المنجنيقات الضخمة وأسر مهندس الحصار الأجنبي. لقد كانت العملية ناجحة على الرغم من معدل الإصابات الذي بلغ مئة بالمئة. من اهتم بالمنجنيقات؟ لقد نُقذت المدينة. وعُقدت معاهدة. ولربما كان ما يرفع كأساً ليطبع نخب النصر حتى هذه اللحظة. أو لربما كان يهرب نحو أصدقائه، رفاقه القدامى، في السهوب. كان من المنطقي أن يهرب. فمن الواضح أنه بارع في ذلك.

"د- دكتور هو، لقد وجدنا منزل الخالد ما. إنه يقيم في بيت الضيافة في-"

"خذنا إليه."

قاطعه هو. كانت ساقه تؤلمه.

"نعم، حالاً."

كانت المدينة تنتفض. لم تكن أعمال شغب. لم يكن أحد في مزاج يسمح بالقتال. لكنها انتفضت على أي حال، كتلك التشنجات العضلية التي تعقب التفعيل الخاطئ للأعصاب. فالانقطاع المفاجئ للضغط الشديد، مترافقاً مع الاسترخاء الفجائي، تسبب في إطلاق متفجر. ومع ذلك، وأثناء عملية الإطلاق، تعرض الجسم لتحفيز صدمة غريبة كلياً. وأثارت تلك الصدمة ردود فعل. وفي هذه الحالة، كان النشوة. كلمة جميلة، إلا إن كنت تعرف ما تعنيه حقاً.

لم يكن هناك أي شيء بشري في العيون التي رأاها. لقد كانت مترعة بجنون السيادة. ووصلوا إلى بيت ضيافة قبيح. وربما كان يخص تاجراً، لكنه في مرحلة ما خلال السعام الماضيين، فر التاجر وحولته المدينة لتوفير السكن لممارسيهم المزعجين، لكن الحيويين. وكان له ذات الحجار الخارجية لكل منزل آخر، ومبني بذات الارتفاع والطول، إلا أنه كان يشغل ربع عرض كتلة سكنية بدلاً من سدسها. وفي مدينة أخرى، لربما ظن هو أن المنزل يخص نبيلًا صغيراً.

أما في السهوب، فكان تاجراً. وكانت مدينة الراية المحترقة مكاناً لتجارة العبيد والفولاذ مقابل الملح والذهب، مع حي خزفي يؤدي وظيفة مزدوجة كستر عورة، وسحر الفرسان لشراء أو سرقة ما يكفي من الخيول لتبرير وجود المملكة هنا في المقام الأول.

"إنه بالداخل، أيها الطبيب."

"ليس هناك."

هز هو رأسه وحدق في الرجل الدنيوي.

"ليس في المبنى برمته نفس حي واحد."

"أنا… تقريراً للطبيب، لقد شوهد وهو يهرع للداخل، ويصفق الباب، ولم يخرج بعدها قط. ما لم يكن قد استخدم بعض الأساليب الخالدة لتجنب عيون المراقب، لكن..."

كان ذلك ممكناً تماماً. لم يتعلم هو تلك الحيلة قط، لكن الكثير من الممارسين يمتلكون موهبة استشعار وقت مراقبتهم، ويمتلكون السرعة والتحكم بالجسد للبقاء خارج إدراك البشر. واشتهر دير الرافد القديم بذلك، لكنهم بالكاد كانوا الوحيدين. عاش ما حياة قاسية، وظل دائماً يوحي بأنه ممن سيصمدون حتى النهاية. وفي غضون نصف عام من معرفتهما، تعلم هو منه نصائح وحيلاً لا تحصى للبقاء على قيد الحياة.

أما التهرب من الأنظار البشرية فكان أمراً تافهاً بالنسبة إليه.

"للأرنب الماكر ثلاثة مخابئ. ولربما تعلم آكل خيول كيف يحفر."

تمتم أحد الممارسين المرافقين له. وكان عليه أن يتمتم. فلم يكن معتاداً على الكلام من دون أربعة من أسنانه الأمامية. فقد خسرها للتو قبل ساعات. أراد هو أن يحطم الباب بساقه. ولم توافقه ساقه المكسورة على ذلك.

