سيد الظلال الصامتة الفصل 16 — سيد الظلال الصامتة 16

اقرأ سيد الظلال الصامتة الفصل 16 — سيد الظلال الصامتة 16 باللغة العربية على مانجا تايم.

خرج إيثان إلى الهواء الطلق، وتنهد بارتياح بعد التوتر الذي عاشه داخل القصر.

فجأة، سمع صوتًا خلفه، هادئًا لكنه ممتلئ بالدهشة:

"لم أتوقع أن يملك أحدهم الجرأة لقتل الأمير…"

توقف إيثان للحظة… ثم التفت ببطء.

رأى شابًا يقف أمامه.

شعره الأسود الطويل ينسدل حتى رقبته، وعيناه سوداوان يتوسطهما بؤبؤ أصفر يلمع بشكلٍ غريب…

كان وجهه مزينًا بمكياج مهرج؛ خطوط بيضاء وسوداء تتشابك على ملامحه، تتخللها لمسات حمراء عند الأطراف، فتمنحه مظهرًا يتأرجح بين العبث والتهديد.

ارتدى زي مهرج باللونين الأسود والأبيض، خطوطه المتداخلة تمنحه مظهرًا غير مألوف، بين السخرية والخطر في آنٍ واحد.

وقف الشاب أمامه كان حضوره وحده كان كافيًا لإثارة توتر الجو من حولهما.

ابتسم الشاب ابتسامة خفيفة غير واضحة إن كانت سخرية أم إعجاب ثم قال

"بصراحة… كنت أتوقع أن يحاول أحدهم، لكن أن ينجح؟ هذا مثير للاهتمام."

حدق في إيثان من رأسه حتى قدميه وهو يدرسه.

قال إيثان ببرود

"ومن تكون أنت؟"

ضحك الشاب ضحكة قصيرة ثم مال برأسه قليلًا

"شخص يحب مشاهدة الأمور… عندما تخرج عن السيطرة."

تضيقت عينا إيثان وقال بنبره حاده

"إذا كنت هنا لتسلمي… فجرب."

اتسعت ابتسامة الشاب أكثر

"لا، لا… لو أردت تسليمك لفعلت ذلك منذ لحظة خروجك."

ثم أشار بإصبعه نحو القصر خلفه

"لكن قتل الأمير… هذا سيجعل المدينة تنقلب رأسًا على عقب. الحراس، النبلاء، وحتى المتحولين… الجميع سيبحث عنك."

اقترب خطوة وصوته انخفض قليلًا

"ومع ذلك… أنت هادئ. هذا يعني أنك لست مجرد أحمق محظوظ."

سكت لحظة ثم أضاف

"أخبرني… هل وجدت ما جئت من أجله؟"

لم يرد إيثان، لكن نظرته وحدها كانت كافية.

ضحك الشاب مجددًا

"فهمت."

ظل إيثان واقفًا مكانه للحظة، يراقب الشاب.

لم يعجبه أسلوبه… ولا هدوءه المريب.

قال إيثان ببرود

"تتصرف وكأنك تعرف كل شيء."

أدار الشاب رأسه قليلًا، وابتسم ابتسامة جانبية

"ليس كل شيء… فقط ما يكفي لأبقى حيًا."

ساد صمت قصير، ثم اتسعت ابتسامة الشاب وهو ينظر إلى البحر.

قال بهدوء

"يبدو أن قبيلة المتحولين قد وصلها الخبر… وشقيق الأمير قادم بالفعل."

نظر إيثان نحو البحر، ثم أعاد عينيه إليه قائلاً

"ولماذا تخبرني؟"

رفع الشاب كتفيه بلا مبالاة

"ربما لأنك… جعلت الأمور ممتعة."

ثم قال بنبرة هادئة

"اهرب الآن… قبل أن يصلوا. هذه المرة فقط."

توقف لحظة، ثم أضاف بابتسامة خفيفة

"لن تكون محظوظًا دائمًا، مستخدم الزمن."

بعد أن أنهى كلامه، بدأ ضباب خفيف يتجمع حول الشاب، يلتف عند قدميه ثم يرتفع ببطء.

