سيد الظلال الصامتة الفصل 19 — سيد الظلال الصامتة 19

اقرأ سيد الظلال الصامتة الفصل 19 — سيد الظلال الصامتة 19 باللغة العربية على مانجا تايم.

سار إيثان بين شوارع "نوفاريس"، يراقب انعكاس الأضواء النيونية البراقة على واجهات المباني الزجاجية الشاهقة. أخرج البطاقة السوداء من جيبه، وقلبها بين أصابعه يتأملها لبرهة، قبل أن يعيدها إلى مكانها.

تمتم بصوت خافت "هوية مؤقتة…"

ثم أطلق تنهيدة خفيفة "على الأقل، لن أضطر لإيقاف الزمن في كل مرة أرغب فيها بدخول مكان ما."

واصل سيره حتى استوقفته شاشة ضخمة معلقة فوق أحد المباني، تعرض الأخبار العاجلة للمدينة.

ظهر شعار على الشاشة، تزامنًا مع صوت المذيعة

«ما تزال السلطات تحقق في حادثة الانفجار الغامضة الأخيرة…»

رفع إيثان حاجبه بسخرية وتمتم "سريعة."

لكن قبل أن يستأنف طريقه، اصتدم به شخص يركض بسرعة. ترنح إيثان خطوة إلى الوراء، بينما تناثرت كومة من الأوراق والمخططات من يد الشخص الآخر على الأرض.

"تباً…!"

انحنى الفتى على الفور، يجمع أوراقه وعندها تعرف عليه إيثان

إنه الفتى نفسه الذي تسبب في الانفجار قبل قليل.

ظل الفتى يلتقط أوراقه وهو يقول بانزعاج "تباً… إنهم لا يفهمون شيئاً!" لوح بإحدى الأوراق بعصبية، ثم أكمل وهو يصر على أسنانه "لو منحوني وقتاً إضافياً لنجحت التجربة تماماً!"

نهض وعدل نظارته المستقرة فوق رأسه، لينتبه أخيرًا إلى إيثان الواقف أمامه وهو يكتف يديه ويحدق به بابتسامة.

ضاق الفتى ذرعاً من نظراته وقال بنبرة حادة "ماذا؟ هل تريد القول بأنني مجنون أنا الآخر؟"

رفع إيثان حاجبيه متظاهراً بالصدمة "أنا؟ مطلقاً! فمن الطبيعي جداً أن يقوم الأشخاص الطبيعيون بتفجير الشوارع في أوقات فراغهم."

توقف الفتى وابتسم بسعادة "رائع… أخيرًا شخص يستطيع فهمي." انحنى ليلتقط الورقة الأخيرة، ثم دسها تحت ذراعه بعشوائية.

لاحظ إيثان على الأوراق رسومات معقدة، ومخططات لأسلحة وأجهزة غريبة، تحمل أطراف بعضها آثار حروق سوداء.

سأله إيثان وهو يشير بإصبعه إلى الأوراق "وكل هذه الخطط العبقرية… كانت من أجل هندسة هذا الانفجار الجميل؟"

اعترض الفتى فوراً بحدة وكأن كرامته العلمية قد أُهينت "لم يكن انفجاراً! كان مجرد خلل بسيط في الحسابات وتوازن الطاقة!" ساد صمت قصير، قبل أن يضيف بثقة "والنسخة القادمة ستكون مثالية."

ارتسمت على شفتي إيثان ابتسامة ساخرة أوسع "يا لروعة! أنا أشفق حقاً على هذه المدينة وسكانها من مثاليتك القادمة."

تجمد الفتى، ثم ضيق عينيه بغضب "أنت وقح."

استدار إيثان لينهي المحادثة لكن صوت الفتى استوقفه "مهلاً."

توقف إيثان في مكانه دون أن يلتفت. اقترب الفتى خطوة، متفحصاً إياه بفضول "أنت جديد هنا… أليس كذلك؟"

التفت إيثان إليه جزئياً، وقال "وهل الأمر واضح إلى هذه الدرجة؟"

ابتسم الفتى بخفة، وأشار بإصبعه نحوه "طريقة تأملك لكل تفصيل… الغرباء يفعلون ذلك دائماً." ثم أضاف وهو يهز أوراقه "أضف إلى ذلك… ملابسك لا تنتمي لطراز نوفاريس أبداً."

