احترق حريق المرج حتى تمدد وانطفأ خلال الصباح. كان تيان يتوقع شيئاً أكثر درامية — سقوط مطر وتصاعد بخار… أو شيئاً ما. لكن الحريق عوضاً عن ذلك استمر بالاشتعال فترة، ولم يعد مدفوعاً بريح جنوبية حارة، فتوقف عن الانتشار بهذه السرعة. التهمت النار كل العشب الميت القصير الذي كانت تسري فيه. حولت النار الخشب إلى تراب، لتغذي التربة. وكل ما احترق كان ما فوق السطح فحسب. أما الجذور فكانت آمنة، مستقرة في عمق الأرض الباردة. ستشرب المطر، وتبني الغذاء والحياة في دواخلها. وقريباً، ستنهض براعم خضراء، أقوى من أي وقت مضى. لقد كانت دورة العناصر. المعدن يمتحن كل شيء، كما يفعل دائماً، والدورة تدور عبر المروج كما تفعل دائماً، نار وماء وخشب وتراب ومعدن، كلها تدور، تكبح وتغذي بعضها بعضاً. كانت الكارثة نعمة. والموت يحمل الحياة. كان تيان يعرف أن هناك طرقاً أخرى لفهم العالم، لكنه لم يرى مغزىً منها. نعم كانت هناك أرواح، ألم يكن واضحاً أن الطاويّة هي الإجابة الصحيحة؟ ألم تصف الدورة الكونية بشكل مثاليّ؟ كيف يمكنك أن تكتفي بدراسة ما قد تخفيه زهرة صغيرة واحدة، بينما يمكنك أن ترفع نظرك وترى الجمال في العالم أجمع؟ غرق تيان في مراقبة الدخان وهو ينتشر ليصير سحاباً ضبابياً في السماء. كان الأسود لون الماء في كتبه، لكن الرسامين صوروه بالأزرق، وعندما تأمله في وعاء خزفيّ، كان صافياً. شيء يكتسب شكله مما يحتويه، وربما لونه أيضاً. أو أنه يكتسب لونه مما يحتوي عليه. كوّف كفّيه الشاحبتين وتأمل الفراغ فيهما. صافياً على أقصى ما يكون الصفا. الهواء كالماء، والماء كالهواء. كان هناك مبدأ هناك لم يكن يفهمه، لكن لا بأس بذلك. لقد قضى عشرين عاماً على الأرض ناظراً إلى الأعلى. لقد حان وقت دراسة السماوات من الداخل، وتعلم كل ما يستطيع. قذف بما في كفّيه خارج القارب. «ماذا كان ذلك؟» «أنضح القارب.» «نحن في السماء. السماء. ليس هناك ماء. القارب لا يسرب الماء.» «ما لون السماء، أختي؟» «أزرق. وبديهي.» «هل نحن في السماء؟» «نعم. وبديهي أيضاً.» «هل الهواء أزرق؟» توقفت ليرين، وفتحت فمها، ثم توقفت مجدداً. «ربما هو نوع من… قشرة زرقاء تعلو الهواء أو ما شابه؟ مثل بيضة بط؟» «أَتُرى القشرة تزول ليلاً وتعود مع الفجر؟» «قد تكون قشرة ثانية، مطلية بـ… لا، هذا لا ينجح، كان يجب على الشمس والقمر أن يتسعا داخل القشرة، ومن المفترض أنهما هائلان عندما تقترب منهما.» «أه؟ ما هول حجمهما؟» سأل تيان. لم يقرأ عن ذلك قط. «لا أعلم بالتحديد، لكن من المفترض أن هناك شجرة أُسمنْتُوس على القمر، وقصراً كبيراً بما يكفي لملكة، وأرنباً من اليشم وأنواعاً أخرى كثيرة من الأشياء. إذن إنه مكان كبير. والشمس تعيش فيها أو على متنها كل أنواع الكائنات. غراب ثلاثي الأرجل، وعصافير نارية، وطيور قرمزيّة ربما، وسمع المرء دائماً عن حرائق أو ثمار تحمل آثاراً لقوة الشمس لذا يجب أن أفتضرض أن هناك منها على الشمس أكثر مما على الأرض. مرة أخرى، لابد أنه مكان كبير.» رأى تيان أن هذا منطقيّ، مع أنه لم يكن متأكداً من سبب تمتمة الجد حول «علم الكونيات الطاوي اللعين والتقاليد الشعبية». كان سيقول شيئاً لو كان الأمر