نظر إيثان إلى الرجل ذي الشعر الأخضر الطويل المجعد، بينما راحت عينا الرجل الخضراوان تتنقلان بينهم ببطء، تتفحصان كل واحد منهم بنظرات ماكرة. ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة خبيثة، كشفت عن شامة بارزة تستقر بجوار شفتيه.
قال الرجل بنبرة ساخركة
"أوه… انظروا من وجدنا هنا! سمعنا أن مستخدم الزمن مختبئ في هذه الأنفاق، فجئنا لنتخلص منه."
توقف لحظة، وأخذ يتفحص الأربعة مجددًا، قبل أن يرفع حاجبه باستغراب
"لكن أي واحد منكم هو مستخدم الزمن؟"
ثم اتسعت ابتسامته وقال بلا اكتراث
"لا يهم… اقتلوا الأربعة، وسنكتشف ذلك بعد موتهم."
تحرك الملثمون دفعةً واحدة، ثم اندفعوا نحوهم.
لم يرف لأورلاندو جفن أمام الهجوم، بل خطا خطوة إلى الأمام وثبت وقفته، وأحاط قبضتيه بطاقة ضوئية ساطعة.
وما هي إلا لحظة حتى توهجت أصابعه بالضوء، فانطلقت منها عشرات الحزم المضيئة الحادة كشظايا الألماس، تشق الهواء بأزيز مرعب نحو صفوف المهاجمين.
لكن الرجل ذا الشعر الأخضر انفجر ضاحكًا، وتوهجت عيناه الخضراوان بوحشية، وهو يلوح بيده ليلتف حوله غبار داكن كثيف.
سرعان ما تجسدت بين يديه شفرات سوداء حالكة وطويلة، تنبض بطاقة مظلمة خانقة. قفز برشاقة متجاوزًا رجاله، ودفع بيديه نصال الظل في مسارات لولبية عنيفة نحو أورلاندو، محاولةً ابتلاع النور المحيط به.
اصطدمت سهام التطهير بنصال الظل في منتصف المسافة، فانفجر ضوء مدوٍ أضاء القاعة، امتزج فيه الأزرق بالسواد، وتناثرت الشرارات في كل اتجاه.
حاولت الشفرات المظلمة اختراق الحزم المضيئة بيأس، غير أن طاقة أورلاندو كانت الأقوى؛ إذ اخترقت سهام التطهير الهالة السوداء، وتغلغلت في جوهر النصال المظلمة، فمزقت تركيبتها السحرية قطعةً تلو الأخرى، حتى تلاشت بالكامل وتحولت إلى دخان أسود تبعثر في الهواء.
ما إن تبدد غبار الانفجار حتى استغل الملثمون الفرصة للاقتراب بسرعة، مسددين ضرباتهم المباغتة من كل جانب.
أما إيثان، فتقدم بخطوات واسعة، مادًا يده نحوهم بينما اشتعلت كفه بطاقة زرقاء خافتة.
انطلقت موجة زمنية خفية، فجمدت الملثمين تمامًا في منتصف حركتهم. توقفت أجسادهم في الهواء كتماثيل معلقة بلا حراك، وبدت الصدمة واضحة على وجوههم، عاجزين عن القيام بأي حركة.
ابتسم إيثان ببرود وقال بصوت هادئ
"لا تتدخلوا فيما لا يعنيكم."
استدار الرجل ذو الشعر الأخضر بنظره نحو إيثان، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة عريضة ومخيفة
"إذن… أنت هو مستخدم الزمن."
تنهدت فالينتسيا وهي تنظر إلى الرجل ذي الشعر الأخضر، ثم رفعت يدها بهدوء، فارتفعت حرارة الهواء المحيط بها بشكل مفاجئ، حتى أصبحت أطراف أصابعها تتوهج بنور ساطع كالجمر.
وفي ومضة عين، تشكل رمح ضوئي هائل، يتصاعد منه لهب أبيض شديد الحرارة، حتى بدأت الأرض تحته بالانصهار. انطلق الرمح كالصاروخ نحو الرجل ذي الشعر الأخضر، مصدِرًا هديرًا يشبه عاصفة شمسية مصغرة.
لكن الرجل لم يتحرك قيد أنملة، بل اتسعت ابتسامته الماكرة، وظهرت في عينيه نظرة تحدٍ. رفع كفيه إلى الأمام، بينما تجمعت حول أصابعه طاقة سوداء كثيفة.
وانفجرت من بين يديه مخالب عملاقة مظلمة، تشكلت من ظلال كثيفة وباردة، فانطبقت بقوة على الرمح في منتصف الطريق.
