فخر السماء الفصل 204 — مساق إلى النور

اقرأ فخر السماء الفصل 204 — مساق إلى النور باللغة العربية على مانجا تايم.

توقف تيان عن الكلام برمّته. صُبَّت كل العناقي والطاقة في تركيزٍ واحد فريد: التعافي، واكتساب المزيد من الطول. لكنّ جزء التعافي كان له الأولوية بلا شك. أو كان يحدث في الوقت ذاته على الأقل. المشكلة تكمن في كثرة التفكير، وغياب صفاء الذهن. لم يكن الأمر وكأنّ إخوته الأكبر سناً قد خدعوه؛ فقد أخبروه بالحقيقة المطلقة: الأفكار المعقّدة تقف حاجزاً بين المرء والدائو النقيّ، لأنك تقسم العالم إلى أجزاءٍ صغيرة كثيرة وتفشل في رؤية الكلّ الموحّد الذي يمثّل كلّ شيء. ولهذا السبب كانت الحيوانات تتقدم في زراعة الروح أسرع في عالم الأرض، إذ لا أفكار معقّدة لديها، وكلّ شيء يتدفق وفقاً للطبيعة. وعلى الرغم من ذلك، مُنح مع ذلك كلّ أشكال الفنون المعقّدة ليتعلمها: مسارات دوران معقّدة، سياسة معقّدة، اقتصاد معقّد، أسرار معقّدة حول الجدارة والحظّ، وحقيقة… وحقيقة أن الأخ فو قد أذن بالتأكيد للهجوم على منزل عائلته ممّا جعله يحترق حتى شارف الموت… لا. لا أفكار دخيلة. قد لا يكون قادراً على إيقافها تماماً، لكن بإمكانه منح عقله شيئاً آخر ليركز عليه. الشجرة. الشجرة العظيمة التي تحمل السماء. الشجرة الكونية العظيمة التي يُفترض بالمرء تخيلها أثناء زراعة مجيء الربيع. يبدو الأمر بغيضاً في الحقيقة عند الالتوراء للوراء. واضح الأهمية إلى حدٍّ بديهي، ومع ذلك جرى غضّ الطرف عنه. ظلّ الجميع يرددون أن «أيّ مسار حقيقي للزراعة هو زراعة للعقل»، ثم يستديرون ليقولوا «توقف عن التفكير وكن فحسب». كيف يمكن التوفيق بين هذين الأمرين؟ الأمر بسيط: كان عليه أن يتوقف عن التفكير ويزرع الشجرة الكونية في عقله. كانت الشجرة الكونية التعبير الأنقأ لعنصر الخشب مدفوعاً إلى أقصى حدوده. لقد كانت شجرة حقيقية، نعم، مصنوعة من الخشب الحقيقي، لكنّ أخذ مصطلح «عنصر الخشب» حرفياً سيكون خطأً. «عنصر الخشب» يعني «النمو». لم يكن عنصر الخشب اسم جامد، بل كان فعلاً. وكان، حسب اعتقاده، العنصر الأكثر ارتباطاً بالحياة بحقّ. حتى أكثر من الماء. فالماء كان، بعد كلّ شيء، عنصر الشتاء والموت واليين المتطرف. ومن الين المتطرف يولد اليانغ. ويتبع الشتاءَ الربيعُ، لتنفجر كلّ البذور المنتظرة في الأرض صاعدةً نحو الأعلى وتنمو. حسناً، ها هو ذا. متقلّص برمّته داخل بذرة. وفرة من الماء بالقرب منه، وبإمكانه رؤية الشمس الساطعة وهي تلقي أشعتها عبر الفجوة في السقف. مستعد للوصول إلى النور. لا أفكار سوى النمو. لا أفكار سوى التعافي والنمو والتطلّع نحو النور. ولمساعدة تركيزه (وبعد التأكد من أن ذلك لن يزعج ليرين)، بدأ تيان يهفهف بالأصوات، عثوراً على أغانٍ تغذي نموه، وعثوراً على الخشب الكامن فيها، دافعاً إياها لتحمله نحو الأعلى. بعد عشرة أيام من سقوط تيان و هونغ في الكهف، شقّا طريقهما صعوداً إلى خارجه. لم يتعافيا تماماً، لكنهما