«ما الذي جرى بحق الجحيم الملعون؟» «الألفاظ.» «كلا، أخت ليرين، أظن أنني استخدمت الكلمات المناسبة تماماً. أنا أحافظ على هدوئي وكرامتي وأستعمل الإِتيكيت الملائم للرفقة التي أنا فيها وللموقف الراهن. بدقة شديدة، هذا ليس شتماً حتى. بيد أن المرء إن لم يستعمل الشتم في مثل هذا الموقف، فلا أعرف متى يستعمله إذن. أنا محق أخلاقياً ومنطقياً في اختيار كلماتي.» «تشك تشك. الشاب التنين تيان زيهاو، ينحدر به الحال إلى لغة سوقية بسبب…» «تابعي. حقاً، تابعي. بسبب ماذا؟ أخبريني. أريد أن أعرف.» «أجل، ليست لدي أدنى فكرة عما جرى بحق الجحيم الملعون. لكنني سعيدة لأننا عشنا.» هزت هونغ كتفيها، وعيناها متسعتان بوحشية، بينما ارتسمت على شفتيها أبلد ابتسامة رأاها تيان قط. «أظن أن "العيش" هو الحد الأدنى المعقول من التوقعات.» بدت أصابع تيان وكأنها تخنق رقبة خفية. لم يكن واعياً بذلك. «سنة ونصف. سنة ونصف ومَلِكُنا… المُبجَّل بحرارة يجعلنا نركض هنا وه كان يحري بنا أن يخبرنا بشيء. كان بإمكانه إرسال رسالة قصيرة إن لم يرغب في الزيارة. عدد المرات التي كدنا نموت فيها كلينا!» «كل ذلك لكي يحظى بجمهور بينما يقتل أحدهم ثم ينتحر. إن كان هذا ما حدث حقاً. مع أن ذلك يبدو، مجدداً، الحد الأدنى الذي يمكن أن نتوقعه بالنظر إلى عملية القتل الجماعي على نطاق غير مسبوق برُمَّتها.» كانت هونغ تنقر برمحها على الأرض بطريقة توحي بأنها تتخيل طعن أحدهم. «مع أنني متأكدة من أن هذا ليس كل ما جرى.» «إليك أحجية تحير الألباب: أكان ذلك قتلاً جماعياً؟ إن كان ج جلوساً ولم يفعل شيئاً تعمداً، أيمكن اعتبار ذلك قتلاً؟ أم لا بد من أن تتحرك؟ حجة مقابلة، أيمكن أن يُعد التقاعس عن التحرك قتلاً؟ أتعليك مسؤولية للتحرك؟» أومأت ليرين برأسها بتفكر. «لا أبالي البتة بما يقوله القانون. أقوى عرَّاف في البلاد، الأقدم من البلاد نفسها، والذي يقود أقوى قوة عسكرية فيها، وساهم في تأسيس البلاد وتنشئة آلاف المُزارعين، لديه بلا شك مسؤولية تجاه ما خلقه! لست مهتمة أبداً بالاستماع إلى أي دفاع عن ذلك...» ساد صمت منساق. «أتعجزين عن إيجاد شتيمة قوية بالقدر الكافي؟» «كلا.» «إنها معضلة صعبة. وفي أمر ذي صلة تامة، أين نحن؟» «لا أعلم.» هزت هونغ كتفيها. «على جبل؟» كان تخمينها معقولاً، بالنظر إلى أن الجانب الآخر من الطريق كان يضم شريطاً عشبيّاً بعرض ثلاثة أقدام، يليه انحدار يكاد يكون عمودياً لعدة مئات من الأقدام للأعلى. سيكون لديك منظر خلاب وأنت تَهْوي. بدا الجبل غنياً بالشجيرات الخضراء والخيزران طيب الرائحة. ظن تيان أنه يستطيع استنشاق رائحة الصنوبر والأرز في مكان ما. وربما كانت هناك غابة وراء الضباب المنساق الخفيف التلألؤ في الأعلى. أو في الأسفل. كانت هناك كمية ملحوظة من الضباب، بالنظر إلى بقع السماء الزرقاء الساطعة التي كانت تتسلل بين الحين والآخر. أخذ تيان نفساً عميقاً. كان الهواء رطباً لكنه غير خانق، منعشاً لكنه غير بارد، وكانت فيه حلاوة تنعش الجسد والعقل. أينما