حدث اصطدام عنيف هز المكان، وتصاعدت أبخرة كثيفة، واختلط دوي النار بصرير الظلال. حاولت المخالب السوداء كبح حرارة الرمح الجبارة، وتصاعد بينهما صراع عنيف تطايرت منه شرارات حارقة في كل اتجاه، حتى تفتت الرمح وتحول إلى شظايا ضوئية تلاشت في الهواء.
ومن شدة الانفجار، تمزقت ملابس الرجل العلوية وتناثرت قطع القماش، فكشف جسده عن وشم غريب ينبض بطاقة مظلمة.
كان الوشم يمتد من ظهره على هيئة سلسلة مظلمة دقيقة، تتفرع على طول جسده وصولًا إلى يديه، بينما أضاءت العلامات الداكنة ببريق خافت زاد من هيبته وخطورته.
رمقته فالينتسيا بنظرة فاحصة، ثم ابتسمت بخفة وقالت بهدوء
"أوه… إنه في المستوى الثالث."
في خضم المعركة، وبينما كانت فالينتسيا تطلق مهاراتها، لمح إيثان أحد المقذوفات المظلمة يغير مساره فجأة، متجهًا نحو كايل من الخلف.
وفي ومضة، سكن العالم من حوله.
تجمد الغبار المتطاير في الهواء، وتوقفت الشرارات المشتعلة في أماكنها، حتى مخالب الظلام بدت وكأنها معلقة داخل الفراغ.
تحرك إيثان عبر العالم المتجمد، وانطلق نحو المقذوف قبل أن يصل إلى كايل. اعترض مساره، ثم وجه ضربة بخنجره فغير اتجاهه بعيدًا عنه.
لم تمضِ سوى لحظات، حتى شعر إيثان بشيء غريب.
لقد مرّت ثلاث ثوانٍ…
لكنه كان لا يزال يتحرك.
اتسعت عيناه بدهشة، وأدرك أن الزمن ما زال متوقفًا.
"ماذا…؟"
لم يكن يستطيع تفسير ما يحدث. كانت ثلاث ثوانٍ هي أقصى مدة تمكن من خلالها من إيقاف الزمن، لكنه تجاوزها دون أن يشعر.
مرت ثانية أخرى.
ثم ثانية.
وبذلك، اكتملت خمس ثوانٍ.
عندها عاد الزمن إلى الحركة دفعة واحدة.
"بوووووووم!"
انفجرت المخالب المظلمة في الفراغ، وارتجت القاعة تحت دوي الانفجار، بينما تراجع إيثان عدة خطوات وهو يلهث محاولًا استعادة أنفاسه.
حدق كايل فيه، وعيناه متسعتان من الذهول، ثم قال بصوت متقطع
"أ… أكان ذلك… تحكمًا بالزمن حقًا؟!"
ابتسم إيثان ابتسامة خفيفة رغم الإرهاق، ثم أجابه بنبرة هادئة ساخرة
"بالتأكيد… هل كنت تظن أن لقبي مجرد ديكور؟"
ظل كايل يحدق فيه للحظات، ثم قال بصوت خافت
"لا… أنا فقط لست معتادًا على رؤية شيء كهذا."
رفعت فالينتسيا يديها الاثنتين نحو السقف الحجري المتهالك للكهف العملاق الذي يحتضن أنقاض المدينة القديمة، فتوهجت كفاها بضوء أبيض ساطع، اخترق الظلام كشقٍ مضيء في قلب العتمة.
استجابت الطاقة الكامنة في المكان لقوتها، واهتز السقف فوق رؤوس الأعداء قبل أن تتشقق أحجاره تحت ضغط هائل. وفي اللحظة التالية، انفتحت الشقوق، وانهمرت منها أعمدة من الطاقة البيضاء، اخترقت سقف الكهف بقوة هائلة واندفعت إلى الداخل.
[أشعة الإبادة]
هوت الأعمدة المضيئة في أرجاء الأنقاض، وغطت الممرات والقاعات الضيقة، فلم تترك للملثمين مكانًا يفرون إليه.
اندفع الرجال بين الأنقاض محاولين النجاة، لكن الأشعة لاحقتهم بلا رحمة. وما إن لامس أحدها جسد أول ملثم حتى بدأ جسده يتفكك تحت وطأة الطاقة، قبل أن يتحول ما تبقى منه إلى رماد تناثر في الهواء.
توالى سقوط الأعمدة، واحدًا تلو الآخر، حتى امتلأت المدينة القديمة بضوء أبيض طاغٍ غمر الأنقاض بأكملها.
