سيد الظلال الصامتة الفصل 18 — سيد الظلال الصامتة 18

اقرأ سيد الظلال الصامتة الفصل 18 — سيد الظلال الصامتة 18 باللغة العربية على مانجا تايم.

سارا معًا في أعماق الغابة، بين الأشجار التي تزداد كثافة كلما توغلا أكثر.

الأرض كانت رطبة، والهواء أثقل من أن يكون طبيعيًا.

خطواتهما وحدها كانت تكسر الصمت.

ثم…

توقف إيثان فجأة.

تجمد مكانه.

وعيناه ضاقتا ببطء.

كان هناك صوت.

ليس حفيف أوراق.

ولا حركة حيوان مختبئ.

بل شيء آخر تمامًا.

"زززز… ززززز…"

صوت منتظم.

حاد.

يتكرر بنفس الإيقاع دون أي تغيير لم يكن ينتمي للغابة أصلًا.

لم يكن حيًا…

لكن لم يكن جامدًا أيضًا.

الصوت يشبة نبض معدني يتنفس من داخل الأرض.

رفع إيثان رأسه ببطء نحو الأمام.

"هل تسمعين هذا؟"

توقفت فالينتسيا.

مالت قليلًا تستمع.

الهواء حولها تحرك بخفة، لكن عينيها بقيتا ثابتتين.

"نعم."

سكتت لحظة.

"لكنني أعرف هذا الصوت."

التفت إليها إيثان فورًا.

"تعرفينه؟"

لم تجب.

بدلًا من ذلك، تقدمت خطوة واحدة.

ثم أخرى.

تبعها ايثان بحذر.

كلما تقدما، أصبحت الأرض أكثر صلابة، شعر أن الغابة نفسها تتغير تحت أقدامهما.

الأشجار ازدادت كثافة… ثم بدأت تفقد شكلها الطبيعي.

الضوء بين الأغصان خفت تدريجيًا، ليس لأنه اختفى… بل لأنه لم يعد يدخل.

"زززززز… ززززززز…"

الصوت أصبح أوضح.

أقرب.

ليس صوت آلة واحدة… بل آلاف، ملايين، تعمل ككيان واحد.

تقدم إيثان خطوة أخيرة.

ثم خرج من بين الأشجار.

وتوقف.

عينيه اتسعتا ببطء.

أمامه…

لم تكن غابة.

ولا أطلال.

ولا مدينة قديمة.

بل عالم آخر.

مدينة هائلة تمتد بلا نهاية تقريبًا، أبراجها تخترق السماء وواجهاتها الزجاجية تعكس الضوء البارد.

طرق مرتفعة تتحرك فيها مركبات تنزلق في الهواء والأرض.

كل شيء هنا كان "مضبوطًا" بشكل مزعج.

نظيفًا أكثر من اللازم.

مرتبًا لدرجة غير إنسانية.

والصوت…

"زززز… ززززز…"

لم يكن خلف المدينة.

بل داخلها.

نبضها.

تنفسها.

كأن هذه الحضارة لا تعيش… بل تعمل فقط.

مرت مركبة فوقهم، وقطعت السماء بخط ضوئي خافت قبل أن تختفي بين الأبراج.

وقف إيثان دون حركة.

ثم خرج صوته أخيرًا، منخفضًا، مشوشًا بين الصدمة والإنكار "هل هذا… حلم؟"

قال إيثان وهو لا يزال يحدق في المدينة الممتدة أمامه "كيف هذا المكان يشبه المدن المستقبلية التي أراها في التلفاز في عالمي؟"

نظرت فالينتسيا إلى الأفق بصمت للحظة، قبل أن تجيب بهدوء "يبدو أنك لا تعلم أن فيرجيا يجمع بين الحاضر والماضي وأيضًا المستقبل."

سكتت لحظة، بينما مرت نسمة باردة بينهما، حاملة معها أصوات المدينة البعيدة.

ثم أضافت "قد ترى مدينة تشبه مدن الماضي، وأخرى من الحاضر، وأخرى من المستقبل."

رفعت يدها قليلًا، وأشارت إلى المدينة الممتدة أمامهما.

"هذه المدينة اسمها… نوفاريس."

التفتت نحوه، وعادت جديتها "والآن، وقد أخرجتك من الغابة، أعطني الجوهرة."