وخلال لحظات، غطى الضباب جسده بالكامل.

ثم… تلاشى.

اختفى الشاب وكأنه لم يكن هنا من الأساس، ولم يبق في المكان سوى هواء بارد يزحف بين الأزقة، وصمتٌ ثقيل يبتلع أي أثرٍ للحركة.

نظر إيثان بذهول إلى المكان الذي كان يقف فيه الشاب قبل لحظات

تضيّقت عيناه قليلًا، ثم همس في داخله

"من هذا…؟"

لكن لم يكن لديه وقت للتفكير.

فصوت خطوات الجنود بدأ يقترب

شد قبضته ثم استدار و اندفع بين الأزقة.

ركض إيثان بين الأزقة الضيقة حتى خرج إلى شارعٍ أوسع يعج بالناس.

خفف خطواته ثم توجه نحو محل فواكه قريب منه.

أخذ يتفحص الثمار بهدوء، ومد يده يختار بعضها، متظاهرًا بأنه مجرد زبون عادي.

في تلك اللحظة، مر الجنود من جانبه.

صرخ قائدهم بصوتٍ عالٍ:

"ابحثوا في كل مكان!"

"فتّشوا كل شخص يتصرف بغرابة!"

"لا بد أن القاتل ما يزال قريبًا!"

بقي إيثان هادئًا، ولم يرفع نظره حتى.

أخرج بعض العملات، ودفع ثمن الفاكهة.

مر الجنود من جانبه دون أن يتوقفوا.

بعد أن ابتعدوا، رفع إيثان عينيه قليلًا، ونظر إليهم بطرف عينه… ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة.

أخذ الفاكهة، وسار باتجاه الميناء بخطوات هادئة

وعندما وصل إلى الميناء، توقف في مكانه.

المشهد أمامه كان أكثر ازدحامًا مما توقع. الجنود انتشروا في كل زاوية يفتشون السفن واحدة تلو الأخرى، يوقفون البحارة، ويدققون في وجوه كل من يحاول الصعود أو حتى الاقتراب من الرصيف.

صوت الأوامر يتداخل مع صرير الأخشاب تحت الأقدام، ورائحة الملح الممزوجة بالتوتر تملأ الهواء.

تراجع إيثان ببطء، وعيناه تمسحان المشهد أمامة يبحث عن أي فجوة، أي طريق جانبي يمكن أن يمر منه دون أن يُلاحظ.

تضيق عيناه قليلًا، وتثبت نظرة على الحصار المفروض أمامه.

"الخروج الآن مستحيل."

تراجع بهدوء واستدار مبتعدًا عن الميناء.

عاد عبر الشوارع نفسها، محافظًا على هدوئه، حتى وصل إلى نزل قريب.

دخل واستأجر غرفة ثم صعد إليها مباشرة.

أغلق الباب خلفه، وتنهد ببطء.

جلس على السرير، ووضع الحقيبة بجانبه، يمرر يده عليها للحظة، متأكدًا أن الجوهرة لا تزال في مكانها.

رفع نظره نحو النافذة، حيث بدأت أضواء المساء بالظهور فوق الماء.

"سأنتظر…"

قالها بصوتٍ منخفض.

الآن… لم يعد الوقت للاندفاع.

بل للصبر.

مر بعض الوقت.

كان إيثان مستلقيًا على السرير، بينما يملأ الصمت الغرفة الضيقة، لا يقطعه سوى صوت الرياح الخافتة خلف النافذة وصرير الخشب كلما تحرك قليلًا.

فتح عينيه ببطء، ثم اعتدل جالسًا، لتتجه نظراته نحو الحقيبة الموضوعة بالقرب منه. ظل يحدق بها لثوانٍ

مد يده ببطء، والتقط الحقيبة، ثم فتحها.

وفي اللحظة التي أخرج فيها الجوهرة، انعكس توهجها الأزرق على وجهه، وانساب ضوؤها الخافت فوق جدران الغرفة، ليبدد جزءًا من العتمة بوميض بارد نابب.

