رست السفينة على الميناء الحجري.
نظر إيثان إلى السلاسل الضخمة الممتدة من أطراف المدينة إلى أعماق البحر، كأنها جذور تثبت هذه الكتلة العائمة في مكانها. استوقفه صلابتها، وأحس بعظمة المشهد أمامه، وكأن المدينة تتحدى الطبيعة نفسها.
نزل من السفينة وحدق في الميناء. رأى الأرصفة الواسعة والنظيفة، المصنوعة من حجرٍ أملس يعكس ضوء الشمس كأنه يُصقَل كل صباح.
سار داخل المدينة، ولاحظ أن التنقل فيها يتم عبر القنوات المائية بواسطة قوارب صغيرة تنساب بهدوء بين المباني.
بدت المدينة حضارية… أكثر بكثير من تلك التي عرفها سابقًا. لم يكن هناك طين يملأ الطرقات، ولا جدران متشققة، ولا زوايا مهملة يختبئ فيها المنسيون.
توقف عند كشك طعام، حيث كان الطاهي يقلب قطع السمك الطازجة فوق صفيحة ساخنة، يتصاعد منها بخار عطري يملأ الهواء.
اشترى طبقًا بسيطًا: سمك مشوي بصلصة ليمونية، وأرز مزين بأعشاب بحرية.
جلس على مقعد خشبي يطل على القناة، وتذوق أول لقمة بهدوء، بينما القوارب الصغيرة تنساب بهدوء بين المباني خلفه.
كان الطعم لذيذًا.
للحظة قصيرة، بدا أن كل شيء آخر يتوقف حوله، وكأن المهمة التي تنتظره قد تلاشت مؤقتًا.
بعد أن أنهى طعامه، سأل عن نزلٍ قريب.
أخبروه بنزلٍ يطل على الماء، مزخرف بواجهته بأمواج متداخلة. استأجر غرفة ليومين.
كانت الغرفة مرتبة، بها سرير نظيف، ونافذة تطل من جهة على البحر المفتوح، ومن الجهة الأخرى على بعض الأبراج الشاهقة.
خلع سترته وجلس قرب النافذة، متأملًا أضواء المدينة وهي تنعكس على سطح الماء مع حلول المساء.
"أزوريث…"
"إنها مدينة جميلة… متحضرة… وغنية."
استلقى على السرير، ورفع نظره نحو السقف الخشبي
همس لنفسه بصوت خافت:
"غدًا… سأبدأ البحث."
مر وقت طويل وهو مغمض العينين.
كان صوت الماء في القنوات يصل إلى غرفته كهمسٍ متواصل، مع وقع مجاديف القوارب وهي تضرب السطح بهدوء.
لكن النوم لم يأتِ بسهولة.
فتح عينيه ونهض من على السرير.
اقترب من النافذة، ووقف يحدق في الأبراج البعيدة، حيث تلمع أنوارها فوق سطح الماء.
في وسط المدينة، ارتفع برج فوق بقية الأبراج، داكن اللون، تعلوه قبة واسعة تحيط بها شرفات عالية.
لم يحتج إلى سؤال أحد ليعرف أنه قصر الأمير.
ظل واقفًا، يحدق فيه طويلاً
"إنها هناك… في مكانٍ ما داخل تلك الجدران، تختبئ الجوهرة."
مد يده إلى ذراعه، وأزاح القماش قليلًا عن الوشم.
"ثوانٍ فقط…" تمتم.
لكن أحيانًا، قد تكفي ثانية واحدة لتغير كل شيء.
عاد إلى السرير وأغمض عينيه. هذه المرة جاءه النوم ببطء، مثقّلًا بأفكار لا تهدأ.
….
مع أول خيط من ضوء الصباح، استيقظ إيثان.
كانت المدينة قد بدأت تستيقظ معه؛ أصوات القوارب في القنوات تتردد، ووقع الأقدام على الشوارع الحجرية، ونداءات الباعة البعيدة تتسلل إلى غرفته عبر النافذة.
نهض من السرير، ارتدى سترته، وتحقق من أن الوشم مخفي جيدًا تحت القماش.
ألقى نظرة أخيرة على الغرفة، ثم غادر النزل متجهًا نحو الشوارع الصاخبة بالمدينة.
الهواء الصباحي كان منعشًا، والضوء الذهبي ينعكس على سطح الماء في القنوات.
بدأ إيثان يمشي بخطوات متأنية، متأملًا حركة المدينة من حوله.
رصد إيثان مواقع الجسور الحجرية التي تربط بين أجزاء المدينة، وعدد الحراس المنتشرين عند التقاطعات الرئيسية.
وقف بعضهم بصرامة، يرتدون دروعًا داكنة مزينة بشعار يشبه موجة ملتفة، يراقبون كل من يمرّ من حولهم.
مر إيثان بسوق واسع بدأت محاله تُفتح أبوابها.
الصيادون يعرضون أسماكًا ضخمة لم يرَ مثلها من قبل، بينما يلمع التجار لآلئ سوداء داخل صناديق زجاجية براقة، تجذب الأنظار دون أن ينطق أحد بكلمة.
لكن ما لفت انتباهه أكثر…
كان القصر، البرج العالي في الوسط يهيمن على الأفق.
كانت كل الطرق تتجه نحوه
توقف عند جسر صغير يطل على قناة واسعة، وأسند ذراعيه إلى الدرابزين الحجري.