نظر إليها إيثان للحظة ثم فتح الحقيبة وأخرج الجوهرة. كان توهجها الخافت ينسكب على وجهيهما، يلمع بين أصابعه

مد يده ببطء، ثم سلمها الجوهرة.

أخذتها و أخرجت كيسًا من العملات، ثم رمته نحو إيثان، فسقط على يدية بصوتٍ معدني ثقيل.

استدارت بهدوء، وتحركت خطواتها فوق التراب المبلل، بينما ابتلعها ظل الغابة شيئًا فشيئاً

ظل ايثان يراقبها حتى اختفت بين الأشجار.

ثم حول نظره إلى المدينة أمامه.

"لم يُذكر هذا في الكتاب…" تمتم.

سكت لحظة، ثم أضاف في نفسه

"ربما في الأجزاء المفقودة…"

رفع رأسه مجددًا.

وأخذ أول خطوة… نحو المدينة.

توقف إيثان عندما رأى الطابور الطويل الممتد أمام بوابة المدينة.

امتد الصف البشري تحت الأضواء البيضاء والزرقاء التي غمرت المكان بوهجٍ بارد. أمامه ارتفعت بوابة نوفاريس الهائلة، بتصميمها المعدني الانسيابي وأسطحها اللامعة التي تعكس الضوء كأنها مصنوعة من مادة لا تشبه أي معدن يعرفه. خطوط مضيئة تتحرك عبر الجدران العملاقة بنبض منتظم، وشاشات شفافة معلقة في الهواء تعرض رموزًا وبيانات تتغير باستمرار.

كل شيء بدا متطورًا بشكل يفوق ما اعتاد رؤيته.

الهواء نفسه كان مختلفًا؛ نظيفًا بشكل غريب، يحمل رائحة معدنية خفيفة مع دفء الكهرباء والأجهزة المنتشرة في المكان. أصوات الطنين الإلكتروني امتزجت مع وقع الخطوات وحديث الناس المتداخل، لتصنع ضجيجًا ناعمًا يشبه المدن المستقبلية التي كان يراها في الأفلام.

تنهد إيثان بخفة.

التعب ما زال يثقل جسده، وعضلاته تؤلمه بعد الرحلة الطويلة، لكن حتى إرهاقه بدا صغيرًا أمام المشهد الذي يقف أمامه الآن.

اندس بين الناس بصمت.

أضواء الهولوغرام انعكست على وجوه الواقفين، بينما تحركت طائرات صغيرة بلا طيار فوق البوابة بانتظام، ماسحات زرقاء تمر فوق الداخلين للحظات قبل أن تختفي. الأرضية المعدنية أسفل قدميه أصدرت صوتًا خافتًا مع كل خطوة، ناعمًا ومنتظمًا بشكل يكاد يكون آليًا.

رفع إيثان نظره قليلًا.

الحراس وقفوا ببدلات سوداء متطورة، تتوهج أطرافها بخطوط ضوء خافتة. خوذاتهم أخفت نصف وجوههم، وأعينهم تتابع الناس ببرود حاد، بينما تظهر بيانات متحركة على شاشات شفافة قرب أيديهم.

كلما اقترب الصف، أصبحت التفاصيل أوضح.

صوت الأجهزة وهي تفحص الداخلين، ومضات الضوء السريعة، وأوامر الحراس القصيرة التي تُقال بنبرة صارمة خالية من أي مشاعر.

ثم، عندما أصبح قريبًا بما يكفي…

سمع أحد الحراس يقول للرجل الذي أمامه ببرود حاد "الهوية."

أخرج الرجل بطاقة معدنية سوداء صغيرة من جيبه ومدها للحارس.

مررها الحارس فوق جهاز مضيء، فظهر وميض أزرق سريع على سطح البطاقة قبل أن يومئ له بالعبور.

أما إيثان…

فشعر بانقباض بارد يمر في صدره ببطء.

لأنه أدرك أنه لا يملك أي هوية أصلًا.

ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه، وقال لنفسه

"يجب أن أفكر في هذا لاحقًا."

خفض نظرة.

ليتجمد الزمن.

سكنت الأصوات، وتوقفت الحركات، حتى الحراس بقوا جامدين في أماكنهم.

رفع إيثان رأسه ببطء.