تعافيا بالقدر الكافي ليكوناعلى استعداد لقتال معظم الكائنات دون عالم السماوات. ما زال تيان يعاني من الصداع أحياناً، وكان يجاهد للحفاظ على استقرار مزاجه. راودته رغبة غريبة للغاية في إطلاق قهقهة مفاجئة أو الانفجار في وجه أحدهم. استطاع أن يشعر بالكلمات البغيضة وهي تضغط خلف أسنانه، إلى أن تلاشت تاركةً طعناً خبيثاً في فمه. لكن أكثر من أيّ شيء آخر، شعَر بالقوة. جريحاً، لكنه قوي. «أول ما سنفعله هو العثور على الكركي. ثم، الأمر التالي، هو التواصل مع الأخ فو». كان تيان حازماً، رغم أن ذلك لم يحقق الكثير. كانت ليرين تهزّ رأسها مع نهايته للجملة الأولى. «أول ما سنفعله هو الذهاب إلى دير الشلالات الثلاثة والتحدث إلى الراهبات. فهنّ يعلمن أين يمكن إيجاد الكركي. على الأقل، ستكون لديهنّ فكرة أفضل بكثير ممّا لدينا». كان ذلك منطقياً تماماً. ورغم ذلك لم يرغب تيان في فعله. ولم يكن يريد حقاً أن تفعله ليرين أيضاً. لسوء الحظ، أجبره هذا على مواجهة السبب وراء عدم رغبته في سؤالهنّ. «أنا… لا أثق بالدير بعد الآن»، تمتم. «الراهبات أفضل حالاً على الأرجح من أيّ شخص من شعب السماوات، لكن هذا لا يغيّر حقيقة أنه لو قال عمّ قتالي أو عَمّة قتالية: "احرصا على إرسال صقر مرسال فوراً إن رأيتما تيان أو هونغ"، فإنهنّ سيفعلن. حتى لو طلبنا منهنّ ألا يفعلن ذلك». سقط وجه ليرين، وبحثت عيناها عن شيء ما في تعبيراته، لكنها لم تجده. هزّت رأسها. «هذا يمزقني أنا أيضاً. هناك الكثير من الناس الطيبين في الدير. أفضل الناس. وهناك الكثير من الأشرار أيضاً، ويرى أهل القمة أن عدم فعل أيّ شيء هو الحكمة بعينها. لكني لست مستعدة للانسحاب». «أنا لا أطلب منك ذلك». هزّ تيان رأسه، متمنياً لو أنها تنسحب. «أنا فقط أقول إنني لا أستطيع تحمل هذه المغامرة. وعليكِ ألا تفعلي ذلك أيضاً». «سنحتاج إلى المعلومات عاجلاً أم آجلاً، أيها الأخ». أومأ تيان برأسه. «إذن لنفعل ذلك كزنادقة أو مزارعين متجولين. عبر الشائعات، وعبر التحدث إلى الناس. عبر، ها، التدفق مع الدائو». «هذا هراء». هزّ تيان كتفيه. «أنا لا أثق بهنّ يا أختي. أنا حقاً لا أثق بهنّ». رفع نظره نحو السماء، مُطلقاً لروحه العنان، علّه يجد أيّ أثر لكركي نعمة الثلج. لا شيء. لم يكن ينتظر شيئاً، لكنه كان ما زال يأمل. بتنهيدة طويلة، نفض الغبار عن ملابسه الخشنة المصنوعة من الكتان. كان السروال بلون أخضر مائل للأزرق باهت، والسترة ذات الحزام بلون أخضر داكن بالٍ وممزق. مدّ يده وأخرج دبوس التنين الخشبي من الكعكة التي تلمّ شعره، ووضعه في خاتمه. ثم نزع الخاتم الصادر عن الطائفة ووضعه على الخيط مع خواتم التخزين الأخرى التي جمعها، مستبدلاً إياه بخاتم أصغر وأقل كفاءة. «الأخ زيهاو؟!» لقد قتلت محكمة غرب المدينة الخارجية عائلته التي وُلد فيها. وهو… لم يكن يهتم حقاً بما حدث لوالديه. كان مريحاً معرفة أنه لم يكن مكروهاً من قبلهما، لكنه كان عزاءً لا أكثر. لم تكن لديه