مهمّاً. «كيف… ممم. أمر غريب.» خفت صوت تيان متحولاً إلى تمتمة. «ما هو الغريب؟» «كادت تخونني عبارة: "كيف حال الأطفال"، وأنا متأكد تماماً أن غونغسون أكبر مني سنّاً.» «إنه كذلك، لكن بفارق بسيط. أربعة وعشرون أو خمسة وعشرون عاماً، أظن.» «إذن، ما يقارب ربع عمر إضافي لعمري. وعمرك.» هزّ تيان رأسه. «أهذا سنّ صغیر ليكون المرء قائدًا؟» «لا علم لي. لكن الفتيان من كل الأعمار يبدون رثّي الهيئة. هناك جدول ماء في الأمام، وما يبدو أنه مكان جيد للتخييم. سأجعل الصغير هان يقودهم إلى هناك.» شردت عينا ليرين. «جيد. لن نغفو كثيراً الليلة.» «أه؟» «قاطع الخيوط يريد الحصان الأحمر، وكذلك عائلة بوروسكي. سيكون لدينا صحبة، وهي قادمة عاجلاً لا آجلاً.» أصدرت صوتاً من حلقها ردّاً على ذلك. «ألم تقل إن شامان الذئب العظيم قال إن الذئب والحصان كلاهما وليان لـووسان؟» «نعم؟ أوه.» قطّب تيان جبينه. لقد قاد روح الحصان العظيم الحصان الأحمر مباشرة إلى غونغسون. لقد وضعه في محنة، لكن أي شخص آخر كان سيُعتبر محظوظاً لمجرد لمس بصرة له. لم يكن الحصان الروحي حيواناً ليُصطاد ويُقبض عليه. لقد كان نعمة من السهوب. نعمة مُنحت لجندي أجنبيّ. «أين قاعدة جيش الحصان الأبيض؟» سأل تيان. «الشمال الشرقيّ. لديهم سهول واسعة هناك أيضاً، مع أنني لا أعتقد أن البدو الذين يعيشون هناك صلة قرابة بينهم وبين يو. أو ربما بينهم، ليلعن الجد إن كنت أدري.» «أجتاز عرض البلاد بأكمله برفقة سرية من الجنود، فقط لدعم هانشن وتثبيت الوضع في الجنوب؟» هزت ليرين كتفيها. «سياسة.» «أجل، ولكن لا، هناك ما هو أكثر من هذا.» نقر تيان بأصابعه على خشب القارب القابل للطيّ. «كل ما يمكنني التفكير فيه هو أن الحصان يجبر الطرفين على القتال. لكنهما كانا سيقاتلان على أي حال. وجود سبب إضافي للقتال يبدو بلا فائدة نوعاً ما. إنه يغازل الناس ملوّحاً برؤى للحصان الأحمر هنا منذ شهور الآن. ما يقرب من عام.» «يبدو الأمر أيضاً أكثر مكراً وسياسة مما أربطه بما رأيناه للتو. حصان عملاق مصنوع من الدخان وضوء النجوم.» شقا طريقهما عبر السماء بصمت لفترة. هدأت أعراض المعلم ماء، فانزلق إلى النوم، وتركاه وشأنه. التفت تيان ناظراً إلى ليرين. كانت شمس الظهيرة تسطع عليها. ومن حيث كان جالساً، بدا القش الأصفر على قبعة لها وكأنه ذهبيّ. نوع من التاج المتواضع بشراسة، لكنه فاخر في الوقت ذاته. أكان الوقت مناسباً لسلاح سريّ؟ لا. لا، يجب على المخطط البارع أن يعرف متى يغتنم اللحظة، وهذه لم تكن هي. تاج. مُلْك. اللعنة. «إنه لا يعرف شيئاً عن السياسة، بل يعرف عن الملوك. على الأقل كما يُعرّف يو الملوك. قادة قبليين أقوياء.» «نعم؟ إذن؟ كنا نعرف ذلك. ليس الأمر وكأن غونغسون في خط وراثة العرش. أو على الأقل، إن كان كذلك، فلم أسمع بذلك.» أمالت ليرين رأسها قليلاً وهي تنظر إلى تيان. «لا، هذا لا يهم. أو ربما يجعل الأمر أفضل. انظر، ووسان ويو قد يرغبان في الحصان الأحمر، لكنهما لا يحتاجان إليه. أضمن لك أن ووسان يمتلك بالفعل حصاناً روحيّاً، وهو لا يحتاج إلى أي براهين أخرى للمُلْك. قد تعرف الأرواح أو لا تعرف حتى أن قاطع الخيوط موجود، لكن من العدل