فخر السماء الفصل 344 — وساطة نسر

اقرأ فخر السماء الفصل 344 — وساطة نسر باللغة العربية على مانجا تايم.

رفع ليرين بصره نحو العقاب الدائر في السماء. «أتُريد قتله؟ في الواقع، هل نعلم كيف يستخدمه الشامان لمراقبة الناس؟» «لا. لا أعلم إن كان شامان يراقُبنا الآن ويتلقى الرسائل من الطير، أم ماذا. ولا، لن أقتله؛ أريد التحدث إلى الشامان الذي يتحكم به.» «تتبع عقابٍ يحلق في السماء يبدو أمراً شاقاً.» «ومن يتتبع شيئاً؟ إنه طير عاديّ. علاوة على ذلك، أريد أن أرى إن كان الشامان قادراً على التحدث من خلاله.» ابتسم تيان. هزت ليرين رأسها قائلة: «من أين لك هذه النزعة المشاكسة؟ لقد كنت طفلاً جاداً دوماً.» قرر تيان سريعاً أنه ما من إجابة جيدة عن ذلك، فألقى بسيفه الطائر. قد تكون تلك أبسط طريقة للطيران، لكنها ضمنت هروباً سريعاً. حلّق نحو العقاب في دوائر بطيئة. كان يرتفع أعلى ممّا يُفضّل عادةً. ومن دون عينيّ عقاب، بدأت تفاصيل الأرض تتلاشى وتتسطح؛ فلم تعد السهوب المتموجة تُرى إلا خيالاتٍ لظلالها. ظلت جميلة، بريةً ومفتوحة، لكن الأمر بدا مختلفاً وسط كل هذه الزرقة. كان الأفق أبعد بكثير. وبات بإمكانه أن يفهم لِمَ قد يخيف هذا المنظر ليرين؛ فلا شيء يربطك بالأرض هنا، ولا مرجع سوى أرضٍ بعيدة. سيكون من السهل جداً السقوط نحو السماء. بدا العقاب أكبر بكثير مما توقع؛ جسم بنيّ، وريش أسود عند أطراف جناحيه وذيله، بينما غطى الريش الأبيض وسط الجناحين والذيل، وبدا رأسه البنيّ مخططاً بالذهب. لم يكن ذهباً ساطعاً، لكنه تلألأ ببريق تحت ضوء الشمس. أمّا شراسته فكانت أمراً لا غبار عليه. لقد كان طاراً ضخماً حقاً. ولو التقى به تيان في باحة الخردة، لربما طار به بعيداً. لم يرغب العقاب في الاقتراب منه. تفهم تيان ذلك تماماً، لكنه لم يهتم. صعد إلى الأعلى وجعل نفسه في مستوى عينيّ الطير، منزلقاً بصمت عبر الهواء العالي. بدا الأمر صائباً، بطريقة عجز عن شرحها تماماً؛ كأنه أصبح شخصاً سماويّاً حقاً، وممارساً حقيقيّاً لفنون الداو المتعالية، وكأنه تجاز أخيرًا ذلك الصبيّ الذي كانه في مكبّ النفايات. ابتسم قليلاً حين رأى انعكاسه في عين العقاب. المؤكد أنه لم يبدو شبيهاً بذلك الصبيّ على الإطلاق، لكن قلبه ظل ينبض بالطريقة ذاتها حين لمسه. لا تزال السماء مليئة بالروعة ذاتها، حتى وإن بات بإمكانه التجوال فيها الآن. الشجاعة والعزم الذي اكتسبهما هناك ظلا رفقته، ومعهما تلك القسوة أيضاً. ثلاثة وعشرون قتيلاً. أذاب بعضهم في الأسمر، وحطم أدمغة آخرين بضربة كفّ الرعد، حارصاً على ترك جثثهم سليمة قدر الإمكان. تدفقت الذكريات فجأة لتزيل مزاجه الجيد. استطاع رؤية ذلك في عين الطير، إذ تلاشت الابتسامة عن وجهه، وغدت عيناه باردتين وميتتين كأرضية الطوب في المستودع. «إن كان السيد يسمعني، فالرجاء تحريك جناحي الطير، أو التحدث إليّ من خلاله. أظن أننا سنكون أكثر راحة على هذا النحو. وإلا، فسيتوجب عليّ تتبع طاقتك الحيويّة ومناقشة الأمر معك شخصياً.» «من السيد؟» جاء صوت امرأة حادّ ولهجته مميزة، من جهة منقار العقاب تقريباً، رغم أن منقار الطير كان مغلقاً بإحكام. «معذرةً. أطيركِ أنثى أيضاً؟» «بالطبع.» قبض تيان كفه وانحنى باحترام: «لقد قادني جهلي إلى الإساءة دون قصد.» انحنى بتهذيب شديد، غير مبالٍ بكونه ينحني فوق فراغ يرتفع مئات الأقدام، ولا يمسكه سوى قطعة معدنية واحدة. وبعد أكثر من أسبوع من السفر على صهوة سيف، اعتاد الأمر؛ أما الفارس الروحيّ للعقاب، فبدت أقل اعتياداً. «كيف لا تسقط؟» «وكيف تتحدثين من خلال عقاب؟ ما أعتبره عادياً سحرٌ بالنسبة لكِ، وما تعتبرينه عادياً سحرٌ بالنسبة لي.» هزّ تيان كتفيه. «هاه. ألعاب وتلاعب بالكلمات.» «لا، أنا حرفيّ ومباشر تماماً. إنه سحر الداو، الذي يستخدم العناصر الخمسة وأساليب صناعة محددة لإنشاء أداة قادرة على حمل ممارس داو عبر الهواء.. شريطة أن يكون قوياً بما يكفي، بالطبع. وليس لديّ أدنى فكرة في الواقع عن كيفية تحدثكِ عبر هذا العقاب، سوى أن للأمر صلة بالأرواح.» «لكنك لم تجد صعوبة في رصدي.» «لا، بلا صعوبة.» لم يذكر تيان أنه كان يعثر ببطء على أثر الطاقة الحيويّة الممتد من العقاب إلى نقطة بعيدة في الأفق. كان خافتاً، ولا تلاميحه مرئية لحواسه دائماً، لكنه تحسّن في اقتفاء أثره. «إذن ماذا تريد أيها الساحر؟» «أريد العثور على الأشخاص الذين يحركون القبائل.» تأكد تماماً أن العقاب بدا متفاجئاً، وإن كان من الصعب الجزم بذلك. فهو لا يعرف العقبان جيداً مقارنة بالطيور الأخرى. وستتاح له فرص كثيرة لدراستها الآن، بطبيعة الحال. «أتقصد الملوك؟ لا، الساحر الحقيقي يطلب كبار الشامان.» «هؤلاء أيضاً، لكن لا. شيء ما قد تغير، والأمر يتجاوز مجرد الضعف الظاهري لمملكة السماء العريضة. أريد العثور على من أحدث هذا التغيير.» شعر تيان بيقين متزايد من أن ما يراه هو الدهشة. تتحدث العقبان بلغة جسدها، بالطبع، ولم تكن الشامان تقم بحركات كبيرة، لكن تيان واثق ممّا يراه. «أترى ذلك حقاً؟» «نعم.» أومأ تيان برأسه. «أتحملين أيّ فكرة عن المكان الذي ينبغي أن أبدأ البحث فيه؟» «في الجحيم.» «أو يمكنني البدء في مخيمك. ممم. دعيني أرى إن كنت قد خمنت الصواب.» كان تيان يتواصل صمت مع ليرين، التي انطلقت كالبرق فوق الأفق. «بالمناسبة، لو كنت مكانك لضغطت على أسنانّي. هذا إن كنت قد أصبت التخمين بالطبع.» أومأ تيان ودياً للطير. «أيّ جحيم تقصده يا—» آه، لقد كان مخطئاً من قبل. هذا هو شكل الدهشة على هيئة عقاب؛ فقد انتصب ذلك الريش بطريقة جنونية. شعر بالاتصال بالطير يتلاشى فجأة، لكنه لم يختفِ تماماً. أمر مثير للاهتمام. مدّ تيان يده ببطء وأمسك بالعقاب. لم يُعجب العقاب هذا التصرف كثيراً، لكن لم يكن لرأيه أيّ اعتبار. أسقطها تيان بوهج لطيف من الطاقة الحيويّة، ثم ربطها بحزامه بقطعة حبل. بدا الأمر محرِجاً على الفور. راودته فكرة مبهمة بأن الأمر يشبه ربط حمامة ميتة أو تدرج أو دجاجة برية بحزامه. كادت الطيور الملعونة تلامس كاحليه، بينما امتد الجناحان لثمانية أقدام. استُخدمت قطعة من الخيط لحزم الطير في حزمة مرتبة. ومع ذلك ظل محرِجاً، لكنه صار قابلاً للإدارة على الأقل. كانت خفيفة بشكل مذهل لطير بهذا الحجم وتلك المخالب الضخمة. تمتم تيان: «بطريقة ما، لم يُذكر هذا قط في المعبد. ولم يتناوله المعلم أيضاً. لا أصدق أنني الوحيد الذي يواجه هذه المشكلة. هذا مستحيل.» «على الأقل سأتمكن من إسكات أي شخص يتذمر من كوني "أُكدس الخردة". كم سيكون الأمر محرِجاً لو لم أمتلك القطعة المناسبة من الخيط لحزم الطير، أليس كذلك؟» أدرك تيان أنه كان يهرب من ذكريات المستودع. استطاع أن يشعر بضغط الصور وهي تضغط على الحواجز التي يبنيها عقله بيأس، مستخدماً الإلهاء والانفصال. لقد نجح الأمر، لكن الانزلاق نحو الاكتئاب سيكون سهلاً بشكل مؤلم. لا، لقد انزلق نحو الاكتئاب بالفعل؛ فقد فعل ذلك مراراً وتكراراً، ولم يلاحظ سوى الآن. استشعر الاكتئاب وهو يستقر على كتفيه، ويلفّ قلبه، ويغطي رأسه كقبعة ثقيلة بشكل مؤلِم. لقد ظن أنه تجاز تلك اليد العظمية للذاكر التي