"حطم لي هذا الباب."

وأشار للرجل الألثغ ليقترب، فاطاع. جزئياً لأنه طبيب، وجزئياً لأنه كان يقود بينما رغب الآخرون في الاتباع، لكن السبب الأكبر كان وصوله إلى المستوى الثامن. وكان المتجولون يحترمون صاحب أكبر قبضة كملك. وكان له ظهر أيضاً. ألمع جوهرة ماسية مطلية بالذهب يمكن تخيلها في مدينة الراية المحترقة. ركل الألثغ الباب بقوة تركته معلقاً بمفصلة واحدة. وتدفق الممارسون إلى الداخل، وتبعهم هو ببطء.

وتعالت الشتائم بغزارة. وخرج أحد الممارسين.

"مقرف. مجرد-"

بدا عاجزاً عن إيجاد الكلمات فصفع الجدار بجوار الباب بقوة كافية لتحطيم ثقب قطره عشر بوصات فيه. وترنح هو للداخل، ولم يأنف من الاستناد إلى ذراع أحد الجنود الدنيويين. لم يفر ما من المدينة، ولم يحفر حفرة لنفسه. بل أعد لنفسه شراباً عوضاً عن ذلك. جلس الممارس العجوز منحنياً على مقعده بجوار طاولة صغيرة. وتدفقت رغوة محمرة من فمه، ومعها كميات كبيرة من المرارة. وكانت الرائحة كريهة.

وانطلاقاً من تشوه الوجه والحلق والمعدة، كان السم ساماً بشكل لا يصدق. وكان الإناء بقرب يده ليحوي بقايا، لو اشتهى هو تحليلها. لم يكن بارعاً كطبيب، لكنه كان مقبولاً في قاعات تركيب الأدوية. ولربما تعلم شيئاً من الإناء. ولربما تعلم أكثر من الملاحظة تحته. جلس هو في المقعد المقابل لما، ولم يُحوِل عينيه عنه قط.

"ثلاثمائة روح هُن وسبع أرواح بو. تتبدد أرواح بو في الأرض عند الموت، وتجتمع أرواح هُن لتبقى إما في الألواح الأسلافية، أو تتجسد، أو الأمرين معاً بطريقة ما. أترون أرواح البو خاصته لا تزال تحوم؟"

لم يسأل هو أحداً بعينه، ولم ينتظر إجابة. ولم يتلق واحدة. زفر ببطء.

"أضرني بالملاحظة. ساقه تؤلمني أكثر من أن أقف ثانية."

انحنى الجندي وحرك الورقة بحذر بحذر ليحررها، ومناولاً إياها لهو بكلتا يديه. لم تكن الرسالة موجهة لأحد بعينه. ولم يكن ما مقرباً من أحد حسب علم هو. لا طائفة، لا عشيرة، لا عصابة. ممارس مارق حقاً. لم يكن الأمر متعلقاً بالسهوب قط. بل بكون المرء جزءاً من عشيرة. كانت رائحة نيران المخيمات بينما تضحك خالاتي وأعمامي ويتجادلون، ورائحة الخيول، حارة تحت الشمس، وأحزمتها تُخشخش بينما نركب معاً، وننصب الخيم، وكل شيء تماماً كما ينبغي.

ورؤية أبناء عمومتي يضفرون شعر بعضهم بعضاً. والاستحمام مع إخوتي في جدول، أو غسل ظهور بعضنا بقطع القماش بينما نبقى قرب النار لطرْد البرد. كان الأمر أن تكون طفلاً، تركب أمام أمي، ملتفاً بذراعيها بينما نرحل. تلك هي السهوب في قلبي. ليست مكاناً، بل شعباً. ولا عودة لي للوراء. أراني المبعوث حقيقتي في وعاء من شاي القوافل. ثم حملنا الحارس على متن قارب طائر، وبساطة السهوب الخضراء تتجعد تحتنا، وراعينا روح الحصان العظيم تندفع عابرة الأرض، تقود قطيعاً من أرواح الخيول.