تأملها بصمت، وعيناه تتبعان الوهج المرتجف داخلها.

مرت لحظات قصيرة قبل أن يقول بهدوءٍ مثقل بالتعب

"كل هذا… بسببك."

قلبها بين أصابعه قليلًا، فتراقص الضوء الأزرق فوق ملامحه للحظة، ثم زفر بهدوء وأعادها إلى الحقيبة.

نظر إلى النافذة لثوانٍ بصمت، ثم نهض ببطء واتجه نحوها.

ومع كل خطوة، كان صوت الأرضية الخشبية الخافت يقطع سكون الغرفة الثقيلة.

عندما اقترب، مد يده حتى لامست أطراف أصابعه الزجاج البارد، فتسللت برودته إلى جلده تدريجيًا، اعادته تلك البرودة إلى الواقع بعد دوامة الأفكار التي كانت تعصف برأسه.

أبعد الستارة قليلًا ونظر إلى الأسفل.

بدت المدينة كما هي للوهلة الأولى… الأضواء، العربات، الناس الذين يعبرون الشوارع بسرعة، لكن شيئًا فيها تغيّ.

كانت تعج بالجنود.

الدوريات تنتشر عند التقاطعات، والوجوه المتوترة تراقب كل حركة بعين حذرة. صرير العجلات فوق الحجارة الرطبة امتزج بوقع الحوافر وصوت الأوامر القصيرة التي تُلقى بحدة في الشوارع

ضيق إيثان عينيه قليلًا وهو يراقب المشهد بصمت.

وفجأة…

صدر طرق خفيف على الباب.

تجمد جسده فورًا.

توقفت أنفاسه للحظة، بينما اتجهت عيناه نحو الباب ببطء شديد.

استدار نحوه دون أن يصدر أي صوت، ثم قال بصوت هادئ حذر

"من؟"

جاء الرد من الخارج

"خدمة النزل."

لم يتحرك إيثان مباشرة.

ثبت نظره على الباب، ثم انتقل ببطء نحو الحقيبة، قبل أن يعود نظره إلى الباب مجددًا.

اقترب خطوة… ثم أخرى.

أطلقت أرضية الغرفة صريرًا خافتًا تحت قدميه.

وضع يده على المقبض… لكنه لم يفتحه فورًا.

كان مترددًا، يشعر أن هناك شيئًا ما غير مريح.

وقف لحظة يفكر

ثم سحب يده ببطء.

تراجع خطوة إلى الخلف، وعيناه مثبتتان على الباب، بينما انزلقت أصابعه بهدوء نحو الخنجر.

"سيدي؟ هل كل شيء بخير؟"

لم يرد إيثان.

اهتز المقبض بقوة، لدرجة كادت أن تكسره.

نظر إيثان بحدة إلى الباب وقال: "كان شعوري صحيحًا… فخدمة النزل لا تحاول فتح الباب."

ليتوقف الزمن للحظة.

تقدم إيثان وفتح الباب.

في الخارج، رأى رجلًا بملابس عادية أمامه، لكن يده كانت ممدودة نحو المقبض بتوترٍ واضح، بينما أخفى في يده الأخرى خنجرًا قصيرًا يلمع طرفه تحت ضوء الممر الخافت.

نظر إيثان إليه، ثم دخل وأغلق الباب مرة أخرى، مبتعدًا عن خط هجوم الرجل.

ليعود الزمن…

ويندفع الرجل إلى الداخل بعنف، دافعًا الباب بقوة حتى ارتطم بالحائط خلفه، فتردد الصوت داخل الغرفة الضيقة.

دخل بخطوة سريعة، والخنجر مخفي في يده.

لكن إيثان كان قد ابتعد عن مساره بالفعل.

مر الرجل بجانبه دون أن يلمسه، واختل توازنه، واحتكت قدماه بالأرض الخشبية بخشونة قبل أن يسقط بقوة على ركبته ويده.

وقبل أن يرفع رأسه…

شعر ببرودة نصلٍ عند عنقه.