أيّ ذكريات عنهما. كان يتذكر بوضوح العيش مغطى بالحروق. ويتذكر بوضوح المجاعة والوحدة القاتلة. ظنّ إخوته أن الجميع قد ماتوا. لم يتعمدوا إلحاق ذلك العذاب به. وربما ظنوا أن الموت رحمة لذلك الصبي السقيم. ومع ذلك، فقد قادوا الهجوم على عائلة شيا وهم يعلمون أن عائلة بأكملها ستتعرض للمذبحة، وقد وافق الأخ فو، الشخص الأكثر لطفاً وأخلاقيةً عرفه، على ذلك. الأخ فو، الذي أصرّ على أن يدرس الأخلاق، والذي علّمه اللياقة، وأن لكلّ محادثة إتيكيت خاص بها. لقد قال إن تيان إن أتقن المجاملة المناسبة، سيجد الأبواب تفتح له في كلّ مكان. وكان الأخ فو محقاً في ذلك - فمنذ انضمامه إلى المعبد، وجد تيان أيدياً ممدودة أكثر بكثير من الحجارة الملقاة. ومع ذلك، فقد منح الأخ فو موافقته على ذبح عائلة بأكملها. وهو أمر فعله أكثر من مرة. كانت هناك عائلات تشبه عائلته لم تعد موجودة، لأن الأخ فو أومأ برأسه موافقاً. هل تطلب ذلك إذنَ الشيخ روي أيضاً؟ لقد كانت مسألة تخص المحكمة الخارجية، وإن كانت بوضوح مسألة دنيوية بحتة أيضاً. وبنفس الوضوح، كانت المرحلة الأخيرة من صراع المحكمة الداخلية، وربما لم تكن كذلك. كان كلّ المصلحين متواطئين. إن كان الأخ فو متورطاً، فإن الأخت الكبرى باي كانت متورطة أيضاً. في الواقع، وعلى نحو مروع، كان هو نفسه متواطئاً. لقد كان يعلم كيف تعاملت المحكمة الخارجية مع وضع هونغ منذ… سنته الثانية في المعبد؟ بالتأكيد كان ذلك قبل رحيلهما إلى الأراضي القاحلة. بدأ تيان يضحك. ضحكة حقيقية ومؤلمة ومستهزئة بنفسه. «يا للهول، لابد أنني أكبر منافق على وجه هذه الأرض في نطاق عالم شعب السماوات! أليس هذا مضحكاً؟ هناك في الظلام، لم يكن الأمر حقيقياً. كنت أنا وأنت نتحدث، واستطعت التركيز عليكِ ودون أن أهتم ببقية الأمور كثيراً. لكنه الآن حقيقي. الآن أصبح تحت السماء الزرقاء، وهو واضح جداً بحيث لا يمكن تجاهله». «أيها الأخ، أنا لا أفهَمك. أرجوك، أخبرني ما الذي يجري؟» «ظننت أنني متصالح مع قصتك. لكنني لست كذلك. أنا لست كذلك حقاً، أبداً. وهل تريدين معرفة شيء حقيقي، لكنك لن تصدقيه أبداً؟» نظر تيان مباشرة في عيني أخته الطويلة، بينما ابتسامة دافئة ومن منطلق القلب تنبعث من داخله، وتوهّج فانوس الرحمة في قصره القرمزي، مشتعلاً بكل طاقة النار التي استطاع حشدها. «أعتقد أنك البريئة الوحيدة في هذه القصة بأكملها. ربما أنا أيضاً، أو ربما لا يوجد أبرياء، ونحن نتشارك الإثم بمجرد أن أدينا قسمنا. لكن في قرارة نفسي، من بين كلّ سلسلة الضحايا المريضة هذه التي تخلق المزيد من الضحايا، أعتقد حقاً أنك الشخص البريء الوحيد. لأنني عندما سمعت عن الأمر، لم أفعِل شيئاً. وحين سمعتِ أنتِ عنه، فعلتِ شيئاً بشأنه! ليس بالكثير مما يمكنك فعله الآن، كالتمارين، والاستعداد، وبناء شبكاتك. لكنك تعملين على ذلك. أما أنا؟ فقد قلت "هذا مروع"، واستمررت في طريقي. وهو ما يجعلني محتالاً ومنافقاً، رغم كلّ ترهاتي الأخلاقية!» تراجعت إلى الوراء مترنحة، كمن تلقى ضربة قوية. واستمر تيان في الكلام. «لذا، ولفترة قصيرة، سأخلع زيتي، وأفكّ كعكة شعري، وأخفي خاتمي. سأخلع الأسماء والانتماءات التي أرتديها. أعتقد أن الوقت قد حان ليذهب تيان زيهاو من محكمة غرب المدينة الخارجية ليستريح في الجبال بعض الوقت. ربما سأصبح راهب شاي. لم يكن سيئاً أن يكون المرء راهباً. أو ربما سأكون داوياً هائماً، يأتتي لينظر إلى العالم الدنيوي». حدقت فيه ليرين بعينين واسعتين. فلوّح بأصابعه أمامها. «لن أهرب وأتركك يا أختي. أنا فقط بحاجة لأن أكون أقل شأناً، لفترة قصيرة. لكي أرى من أكون عندما أكون وحدي بلا كلّ ما أحمله على عاتقي. لم أكذب عليك من قبل. ولن أتركك قبل أن ترتحلي أنتِ. فقط أخبريهم أنني فعلت ذلك. أخبريهم أنني غاضب للغاية، أو مريض بالغضب، أو أنني ببساطة مجنون وهربت وحدي. سأمشي مع مجرى النهر إلى البلدة التالية بعد بلدة الجداول الثلاثة. يمكنك العثور عليّ في النزل هناك». «هل تمتلك نقوداً دنيوية حتى؟» سألت. لاحظ تيان أن قبضتيها كانتا مشدودتين بشدة، وأن مفاصل أصابعها بدت بيضاء للغاية تحت بشرتها السمراء. «بعضها. بما يكفي. أو لا. لا يهم حقاً. امضي وتحدثي إلى الراهبات يا أختي. أخوكِ الأكبر ليس بصحبة جيدة الآن. سيُفيده القيام بنزهة لتهدئة رأسه». ثم بدأ بالمشي وتوقف والتفت إلى الوراء. كانت ليرين واقفة متجمّدة، بصدمة لم يسبق له أن رأى مثيلا لها. «انظري إن كان بإمكانك الحصول على القارب. لقد تعرض لأضرار بالغة، لكني أحبه. سيكون مخجلاً التخلي عنه، بعد أن أمضينا وقتاً ممتعاً في إصلاحه في المرة الأخيرة». وبثلاث خطوات خفيفة، اختفى. مندفعاً على ضفة النهر. لم يفكر. لقد ركض فحسب. استطاع أن يشعر بالأفكار وهي تضرب جدران عقله محاولة الدخول. ركز على أنفاسه، ومكان وضع قدميه. كان منفتحاً وحساساً لاهتمام العالم به متسللاً عبر الثغرات في إدراكهم. كان هناك الكثير من الحركة على نهر الخين وعلى طوله. فمقابل كلّ ميل تقدّم فيه، لابد أنه تحرك عشرة أميال ذهاباً وإياباً، صعوداً على جدران الوادي والأشجار أو نزولاً بين القصب. كان الأمر على ما يرام. طالما أنه يتحرك ويتنفس. وطالما أنه يتفاعل ولا يخطط. إذا حافظ على التوازن تماماً، فلن يكون طفلاً محترقاً متكوراً تحت العفونة الدافئة، يحتضن نفسه ليشعر بنوع من التواصل البشري. ولم يكن الأمل المستقبلي لطائفته، ولا شقيق ليرين الحيّ والميت. لم يكن عليه أن يفكر في كيفية مواجهة والده أو متى سيتسنى للجد جون الكلام مرة أخرى. لم يكن عليه أن يفكر في كل الملح الذي أكل والأرواح التي دُمرت في صنعه. لم يكن عليه أن يفكر في شبكة المعاناة التي تكرر بلا نهاية والتي تنسجها البشرية حول نفسها. بإمكانه أن يكون شجرة. تنمو. وتتطلع صعوداً نحو السماء. وفي يوم من الأيام سيكون كبيراً بما يكفي لحمل كلّ هذا الثقل. لكن لهذا اليوم، وفي هذه اللحظة، كان عليه أن يكون هو فحسب. وحيداً، مع كلّ الآخرين.