صفق إيثان بخفة بطريقة ساخرة "تحليل مذهل أيها المحقق إذن؟ ما هي خطوتك التالية؟"

تابع الفتى بحماس متجاهلاً السخرية "من أين أتيت؟"

أجاب إيثان باقتضاب "مكان بعيد."

تأفف الفتى محبطاً "إجابة مملة." ثم مد يده بابتسامة واسعة "أنا كايل."

تأمل إيثان اليد الممدودة لبرهة قبل أن يصافحها سريعاً "إيثان."

اتسعت ابتسامة كايل "حسناً يا إيثان القادم من المكان البعيد… هل تملك مكاناً تأوي إليه الليلة؟"

بعد ثانية من الصمت أجاب إيثان "لا."

أومأ كايل برأسه وكأنه حزر الإجابة مسبقاً، وقال بحماس "يمكنك البقاء في مكاني."

تضيقت عينا إيثان بشك "بهذه السهولة؟"

رفع كايل كتفيه ببساطة "لدي مساحة واسعة على أي حال." ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة جانبية: "وأحتاج إلى مساعد… مقابل السكن."

حدق فيه إيثان بصمت، قبل أن يقول "إذن، هناك ثمن."

ضحك كايل "بالطبع، لا شيء مجاني في هذا العالم."

نظر إيثان إليه لثوانٍ يقيم الوضع، ثم قال "حسنًا… سأقبل."

"رائع!" هتف كايل بحماس، ثم استدار مشيراً له بأن يتبعه.

وبينما كانا يشقان الشوارع المضيئة، التفت كايل قائلاً "لكن لا تلمس أي شيء في المنزل دون إذن مني."

رفع إيثان حاجبه "لماذا؟"

أجاب كايل بكل ثقة "لأنها قد تقتلك."

ساد الصمت لثانية، قبل أن يعلق إيثان "بدأت أندم بالفعل."

ضحك كايل بصوت عالٍ وهة يواصل السير بحماس يتحدث دون توقف وسط الأزقة المزدحمة "أقسم لك أن الانفجار لم يكن خطيراً، الناس يبالغون دائماً!"

نظر إليه إيثان بطرف عينه "نعم، يبالغون جداً. لقد رأيتُ رجلاً يطير كالعصفور في الهواء لكن ربما كان يتدرب على الطيران فقط."

رفع كايل إصبعه مدافعاً "لكنه لم يمت!"

بدأت المباني الشاهقة تتقلص، وتحولت الشوارع الواسعة إلى أزقة ضيقة يسودها الضباب الكثيف ورائحة الزيت، حتى توقف كايل أمام مبنى طويل يظهر عليه التآكل والقِدم مقارنة ببقية العمارة الحديثة للمدينة. كانت نوافذه محاطة بأسلاك نحاسية لتوجيه الطاقة، وبعضها ينفث دخاناً خفيفاً يحمل رائحة الكبريت.

نظر إيثان إلى المبنى المشبوه، ثم إلى كايل بابتسامة ساخرة "لا تقل لي إن هذه التحفة المعمارية المخيفة هو منزلك."

ابتسم كايل بفخر "بل مختبري الخاص وصومعة ابتكاراتي."

علق إيثان وهو يتأمل الدخان الصاعد "جميل جداً، النوافذ تدخن أيضاً هذا يرفع معدل الاطمئنان لدي إلى الصفر تماماً."

ضحك كايل ودفع الباب الحديدي بحماس "أهلاً بك في أفضل وكر لصنع الأسلحة الميكانيكية في نوفاريس!"

وما إن خطت قدم إيثان الداخل، حتى دوى صوت انفجار في الطابق العلوي، اهتزت الجدران الحجرية تجمد إيثان في مكانه ونفض الغبار عن كتفه بهدوء، ثم التفت نحو كايل بابتسامة واسعة "حسناً، كان لقاءً جميلاً يا كايل سأغادر الآن."

"لا! انتظر!" صرخ كايل ذعراً واندفع يمسكه "هذا انفجار طبيعي تماماً!"

حدق فيه إيثان "وكيف يكون الانفجار طبيعياً؟"

أشار كايل بيده نحو الأعلى كأنه يشرح قانوناً بديهياً "يعني أن الغرف العازلة تؤدي وظيفتها بنجاح، والتجربة ما زالت مستمرة في التطور والعمل!"