انحنى إيثان خلفه، وخنجره يضغط بخفة على جلده، كافيًا ليجعله يشعر بوخزٍ حاد وبرودة المعدن الملتصق بعنقه.

قال إيثان بصوتٍ بارد ومنخفض

"خدمة نزل…؟"

تصلب جسد الرجل.

ضغط إيثان الخنجر قليلًا، فظهر خيط دمٍ رفيع، وانزلقت قطرة دافئة على جلد الرجل.

"من أرسلك؟"

تردد الرجل، وارتجفت أنفاسه قبل أن يجيب بسرعة

"الجنود… يبحثون عنك… قالوا إن أي شخص غريب…"

لكن صوته انقطع فجأة.

دوى طرق عنيف على الباب.

حتى الخشب اهتز تحت الضربات.

"افتح! تفتيش!"

رفع إيثان عينيه ببطء نحو الباب، بينما بقي الخنجر ثابتًا عند عنق الرجل المرتجف تحته.

ثم انحنى قليلًا، وهمس قرب أذنه بصوتٍ بارد جعل جسده يتجمّد:

"سيّئ الحظ."

وجه إيثان ضربة سريعة بطرف خنجره إلى مؤخرة عنقه، فارتخى جسد الرجل وسقط بلا حراك.

أمسك إيثان حقيبته الملقاة بجانبه، ثم نهض ونظر حول الغرفة بحثًا عن مخرجٍ آخر.

ازداد الطرق على الباب قوة.

"افتح الباب فورًا!"

شد إيثان قبضته…

ولم يترك لنفسه أي مساحة للتردد.

ليتجمد الزمن.

انقطع العالم فجأة، كخيط قص بسكين. اختفى الصوت الذي كان يضغط على الباب.

توقفت الطرقات على الخشب في منتصف فعلها… وبقيت الأيدي التي كانت تدفع المقبض معلقة في مكانها.

اقترب إيثان من النافذة الصغيرة التي تطل على الشارع الخلفي.

مدّ يده إلى الإطار الخشبي البارد.

دفع النافذة ببطء.

لم تصدر صريرًا.

حتى الصوت بدا وكأنه فقد حقه في الوجود.

انفتحت النافذة قليلًا، ثم أكثر… حتى انكشفت بالكامل.

أطل إلى الخارج.

كان الشارع الخلفي ضيقًا ومظلمًا، تحاصره جدران عالية من الجانبين، لكن رغم ذلك كان واضحًا… طريق الهروب.

قفز إلى الخارج ، الأرض باردة تحت قدميه، والهواء يشدّه إلى الخارج.

تقدّم بين الظلال والأزقة، يختفي تدريجيًا عن أعين أي شخص.

عاد الزمن لوضعه الطبيعي، والطرقات تردد صداها عبر الغرفة الفارغة.

ابتسم إيثان وهو يتحرك بسرعة باتجاه الميناء.

ظلّ إيثان يسير، لكن خطواته لم تعد تشبه المشي بقدر ما كانت أشبه بسحب نفسه فوق الأرض.

كانت ثقيلة، وأنفاسه تخرج بصعوبة، كأن صدره لم يعد يتّسع لما يكفيه من الهواء.

استخدامه المتكرر لقوته استنزف معظم طاقته، حتى صار جسده يطالب بالراحة مع كل حركة، بينما عقله يرفض التوقف.

وعندما شعر أنه لم يعد قادرًا على السير أكثر، توقّف للحظة وأسند يده إلى الحائط.

أغلق عينيه لثوانٍ، محاولًا أن يأخذ نفسًا أعمق… لكن الهواء بدا أثقل مما ينبغي شعر بأنة يضغط على صدره بدل أن يملأه. كانت عضلاته مشدودة ومتعبة، والألم ينتشر فيها ببطء.

ليسَمع أصوات جنود كانت بعيدة في البداية… ثم أصبحت أوضح، تقترب منه أكثر فأكثر.

رفع رأسه ببطء.

لم يكن هناك وقت للراحة.