انعكست الأضواء الزرقاء على عينيه بينما نظر نحو البوابة العملاقة أمامه، ثم بدأ يتحرك.

دخل نوفاريس.

اتسعت عيناه قليلًا وهو يسير بين شوارعها الواسعة.

المكان بدا كأنه خرج مباشرة من أفلام الخيال العلمي التي كان يشاهدها في عالمه أبراج شاهقة من الزجاج الأسود والمعادن اللامعة ترتفع حتى تكاد تلامس السماء، واجهاتها مضاءة بخطوط نيون زرقاء وبيضاء تتحرك بانسيابية فوق الأسطح.

الطرق الواسعة امتدت بين المباني بإضاءة نظيفة وباردة، بينما تحركت وسائل نقل غريبة بصمت شبه كامل، تنزلق فوق الأرض أو تطفو قليلًا عنها دون أي صوت محركات مألوف.

شاشات هولوغرافية ضخمة انعكست فوق الجدران وفي الهواء، تعرض إعلانات ورموزًا متحركة بألوان حادة تملأ المدينة بالحياة.

الضوء في كل مكان.

أبيض، أزرق، بنفسجي خافت، ينعكس على الزجاج والمعدن والأرضيات السوداء المصقولة، حتى بدا وكأن المدينة بأكملها تتوهج من الداخل.

سار إيثان بين شوارع نوفاريس المضيئة، بينما انعكست الألوان المتحركة فوق الزجاج الأسود للمباني العملاقة من حوله. السيارات مرت على الطرق الواسعة، وشاشات الهولوغرام العملاقة أضاءت الواجهات بإعلانات متغيرة وألوان نابضة بالحياة، فيما اختلطت أصوات الناس مع الطنين الإلكتروني الخافت الذي يملأ المدينة.

ثم وقع نظره على مبنى ضخم يرتفع وسط المدينة.

واجهته الزجاجية العملاقة عكست أضواء المكان بألوان زرقاء وفضية متداخلة، حتى بدا المبنى وكأنه يتوهج وسط نوفاريس.

وفوق المدخل، كُتب بحروف مضيئة وأنيقة "فندق نوفا كراون."

اقترب ودخل.

انفتحت الأبواب الزجاجية تلقائيًا بصوت ناعم، واستقبله هواء بارد يحمل رائحة عطر خفيف القاعة الداخلية كانت واسعة وفخمة، بإضاءة هادئة تنعكس فوق الأرضية السوداء اللامعة، بينما تحرك النزلاء والموظفون بهدوء وسط المكان.

وقف إيثان يراقب بصمت.

موظفات الاستقبال كن يقفن خلف منصات زجاجية مضيئة، تتحرك أمامهن شاشات شفافة مليئة بالبيانات.

وقبل أن يتقدم، سمع إحدى الموظفات تقول للرجل الواقف أمامها بابتسامة رسمية "الهوية، من فضلك."

أخرج الرجل بطاقة معدنية سوداء ووضعها فوق جهاز صغير، فمر ضوء أزرق عبر سطح البطاقة للحظة.

ثم قالت الموظفة "الغرفة الواحدة ليومٍ واحد تكلف عشر عملات ذهبية."

توقف إيثان للحظة.

شعر بانقباض خفيف في صدره وهو يدرك المشكلة.

لا يملك هوية.

ولا يملك ما يكفي من المال.

تنهد بضيق، ثم استدار وخرج بهدوء من الفندق.

عادت أبواب الزجاج لتنغلق خلفه.

وقف خارج الفندق للحظات، يراقب المدينة التي لا تشبه أي شيء عرفه من قبل.

ثم مرر يده في شعره بتنهد متعب، وقال لنفسه "يبدو أنني بحاجة إلى مساعدة أورلاندو…"

سار بين الشوارع، يسأل المارة عن حانة تُدعى القمر الفضي.

أشار له أحد المارة إلى جهةٍ بعيدة قليلًا، وقال

"هناك… حانة القمر الفضي."

نظر إيثان إلى الاتجاه الذي أشار إليه الرجل، ثم بدأ يسير نحوه بهدوء.

سار إيثان عبر الشوارع المضيئة، يراقب الناس والمباني من حوله، حتى بدأت الأصوات الصاخبة تصل إلى مسامعه.