صعد كايل الدرج الخشبي راكضاً "دقيقة واحدة لضبط المؤشرات وسأعود!"

وقف إيثان عند المدخل يحدق في المكان. الجدران كانت مغطاة بمخططات ورسومات هندسية مجنونة، قطع معدنية متناثرة

فوق الطاولات، وأسلاك حية تمتد كالعناكب في كل زاوية، ناهيك عن رائحة الاحتراق الخانقة التي تملأ الهواء.

تمتم إيثان "كيف لا يزال هذا المكان قائماً حتى الآن؟"

وفجأة، شق السكون صراخ غاضب من الأعلى

"كاااايل!!"

أعقبه صوت تحطم مدوٍ لجسم معدني ثقيل.

بعد دقائق، هبط كايل الدرج مسرعاً، وتتبعه امرأة يغلي وجهها غضباً، تحمل في يدها قطعة معدنية متفحمة تنبعث منها حرارة متبقية وتقذفها بوجهه "كم مرة أخبرتك ألا تجري تجاربك اللعينة داخل المنزل؟!"

رفع كايل يديه دفاعاً عن النفس "تقنياً… المنزل لم ينفجر هذه المرة."

توقفت المرأة عندما لمحت إيثان. ضيقت عينيها وتساءلت: "ومن هذا؟"

ابتسم كايل بتوتر "ضيف جديد."

اتسعت عيناها بصدمة وغضب وهي تلتفت لكايل "أحضرت غريباً مجهول الهوية إلى المنزل الذي تستأجره مني وتكاد تدمره؟!"

سكت كايل لثانية، ثم قال بابتسامة "كنت على وشك إخبارك…"

مررت المرأة يدها على وجهها تحاول كبح غضبها، ثم التفتت إلى إيثان وقالت بصرامة "إذا تسبب هذا الأحمق في انفجار آخر… اخرج فوراً قبل أن ينهار السقف ويدفن جسدك تحت الركام."

علق إيثان مبتسما "شكراً على النصيحة الثمينة، كنتُ سأجلس هناك لأتأمل السقف وهو يسقط، لكنكِ أنقذتِ حياتي."

ثم رمت المرأة كايل بنظرة حادة كشفرة السكين "وإذا تضررت جدراني مرة أخرى… سأصادر نوفابلايت وأضعها في خزنتي."

صعق كايل "لا! كل شيء إلا نوفابلايت! إنها جوهر أبحاثي!"

رفعت حاجبها ببرود "إذن توقف عن تدمير ممتلكاتي."

أشار كايل إلى صدره بنبرة درامية "لكنه أعظم سلاح سحري وميكانيكي صنعته في حياتي!"

عقدت ذراعيها "ممتاز… سأبيعه إذن لتغطية تكاليف الإصلاحات."

تجمد كايل في مكانه، ثم صرخ بنبرة تملؤها الحسرة "هذا ظلم! أنا من ابتكره!"

ردت ببرود "وأنا من وفرت لك سقفاً يحميك بدل النوم في الشوارع."

تنهد كايل بإحباط وتمتم "هذا ابتزاز…"

وجهت المرأة نظراتها الفاحصة نحو إيثان، من رأسه حتى أخمص قدميه "وأنت… لا تبدو كزبائنه المعتادين."

أجاب إيثان "لست زبوناً."

رفعت حاجبها "إذن؟"

تدخل كايل بسرعة لإنقاذ الموقف "إنه مساعدي! لقد أخبرتكِ سابقاً أنني سأوظف شخصاً لمساعدتي!"

نظرت إليه المرأة ببطء، ثم أومأت "جيد، لا أريد رؤية هذه الفوضى مجدداً." وأشارت نحو الداخل "ادخلا. لكن لو سمعت صوتاً واحداً لانفجار الليلة، وستجدان نفسيكما في الشارع."

ركض كايل للداخل بحماس "مفهوم! لن يحدث انفجار… على الأغلب!"

عندما دخل اتضحت معالم المكان الكارثية تحت الضوء الخافت طاولات غارقة في الأدوات ومقاييس الضغط، والمخططات المعلقة، وقطع حديدية تفوح منها رائحة الزيت

توقف إيثان قائلاً بصوت خافت "هذا ليس منزلاً… هل أنت متأكد أن هذا منزل وليس ساحة خردة؟"

ابتسم كايل بفخر "بل مهد الابتكار يا صديقي."