تلفُّ عنقه. وبلوغه المرتبة السماوية كان ينبغي أن يجعله أعظم من أن تتمكن من الإمساك به. وها هي تعود مجدداً. ذكريات كابوسية وتلك الغرفة الرمادية للاكتئاب، تماماً كما كانت من قبل. يبدو أنها إحدى تلك الأمور التي يجب أن تتجاوز طول ستة أقدام لتتحرر منها. حلّق خلف ليرين، بلا عجلة ولا تماطل. وبطريقة ما، لم يعد بإمكانه رؤية السماء الزرقاء، ولا العشب الأخضر، ولا الشيح الفضيّ. لا تزال موجودة، لكن كل شيء صار رمادياً الآن؛ مكانٌ مُجرّد من المعنى. ليس مكاناً مؤلماً، بل فارغاً. لم يكن مكاناً لطيفاً أيضاً، لكن تلك هي طبيعة الاكتئاب؛ فهو أشبه بالذوبان في حمام من الأسيد الفاتر. تعلم أنه سيقتلك، ولست مرتاحاً، لكن الخارج شديد البرودة لدرجة تحول دون قدرتك على مغادرته. «لقد أعدت صياغة جسدي بالكامل ثلاث مرات. يداي شُفيتا، والقيود التي كبلتني تحطمت، وما زلت رجلاً ينويّاً في جوهري. ظننت حقاً... لكنني كنت مخطئاً في أشياء كثيرة. وهذه واحدة أخرى.» كان المخيم عبارة عن خيام واسعة ومستديرة متناثرة. لم تكن كلمة خيام منصفة لها؛ فقد كانت أكبر من بعض منازل الفلاحين التي رأاها، وبحجم يكفي بسهولة لنوم عائلة كبيرة. لِباد غير صبوغ، إن كان عليه التخمين، مع بعض الجلود المختلطة هنا وهناك، رغم أن ليست كل خيمة احتوت على جلود. وامتلك معظمها فتحة في منتصف السقف، واستطاع رؤية الدخان يتصاعد من بعضها. وهناك خيول هنا أكثر ممّا رأى في مكان واحد من قبل، باستثناء جيش. ضأنٌ أيضاً، لكنه رأى قطعان ضأنٍ ضخمة من قبل. هذه كانت خيولاً بالعشرات. لقد كانت قبيلة صغيرة نسبياً، لكنها امتلكت من الخيول ما يكفي لملء سوق خيول إقليميّ. أمر لا يُصدق. لاحظ وجود مهور صغيرة، وكان الفرو الأشعث لحصان الشامان الكبير هنا أيضاً. لم يكن أي منها أخضر، ولم يحمل أيّ منها قدراً ذا بال من الطاقة الحيويّة. بالطبع، بات يدرك الآن مدى تضليل ذلك؛ فمثلاً، كان الرجل الذي يوجه القوس نحو ليرين يمتلك مستوى بشريّاً بحتاً من الطاقة، لكن السهم حمل شيئاً لم يسترِح له. لم يبدُ قوياً بما يكفي لإيذاء ليرين، لكن... لقد كان مخطئاً من قبل. أرسل تيان السيف في غوص كان سيجعل العقاب فخوراً. وحين هوى، نادى بسهام العصفور السماويّ، تاركاً إياها تحوم حوله. كانت ليرين تمسك بامرأة نحيلة وصغيرة من رقبتها. ارتدت أثواباً صفراء فاقعة، مع حبال خضراء تتدلى من رقبتها كأن قلادة قد انفرط عقدها. ووضعت على رأسها قبعة تنسدل على جبينها، وبرزت منها حزمة من الريش الطويل بشكل مستقيم. واستطاع رؤية عين مرسومة باللون الأبيض على القبعة الزرقاء ذات الريش. أرسل السهام إلى الأمام، منقضياً على القوس والرامي. رى أصابع الرامي تفلت الوتر. رأى سهم ريش الإوز يغادر القوس، متلّوياً عبر الهواء كأفعى تبحث عن عضّ ليرين بين حاجبيها. انقضت السنونو السماوية بسرعة، وبأسرع ما يمكنه، لكنه لا يزال بعيداً جداً. كان كل شيء يتحرك ببطء شديد، والسهم يلتوي في الهواء نحو وجه ليرين ولن يتمكن من الوصول في الوقت المناسب! أمالت ليرين رأسها بكسل إلى الجانب. انزلق السهم مجاوزاً إياها، وبالكاد حرّك حجابها، ليستقر في التراب. بدت كأنها تمدّد رقبتها، أو متفرّسة بفضول في شيء قاله أحدهم للتو. لم تظهر ذرة خوف واحدة عليها. لكن تيان لم يستطع التفكير في أمور معقدة كهذه. لا تزال ليرين حية. وأمامه وقت لإنقاذها. عليه فقط قتل الرامي. أمالت ليرين وجهها لأعلى، وراقبته وهو ينقض من سماء زرقاء صافية. كانت عيناه مثبتتين على الرامي. ولم يرَ نظرة الرعب على وجهها.