كانوا، كان مكاناً طيباً. استنشق تيان بعمق، ثم شرع في تشغيل زراعته. سعل. لقد نجح في الاختناق بالهواء النقي. «أخي؟» «التشِي. إنه كثيف حقاً هنا. ليس تماماً في مستوى كهوف المنعطفات الستة، لكنه أعلى من أي مكان زرته خارجه. يبدو أقل فوضوية أيضاً. أنقى، إن كان هذا معقولاً.» أومأت ليرين برأسها ببطء. نظرت حولها مجدداً، فانفتح فموها ببطء واتسعت عيناها. «أعرف أين نحن. أو… لدي تخمين جيد جداً. جبل الرفع القديم. أظن أنه أوصلنا إلى جبل الرفع القديم.» هز تيان رأسه. كان يتوقع أن يكون هنا ذات يوم. لقد كان هذا مبكراً بعض الشيء. نظر حوله. كان الطريق يلتوي صعوداً وهبوطاً، ليضيع سريعاً في ثنايا الجبل. جبلٌ، حسب ما يتذكره، كان يتطلب حتى من المُزارعين أسبوعاً أو أكثر لدورانه مشياً على الأقدام، وكان عالياً لدرجة تعذر رؤية قمته من الأرض. «يبدو أن علينا معرفة ما يمكننا صيده والتقاطه هنا، لأنني لا أحب حظوظنا في العثور على أي شخص.» ضحك تيان بخفة. «ربما علينا فقط أن نعقد أصابعنا ونتضرع بأن يندفع أي تلميذ أساسي فجأة، غاضباً لأننا نتعدى على ممتلكاتنا.» توقفا لتأمل الطيور الطائرة في السماء دونهما. ألقى تيان نظرة خاطفة على الكركي. بدت مرعبة بعض الشيء. إذن، ليست طيوراً عادية. «سيتعين عليك أنت عقد أصابعك بالطبع.» أضاف تيان. «أنا؟ لمَ أنا؟ اعقد أصابعك أنت. إنها كلها غريبة ونحيلة كالمكرونة، ستكون بارعاً في ذلك.» دفعت هونغ المهمة نحوه مجدداً. «تملك أصابع أكثر مني بثلاثة، ولا تحتملين عقد أربعة منها. من بين كل السلوكيات المشؤومة العاصية للبر…» شرع الاثنان في المشاكسة وهما يصعدان التل. الكركي، التي اعتادت على ذلك، سارت بجانبهما. استشف تيان أنها كانت قلقة وترغب في البقاء بالقرب. كان الطريق شديد الانحدار، وكل خطوة كانت تستنزف الطاقة. وقد وازن ذلك الهواء الطيب، الذي كان ينعش طاقتهما الحيوية مع كل نفس. مجرد العيش هنا يجعلك أكثر صحة. قفز تيان قليلاً، ثم فعلها مجدداً. ثم للمرة الثالثة. «أهو أنا فقط، أم أن الأرض تسحبنا بقوة أكبر مما ينبغي؟» قפزت هونغ قفزة خفيفة. لاحظ تيان أنها قفزت أعلى بقليل منه. يرجح لأجل منافسة طفولية. من الواضح أن أمامها الكثير لتنضج. «هاه. أنت محق.» «لا بد أن الأمر يعود لكل تشي الأرض في الجبل.» أومأت تيان. بدا هذا مؤكداً لنظريته السابقة حول تشي الأرض. قفز مجدداً لمجرد التحقق. وبمصادفة بحتة، قفز أعلى بقليل من ليرين. هبط برضا إزاء الإثبات التجريبي لنظريته، ولأي سبب آخر. «هذا منطقي.» قفزت مجدداً. لم يستطع إلا أن يلاحظ أنها أمضت ثانية تقريباً في الهواء. «ليس لدي نظرية أفضل.» قفز تيان. كان بارعاً في القفز. «حقاً.» قفزت ليرين. رمقتهما الكركي بنظرة ثاقبة بعينيها الصفراوين الساطعتين، وجلست في العشب. كانا لا يزالان يقفزان بعد خمس دقائق عندما نزلت مجموعة صغيرة عبر الدرب. كان هنالك ثلاث نساء، ورجل ضخم الجثة إلى حد ما. عريض المنكبين، واسع البطن، بوجة مستدير بريء كضحية مولودة، حتى أن كعكته الشعرية كانت تهتز بطريقة توحي بأنه سيكون من السهل خداعه. «أرأيت، قلت لك إنني عرفت طاقتهما الحيوية. أخي تيان، أختي هونغ، إنكما لمنظر يُثلج الصدور!» انقض عليهما الأخ وانغ بكل مجده المرتبك! «كنا في ساحة العناصر الخَمْسَة ثم جُرِفنا عبر الهواء! أأنت تعلم أنه إن تحركت بالسرعة الكافية، يبدأ الهواء بالتوهج حولك؟ أقسم أنني رأيت الغيوم تتفتت بينما اخترقناها. لا بد أننا بَدَونا كَتِنِّين، بذهب ساطع ونترك خلفنا أثراً طويلاً في الهواء.» «أنا… لم أكن أعلم ذلك.» هز تيان رأسه، ثم تماسك. «اغفر لي! من الجيد رؤيتكم مجددا، الخالة القتالية مي، الأخت سو، الأخ وانغ. لكني لا أعتقد أنني أعرف رفيقتكم؟» تدفقت الكلمات، تماماً بالطريقة التي تعلمها بها في المعبد، ممهدةً كل تلك العلاقات البشرية الفوضوية. «أه أجل، أين أدبي؟ هذه هي الأخت مينغ يو. لقد… انشقت. إلى جانب الصغيرة مي.» سعل الأخ وانغ وأدار وجهه بعيداً. ألقى تيان نظرة لائقة على المرأة. كانت، في الواقع، ترتدي رداءات متعددة الألوان ومطرزة لساحة العناصر الخَمْسَة. وكانت الخالة القتالية مي ترتدي نسخة أفخم من نفس الزي. أفخم بكثير، كان واثقاً تماماً من وجود تشكيلات نشطة في ملابسها ولكن كيف يعمل ذلك، ليست لديه أي فكرة. «انشقت؟» أومأت مينغ يو برأسها بحماس. لاحظ تيان سريعاً بعض الأمور الغريبة عنها. أولها أنها كانت ترتدي نوعاً من الأجهزة فوق عينيها. لقد تعرف على الزجاج، لكن الأقراص الدائرية الصغيرة المثبتة في مكانها على وجهها بقطع من الأسلاك والخيزران المسطح كانت… مبتكرة. استطاع رؤية تشكيلات دقيقة منقوشة عليها. ربما كانت مسحورة. قلادة اليشم الأبيض المعلقة من خصرها كانت كذلك بالتأكيد، شأنها شأن أساور اليشم الأخضر الساطعة على أذنيها. بدا رداؤها كأنه أكبر من حجمها أيضاً، إذ كانت أكمامها تجر على الأرض عملياً، وكانت حاشيتها متسخة. أتقلص حجمها؟ شعر تيان بإحساس فوري بالقرابة. «نجل، لم نستطيع البقاء في الساحة لفترة أطول. لم تقوَ أي روابط عائلية أو واجبات على إجباري على احتمال…» هزت مينغ يو رأسها بلطف وأدارت وجهها بعيداً، وهي في حالة اضطراب. صادف أن "إدارة وجهها" كان باتجاه الأخ وانغ. لم يستطع تيان إلا أن يشعر بأن انتباهه يُسحب مجدداً نحو أساور الأذن المصنوعة من اليشم التي كانت ترتديها، والقلادة المعلقة من خصرها. لم يقط قط شيئاً يشبهها تماماً من قبل. كانت العناصر تتحرك كعشيب الماء المتمايل حولها. أيمكن لتشكيل أو سحر أن يملك داو الخاص به؟ سيكون ثمرة لداو بالطبع، وتصور الصانع نفسه. لكن أيمكن للشيء ذاته أن يملك داو؟ لأنه إن كان كل شيء جزءاً من الداو، فإن أي صخرة أو شجرة عشوائية… كلا، كل صخرة وشجرة عشوائية تملك داو الخاص بها. كل الوجود، بحكم وجوده، كان يسعى وراء مسار. هز تيان رأسه ليطرد الأفكار السخيفة. ثم تسللت فكرة سخيفة أخرى، فالتف رأسه، وكأنه على محاور، نحو الأخ وانغ. الذي بدا عاجزاً وبريئاً. «الأمر ليس كما تظن.» بدأ الرجل الضخم يلوح بيديه. «الأمر تماماً كما تظن.» صححت الأخت سو، وكان صوتها بارداً، لكنه قانع. «من الجيد رؤيتكما مجدداً. مع أنك، أخي تيان، هل… تبدو كأنك…» تلمست كليشيه مفيدة، ثم استسلمت. «لقد انكمشت. لكنك تبدو أفضل الآن. بطريقة ما. الأخت هونغ لم تنكمش، لكنها تبدو أفضل أيضاً. أنا سعيدة لكما كليكما.» كان صوتها جافاً كتعبير وجهها. لوحت هونغ بعجز نحو الثلاثي الذي صار رباعياً. «كيف… لمَ؟» «حسناً. أنت تعلم.» فرك الأخ وانغ مؤخرة عنقه. «كانت تتعرض للتنمر بشدة، لذا بدأت تتردد على ساحتنا، وأصبحنا جميعاً أصدقاء مقربين. عندما بدأت أنا والأخت سو نتوهج ونطير، قالت الصغرى مي والصغرى مينغ إنهما ترغبان في المجيء معنا. وإنهما تفضلان البقاء معنا على جبل الرفع القديم على البقاء محبستين في الساحة. ثم لُفَّتا في التوهج، وأتيتا معنا.» نظر تيان إلى الخالة القتالية مي، التي لم تكن تكلف نفسها عناء إخفاء قهقهتها. «ألم تكوني في عش الفينيق الصاعد، أو أياً كان ما يسمون به منطقة التلاميذ المباشرين؟» «أه أجل. وكانت هذه الفاتنة مرشحة مؤكدة للانضمام إلي بمجرد أن تخترق.» ابتسمت. ثم قهقهت، لأن بعض العادات يصعب تغيرها. «يا للهول، سيتفاجأ رعاتها وخطابها تفاجؤاً شديداً!» «خطاب؟ بصيغة الجمع؟! لم تصرخ هونغ تماماً، لكن صوتها ارتفع بالتأكيد بضع درجات.» «إنها قصة مروعة، أخت هونغ. فظيعة.» هز وانغ رأسه وأمضى عشرين دقيقة في سرد حكاية عن عائلات عريقة، وترتيبات زواج، وأسياد شبان قساة وآباء غير مبالين، زادتها الأمهات الماكرات سوءاً. كانت هناك مأساوية، خيانة، ومزيد من المأساوية، ومزيد من الخيانة، وفي النهاية تماماً، مكان واحد للسلام والقناعة. ساحة الأخ وانغ سيئ الححظ وسو ومي الرائعتين الجميلتين. وأيضاً، وبشكل غير مرتبط، أصبح خطيبا مينغ مفلسين مالياً، ومخترقين أخلاقياً، وجُرِحت قلوب الداو لديهما بقسوة. وذهب والداهما مجتمعين لاستكشاف كهف مغارة ولم يكن متوقعاً عودتهما قبل خمسين عاماً على الأقل، وكان رعاتها داخل الطائفة كريمين دائماً بأكثر مما ينبغي في كل من نظراتهم وتعليقاتهم، وهو ما يرجح أنه سبب وجودهما في مثل هذه الحالة… غير اللائقة في مأدبة عامة جداً. الكثير من النبيذ، ومرتاحان تماماً لإبداء ملاحظات حول الناس. لذلك لم يكن مناسباً بالطبع أن تبق مينغ يو في الساحة. كان بإمكان أي شخص رؤية ذلك. مصادفات غريبة، لكن لا علاقة لها بالأخ وانغ. كان يكافح فحسب لتدبير أموره، متمنياً لو بإمكانه إنفاق كل حجر روحي كأنه عشرة ومتنهداً أسعار المتاجر. تبادل تيان وهونغ نظرة، وشبكا قبضتيهما في يديهما، وانحنا، وقَدَّما ترحيباتهما الرسمية، ثم سارا بخطى حازمة إلى الأمام دون التفات إلى الوراء. بدا أن الكركي قد تجاوزت كل ما كان يقلقها، إذ رفرفت في الهواء بأسرع ما تستطيع. «نذر عفة. مساكن الكهوف. نحن على جبل. أراهن أن الكهوف موجودة مسبقاً. علينا فقط اختيار ما يعجبنا منها.» كان تيان حازماً في هذا الأمر. «سنرغب في شيء مواجه للجنوب للإضاءة، بالقرب من بروز حيث يمكننا الحصول على