أما الرجل ذو الشعر الأخضر، فتجمد في مكانه، وقد اتسعت عيناه الخضراوان رعبًا، بينما اختفت ابتسامته الماكرة تمامًا.
رفع ذراعيه، واستدعى مخالب الظلام من جديد، محاولًا صد الطاقة التي أحاطت به من كل جانب.
لكنها لم تصمد.
اخترقت الأشعة دفاعاته، وتوغلت في جسده، ثم امتدت إلى الوشم المظلم على ظهره. بدأت العلامات السوداء تتشقق، وانبعث منها دخان كثيف، بينما أخذ جسده يتفحم تحت وطأة الطاقة المتدفقة.
تعالت صرخته في أرجاء المدينة القديمة، قبل أن يخفت صوته تدريجيًا.
وبعد لحظات، تلاشى جسده بالكامل، وسقط ما تبقى منه غبارًا أسود فوق الحجارة القديمة.
وحين انطفأ آخر شعاع، لم يبقَ في الأنقاض سوى الغبار المتناثر وآثار المعركة.
عم الصمت أرجاء الأنقاض المظلمة بعد أن خفت وميض أشعة الإبادة، ولم يتبق سوى الغبار الأسود وهو يتناثر ببطء فوق الحجارة.
ظل كايل واقفًا في مكانه للحظات، وعيناه معلقتان بالمكان الذي اختفى فيه المهاجمون. ارتعشت أصابعه قليلًا بينما أخذ بصره ينتقل بين آثار الدمار وفالينتسيا الواقفة وسط الأنقاض. كان المشهد أمامه يفوق كل ما توقعه؛ قوة واحدة كانت كافية لمحو مجموعة كاملة خلال لحظات.
أما إيثان، فبقي أكثر تماسكًا. لم يتحدث، بل أخذ يتفحص آثار الاصطدام، والغبار المتناثر، والدمار الذي امتد إلى أجزاء واسعة من الأنقاض بعينين ضيقتين. ثم انتقلت عيناه إلى فالينتسيا، يراقبها بصمت، محاولًا تحديد مقدار القوة التي أطلقتها قبل قليل وحدودها المحتملة.
ابتلع كايل ريقه بصعوبة، ثم اقترب قليلًا من إيثان وهمس
"إنها حقًا… وحش."
ألقى إيثان نظرة جانبية على كايل، ثم عاد ببصره إلى فالينتسيا، وقال بنبرة هادئة تحمل تحذيرًا واضحًا.
"بل أسوأ مما تتخيل… صدقني، لا أظنك تريد أن ترى جانبها الآخر."
رفع كايل حاجبه وحدق فيه باستغراب.
"وهذا يفترض أن يطمئنني؟!"
ظهرت ابتسامة خفيفة على وجه إيثان، ثم هز كتفيه دون أن يجيبه.
وفي تلك اللحظة، التفتت فالينتسيا نحوهما، وقالت بحزم.
"يجب أن نخرج من هنا حالًا، ودون ثانية تأخير."
رمش كايل بعدم تصديق، وعقد حاجبيه وهو يسأل فالينتسيا بدهشة
"ألم ينتهِ الأمر للتو؟"
تدخل أورلاندو وهو ينفض الغبار عن كتفه، وقال
"لا… هؤلاء لم يكونوا سوى فئران رخيصة، طلائع باهتة لا قيمة لها. الوحوش الحقيقية… لم تظهر بعد من مخابئها."
سرت قشعريرة باردة في جسد كايل، وابتلع ريقه بصعوبة، قبل أن تتسع عيناه فجأة وهو يفكر في نوفاريس.
"مهلًا!… أليسوا يهاجمون نوفاريس الآن؟!"
أجابته فالينتسيا دون تردد
"نعلم. يجب أن نسرع قبل أن تبدأ عملية الإبادة."
ظل كايل صامتًا، وشد قبضته بينما أخذ القلق يثقل صدره. لم يكن يخشى على المدينة وحدها؛ كان هناك شخص واحد في نوفاريس يشغل تفكيره الآن، شخص لم يستطع إخراجه من ذهنه مهما حاول.
خفض رأسه قليلًا، وتمتم بصوت خافت مرتجف
"أتمنى أن تكوني بخير… أرجوكِ، ابقي على قيد الحياة حتى أعود."
لكن قبل أن يخطوا خطوة واحدة إلى الأمام، انطفأت آخر شرارة من الضوء في أرجاء الأنقاض.
ساد صمت مفاجئ… صمت بدا أثقل من أن يكون طبيعيًا.