ضحكات، موسيقى خافتة، وأصوات أكواب تتصادم.

رفع نظره ليرى لافتة مضيئة كُتب عليها "القمر الفضي".

توقف أمام الحانة للحظة، ثم دفع الباب ودخل.

استقبله هواء دافئ ورائحة الطعام والمشروبات.

كان المكان مزدحمًا، الطاولات ممتلئة، وأحاديث الناس تختلط ببعضها.

وقف إيثان يتفحص المكان بعينيه بهدوء.

اتجه إيثان نحو البار، ثم وقف أمام الطاولة الطويلة يراقب العامل الذي ينشغل بتعبئة الأكواب وتلقي العملات من الزبائن

رفع الرجل نظره إليه للحظة، ليقول إيثان بهدوء

"أريد حساء الرماد… مع نبيذ الليل."

توقفت حركة الرجل لثانية.

ثم وضع الكأس ببطء، وحدق في إيثان بنظرة مختلفة تمامًا.

خفض الرجل قطعة القماش من يده، ثم قال بصوت هادئ

"من أرسلك؟"

نظر إليه إيثان وأجاب

"أورلاندو."

ساد الصمت للحظة، قبل أن يومئ الرجل ببطء، ثم أشار بعينه إلى باب صغير خلف البار.

"اذهب من هناك."

نظر إيثان إلى الباب، ثم تحرك نحوه بهدوء.

فتح الباب ودخل، ليجد ممرًا ضيقًا بإضاءة خافتة يقوده إلى غرفة في الخلف.

انغلق الباب خلفه بصوت مكتوم، فعزل ضجيج الحانة ولم يبق سوى صمت ثقيل ورائحة خشب قديم ودخان خافت عالق في الهواء.

الممر الضيق أمامه كان غارقًا بضوء أحمر خافت، ينساب فوق الجدران المعدنية الداكنة كآثار دم جاف.

تقدم بخطوات هادئة، وصوت حذائه ارتطم بالأرضية الصلبة بإيقاع بطيء ومنتظم.

دون وعي، اقتربت يده من خنجره.

ثم وصل إلى الباب الأخير.

توقف لثانية…

ودفعه.

كانت الغرفة صغيرة حد الاختناق.

مصباح يتدلى فوق طاولة خشبية في المنتصف، يهتز ضوؤه الخافت أحيانًا، فيحرّك الظلال فوق الجدران كأنها تتنفس.

وخلف الطاولة جلس رجل ضخم.

جسده العريض ابتلع نصف الكرسي تقريبًا، بينما امتدت ندبة خشنة من صدغه حتى قرب عينه، مشوّهة جزءًا من وجهه بطريقة جعلته يبدو كمن نجا من شيء كان يجب أن يقتله.

كان يقلب سكينًا بين أصابعه بمهارة باردة، يديرها بلا اهتمام… كأن يديه اعتادتا العنف أكثر من أي شيء آخر.

رفع عينيه نحو إيثان.

عينان ثقيلتان… بلا ترحيب.

قال بصوت أجش "أنت إيثان؟"

اقترب إيثان خطوة واحدة فقط.

"نعم."

توقفت حركة السكين.

سكون قصير مر بينهما، لم يُسمع خلاله سوى طنين المصباح الكهربائي.

ثم ارتفعت زاوية فم الرجل بابتسامة باهتة.

"إذًا… أنت الشخص الذي أشعل الفوضى في أزوريث."

ضيّق إيثان عينيه قليلًا.

"الأخبار تتحرك أسرع من اللازم."

صدر من الرجل ضحك خافت وخشن، كاحتكاك معدن صدئ.

"حين يذبح أمير… لا تبقى الأسرار حيّة طويلًا."

مال للأمام ببطء، فتمدّد ظله فوق الطاولة حتى لامس يدي إيثان.

"ماذا تريد؟"

أجاب مباشرة "هوية جديدة."

ظل الرجل يحدق فيه لثوانٍ، ثم فتح الدرج المجاور ببطء، وأخرج بطاقة معدنية سوداء.

وضعها فوق الطاولة.

صوتها الخفيف فوق الخشب بدا أعلى من المفترض.

"هوية مؤقتة. لكنها لن تخدع أحدًا إذا دققوا كثيرًا."

أخذها إيثان بصمت.

