توافق تيان وليرين بسرعة على عدم وجود إجابة شافية لذلك السؤال، أو على الأقل، ليس بالمعنى الذي يمنح الطمأنينة للقلوب. وما بدا اليوم حاملاً للكثير من السلام على أي حال. فقد كان التوتر الجوي يتصاعد داخل المدينة تدريجياً، حتى بلغ ذروته أخيراً ليلفت أنظار الخالدين السماويين. صحيحٌ أن التدفق المفاجئ للطعام والمال كان مرحباً به، لكنه لم يغير جوهر الوضع شيئاً. كانت المعركة قادمة لا محالة. والجميع كان يستطعمها في هبات الريح. فدخان مطابخ الطهي بات يفوح برائحة المباني المحترقة. أما اللحوم الطازجة، التي كانت تُعدّ رفاهية نادرة هذه الأيام، فبدأت تفقد شعبيتها؛ لسبب ما يتعلق بصرخات الحيوانات داخل المسالخ، أو بهيئة جثثها المتدلية من الكلاب قبل تقطيعها بالساطور الثقيل. في مَمْلَكَة برودسكي، لم يكن يمتنع عن تناول اللحوم سوى الأشد فقراً أو الأكثر تضرعاً، وهي صفة مرادفة للضعف تماماً. فلم يكن «الترشُّح لنباتيّة الأكل» حالة بشريّة معروفة لدى قوم اليوو. ومع ذلك، ظهرت صيحة مفاجئة لها. وكان الجميع يعلم أنها ستزول قريباً. فما إن تبدأ أعمال العنف، وما إن يُضرب الحصار فعلياً على أسوار المدينة، حتى يستميت الناس لملء بطونهم باللحوم. لقد رأى تيان هذا من قبل. فتوقع الألم يوجع أحياناً، بل وربما أشد إيلاماً من الألم نفسه. ذلك أن وجع الخوف من الألم قد يصير من الفظاعة بمكان، بحيث يدفع الناس للتحرك. وعادة ما يكون ذلك بالتخبط في اللحظة الخطأ، أو محاولة الفرار بعد فوات الأوان. كان الخوف والقلق كلمتين جافتين لوصف حالات تعقد الأمعاء، وتجفف الحلق، وتفتت الأعصاب حتى لا تبقي منها شيئاً. تنقبض العضلات. وتصطك الفكوك حدّ الألم، غالباً دون أن يدرك أصحابها ذلك إلى أن يطغى عليهم الألم. فلا يعود للناس شهية للطعام، ثم يزدادون حدة في الطباع لعدم تناولهم شيئاً. يتبادلون الضرب، ويعنفون أطفالهم، وحيواناتهم الأليفة، وخدمهم، وأصدقاءهم. يشتمون، ويلعنون، ويُذلِّل بعضهم بعضاً. تُطالب الديون، سواء كانت حقيقية أو متخيلة. وتُمحى صداقات الماضي. وليس في كل مكان. وليس من قِبَل الجميع. وليس دفعة واحدة. فهناك من سعى للحفاظ على الروح المعنوية والهدوء. بينما آثر أغلبهم خفض رؤوسهم محاولين اجتياز يومهم. غير أنك استطعت استشعار الأمر. فالخوف كان يلتهم أهل المدينة. والضربات المتخيلة كانت ترهقهم، والياقوت المخيف كان يجلد ظهورهم، رغم صمود الأسوار وبقاء البوابات محصنة. حتى ولم يكن هناك جنديّ واحد من اليوو في أفق المدينة. ومع ذلك، وجد بعض الأشخاص الذين بدا أنهم عاجزون عن مجاراة إيقاع المدينة. «أربعون سيخاً من لحم الخرفان والكراث، أيتها العجوز.» «أربعون؟ أربعون؟» «نعم من فضلك، أيتها العجوز.» «أتقيم حفلة ما أو شيئاً من هذا القبيل أيها الفتى؟» «حسن لا أدري متى سأتمكن من الحصول عليها لاحقاً، لذا ظننت أن الأفضل تخزينها الآن وتوفيرها.» «لك أن تطلب مئة إذن!» «أوه، هذه فكرة سدادية! أيمكنك صنع مئة؟» «أيها الفتى، أترى أنني أبيع مئة سيخ في اليوم الواحد؟» «ليس لدي أدنى فكرة في الواقع، أيتها العجوز. لكنها لذيذة بما يكفي لتبيع هذا العدد.» «ههمف! عذب الكلام! ربما استطعت بيع مئة سيخ قبل الحصار. أما الآن، فحتى لو أمكنني تدبير اللحم، فمن سشتريه؟» «حسناً، إن جلبت لك اللحم، أستطبخينه لي؟» «هاه؟ أيها الفتى، أنت...» ضاقت عيناها الرمديتان. «أنا أعرفك. عادة ما تكون شقيقتك الطويلة... هي من تشتري الأسياخ. وغالباً ما تخفيان وجهيكما، أو تغطيان شعركما بقبعة على الأقل.» «هذا صحيح. شكراً لتذكرك إيانا، أيتها العجوز.» «أقررت التوقف عن التمثيل إذن؟» «قليلاً أو كثيراً. مع أن جعل الأخت ليرين تشتري الأغراض أشبه بنزوة شخصية تخصني أكثر من... أتعلم؟» «لم أستوعب قط سبب إخفائكم لأمركم أنتم القوم. أعني الاختفاء. فالقادة والوزراء لا يتخفّون.» «أحقاً لا يفعلون؟» ابتسم تيان بوعي. «متى كانت آخر مرة رأيت فيها سيّد المدينة، أيتها العجوز؟ ثم... ليس من صالحكم تواجدنا بكثرة حولكم. وليس في صالحنا نحن أيضاً في الواقع.» «هاه؟» اكتفى تيان هز رأسه. «أيمكنك طهي خروف لي؟ وصنعه على هيئة أسياخ مع الكراث، واستخدام بقية الخروف لطبخ أي شيء ترينه مناسباً.» «بإمكاني ذلك. وسأفعل بثمن أرخص أيضاً، طالما أنك من ستوفر الخروف، لكن طبخ خروف كامل سيستغرق معظم اليوم. إياك والظن أن بإمكانك إجبار عجوز على العمل مجاناً لمجرد أنك خالد!» «ما كان ليخطر ذلك ببالي. غير أنني ما كنت أنوي الدفع بالعملات النحاسية أو الفضية. فبإمكاني سماع السعال الآتي من المنزل وراءك، وبإمكاني سماع السوائل وهي تبدأ بالتجمع في رئتيك.» ابتسم تيان. «أنا لست بأفضل الأطباء، ولا حتى طبيباً جيداً وفق معاييري الخاصة، لكنني غالباً الأفضل بين كل من ستلتقين بهم. وسأتكفل بالدواء أيضاً. أتممنا الصفقة؟» وما إن أُبرمت الصفقة ووُفِّر الخروف، حتى عالج تيان مريضيه الجدد وتوجه عائداً لمنزله. كانت أمراضهما عادية، لكنها قد تكون مميتة بالنسبة لعجوزين في مدينة محاصرة. والأدهى من ذلك أنها كانت مرشحة بقوة للانتشار. ومثل هذا الموقف كان يتطلب طبيباً أفضل منه لتبين كيفياتها وأسبابها، متجاوزين الشياطين وسوء التغذية. لقد كان عليه ببساطة بذل قصارى جهده لعلاج المصابين، مع حفظ ماء وجوههم. «صفقة كريمة، يا صاحب السيادة.» كان الطاوي ما هائماً بالقرب، وبدا واضحاً رغبته في التحدث إليه. أومأ تيان برفق نحو شاحب الوجه. فلم يبدو بحال طبيعية منذ عودتهما من المروج العشبية، رغم سعادته بإصلاح الضرر الذي لحق بمساراته الطاويّة. ومع ذلك، كانت طاقته الحيوية مضطربة، وبدت تنشئته في تراجع طفيف إن جاز التعبير. «نعم، هي لطيفة بعض الشيء على هذا النحو. لقد رأيتها تتذمر في وجوه الناس طوال اليوم، ثم تحول الفتات إلى حساء لدار الأيتام. لا يكترث الكثيرون لأمر الأيتام. وأنا معجب بها لهذا السبب.» رمش ما. «تفعل ذلك؟» ابتسم تيان. «أو لعلني أحب الأسياخ حقاً وأخشى موت بائعتا المفضلة خلال الأسبوع أو الأسبوعين القادمين.» «آه... أظنها إحدى الزوايا للنظر إلى الأمر. فالطب البشري مجرد طعام في النهاية.» «ليس تماماً، لكنه قريب بما يكفي. لقد وجدتني لسبب ما، أيها الطاوي ما. تكلم، أرجوك.» تلجلج تنفس ما للحظة، وانحنى انعكاسياً. «أعتذر لصاحب السيادة!» «مم؟» رفعت تيان ما. «أصبحنا نعرف بعضنا الآن، فارجو منك طرح ما يشغل بالك.» كان العرق يتصبب من ما. «أنا لست بغريب عن المعارك. ويعلم صاحب السيادة أنني لست بالجبان أمام السيوف أو الأقواس، أو الغو واللعنات على حد سواء. غير أن أحداً لم يخبرني بعد بالاستراتيجية التي ستعتمدها المدينة لتخطي هذا الوضع.» ابتسم تيان. «أتريد معرفة خططنا؟ لا علم لي بما ينويه حامي المدينة، لكن بإمكاني إخبارك بما أنويه أنا. أسيساعدك ذلك؟» «نعم. شكراً لك.» «لن أفعل شيئاً.» ترنح ما. «عذراً؟! » «لاشيء. ولا حتى أمراً واحداً. حسن، سأفعل أموراً كهذه، لكن إن كنت تسأل عن تعاويذ كبرى، أو أعمال ضخمة، أو طقوس سماوية سرية فائقة القوة... فلا شيء من ذلك.» وما كان يقرأ كل تلك الكتب سدىً. لقد ظن أنه يعرف كيف يرشد الطاوي ما. «لكن-» «أيها الطاوي ما، لم تنضم إلى طائفة قط، أأنا محق؟» «حسن. ليس طائفة بمعنى الكلمة. بل تعلمت على يد بعض الخبراء المتجولين ممن لاحظوا امتلاكي لجزرة روحية بعد أن اختبروني قليلاً. وتلك هي الطريقة التي ورثت بها فن تنشئتي.» أومأ تيان. «فهمك للعلام ما زال متجذراً في التراب البشري. هذا طبيعي، لكنه يحد من أفق رؤيتك.» عبارة أخرى محفوظة بدت صارمة وحكيمة، ومتسلطة بعض الشيء، لكنه قصدها مع ذلك. «تنقصك الإحاطة الكافية بكل من الداو وأسلوب الحرب الطاويّة.» «أرجو أن تنير بصيرتي، أيها السلف.» «تعلم بجسدك. امدد يديك. ألعيبت هذه اللعبة من قبل؟» قادهم تيان نحو زقاق. «قط، أيها السلف.» «حين أدفع، تتراجع أنت. وحين تدفع، أتراجع أنا. وفي كلتا الحالتين، نبقي معصمينا متلامسين وأقدامنا مثبتة.» «أهذا فن قتالي؟» لم يسع تيان سوى الابتسام وهز راسه. بدأ يوجه أيديهما ذهاباً وإياباً، وكانت الحركات بطيئة، ولطيفة، ومستمرة. إن كان ما منتبهاً، فسيلاحظ أن الجانبين كانا متطابقين عملياً. فحين ترتد اليد اليسرى للوراء، تتقدم اليمنى للأمام. وتصعد اليمنى، وتهبط اليسرى. حركة مستمرة نعم، لكن عند النظر إليها من الخارج، بدت ساكنة. فالأرباح والخسائر كانت تلغي بعضها البعض. لم يكن هناك سوى وحدانية مطلقة. متحرك دائماً، وساكن دائماً. «هذا ما بطيء بعض الشيء، يا صاحب السيادة. أنا لا أفهم.» «أجبر الإيقاع. حاول لمس صدري.» دفع ما يده اليمنى للأمام. فانسابِت يسار تيان إلى الوراء بينما التوى جسده، محولاً اليد بلطف بعيداً. ومع ارتداد يده اليسرى للخوراء، تقدمت يده اليمنى. أطلق ما غممّة. فقد نجح في ارتطام صدره بيد تيان. «مرة أخرى. كررها حتى تفهم.» كرر ما محاولات الدفع ثلاث مرات، دون نجاح يذكر. «أضربات مضادة؟» «يمكنك اعتبارها كذلك. يعتمد قوم اليوو على الحركة الدائمة، والسرعة العالية، والهجمات المتفجرة. يانغ، بامتياز. بينما تدافع المدينة بشكل ساكن، بأسوار عالية ومخزون طعام وفير. يين. ويجتمع الشامان بالقبائل، مجهدين أنفسهم لاستدعاء الأرواح وربطها في الخدمة. أما أنا فأتفسّس فقط.» التقى تيان بعيني ما. «أتفهم الأمر؟ نحن طاويّون نزرع الخلود. وكل ثانية من كل يوم، نصبح أقوى. وكل ثانية من كل يوم، يضعفون هم. فالتقدم في السن هو ما يشق حناجرهم. وبإمكاننا الانتظار، أيها الطاوي ما، لأننا نغدو أقوى عندما لا نفعل شيئاً. دعهم يهجمون. بوسعهم فعل ذلك الآن، أو لاحقاً. وفي كلتا الحالتين، سأنساب، وأعيد ما أُعطيت إياه.» ترك أيديهما تنفصلان. «نحن لسنا ببشر، أيها الطاوي ما. قد نموت في نهاية المطاف، ولكن على مدى زمني لا يقل عن ضعف، ويصل إلى أربعة أضعاف متوسط عمر البشر العادي بالنسبة لك، واقترب من... هممم... خمسة عشر ضعفاً بالنسبة لي؟ شيئاً من هذا القبيل. لا داعي للعجلة. ولا نحتاج لخطة معقدة. ولا يهمنا معرفة مكائد ووسان. لقد حضرنا طوال حياتنا. والآن ننتظر، وننساب مع ما يأت.» أدرك تيان أن ما لم يستوعب الأمر. وبدا وكأنه حقاً قرأ كل تلك الكتب، وحضر كل تلك المحاضرات، سدىً. نفخ برفق وربت على كتف الرجل الشاحب. «أسوأ الاحتمالات أن نموت. لا أدري عنك، لكنني لا أنوي انتظار ثمانية عشر عاماً قبل أن أصير رجلاً صالحاً مرة أخرى. أظنني أستطيع فعل ذلك في اثني عشر. وأنت؟» هز ما رأسه، ضاحكاً بحرج. أبعد تيان نظره عن وجهه المنخفض، دافعاً بوعيه ليتطفل فوق الأسطح. كانت السماء زرقاء ذات غيوم بيضاء مخططة اليوم، لكنه استطاع رؤية السحب الرعدية وهي تتجمع في الأفق. ومع تقدم النهار، كفت العاصفة عن كونها مجرد أمر يتراءى قادماً عبر السهوب، بل غدت قابلة للشم. المطر، والبرق، والرائحة التي لا تُصَف لريح جديدة تحرك هواءً كان ساكناً. استطعت استشعارها على جلدك قبل أن يصل المطر إلى الخندق الجاف حول المدينة. وسمعتها في الهمس الذي سبق صوت قطرات المطر نفسها. واكتسبت صوتاً مميزاً في المدينة - فالناس يسحبون الغسيل، ويسارعون لجمع الحصص الغذائية وجلبها للمنازل آمنة وجافة. والجنود يرتبون أي معدات ضالة، متأكدين من إدخال جميع الأعلاف تحت السقوف، ويصيحون ببعضهم لزيادة الوتيرة. وتفقد عمال المدينة المصارف المؤدية لخزانات المدينة للتأكد من نظافتها، وأن ما لا يذهب للخزان سيتدفق بأمان خارج المدينة. حتى أن أقسى التجار والباعة المتجولين حزموا أمتعتهم باكراً، فما عادوا أحرص على الوقوف في العاصفة من زبائنهم. تمتم تيان: «ستضرب العاصفة وقت الغروب تماماً، أو بعده بقليل.» «بعده بقليل. ليست بليلة صيبة للخروج.» منحتْه ليرين نصف ابتسامة من فوق كتفها، بينما واصلت العمل على مشروعها السري. أبقى تيان عينيه مسمرتين على السموات. «أتشعرين بذلك؟» «أون.» امتدت السحب الرعدية عالياً، بارتفاع لا يمكن تخيله. ورغم قدرته على الطيران الآن، إلا أنها بدت شاهقة بشكل مستحيل. لقد طار عبر الغيوم، لكن هذه بدت وكأنها سلاسل جبلية تطفو في السماء. أشياء مذهلة ومثيرة للرهبة دائماً. تمتم: «أنا أحبك. لا أدري إن كنت سأحتفظ بذلك بعد شرب إكسسوار العجوز مينغ، لكن طالما بوسعنا معرفة بعضنا، أريدك أن تعلمي ذلك.» «أنا أحبك أيضاً. أيها الأحمق. تخفض معنوياتنا قبل المعركة.» «من يخفض المعنويات؟ بل يجب أن يرفع من روحك المعنوية. فالإقرار النابع من القلب ينبغي أن يكون ملهمماً جداً.» رمق تيان ليرين بنظرة صارمة، تجاهلتها هي بشخرة متعالية وعادت لمشروعها. «إنها لعبارة محبطة للمنويات بامتياز. ماذا عن إهدائي رأس ووسان أو شامان الذئب الرهيب كرمز لشجاعتك القتالية ومحبتك؟» «يبدو ذلك غير صحي بالمرة. ماذا كنت ستفعلين برؤوسهم أصلاً؟ أكنت ستنظمينها في قلادة؟» توقف تيان. «في الواقع، لم أرى أخوات الدير يفعلن ذلك قط، لكن كلما فكرت في الأمر، لابد أن واحدة منهن على الأقل قد فعلت شيئاً كهذا، أليس كذلك؟ واحدة على الأقل.» وانخرط الاثنان في مشاحنة مريحة. تيان يراقب السماء، وليرين تعمل على مشروعها. وكلاهما ينتظر العاصفة لتنصب عليهما.
فخر السماء الفصل 372 — انتظار البرق
اقرأ فخر السماء الفصل 372 — انتظار البرق باللغة العربية على مانجا تايم.