ثم انشق الهواء أمامهم ببطء، واهتز الغبار المعلق في الفراغ دون أن تهب أي ريح. ومن قلب العتمة ظهر رجل عجوز.
لم يسمع أحد خطواته، ولم يشعر أحد باقترابه؛ كان واقفًا أمامهم دون مقدمات، وكأن الظلام أخفى وجوده عنهم حتى اللحظة الأخيرة.
كان يرتدي ثيابًا داكنة قديمة، وانسدلت خصلات شعره الرمادي حول وجهه، بينما بقيت ملامحه هادئة بصورة مخيفة. لم تحط به أي هالة ظاهرة، ومع ذلك شعر الجميع بثقل حضوره فور ظهوره.
رفع العجوز عينيه ببطء نحوهم، وكانت نظرته وحدها كافية لإسكات أي كلمة.
ثم قال بصوت منخفض، لكنه اخترق القاعة بوضوح
"ماذا تفعلون هنا في هذا الوقت؟"
ما إن وقعت عينا فالينتسيا عليه حتى تجمدت في مكانها.
اختفت ابتسامتها تمامًا، وشحب وجهها فجأة، إذ لم تكن تتوقع رؤيته في هذا المكان.
حدقت فيه للحظات قبل أن تقول بعدم تصديق
"أنت… ماذا تفعل هنا؟!"
لم يجبها العجوز.
أدار بصره ببطء نحو الأنقاض المحيطة بهم، متأملًا الحجارة المتفحمة وآثار المعركة والغبار الأسود المتناثر على الأرض.
ظل صامتًا لثوانٍ، ثم تنهد بهدوء وقال بنبرة جادة
"إن شيئًا مرعبًا قد استيقظ للتو في الأعماق…"
ثم وجه نظره نحوهم وأضاف
"وكل هذا حدث بفعل أحد الأغبياء."
تحركت عيناه ببطء حتى استقرت مباشرة على كايل.
في اللحظة نفسها، شعر كايل بأن جسده تجمد.
لم تكن نظرة تهديد، ولم يكن فيها غضب، لكنها جعلته يشعر بأن العجوز يرى ما وراء جسده ويقرأ أفكاره دون الحاجة إلى سؤال واحد.
ارتجفت يداه، وتراجع خطوة، ثم اختبأ غريزيًا خلف إيثان، محاولًا ألا يلتقي بعيني العجوز مرة أخرى.
نظرت فالينتسيا إلى الرجل المسن ثم إلى كايل، وقالت
"ماذا تقصد بـ…"
لكن قبل أن تكمل جملتها، دوى طنين مرعب في أرجاء المكان، صادرًا من أعماق الأرض نفسها.
في البداية، لم يكن سوى اهتزاز خفيف تحت أقدامهم.
تبادل الأربعة النظرات، قبل أن يزداد الاهتزاز وتبدأ الحصى الصغيرة بالتدحرج فوق الأرض. ارتجفت الجدران القديمة، وتساقط الغبار من بين الشقوق، ثم جاء اهتزاز أعنف جعلهم يفقدون توازنهم.
دوم!
تشقق أحد الجدران، وسقطت منه كتلة حجرية ضخمة ارتطمت بالأرض، فاهتزت الأنقاض من حولها. امتدت الشقوق عبر الأرض بسرعة، وتتابعت أصوات التحطم من الممرات المحيطة.
اتسعت إحدى الشقوق أمامهم وانطلقت منها موجة اهتزاز عنيفة دفعتهم إلى الخلف.
صرخ كايل عندما بدأت الأرض تحت قدميه بالانزلاق، ومد إيثان يده نحوه محاولًا الإمساك به.
"كايل!"
لكن الشق لم يتوقف.
اتسع في لحظات، وابتلع الحجارة والركام من حوله، بينما أخذت أجزاء من الأرض تهوي إلى الأسفل.
حاول أورلاندو تثبيت نفسه بطاقته، وفالينتسيا استعادت توازنها بصعوبة، لكن الأرض تحتهم بدأت تتهاوى قطعةً تلو الأخرى.
وفجأة، دوى صوت تحطم هائل.
كرااااااك!
انهار الجزء الأخير من الأرض دفعة واحدة، وانفتحت تحتهم هوة سوداء هائلة.
لم يجد الأربعة وقتًا للتمسك بأي شيء؛ فقد انزلقت أقدامهم وسقطوا مع الركام نحو الأعماق، بينما تهاوت خلفهم الصخور والجدران، وارتفعت سحب كثيفة من الغبار حجبت كل شيء.
استمر السقوط…
أعمق فأعمق، نحو ظلام لم يعرف أحد ما الذي ينتظرهم في قاعه.