المعدن البارد لامس أصابعه، بينما انعكس الضوء الأحمر فوق حواف البطاقة كأنه دم متجمد.

قال الرجل دون أن يبعد عينيه عنه "لكن قبل أن تختفي… اسمع هذه."

رفع إيثان نظره إليه.

ابتسم الرجل ابتسامة بلا دفء.

"قبيلة المتحولين أعلنت مطاردة."

سقطت الجملة داخل الغرفة بثقل حجر.

حتى الهواء بدا أثقل بعدها.

ثم أضاف "والمكافأة على رأسك… تكفي لشراء حي كامل."

ساد الصمت.

ابتسم الرجل مجددًا، ابتسامة أقرب إلى كشف أنياب.

"لولا أن أورلاندو يرى أنك مهم… لكنت سلّمتك لهم بنفسي."

راقبه إيثان بصمت بارد.

وفي داخله مرّت فكرة واحدة فقط

"هذا بالضبط ما يفعله أمثالك."

رفع رأسه ببطء.

"إذًا… هم ما زالوا يطاردونني."

ضحك الرجل بخفوت.

"المتحولون لا ينسون الدم."

اختفت الابتسامة تدريجيًا من وجهه وهو يكمل

"وأنت لم تقتل شخصًا عاديًا."

أغلق إيثان قبضته حول البطاقة.

"كان يستحق."

هذه المرة ضحك الرجل فعلًا، لكن الضحكة خرجت قصيرة وميتة.

"كل شخص يغرق في الدم يقول الجملة نفسها."

ثم أمال رأسه قليلًا.

"اسمعني جيدًا… لا تبقَ في مدينة واحدة طويلًا."

تضيق عينا إيثان.

"لماذا؟"

أجاب الرجل بهدوء ثقيل "لأن المتحولين لا يتعقبون الأشخاص… بل يتعقبون الأثر."

شعر إيثان بشيء بارد يمر داخل صدره.

"أي أثر؟"

توقف الرجل لحظة، ثم قال

"الزمن يترك ندوبًا… وأنت، تتركها في كل مكان دون أن تشعر"

ساد الصمت من جديد.

لكن هذه المرة… كان الصمت أسوأ.

ثم أكمل الرجل "المشكلة أنهم لا يعرفون شكلك. لا يملكون اسمًا. ولا حتى وصفًا واضحًا."

رفع إيثان عينيه نحوه بسرعة.

"إذًا كيف يطاردونني؟"

ابتسم الرجل ببطء.

"لأنهم لا يطاردونك أنت… بل يطاردون الحقيقة."

استقرت الكلمات داخل الغرفة بثقل خانق.

ثم تابع "فالينتسيا أخفت الكثير. عبثت بمسار التحقيق وأبطأتهم."

توقف لثانية.

"لكنهم عرفوا شيئًا واحدًا فقط."

رفع عينيه مباشرة نحو إيثان.

"أن القاتل مستخدم زمن."

سكت.

حتى المصباح بدا وكأنه فقد جزءًا من ضوئه.

ثم قال الرجل أخيرًا

"وأنت… آخر شخص يملك هذه القدرة."

شعر إيثان بأن الغرفة أصبحت أضيق.

كأن الجدران نفسها تقترب ببطء.

ثم جاء صوت الرجل باردًا وحاسمًا

"سيصلون إليك."

أغلق إيثان قبضته بقوة أكبر.

"إذًا… لم يعد لدي وقت."

"لا."

هز الرجل رأسه ببطء.

"الوقت انتهى منذ اللحظة التي مات فيها الأمير."

ساد الصمت للمرة الأخيرة.

ثم نهض إيثان.

احتك الكرسي بالأرض بصوت خافت، بينما وضع البطاقة داخل سترته بحركة هادئة.

قال دون أن ينظر خلفه:

"أخبر أورلاندو… أني سأحتاج أكثر مما اعطاني."

لم يرد الرجل.

بقي جالسًا خلف الطاولة، يراقبه بعينين اعتادتا رؤية الهاربين قبل سقوطهم.

أما إيثان…

فخرج من الغرفة ببطء.

ومع كل خطوة، بدأ ضجيج الحانة يعود تدريجيًا، أصوات ضحك وكؤوس وموسيقى بعيدة…

….