دفع نفسه بعيدًا عن الحائط بصعوبة، مقاومًا تعبه، وأجبر قدميه على التحرك مجددًا، متقدمًا بين الأزقة الضيقة، وكل خطوة كانت مقاومة جديدة لجسده الذي بدأ ينهار تدريجيًا.

ومع كل خطوة، ازداد الثقل في صدره، حتى بدا له أن الهواء نفسه أصبح أكثر كثافة مما يستطيع احتماله. صار التنفس مهمة، لا أمرًا تلقائيًا.

ابتعد أكثر، وتراجعت أصوات المدينة شيئًا فشيئًا خلفه، حتى لم يبقَ منها سوى صدى بعيد يتلاشى مع كل زاوية يدخلها…

وصل إلى ممرٍ يؤدي إلى الجزء الخلفي من الميناء، حيث كانت قوارب صغيرة متوقفة.

نظر إلى القوارب، ثم اقترب من أحدها وتأكد بسرعة من أنه صالح للإبحار.

وضع حقيبته بحذر على المقعد، ثم مد يده نحو المجداف وجلس، ليبدأ بتحريك القارب عبر القناة المائية.

قبل أن يبتعد القارب كثيرًا عن الرصيف، اهتزت المياه فجأة بعنف.

لم يكن مجرد موجٍ عابر… بل ارتجاج عميق صعد من أسفل البحر نفسه.

توقف القارب للحظة، ثم مال بقوة حتى صرخت أخشابه تحت الضغط. بدأت المياه الداكنة تدور حوله بعنف، ودوامات ثقيلة تضرب الجوانب وتنثر رذاذًا باردًا على وجه إيثان المتعب.

رفع رأسه بصعوبة.

ثم ظهر الشيء.

انبثق من عمق الأمواج ببطء مرعب، جسد هائل اخترق سطح الماء، تتساقط عنه كميات ضخمة من المياه، وكان صوت خروجه أشبه بزئيرٍ مكتوم هز الهواء من حوله.

جلده مغطى بقشور داكنة وخشنة، تعكس ضوء الشمس الباهت بلونٍ معدني مخيف، وعيناه المتوهجتان تشتعلان وسط الضباب البحري بلونٍ غير طبيعي، ثابتتين على إيثان دون أن ترمشا.

أما أنيابه الطويلة… فكانت تلمع ببرودة قاتلة كلما تحرك رأسه الضخم ببطء.

وقف الوحش أمام القارب مباشرة.

ضخم… لدرجة أن ظله ابتلع ضوء البحر من حولهم.

شعر إيثان بالقارب يهتز تحت قدميه، بينما جعله التعب الذي ينهش جسده يدرك حقيقة أسوأ من ظهور الوحش نفسه:

أنه ليس في حالة تسمح له بالقتال.

كان تنفسه ثقيلًا، وعضلاته تؤلمه مع كل حركة، لكن رغم ذلك لم يُبعد عينيه عن المخلوق.

والوحش أيضًا لم يُبعد نظره عنه.

كان يحدق فيه مباشرة…

ثم سمع إيثان صوت الوحش.

كان عميقًا بشكلٍ غير طبيعي، كأنه لا يخرج من حنجرة مخلوقٍ حي، بل من قاع البحر نفسه. اهتز الصوت في الهواء والماء معًا، صاخبًا وثقيلًا.

"لقد قتلتَ أخي… ولذلك يجب أن تموت!"

اتّسعت الأمواج حول الوحش بعنف مع كل كلمة، وكانت المياه ترتجف وكأنها تستجيب لغضبه.

شد يثان قبضته رغم الإرهاق الذي ينهش جسده. كانت أنفاسه ثقيلة، وطاقته بالكاد تكفيه للوقوف، لكنه أجبر نفسه على الثبات فوق القارب المتمايل.

اندفع جسد الوحش الضخم نحو القارب، شاقًّا المياه بعنفٍ مرعب حتى بدا البحر وكأنه ينفجر تحت ثقله. ارتفعت الأمواج حوله كدواماتٍ سوداء، واهتزّ المركب بقوة جعلت الأخشاب تصدر صريرًا حادًا، توحي بأنها على وشك التكسر.

ثم.