ردت المرأة دون أن تنظر إليه "كف عن تزييف الواقع."

تجاهلها كايل، وتوجه نحو طاولة في المنتصف ليضع صندوقاً معدنياً كان يحمله، وقال بحماس "هذه المرة، كانت التجربة قريبة من النجاح الساحق."

علقت المرأة ببرود "تعني أن جزءاً من الجدار الخارجي قد تلاشى؟"

رفع كايل إصبعه مصححاً "نعم، وهذا يسمى تطوراً! في المرة السابقة اختفت الغرفة بأكملها."

في هذه الأثناء، كان إيثان يتجول ببطء بين الركام، وتوقف عند إحدى الأوراق يتأملها كانت الرسومات لآلية غريبة…

سأل بهدوء "ما هذا؟"

اقترب كايل بسرعة وعيناه تلمعان "هذا هو مشروع نوفابلايت."

"سلاح قادر على ضغط الطاقة وتحويلها إلى مقذوف مركز ومدمر… لكني ما زلت أواجه معضلة في الحفاظ على استقرار الطاقة داخل النواة."

نظر إليه إيثان "واضح جداً."

ضربت المرأة جبهتها بكفها "لهذا السبب لا يمنحه أحد مشاريع ذات قيمة."

ابتسم كايل بثقة "بدون مخاطرة لن نتطور… والمخاطرة بحد ذاتها متعة لا تُقدر بثمن."

ساد الصمت، فكسرته المرأة ببرودها المعتاد "المتعة لن ترمم الجدران كل يوم."

رفع كايل يديه: "اليوم ليس ككل يوم!" ثم أضاف بصوت منخفض تحت نظراتها الحارقة "على الأغلب…"

تحرك إيثان مجدداً وتوقف عند طاولة تضم جهازاً نصف مكتمل، تنبعث من أسلاكه إضاءة زرقاء خافتة ومتقطعة "وهذا؟ من تجاربك الفاشلة أيضاً؟"

اندفع كايل "أوه، لا! هذا مشروع نقل طاقة مصغر."

أضافت المرأة فوراً "وكان السبب في غرق الحي بأكمله في ظلام دامس الأسبوع الماضي."

ضحك كايل "لقد نجح جزئياً!"

علق إيثان "نجاح جزئي يعني كارثة عظمى في مكان آخر."

رد كايل بفخر "لكنها كارثة مفيدة للعلم!"

تنهد إيثان، ثم التفت بكامل جسده نحو كايل وسأل بهدوء "في ماذا تريدني أن أساعدك تحديداً؟"

أجاب كايل ببساطة "أحتاج لمساعد يعيد ترتيب هذا المكان، لست متفرغاً لأعمال التنظيف."

نظر إيثان إلى الفوضى العارمة التي تبتلع المكان، ثم رفع حاجبيه ببطء "ترتيب المنزل؟"

أومأ كايل "نعم."

جال إيثان بنظره في الأرجاء مجدداً، ثم قال "أنت لا تحتاج إلى مساعد… أنت تحتاج إلى معجزة."

"ليس الوضع بهذا السوء!" احتج كايل.

أشار إيثان بيده إلى كومة من الشفرات الحادة المكدسة فوق كرسي محطم "بالطبع لا، هذا الكرسي مثلاً يبدو مريحاً جداً للموت."

التفت كايل إليها "أعرف مكان كل قطعة فيها."

"وهذه الأوراق المتناثرة على الأرض؟"

"أبحاث سرية وهامة."

علق إيثان بتهكم "سرية لدرجة أن الجميع يمكنه الدوس عليها ومسح أحذيته بها."

"كنت أعمل عليها قبل قليل."

تطوعت المرأة من الخلف بالقول "إنه يكذب… لم يلمس تلك الأوراق منذ أسبوعين."

التفت كايل إليها مستنكراً "لماذا تقفين دائماً كعقبة في طريق التقدم العلمي؟"

ردت فوراً "لأن علمك يحاول إحراق منزلي كل يوم."

تنهد إيثان وهو ينزل حقيبته ويضعها جانباً "يبدو أن المال والهوية لم يكونا أكبر مشاكلي اليوم… حسناً، من أين أبدأ؟"

أضاءت عينا كايل "ممتاز! أولاً: إياك أن تلمس الصندوق الأحمر."

"لماذا؟"

"قد ينفجر في وجهك."

"والصندوق الأزرق؟"

"قد يجمد أطرافك."