القول إنها على الأرجح لن تهتم بما يفعله في الصحراء. إنه ليس حقاً حكماً أو قيادة من المقدمة بالطريقة التي يفعلها الحصان مع القطيع.» «متفق معك حتى الآن.» «كان يبحث عن شخص من المملكة. إنه يفهم على الأقل مفهوم البشر الذين ليسوا من يو.» همهمت ليرين. «كان الجنود قد رأوه كثيراً لدرجة جعلته يبدو مألوفاً. لابد أنه كان يظهر لهم كطعم. محاولاً استدراج شخص يمكنه استخدامه.» «صحيح.» أومأ تيان برأسه. ابتسمت ليرين ببطء. بدت الابتسامة قاتمة على وجهها. «تمرّد. إنه يأمل أن ينهض ملك جديد لتحدي القديم، وبإمكان بطله المختيار أن يجتاح المشهد ويستغل الفوضى.» «يا جدي، ما مدى ذكاء هذه الأرواح بحق الجحيم؟» متفاوتة للغاية. يتم تقديس حصان الروح هذا كملك، لذا لن أتفاجأ إن كان يمتلك نوعاً من التقريب للذكاء البشريّ. لن يفكر — وهذا أمر بالغ الأهمية، لن يفكر بالضرورة — مثل إنسان من لحم ودم أو حصان من لحم ودم. إنه، قبل كل شيء، كائن مصنوع من الطاقة اكتسب ببطء شكلاً معيناً وتكيف معه. «أينبغي لنا أن نقتل الحصان الأحمر؟» يمكنك فعل ذلك إن أردت. قطّب تيان جبينه. كانت تلك إحدى عبارات الجد المفضلة، وكانت تكاد تدل دائماً على أنه كان يفكر في قرار كبير دون أن يدرك ذلك. «كيف… ما الذي فاتني؟» فكر فيما تعرفه عن الحصان الروحيّ. وتأمل، بخاصة، أنه يختار راكبه. حار تيان في الأمر فترة، وبدا عاجزاً عن التوصل إلى أي شيء ذي صلة. «لا أفهم.» إنه كائن فاني. سحريّ، لكنه فاني. تعيش الخيول لفترة طويلة، وهذا سيعيش لفترة أطول، لكنه يظل فانياً. سيموت. «كم تعيش الخيول؟» كلما كبر الحصان، قصر عمره. الحصان الأحمر أكبر من المهر، لكنه ما زال صغيراً نوعاً ما. أقول… خمسة وعشرون إلى ثلاثين عاماً، مع رعاية جيدة، لو كان حصاناً عادياً. هذا قد يعيش أربعين أو خمسين عاماً. لكن ليس هذا هو الأمر المهم. الأمر المهم هو أنه لحم وعظم، ويمكنه اتخاذ خيارات. «أهو واعٍ؟ لا، أعني الأمر الآخر. مدرك. هل استيقظت حكمته الروحية؟» على الأرجح ليس متقدماً إلى هذا الحد. قريب من المكان الذي كانت فيه الجنة المحترقة قبل أن تستيقظ، ربما. نقر تيان بأصابعه على جانب القارب، ثم وضع يده الأخرى بجانبه. نقر بأصابعه، صاعدة وهابطة الواحدة تلو الأخرى، وهي موجة صغيرة تجري ذهاباً وإياباً عبر يديه. لم يمل قط بطريقة ما من النظر إليهما. «سيكون ذلك بمثابة قتل لفاني ذكيّ ليس بسبب شيء فعله، بل بسبب شيء قد يفعله صديق له، أو ما قد يظنه الناس أن صديقه قد يفعله. لا تجعل الخيول شخصاً ما ملكاً، بل هي مجرد دليل على أن الشخص يمكن أن يكون ملكاً.» يپ. الأمر متروك لك مع ذلك. هزّ تيان رأسه فقط. قد لا يكون لديه إطار أخلاقيّ ثابت بشأن الحيوانات التي يرضى بقتلها وأكلها، لكنه لم يكن ليقتل الحصان لمجرد أن الآخرين غير آمنين. حتى لو كان ذلك يعني أن الجحيم سينفتح على مصراعيه لاحقاً. «برأيك ماذا سمى الحصان؟» سأل تيان. «نار السهوب. أي اسم آخر قد يليق به حقاً؟» «أليس الصغير الأحمر؟» «أخشى أن يكون ذلك انتهاكاً لقانون الخيول، انتهاكاً سيشهد كسر ساقيك وإلقاءك في منتصف السهوب.» «تسك! أخطار خفية في كل مكان.» هزّ تيان رأسه. «ألا مكان آمن من فرق التأديب النهمة هذه؟» قضيا بضعة أيام في اقتفاء أثر البشر العاديين عائدين إلى مدينة الراية المحترقة. ولإزعاج تيان الشديد، كان الحصان يُدعى في الواقع نار السهوب. أصبح إزعاجه أكثر تأملاً عندما علم أن الحصان، بطريقة ما، أخبر القائد الشاب لتلك الحقيقة. ليس بالكلمات، بل بشعور وصورة. استدعى تيان هان إلى الفناء لاستجوابه. «لماذا لم تقاتل غونغسون من أجل الحصان؟ كنت ستفوز.» هزّ هان رأسه وكتب بسرعة على لوحه الحجريّ. «لم تكن مخصصة لي. كلينا استشعر ذلك.» «مثير للاهتمام. أي شيء آخر؟» «نعم. قال حصان الروح العملاق في السماء إنني لم أكن مستعداً بعد. ذات يوم، سأعود إلى السهوب وسيجدني حصاني.» دع تيان الكلمات تحوم حولهما لحظة، قبل أن ينهض ويشبك يديه خلف ظهره. «أقدار؟ مصير؟» «شيء من هذا القبيل.» رفع هان بطاقة تبدو ممزقة. تتبع تيان عصفوراً صغيرًا وهو يقفز من غصن إلى غصن، ثم طار فوق جدار الفناء. «نجم الغربال، معلم الطائفة من الجيل الثالث لدير الرافد القديم وأقوى عراف قابلته شخصياً، وصف القدر يوماً بأنه نهر. يمكنك القتال ضده، ويمكنك توجيه قاربك إلى أي من الجانبين، لكن في النهاية، لم يتغير النهر. بل تغيرت تجربتك معه. أمر عميق جداً، كما اعتقدت، بما يليق بشخص أكبر سناً من المملكة. وإليك الأمر، الطالب هان. كان نجم الغربال عرافاً، يدرس السماوات وأوامر القدر. كان يجب أن يكون الخبير الأبرز في العيش بشكل جيد، بما يتوافق مع إرادة السماء.» سمح تيان لعينيه بأن ترتفعا بعرضية، متتبعتين السحب سريعة الحركة القادمة من الجنوب الشرقيّ. «ومع ذلك، قبل أن يموت، جعل الأمر واضحاً جداً جداً، بأنه قد أضاع تماماً غالبية حياته، واقترف خطايا لا تُغتفر بحق عدد من الناس يصعب عده، وفي النهاية انتحر ليقتل سيد خور الحديد الأسود في عمل سحريّ لا أزال أجاهد لفهم غرضه ونطاقه. بدا وكأن نفايات الحجر الأحمر بأكملها كانت تُطحن في مطحنة، الطالب هان، وكنت أنا والأخت هونغ هناك لنشهد ذلك.» ابتسم متطلعاً إلى السماء، وما زالت يداه مشبوكتين خلف ظهره. «القدر، المصير، لا يمكنك التحكم بهما، لذا لا تقلق بشأنهم. ابذل قصارى جهدك بما تملكه، في المكان الذي أنت فيه. ولكل ما عدا ذلك، استمتع ببساطة بوقتك على النهر. قد أكون متحيزاً، لكنني أعتقد أن الرحلة تكون أكثر متعة عندما يكون لديك شخص تضحك معه على طول الطريق. استرح. غداً نستانف التدريب. لم يتبق لدينا سوى القليل جداً من الوقت.» كان تيان فخوراً جداً بتلك الخطبة. فقد بدت تماماً كما ينبغي لخالد قديم ممتلئ بالحكمة. بل إنها تضمنت كذبة تعليمية مع استعارة النهر. كان سعيداً لأنه تدرب عليها مسبقاً. كان دائماً يؤدي بشكل أفضل عندما يكون لديه نص. لم يتغير ذلك طوال كل سنوات تمثيل هذه الإنسانية. وقد تأكد تمثيله بشكل أكبر عندما انطلق رسول، بعد أسبوع، مسرعاً نحو قصر لورد المدينة، صارخاً بأن لديه تقريراً عسكريّاً. لقد استولى يو على حصن الطائر القرمزيّ، وثلاثة حصون أخرى معه. لقد بدأت الحرب.
فخر السماء الفصل 358 — النيران تلحق بالركب
اقرأ فخر السماء الفصل 358 — النيران تلحق بالركب باللغة العربية على مانجا تايم.