لُفّت اللفافة بأسلوب أكاديميّ مخادع — بدا جافاً وعلميّاً ظاهراً، لكنّه حفل بالفخاخ الخفيّة للقارئ الغافل. لم يرغب تيان يوماً بأن يصبح باحثاً، غير أنّه بين دراسة النصوص الطبيّة، وتاريخ الدعاية السافر، ومشاكسات الجدّ، صقل بعض الغريزات الأساسيّة. وكان أعظمها أهميّة: «عمّ يختار الكاتب أن يكتب، وما الذي يتجاهله؟» لا يمكن لعين التاريخ أن تركّز في كل مكان آن واحد، أليس كذلك؟ واثنان واثنان يساويان دائماً أربعة، ما لم تكتشف وجود ثلاثة إضافيّة مُسحت تحت السجادة قبل إجراء الحساب الختاميّ. لاحظ تيان سريعاً استمرار الإشارة إلى المقاطعات الأربع نفسها، وبروز نبلاء وبيروقراطيّين معيّنين بوضوح، وعبارات تبدو حياديّة مثل «تفضيل التمهّل المدروس على الفعل السريع» أو «اعتبار دخل المزارع العاديّ أهمّ من درء خطر خسارة كارثيّة»، ممّا يوجّه القارئ نحو استنتاج منحاز بوضوح. كان ممكناً تخفيف الكارثة بتخطيط مسبق سليم وقيادة حاسمة، وغالباً ما كانت تقع بسبب التقصير في الاستثمار بطرق التخفيف الجذريّ. ويعود التقصير في الاستثمار دائماً تقريباً إلى كون تلك الطرق تجمع بين الإزعاج، والكلفة، والمشقة، فضلاً عن أن الناس يعجزون عن ملاحظة الأمور التي لا تحدث بسهولة مقارنة بتلك التي تحدث. كان الشيخ فنغ يوصل مغزى معيّناً بمنح هذه اللفافة لتيان. لكنّه عجز عن معرفة ماهيَّته. تمتم تيان: «تبدو الاستنتاجات معقولة، ولكن دون أيّ شيء آخر نقارنها به، لا يمكن الوثوق باللفافة». «صحيح». «أَحَقّاً؟ أعني، هل هو مصيب؟» لم ينطق تيان بهذا الجزء بصوت عالٍ. فقد اعتاد افتراض أن أيّ قول أو فعل يقع ولو من بعيد في محيط ممارس بشريّ سماويّ سيكون مرصداً. «لا يمكنني الإجابة عن ذلك... سوى تذكيرك بأنّ أيّ استنتاج لا يمكن أن يتجاوز دقّة مقدّماته». آه. عاد تيان أدراجه إلى بداية اللفافة، محاولاً العثور على الخلل. بدا كلّ ذلك منطقيّاً للغاية — فقد كان ممكناً اتخاذ خيارات صحيحة من جهة، لكنّها تفضي إلى عواقب كارثيّة. كنظام ريّ أدى إلى تراكم بطيء للملح في التربة، محوّلاً الأرض الخصبة إلى أرض قاحلة. أو التقصير في قمع قطاع الطرق سريعاً في مقاطعة ما، ممّا أدى إلى مجاعة قاسية في مقاطعة أخرى لتعذر نقل الحبوب في الوقت المناسب لسدّ العجز المحلّي في المحاصيل. ممّا أسفر ساخراً عن مزيد من قطاع الطرق، خالقاً مشكلة متسلسلة لم تنتهِ إلا بعد شتاء قاسٍ وحملة قمع أكثر قسوة صرخت بها العاصمة. ما الذي كان يفاته؟ كالكثير من هذه اللفافة، ركّزت تماماً على الشؤون البشريّة. على ما يبدو، كان الممارسون أسمى من كلّ هذه المشاكل التافهة. قد لا يستطيع تيان تحويل مسار نهر بملوحة يده، لكنّه كان يراهن على أن بعض البشر السماويّين الذين التقاهم يستطيعون ذلك. كان للممارسين مشاكلهم الخاصة. فاليد التي تستطيع تحويل مسار نهر قادرة على حزّ الرأس عن الكتفين نظيفاً ليلصق كغشاء رقيق على جدار في بلدة تبعد ثلاثة مدن. قرع بأصابعه على المكتب، ثم تفحص ملاحظاته. لم يبرز شيء. أعاد قراءة الحكاية عن قاضي بلدة القمة البيضاء. فتح القاضي مستودع الحبوب لإنقاذ الناس من المجاعة، دون أن