بينما كان إيثان يسير بين شوارع المدينة المزدحمة، والضوء الأحمر المنعكس من اللافتات القديمة ينساب فوق الطرقات الرطبة…

دوى انفجار هائل.

اهتزت الأرض بعنف تحت قدميه، وتكسرت نوافذ قريبة بصوت حاد، بينما اندفع لهيب أسود من أحد الأزقة مصحوبًا بسحابة كثيفة من الدخان والغبار.

تعالت صرخات الناس فورًا.

ركض الجميع في اتجاهات مختلفة، بعضهم سقط، وآخرون دفعوا بعضهم بجنون محاولين الهرب.

وفي وسط الفوضى…

طار جسد صغير عبر الدخان.

اندفع في الهواء لعدة أمتار قبل أن يرتطم بالأرض بالقرب من إيثان بعنف، متدحرجًا فوق الحجارة المبللة.

تراجع إيثان خطوة غريزيًا، وعيناه ضاقتا بحذر.

السحابة السوداء استمرت بالتمدد خلفه، بينما تناثرت شرارات صغيرة داخل الدخان.

ثم…

صدر أنين منخفض.

كان فتى.

ممددًا فوق الأرض وسط الغبار، يسعل بصعوبة بينما يحاول رفع نفسه ببطء.

شعره الأسود كان مبعثرًا بشكل فوضوي، وملابسه امتلأت ببقع الحرق والسخام

فوق رأسه استقرت نظارة حماية ثقيلة، تشبه تلك التي يرتديها قادة الدبابات أو المهندسون العسكريون داخل ساحات الحرب، بعدسات داكنة مخدوشة وآثار احتراق على أطرافها، تبدو كجزء دائم من مظهره الفوضوي.

فتح عينيه أخيرًا.

ثم تمتم بضيق وهو يمسح الدم الخفيف عن زاوية فمه

"تبا… ليس هذا ما كان يفترض أن يحدث."

وقبل أن ينهض بالكامل

انفجر صوت غاضب من داخل الدخان

"أيها المختل! هل تحاول قتلنا؟!"

خرج رجل من بين الحطام مترنحًا، وثيابه ممزقة جزئيًا، بينما كان يحدق بالفتى بعينين ممتلئتين بالغضب والصدمة.

التفت الفتى إليه ببطء.

رمش وهو لا يفهم سبب انفعالة.

ثم قال ببرود

"ماذا؟ أنت من طلب سلاحًا أقوى."

تجمد الرجل للحظة من شدة الصدمة.

"أقوى؟! لقد فجرت نصف الورشة!"

نظر الفتى خلفه نحو الدخان المتصاعد

ثم هز كتفيه بلا اكتراث.

"إذًا… هذا يعني أن القوة ممتازة."

الرجل فتح فمه بغضب، لكنه بدا عاجزًا عن الرد لثانية كاملة.

أما الفتى…

فبدأ ينفض الغبار عن معطفه بهدوء غريب، كما لو أن الانفجار حادث يومي معتاد.

"التجارب تحتاج بعض التضحيات."

"التضحيات؟! كدت تموت أنت أيضًا!"

رفع الفتى حاجبه باستغراب حقيقي هذه المرة.

"لكنني لم أمت."

ساد صمت قصير.

صمت سخيف لدرجة جعلت الرجل يحدق فيه وقد بدا عليه أنه فقد القدرة على استيعابه.

أما إيثان…

فكان يراقب المشهد بصمت من الخلف.

استمر الشجار خلفه، لكن إيثان فقد اهتمامه سريعًا.

استدار بهدوء، وبدأ يبتعد وسط الشارع.

وخلفه، كان صوت الفتى ما يزال يرتفع بثقة غريبة

"قلت لك أن نسبة النجاح تجاوزت الستين بالمئة!"

"ستين بالمئة ليست نسبة مطمئنة أيها الأحمق!"

اختفت الأصوات تدريجيًا مع خطوات إيثان.

ثم مرت فكرة ساخرة داخل رأسه

"يبدو أن هذا العالم يملك عددًا مزعجًا من المجانين."

شد حقيبته فوق كتفه، وأكمل السير بين الأضواء الباهتة والدخان المتصاعد…

غير مدرك أن ذلك الفتى المجنون سيصبح قريبًا جزءًا من مشكلته التالية.