"والأسود؟"

فكر كايل لثانية ثم قال "في الحقيقة… لا اعلم ماذا يفعل."

أغلق إيثان عينيه مستسلماً.

لقد بات يقيناً لديه أن تنظيف هذا الوكر أخطر بكثير من التسلل لسرقة جوهرة من قصر أمير.

توقفت عيناه فجأة عند أداة معدنية غريبة. اقترب منها، ومد يده والتقطها بحذر متفحصاً وزنها. كانت خفيفة بشكل لا يصدق، لكن حواسه رصدت نبضات قوة منتظمة بداخلها كنبضات القلب.

سأل بهدوء:"كيف تعمل هذه؟"

لمعت عينا كايل واقترب وهو يشرح "إنها مصممة لامتصاص طاقة الخصم عند الهجوم، وإعادة توجيهها ضده… ببساطة، تضربه بقوته الشخصية المرتدة."

ابتسم إيثان بسخرية وتقدير "هذا للإعجاب حقاً. يبدو أن جنونك يثمر أحياناً."

ابتسم كايل بغرور وقال "أعلم، أعلم… ابتكاراتي دائماً مذهلة."

قطع حديثهم رنين جرس الباب.

تنهدت المرأة بملل "ماذا الآن أيضاً…"

وخرجت لفتح الباب الأمامي، بينما تبعها كايل وإيثان.

عندما فتحت الباب الحديدي، لم تجد أي شخص واقف في الخارج، بل طرداً صغيراً موضوعاً بعناية على الأعتاب الحجرية. كان صندوقاً خشبياً أسود، ملفوفاً برباط معدني محكم، ونقش على سطحه بدقة شعار غريب يحمل ألواناً متناقضة… رمز "الجوكر" المهرج الضاحك.

وفوق الشعار مباشرة، كتب بخط أنيق اسم: إيثان.

تجمدت المرأة، ثم التقطت الطرد بحذر.

تقدم كايل مسرعا "من المرسل؟"

لم تجب، بل ظلت تحدق في الرمز وتمتمت بقلق "شعار الجوكر… هذا ليس أسلوب تجار أو مهربين عاديين."

تسمر إيثان في مكانه وعيناه مثبتتان على الرمز.

شعر بثقل مألوف يضغط على ذاكرته… المهرج.

ذلك الشاب ذو الزي الأسود والأبيض و الضحكة الغامضة واختفائه وسط الضباب.

تصلبت ملامحه وتمتم "إنه هو…"

رفعت المرأة نظرها إليه "هل تعرفه؟"

لم يجب فوراً، بل انتزع الرسالة المرفقة وضغطها بين أصابعه.

هتف كايل بإثارة "أوه! لديك أعداء من المهرجين؟ هذا حماسي جداً!"

لكن نظرة حارقة من المرأة اسكتتة.

قال إيثان بنبرة خفيفة "ليس عدواً… ولا أعرفه حق المعرفة، لكني التقيت به من قبل."

سألت المرأة "وهل هذا الشخص يلاحقك لدرجة ترك طرد باسمك هنا؟"

لم ينطق إيثان، بل فتح الورقة ببطء لتقع عيناه على جملة واحدة مكتوبة بحبر أسود

«الوقت بدأ يلاحقك يا مستخدم الزمن.»

ساد الصمت

وتبادل كايل والمرأة النظرات.

بينما ظل إيثان يحدق في الكلمات.

….

في ساعة متأخرة من الليل…

ركضت امرأة بأقصى ما أوتيت من قوة بين الأزقة المظلمة.

أنفاسها تمزق صدرها بعنف.

كان صدى نباح الكلاب المتوحشة يقترب خلفها بسرعة مرعبة، يتردد بين الجدران الحجرية الضيقة

التفتت للحظة بذعر، لتلمح كلاباً سوداء ضخمة تندفع نحوها، تشتعل عيونها بوهج أحمر قرمزي وسط العتمة.

شهقت بخوف، ومدت يدها نحو الأرض بحركة يائسة.

في اللحظة التالية، انشق تراب الأرض وظهرت أغصان خشبية حادة وضخمة.

اندفعت كالعقارب والتفت حول أجساد الكلاب، تقيدها بعنف وتطرحها أرضاً لتتعالى عواءاتها المكتومة.

لكنها لم تتجرأ على التوقف.