وفي تلك اللحظة، حظيت بإلهام حقيقي. هذا ما كنت أحتاجه. أريد أن أركب مع القطيع، وأحكمه. أن أكون يويّاً حقيقياً مرة أخرى، من دون التخلي عن طريق الخلود. أريد عائلتي مجدداً، لكن لا يمكنني الحصول على ذلك. رغباتي الأكثر يأساً واحتياجاتي في تناقض. وفي تلك اللحظة، رأيت كل ما أردت، وأدركت أنني لن أستطيع أبداً امتلاكه. لن تستطيع أي كمية من الممارسة أن تجلبه إليّ، ولا التخلي عن ممارستي والعودة إلى السهوب.

من سيقبلني؟ ومن سأجرؤ على الوثوق به؟ وإن لم أثق، فكيف يمكنني التخلي عن قوتي؟ وعدتني يالاو بشرف لا ينتهي ومكانة عن يمين ووسان إن استطعت تسميم العائلة السماوية. وستكون هناك مكانة شرف إن خنت بقية الممارسين الأرضيين. ويمكن استثناء القانون. ويمكنني أن أكون ساحراً ويويّاً. لم تقل ذلك، لكني أملك عينين. لابد أن الخسائر بين المشعوذين والمشعوذين الكبار تثير الجحيم داخل القبائل.

ومقابل جائزة بهذا الحجم، ستعصر أنفها وتدير وجهها للطرف الآخر. أي شيء من أجل النصر. لربما فعلت ذلك قبل عام، لكني رأيت الحقيقة. إني أشرب السم الذي أعطتنيه. إن رأيت المبعوث، فأخبره أنني آسف. لقد أعطاني كل ما أحتاجه، ولا يمكنني استخدامه. كانت هذه الحياة أصعب من أن أتحملها. لست أهلاً للعيش كبشر. وفي الحياة القادمة، أرجو أن يسمح لي المبجل الشهيد بالعودة إلى السهوب. وإن لم أفلح في ذلك، فأرجو أن أُبعث كحصان أو ثور لأعمل لدى المبعوث، مستعداً لتكريس حياة كاملة لأرد فضله.

دعوني أُولَد كلباً، طالما أنني كلب تحت قدميه. أظن أن بمقدوري تدبر هذا القدر. -سينبايار، المعروف في المملكة بما. وضع هو الرسالة برفق. وسيمررها إلى… من؟ سيد المدينة؟ ماذا سيَفعل بها؟ أصبح هو الآن أقوى ممارس أرضي في المدينة. وما سيحدث الآن يعود إليه وحده. أخرج تميمة بحركة سريعة، مراقباً ورقة النبيذ الصغيرة تستقر على جبين ما. ستمنع أي فساد من الانتشار، مما يفسد الجثة على مستحضري الأرواح.

وستظل بحاجة إلى الإحراق بالطبع.

"بلا وصية؟"

"لم نجد شيئاً. ربما في خاتمه."

لوّح هو بيده نحو الألثغ، فما بقي لديه من قوة ضئيلة قد نفد. كان يستطيع سماع البشر في الخارج. كانوا ينظمون أنفسهم عفوياً. يركعون تجاه الضريح، ويكررون الهتاف المقدس، داعين الأصوات تقود صلواتهم. لم يكن ينبغي أن يكون لذلك أي معنى، كمناغاة الطيور أو الأطفال، لكن كان هناك شيء في الأصداء المرتدة من الجدران الحجرية للمنازل، أثر خافت لمعنى عنصري. لابد أن ملك المدينة قد طبع ذلك في ذهن كل من سمع هتافه.

مما يعني كل شخص في المدينة، ولربما عدداً ليس بقليد من اليوي.

"ليذهب أحدهم ويبلغ الساحة."

استغرق الأمر دقيقة ليدرك هو أنه هو من تكلم. وحل السكوت بالغرفة.

"لم يعد المقّدسون بعد."

اهتز صوت الجندي. تأوه هو. وظن أنه أكثر عاطفية من أن يشعر بأي شيء يذكر. وتبين أن ذلك كان شيئاً آخر أخطأ فيه. شعر وكأنه تعرض لتو للكم في أحشائه. أغلق عينيه وزفر ببطء من أنفه.