اصطدمت الضربة بخشب المركب بعنفٍ هائل.

انقلب القارب بقوة، وصرخت الأخشاب وهي تتشقق، بينما اندفعت المياه الباردة فوقه.

تشبث إيثان بالحافة بصعوبة، وانغرست أصابعه في الخشب المبلل وهو يحاول ألا يسحب إلى الأعماق.

لكن الوحش لم يكتفِ.

أطلق زئيرًا غاضبًا، ثم ضرب القارب مرة أخرى بعنفٍ أشد.

الضربة الثانية حطمت ما تبقى من القارب.

أفلتت يد إيثان.

وللحظة قصيرة، شعر فقط بالفراغ…

قبل أن يبتلعه البحر.

اصطدم جسده بالمياه الباردة بقسوة جعلت أنفاسه تتجمد فورًا، واندفعت الملوحة الحادة إلى فمه وأنفه بينما سحبته الأعماق إلى الأسفل بثقلٍ مرعب. التف الماء حوله كقيودٍ جليدية، وضغط البحر ازداد مع كل لحظة حتى شعر أن صدره على وشك الانفجار.

فوقه، كان ضوء السطح المهتز يتكسر بين الأمواج كوميضٍ بعيد، باهت ومشوّه وسط الفوضى.

ثم رآه.

ظل الوحش الضخم يتحرك داخل الماء ببطءٍ مخيف، أكبر بكثير مما بدا فوق السطح. جسده الهائل شقّ الظلام البحري ككابوسٍ حي، وعيناه المتوهجتان اخترقتا العتمة مباشرة نحوه.

حاول إيثان السباحة.

دفع الماء بذراعيه المتعبتين بكل ما تبقى لديه من قوة، لكن البحر لم يتحرك كبحرٍ طبيعي. كان يلتف حول جسده كقبضةٍ هائلة، يلتصق بأطرافه ويشدّه إلى الأسفل بعنفٍ بطيء لا يمكن مقاومته.

ثم بدأت المياه تتشكل.

أيدٍ عملاقة خرجت من الظلام البحري، شفافة ومشوهة، لكنها أطبقت على ساقيه وخصره بقوةٍ. كانت باردة حد الألم… وخالية تمامًا من الرحمة.

اشتعل الذعر داخل صدره.

فشد قبضته فورًا.

توقف الزمن.

العالم بأكمله انكسر إلى سكونٍ مطلق.

الأمواج تجمدت في منتصف ارتفاعها، وقطرات الماء بقيت معلقة حوله كبلورات زجاجية عائمة، وحتى الضوء القادم من السطح توقف داخل البحر دون أن يرتجف.

كل شيء… توقف.

إلا تلك الأيدي.

رغم تجمّد الزمن، استمرت المياه بالالتفاف حول جسده، تتحرك بإصرارٍ مخيف. شعر بها تشتد حوله أكثر، وتسحبه ببطء نحو الأعماق المظلمة، غير مُبالية بسلطته على الزمن.

اتسعت عينا إيثان بصدمةٍ حقيقية.

هذا… مستحيل.

رفع نظره بصعوبة نحو الأعلى.

وهناك…

كان الوحش واقفًا فوق سطح البحر، يتحرك وسط الزمن المتجمد بلا أي مقاومة. عيناه المتوهجتان

تحدقان فيه ببرودٍ مرعب.

وفي تلك اللحظة، شعر إيثان بشيءٍ يخترق أعماقه بقسوة.

لم يكن مجرد فرق قوة.

بل إحساس مرعب بأن قوة الزمن لديه، التي تستطيع إيقاف أي شيء، بدأت تخرج عن سيطرته أمام هذا الكائن.

وأدرك الحقيقة التي لم يرد الاعتراف بها أبدًا.

قوة هذا الوحش الآن… قد تكون أعظم من قوته في مستواه الحالي.

حتى هذه الثواني القليلة لم تستطع إيقافه.

ومع استمرار الأعماق بابتلاعه ببطء، شعر إيثان بشيء لم يشعر به منذ حصوله على هذه القوة…

العجز.