واصلت الركض بجنون، والذعر يملأ عينيها.

حتى بدأ ضباب أسود كثيف ينتشر في الزقاق ببطء…

ثم تمدد بسرعة مخيفة يبتلع معالم المكان.

توقف جسدها فجأة رغماً عنها.

وشعرت بحبال غير مرئية لزجة تخرج من جوف الضباب، تلتف حول أطرافها وتقيد حركتها بقوة.

حاولت التحرر ومدت يديها مجدداً لتستدعي الأغصان.

فانفجرت الجذور من الجدران محاولة تمزيق الظلام…

لكنها ما إن لامست الضباب حتى تآكلت وتحولت إلى رماد

اتسعت عيناها برعب.

ومن قلب الضباب المظلم خرج رجل.

كانت خطواته هادئة على نحو يثير القشعريرة.

و نظراته الباردة تنظر إليها وهو يقترب منها

توقف أمامها مباشرة.

وخفض رأسه يتأمل ملامحها المنهارة.

ثم همس بصوت بارد "لماذا خنتِنا؟"

ارتجف جسد المرأة وصرخت بانهيار ودموعها تنهمر تحت ضغط الخوف "لأنكم وحوش…! أفعالكم لا تنتمي للبشر! أنتم تجسيد للفساد!"

ارتسمت على شفتي الرجل ابتسامة خبيثة.

وقال بنبرة هادئة زادت من رعبها "حسنًا… إذن لنلعب لعبة الغميضة."

وبإشارة خفيفة من إصبعه، تشتت الضباب الأسود عنها وتحررت أطرافها، فسقطت على ركبتيها تلهث بخوف.

نظر إليها بعينيه المظلمتين وأمرها "اركضي."

تجمدت في مكانها للحظات.

ثم اندفعت تركض بكل ما تملك من قوة متبقية.

أما هو… فبقي واقفاً في مكانه وسط الضباب، يراقب هروبها اليائس بمتعة.

ركضت عبر الأزقة الملتوية.

وقلبها يخفق بشدة في صدرها، حتى شعرت أنه على وشك الانفجار

بين الحين والآخر، كانت تسمع وقع خطواته الهادئة خلفها مباشرة…

ثم يختفي الصوت تماماً.

وفي أحيان أخرى، يسود صمت تام وهو ما كان يفقدها صوابها.

التفتت إلى الخلف لم يكن هناك أحد.

ازداد ذعرها، وواصلت الركض وهي تنتحب.

مدت يدها مجدداً في حركة دفاعية أخيرة.

فانفجرت أغصان عملاقة مشوكة من الجدران والأرض.

تشابكت بكثافة لتصنع سداً منيعاً يغلق الزقاق خلفها تماماً.

صرخت بصوت باهت "ابتعد عني…!"

ساد صمت طويل ومريب لثوانٍ.

ثم

"لقد أمسكت بك."

جاء الصوت همساً حاراً بجانب أذنها مباشرة.

تجمد الدم في عروقها.

وقبل أن تملك القدرة على الالتفات أو الصراخ، اندفع الضباب الأسود كالأفاعي من الظلام.

والتف حول عنقها بقوة هائلة، رافعاً جسدها في الهواء وكأنها ريشة لا وزن لها.

بدأت تختنق، وراحت تضرب الهواء بقدميها بجنون في محاولة يائسة للحصول على الأكسجين.

مدت يديها الزرقاوين تحاول استدعاء أي غصن، لكن قوتها كانت تتسرب منها وتتلاشى.

ظهر الرجل خلفها ببطء.

وقال بابتسامة "أنتِ سيئة جداً في الاختباء."

امتلأت عيناها بالدموع.

ونطقت بصوت مخنوق ومتقطع "أرجوك…"

اقترب بوجهه أكثر.

ليهمس قرب أذنها "انتهت اللعبة."

وفي اللحظة التالية، اعتصرها طوق الضباب الأسود بقوة خاطفة. شعرت ببرودة الموت تخترق لحمها، تلاها ألم مبرح وصاعق كسر كل ذرة في كيانها، بينما دوى في أذنيها صوت مقزز لتهشم عظامها وهو يمزق سكون الزقاق. تشنج جسدها لثانية واحدة وهي تلفظ روحها المتألمة… ثم سقط كخرقة بالية لا حراك فيها، وعاد السكون المظلم يلتهم المكان، كأن شيئاً لم يكن.