يدرك أن سوء التخزين أدّى إلى تلوث الحبوب بالمرض. أودت الحبوب الملوثة بالآلاف، ثم بمئات الآلاف، إلى المرض. لم يكن التحرك لإنقاذ المجاعة خاطئاً، حرفيّاً. بل كان سوء إدارة سابقاً بأشهر وسنوات للحدث الحاسم الذي أدى إلى الكارثة. بدت المقدمة صلبة كالصخر. هزّ تيان رأسه وهو يقرأ. بضع تمائم حفظ بسيطة، تُستبدل سنوياً كحدّ أقصى، كانت ستضمن عدم حدوث ذلك أبداً. والحقّ يقال، احتوت المستودعات في المستودع الرابع على صناديق ضخمة من تلك التمائم بجوار الأبواب تماماً. وكلّ ما كان يدخل تقريباً كان ينال واحدة. وبدت رخيصة للغاية وسهلة الصنع إلى أقصى حدّ. لم يكن الممارسون كالبشر العاديين الذين اضطروا للاعتماد على الملح لحفظ الطعام. وضع فرشاته جانباً ورتب المكان. لعلّ الأمر سيغدو واضحاً حين يتحدث إلى البقيّة. وصل إلى الباب قبل أن يفلح أخيراً في ملاحظة ما كان جلياً لدرجة تعمي الأبصار. كان تيان قد أعدّ طقم الشاي وسخّن الغلاية بلطف حين تدفق الآخرون للداخل. وصعب رصدهم نوعاً ما خلف كتب التاريخ المتنوعة التي جلبوها. فقد أصرّ إخوته على إحضاره الكثير من مواد القراءة إلى الأراضي القاحلة، ولم يتخلص منها قطّ. استقرّ الأخ وانغ في مقعده بابتسامة خفيفة، فقال: «لا أظنّ أن هذه هي اللفافة التي منحك إياها الشيخ، أخي تيان». «أنا أتأكد من تذكري لبعض المسائل». «أهذا حقّاً ما تفعله؟ مع كمية التذمر التي تبديها بشأن تلك الكتب، ظننتُ أنك ستلقي بها في كومة النفايات فور تمكنك من ترتيب حادثة». دخلت هونغ بخطوات متبخترة وانهارت في أحد المقاعد مغمضة عينيها بلطف. فرك تيان مؤخرة عنقه باحراج، وقال: «راودتني التجربة، لكن الإخوة وبّخوني بشدة في المرة الوحيدة التي بلغ بي الغضب حداً جعلني أرمي كتاباً على الجدار. انتهى بي المطاف بشعور سيّء للغاية لدرجة جعلتني أعاملها وكأنها مصنوعة من زجاج». «يسعدك أن تعلم أن رمي الكتب في المكتبة ليس فعلاً يستوجب الطرد. حاولنا سنّ قاعدة كهذه، ولكن رغم حجج رئيس الجناح المنطقيّة والنزيهة، قرر الشيوخ أن الجلد رادع كافٍ وأن حظراً إضافياً سيكون زائداً عن الحاجة». دفعتی الأخت سو كرسيها المحمول للداخل. كان تيان قد أفرغ مساحة لها تماشياً مع الباب، فتدحرجت مباشرة حتى الطاولة الصغيرة وسط الغرفة ووضعت لوحاً فوق مساند ذراعي كرسيها. رُتّبت الأوراق والفرشاة والحبر، إضافة إلى لفافتها وصينية ضئيلة بُنيت خصيصاً للشاي والوجبات الخفيفة. «غريب. للمرء أن يتخيل أنه بما أنها زائدة فلن يكون هناك ضرر في السماح بها أيضاً». كانت ابتسامة الأخ وونغ لتخيف شبحاً. سجّل تيان صامتاً الرجل الضخم كعضو آخر في فصيل الأخت سو «لا يوجد قتل يضاهي القتل المفرط». «هذا صحيح تماماً». «لدي شاي التنين الأسود من الجبال الستّة ويبدو جيداً حقّاً. أيلائم الجميع؟» التفت تيان وحين لم يرَ أيّ اعتراضات، بدأ بالخدمة. «أحضرت بذور دوّار الشمس ورقائق الزعرور. وإن ظللنا جياعاً لاحقاً، فلديّ بعض كعكات الفول الأخضر». بسط وانغ بضعة أوعية. أطلقت هونغ أنيناً واستقرت أعمق قليلاً في مقعدها، فقالت: «أهكذا يكون شعور المرء حين يكون متطفلاً؟ إنّه... إنّه لطيف للغاية». نخر تيان بوجهها، وقال: «أنتِ من ستجلب الشاي في المرة القادمة»، وجاءته تلويحة خاملة رداً على ذلك. قذف الأخ وانغ بضع بذور في فمه وسأل: «أصدقاء قدامى؟» أومأ تيان برأسه وبدأ بصبّ الماء الساخن بحرص بينما بدا أن وانغ يكاد يشرق ببذوره: «نعم. كدتُ أقتلها حين كانت في الحادية عشرة وحين أدركت أنها تفضل العيش بعاهاتها، صرنا صديقين». أصضرت هونغ أنيناً، وقالت: «كان نزاعاً. يعاني الأخ زيهاو حساسية تجاه المجازات ويحمل ضغينة ضد الكنايات. وبعبارة أخرى، يميل إلى أخذ التباهي والشتائم حرفيّاً وجديّاً». «لاحظت ذلك». كان صوت الأخت سو جافاً كالعظم. «أفترض أنك لستِ معتلة حقّاً؟» تمتمت هونغ: «مسألة رأي، على ما أظن». التقط تيان لمحة ما — تلميحاً لمرارة حقيقية. أكان هناك ما يفوته؟ ألقى عليها نظرة سريعة شاملة. لا شيء واضحاً. سيتعين عليه السؤال لاحقاً. سأل الأخ وانغ: «إذن، ما قصتكِ أيتها الأخت هونغ؟» «تلميذة متوارثة، دُفعت إلى فرقة الانضباط في المستودع الرابع. محكمة بلدة الغرب الخارجيّة هي مختبر الشيخ روي، لذا حصلت على مقعد في ساحة تجارب، وتفوقت، وها أنا هنا الآن. وقصة الأخ زيهاو مماثلة، باستثناء أنه همجيّ من الأدغال ويتحول إلى طبيب. وأنت؟» التفتت بنظراتها نحو الأخت سو. «لا أعرفك إلا بصفتك إحدى أمينات المكتبة في جناح الكتب المقدسة في المستودع الرابع». «سو جينغجو من المحكمة الخارجيّة للشلالات الرنانة. ليس لديّ رعاة يُذكرون، ولا تنمّ زراعتي عن أي اهتمام خاصّ. أنا قانعة في المكتبة، أقرأ وأقدّم أحياناً مذكرات لتحسين الأوضاع في الطائفة. يأتي الناس أحياناً ويتحدثون معي بشأنها. لعلّ هذا سبب وجودي هنا». «تحسين الأوضاع؟» «نعم. للأسف، لا أتواصل بوضوح. يريدون دائماً التحدث عما أشعر به أو أفكّر فيه بدلاً من تطبيق الاقتراحات. كان الأمر محبطاً، لكن الآن بما أنني هنا، أظنّ أنه كان مجدياً». أومأت برأسها بجدية، ثم التفتت نحو الأخ وانغ. «عشيرة وانغ في الأنهار الثلاثة هم تجار أرز، لذا دُفعت نحو الخدمات اللوجستية. لديّ موهبة زراعة مقبولة ولكن لا شيء مميزاً للغاية. مثل الأخت سو، أقرأ كثيراً، ومثل الأخت سو، أطرح الكثير من الأسئلة أملاً في إيجاد سبل لتحسين الأمور. لعلّ الاسياد فضوليّون لمعرفة ما إن كنت قادراً على استنباط أيّ إجابات؟» قهقه. سألت هونغ: «ماذا كنت تفعل في الزنازين، إن لم تمانع سؤالي؟ يبدو وكأن ثمة خرقاً خطيراً للانضباط وقع؟» «اشتباه بالهرطقة». تجمدت الغرفة. رفع تيان بصري. لم يكن الرجل الضخم يمزح. قالت هونغ بصوت هادئ: «حين قلت إنك تطرح الكثير من الأسئلة... أخي وانغ، هل لي أن أسأل عن نوع الأسئلة؟» صفّى تيان الشاي بحرص في إبريق الصداقة. وما إن رأى حجم الكمية، حتى تمكّن من توزيعها بالتساوي في الأكواب الصغيرة. تلألأ تمثال الشاي لديه ببريق أزرق، متجدداً بفعل الغسيل ليعكس الآن بعض السماء من النافذة المفتوحة. أمل ألا يضطر لقتل الرجل البدين. «أسئلة عقلانيّة تماماً، على ما أظن. مثل: ما هو التبرير الدقيق لوجود طائفتنا، أو أي طائفة بالأصل؟» كاد تيان يسقط الكوب ذي الغطاء. سألت الأخت سو: «أهو أمر يحتاج إلى تبرير، أخي وونغ؟» بدا وجه الأخ وانغ قاتماً: «حين تتسبب طائفة بالقدر من الضرر الذي تحدثه طائفتنا مقابل نتائج مشكوك فيها إلى هذا الحدّ، فنعم. هل ألقيتم نظرة على اللفائف؟ لفافتي تتناول الفوائد المقارنة لإدارة الأراضي المشتركة — فكر في حديقة خضروات قرية بدلاً من حقل أرز يؤجره مزارع، أو مرعى مشترك ترعى فيه النعاج بدلاً من حقل مسور». التفت تيان نحو هونغ بينما مدت يدها لتتناول شايها. قالت هونغ وهي تجمع كوبها وتؤدي تحية صغيرة لتيان به: «فوائد السلطة العسكرية المركزية والبيروقراطية الجدّية». أومأت الأخت سو باسترخاء وهي تقبل كوبها: «جدلية حول مساوئ التعليم العام». التقط تيان كوبه الخاص أخيراً ونخب الغرفة: «في سبيل السعي نحو داو الخاص بنا». رفع الجميع أكوابهم وشربوا. ثم أعادوها إلى صحونها بتنهيدة. تمتم الأخ وانغ: «أنا متأكد من أنه شاي أسود رخيص. لكن بطريقة ما، طعمه أغنى بكثير. رغم أنني لست متأكداً بأكثر ممّاذا». ثم أردف: «شاي ماهر بحق». ابتسم تيان. شعر أن مهاراته لا تقارن بشيء أمام مهارات الأخ فو، لكنّه نجح في الغش قليلاً. كلّ جزء من أدوات الشاي الخاص به كان مشبعاً بفهمه للعاصر. وحين قالت القديسة إن تمثال الشاي يحوي بعض بصائرها، كانت تقول الحقيقة المطلقة وتطلق مزحة في آن واحد. لقد فعل ذلك بالفعل... ولم يستطع تيان استشعارها إلا بضعف أثناء إعداده وتقديمه للشاي، وذلك فقط إن كان قد منح تمثال الشاي حصته خلال اليوم الأخير أو نحو ذلك. «خالص شكري لتقدير الأخ وانغ. ما زلت في بداية رحلتي مع الشاي». لوّح الهرطوقي المحتمل متهرّباً من انحناءة تيان. «سأحضر الشاي للجلسة التي تلي الأخت هونغ. لديّ بعض الأشياء الجيدة التي كنت أكتنزها لنفسي. من الأفضل أن أترك خبيراً يصنعها». كأن تيان سيرفض بتواضع، لكن الأخت سو قاطعته: «لم أحضر شاي أو وجبات خفيفة. لننتقل إلى الاجتماع حتى أساهم بشيء بخصوص ملاحظاتي». أومأ الجميع وشرع تيان بالعمل على النقيع الثاني. كان سيستخلص تسعة أو عشرة نقيعات من الشاي، ولكن نظراً لأن كلّ حصة كانت ضئيلة، فقد كانت عملية نشطة للغاية. «قبل أن نفعل، لدي سؤال للغرفة. هل ذكر أيّ منكم المبررات أو الممارسين في لفائفه؟» ألقى تيان نظرة سريعة حول الغرفة، ورأى رؤوساً تهتز. رغم أن البريق في عينَي الأخ وانغ أوحى بأنه يعرف إلى أين يرمي تيان بهذا. «ولا أنا أيضاً. ومع ذلك منحنا الشيخ فنغ كلّ هذه اللفائف لمساعدتنا في البدء بحلّ المشاكل التي تواجه الطائفة. ليس أربعة أشخاص عشوائيين — بل نحن. واحد سيّدي خارج المجتمع البشريّ، وضحية له، ومصلحة مهمشة، وهرطوقيّ محتمل». ابتسم تيان وهو يتفقد أرجاء الغرفة. «عالقون في قصر طائر مع سليل عشيرة نافذة يحمل شيطاناً في قلبه، تحت إشراف شيخ غامض». أطلق الأخ وانغ خخشخشة من حلقه، ثم ضحك. «يا لها من ملائمة. سواء نجحنا أو فشلنا، من زورق في السماء، كلّ ما بوسعنا فعله هو تلقي السقطة».
فخر السماء الفصل 116 — إصدار أصوات بشرية، ورصد فخاخ الخالدين
اقرأ فخر السماء الفصل 116 — إصدار أصوات بشرية، ورصد فخاخ الخالدين باللغة العربية على مانجا تايم.