منظر للشروق. إذن، الوجه الجنوبي الشرقي للجبل سيكون حلاً وسطاً لائقاً. ينبغي أن يكون هناك مصدر للماء وحطب للتدفئة بالقرب. ربما مكان لحديقة، لكي نتمكن من زراعة الخضروات.» «أه، هل تعرفين كيف تزرعين الخضروات؟» سأل تيان. «كلا، أنت فتى الأعشاب، ستزرعها أنت. سأكون خارجة للصيد في الغابة حيث نحصل على حطب التدفئة.» لوحت هونغ برمحها بجرأة. «أنا ألتقط الأعشاب، لا أزرعها. أراهن أنني قمت بصيد أكثر منك أيضاً. مع أنك محقة بشأن الموقع. أتسااءل عما إذا كان يجدر بنا تدمير أي طرق أو دروب تؤدي إلى كهفنا. سيجعل ذلك الوصول إلى الأماكن الأخرى أصعب، لكنه سيجعل الوصول إلينا أصعب أيضاً. وهو ما سيكون لطيفاً. علينا فقط معرفة كيفية صنع فخاخ مميتة وحفر في الهواء، لتثبيط الزوار السماويين.» تابع اثنان السير، غير مباليين أبداً بالشخص السماوي الذي كان ينهار ضحكاً خلفهما. هاما عبر أي دروب بدت مثيرة للاهتمام، دون تفكير حقيقي في وجهتهما. لقد كانا أسبوعين مزعجين للغاية، وكانا سعداء لمجرد الكينونة. وجد كل منهما رفقة الآخر سهلة. عندما ارادا التحدث، تحدثا. وعندما أرادا الصمت، صمتا، واستمعا إلى العالم. كانت الرياح تحدثهما عبر الأشجار. وكان الماء يهمس بأسراره من جداول الجبل، وتبكي الطيور، وتطن الحشرات، وكان العالم يدور دونهما. بدا ذلك مهماً. العالم يدور. وهما لم يتسببنا في ذلك. ولم يستطيعا إيقافه. لقد كان كذلك فحسب. انزلق الأيام مضت. بالكاد لاحظا. الكثير جداً كان يحدث. ولم يستطيعا إيقافه. كانا يعلمان فقط أنه يجري. حتى تيان، على كثرة شكواه من كونه ينويّاً أكثر من اللازم، شعر بالحاجة الملحة ليفعل شيئاً، ليجعل الأمور السيئة لا تحدث، أو لم تحدث، أو شيئاً ما. أي شيء. لكنهما لم يستطيعا. من كان أعلم منهما بنطاق ما كان يحدث؟ من عرف أكثر عن الأسباب الكامنة وراء ما حدث؟ في أحد الأيام، حطت الكركي على صخرة أمامهما ونظرت إليهما نظرة قلقة. شاركت ذكريات — عن الطيران للخارج، بعيداً، بعيداً عن جانب الجبل والتوقف. شيء ما استدار بها بلطف. كلما طارت متجاوزة نقطة معينة، وجدت نفسها تطير عائدة نحو الجبل مجدداً. «تشكيل. الجبل بأسره مقفل في تشكيل. لقد قال منخل النجوم بالفعل، على قدر ما يعنيه الأمر لبقية العالم، فلن يعود للجبل وجود.» توقف هونغ عن إلحاق الألقاب باسم الشيخ. لم يستطع تيان إجبار نفسه على مجاراتها تماماً، لكنه كان يخطئ أحياناً. «لقد جمع كل "الأخيار". كل المصلحين وأصحاب الجدارة. ما رهانك على أن قسماً هائلاً من القصر الداخلي يقع على الجانب الآخر من هذا الحاجز؟» «الدير نفسه أيضاً. لا يمكنك إقناعي بأنهم جميعاً أشخاص أطيبون.» أومأت هونغ برأسها، ناظرة ببلادة إلى جدول يسابق الزمن عبر الوادي الذي كانا جالسسين فيه. «ممم.» ملأت الطبيعة الصمت بصوتها. «عائلتي على الجانب الآخر من الحاجز. لمَ قد ينقذهم منخل النجوم؟ ليس لديهم أي جدارة مميزة. العكس تماماً، في الواقع. عشرات الملايين من البشر العاديين سيموتون، ووالداي في مكان… خطر بالفعل.» أومأت تيان. «عائلة لونغ ميتة على الأرجح، مع ذلك.» أبقت هونغ عينيها مسمرتين على النهر. «ربما لا. أتتذكر ما قاله منخل النجوم؟ أسوأ الناس سيزدهرون في الفوضى.» «لفترة من الوقت.» ضحكت بصمت على ذلك. «أخي تيان، كل ما نملكه هو الآن.» ضحك تيان معها. لقد كانت تعاليم الطائفة. «الماضي ذكرى، والمستقبل حلم. لا يمكننا الوجود إلا في اللحظة الحاضرة. وحدها الآن نكون أحراراً في الاختيار.» اقتبس محاضرة مكررة غالباً. «لا أشعر أن خياراتي احتسبت كثيراً مؤخراً. ربما لأنني لم أكن قادراً حقاً على الاختيار من بين أشياء أردتها فعلا.» غمست هونغ منديلاً في الجدول ومسحت به مؤخرة عنقها. «ما الذي سنفعله؟ عالقين على الجبل، أعني.» «عاجلاً أم آجلاً، سيبدأ أحد الشيوخ أو التلاميذ المباشرين في تنظيم الأمور. إنه جبل كبير، لكن بالنظر إلى مدى حواس الشخص السماوي، فيجب أن يجدوا الجميع في النهاية. يوجد في مكان ما على هذا الجبل الدير ويبدو أن هذا هو المكان الذي توجد فيه كل الأشياء الجيدة حقاً. يجب أن نجلس على كومة كبيرة من الجدارات، إن كانت تلك لا تزال مهمة، حتى نتمكن من اختيار ما نريد. أسلحة، دروع، موارد زراعة، نصوص. أياً كان. سأمارس كفوف قمع التنين. سنشعل الشمس التالية لكِ. كلا منا سيخترق المستوى الثامن في الأشهر القليلة القادمة، أو في حالتي، أسابيع، ونبدأ الطحن من أجل المستوى التاسع والعالم السماوي.» سرد تيان كل ذلك دفعة واحدة. «و… ثم ماذا؟» «لا أعلم.» «هه. وأنا أيضاً.» «عاجلاً أم آجلاً، سيزول الحاجز، أو سيحطمه أحدهم. يجب أن أقول إن فكرة أنني في قفص طيور عملاق وغير مرئي تمنحني إحساساً بالحكة.» حرك تيان كتفيه، ثم وقف. «كنت امزح بشأن موضوع نذر العفة، لكنني لم أكن أمزح بشأن مسكن الكهف. أتريدان معرفة ما إذا كان بإمكاننا إيجاد مكان جيد؟» «بالتأكيد.» وقفت. «ماذا ستفعل عندما ترى الأخ فو؟» «ليس لدي أدنى فكرة.» بدأ الاثنان في المشي، متبعين درباً يؤدي تقريباً إلى الجنوب الشرقي. «ما الذي يمكنني قوله حتى؟ ماذا يمكنه أن يقول لي؟ أيعلم أصلاً بما فعله منخل النجوم؟ ما فعله حقاً، أعني؟ و…» بسط تيان يديه ناظراً إلى الأصابع المفقودة، ثم استدار نحو ليرين. لم تستطع إلا هز رأسها والتنهد. سارا ليومين إضافيين، متوجهين نحو الجانب الجنوبي الشرقي للجبل. في يوم عادي، وجدا بروزاً صخرياً واسعاً بما يكفي لمخيم. كان جيداً بما يكفي لليلة. جلس الخالدان الخالدتان طوال الليل، متأملين النجوم. وقبيل الفجر، شرعا في زراعتهما وسمحا لروحيهما بالصعود مع الشمس. سيجدان كهفهما قريباً بما فيه الكفاية، وسيصنعان منه مكاناً طيباً للعيش. كان الطريق إلى الداو طويلاً ومتعرجاً، لكنهما كانا قانعين، وهما يعلمان أنهما لن يمشيا وحدهما. متوهجين بالبنفسجي والذهب في ضوء الفجر، لم يستطيعا تخيل الرغبة في المزيد.
فخر السماء الفصل 219 — الطاويّون يعودون إلى البساطة
اقرأ فخر السماء الفصل 219 — الطاويّون يعودون إلى البساطة باللغة العربية على مانجا تايم.