"لقد كان من حظ دزينة من الأعمار أن بقوا طوال المدة التي قضوها. وتلك مشكلة."

ولم يكن هناك رد. أخذ نفساً عميقاً آخر وزفر ببطء مرة أخرى.

"أنا شماس خارجي لطائفة كوخ الخيزران الطبي القديم. لا أعرف بالتحديد عدد الممارسين السماويين لدينا، لكني لا أعرف سوى أربعة، وخمسة إن أضفت سيد الطائفة. يقضي أهل السماء وقتهم في المغامرات طوال الوقت، لذا فمن الممكن أن يكون لدينا شيوخ ابتعدوا عن الطائفة طوال حياتي. ومع ذلك، لا يمكن أن يزيدوا عن خمسة عشر، بالمجمل، وحتى هذا العدد سيفاجئني. ومن المرجح أنهم خمسة فقط. نحن في الجانب الأصغر من المرتبة الثانية، والطائفة الوحيدة من المرتبة الأولى في المملكة هي الدير. لقد عملوا بكفاءة بالغة للتأكد من أن الأمر كذلك."

وغدا الصمت أشد في الغرفة بعد ذلك. أما الممارسون الآخرون في الغرفة، إن كانوا ينتمون لطوائف أصلاً، فلربما لم يملكوا حتى سلفاً واحداً في عالم السماء. وكان هذا خبراً لهم بالقدر ذاته الذي كان به للبشر. وارتفع صوت الهتاف خارج الغرفة، فشعر وكأن كل شخص في الشارع منخرط فيه.

"يكدر رؤية الممارسين السماويين نادراً جداً في أي مكان، حتى لو كانوا أكثر شيوعاً في الدير. لكن اقلب الأمر. نحن طائفة بحجم لائق، مسالمة، ومترابطة بإحكام مقارنة بغيرها. لم أكن شخصاً مميزاً في الطائفة، لكني كنت دائماً اجتماعياً، وأملك شبكة جيدة. وحرصت على أن أكون مفيداً. وفي قرن من الخدمة للطائفة، تحدثت إلى أهل السماء نادراً جداً. وكان معظم الكلام المتبادل عبارة عن أوامر – اذهب إلى هناك، افعل ذلك، نعم أيها الشيخ، فوراً أيها الشيخ! وإن لم تكن أوامر، فكانت محاضرات في الطب أو الداو. عامة جداً باسترجاعها، لكنها لا تُنسى على أي حال. يتمتع أهل السماء بكاريزما لا يمتلكها أي شخص دون مستواهم. حسن، أنتم جميعاً تعلمون. لقد زرتم الساحة."

أومأ الممارسون.

"المرة الوحيدة، والمرة الوحيدة، في مئة عام من الخدمة لطائفتي، التي أجريت فيها محادثة جادة مع شخص سماوي، حيث استمعوا، وطرحوا الأسئلة، وساعدوني على فهم نفسي، كانت عند لقاء المبعوث. ظننت أن ذلك مجرد إثبات لمدى استثنائيته. لكن استمعوا."

بدأت المصاريع تهتز. وانتشر الهتاف، ليغرق المدينة برمتها. وصار هناك تصفيق، وارتطامات تعرف الممارسون عليها كجباه ترتطم بالحصى. وكان بعض الأصوات تنتحب، وأخرى تكبح ضحكاً هوسيّاً، أو غضباً، أو دهشة، أو حباً مقدساً، وكل ذلك بينما يكررون ذات الدورة من المقاطع. وكل يعبر عما فهمه بقلة مما نقله الملك إليهم.

"أظن أن هناك سبباً لإبقاء أولئك الشيوخ مسافة بينهم وبيننا. وأظن أن هناك سبباً لعدم رؤيتك للممارسين السماويين أبداً، حتى لو كنت في ذروة العالم الأرضي. لقد كانت بركة دزينة من الأعمار أن بقوا طوال المدة التي قضوها. لكن أي داويني يعلم، في كل بركة لعنة. أظن أنهم رحلوا لحمايتنا. وأخشى ألا نتمكن من تحمل الحظ السعيد الذي نلناه بالفعل."