من هنا، استطاع رؤية جزءٍ من الساحة الكبرى أمام القصر.
حراس أكثر… بوابات ضخمة… وتماثيل حجرية لكائنات بحرية تقف كحرّاسٍ صامتين.
ضيق إيثان عينيه قليلًا.
"الدخول لن يكون سهلًا…"
"لكن على الأقل… بدأت أفهم شكل المتاهة التي علي عبورها."
شعر إيثان بالجوع بعد ساعاتٍ من التجوال.
فتوقف عند مطعمٍ صغير يطل على إحدى القنوات واختار طاولة بالقرب من القناة. كانت الطاولات مصطفة على امتداد الماء، والرواد يتناولون وجبات الصباح بينما تنساب القوارب بهدوء أمامهم.
جلس وطلب طعامًا بسيطًا.
وبينما كان ينتظر، سمع صوتًا من الطاولة المجاورة.
قال أحدهم بنبرةٍ عادية
"سمعت؟ اليوم سيعدم الأمير أحد الثوار في الساحة الكبرى."
رفع إيثان نظره قليلًا نحوهم.
كانوا يرتدون ملابس أنيقة مزخرفة بخيوط فضية، وأقمشة فاخرة لا يلبسها إلا النبلاء أو أصحاب النفوذ.
كؤوسهم من زجاجٍ رقيق، وحركاتهم مملوءة بثقة من اعتادوا السلطة.
ضحك أحدهم ساخرًا وقال
"ثائر؟ لا تبالغ. مجرد أحمق ظن أن بإمكانه رفع صوته فوق صوت الأمير."
ارتشف من كأسه ثم أضاف باستهزاء
"سيكون عرضًا جيدًا على أي حال. لم أشاهد إعدامًا منذ أشهر."
ابتسم الآخر ببرود
"يقولون إن الأمير سيحضره بنفسه هذه المرة."
توقف إيثان عن تحريك ملعقته.
الساحة الكبرى…
الأمير سيظهر بنفسه…
معلومة لم يكن يتوقع الحصول عليها بهذه السهولة.
ابتسم إيثان ابتسامة خفيفة، ثم تمتم بسخرية وهو يرفع الملعقة إلى فمه "أحيانًا، أفضل طريقة لمعرفة المدينة… أن تستمع لما يقوله المتغطرسون فيها."
وضع النبيل كأسه على الطاولة وهو يبتسم بسخرية وقال
"أتساءل كم سيصمد قبل أن يطلب الرحمة."
ضحك الآخر بخفة
"الرحمة؟ من أميرنا؟ أنت تمزح."
انحنى إيثان قليلًا فوق الطاولة، وأضاف بنبرة خافتة لكنها تحمل متعة خفية "الأمير لا يرى فيهم بشرًا أصلًا… بالنسبة له، هم مجرد عبيد لا قيمة لهم."
رفع أحدهم حاجبه.
"سمعت أن هذا الثائر حاول التحريض في الأحياء السفلى. كان يجمع الناس ويتحدث عن الحرية… تخيل."
هز الآخر رأسه بازدراء.
"الحرية كلمة جميلة… لكنها لا تعني شيئًا في أزوريث."
ساد صمت قصير، ثم قال أحدهم
"الإعدام سيكون عند الظهيرة في الساحة الكبرى. الأمير يحب أن يراه الجميع."
في تلك اللحظة وصل طعام إيثان، فوضعه النادل أمامه.
انشغل بطبق الطعام كأنه لم يسمع شيئًا، لكنه احتفظ بكل كلمة في ذهنه
الساحة الكبرى… الظهيرة… الأمير سيظهر بنفسه.
أخذ لقمة ببطء، وعيناه تتأملان الماء المتلألئ في القناة أمامه.
هذا التجمع لن يمر دون مراقبة… سيجلب الحراس، والنبلاء، وربما جميع أنظار المدينة.
ابتلع الطعام ببطء، ثم ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهه.
"الفرص الكبيرة… غالبًا ما تولد وسط الفوضى."
أنهى إيثان طعامه، وضع بعض العملات على الطاولة، ثم نهض وغادر المطعم دون أن يلقي نظرة أخرى على النبلاء.
في الخارج، كانت المدينة أكثر ازدحامًا مما كانت عليه في الصباح.
كانت حركة الناس تتجه جميعها تقريبًا في نفس الاتجاه، فيما تنساب القوارب الصغيرة في القنوات حاملة مجموعات من المتفرجين نحو قلب المدينة.
تبع إيثان التيار.
كلما اقترب، اتسعت الشوارع وارتفعت الأبنية، حتى خرج أخيرًا إلى الساحة الكبرى.
كانت أوسع مما تخيل.
نظر إيثان حوله، ولاحظ أن أرض الساحة مفروشة بحجرٍ أبيض ناعم، وفي منتصفها منصة مرتفعة تحيط بها أعمدة طويلة تتدلى منها رايات زرقاء داكنة تحمل شعار الأمير.
ألقى إيثان نظرة حول المنصة، فرأى صفوف الحراس، دروعهم السوداء تلمع تحت الشمس، ورماحهم ثابتة، ووجوههم خالية من أي تعبير.
بدأ الناس يتجمعون… تجار، نبلاء، بحارة، وحتى أطفال جلسوا فوق الحواف الحجرية ليروا أفضل.
وقف إيثان عند طرف الساحة، بعيدًا عن الأنظار، يراقب المشهد.
بعد لحظات، انفتحت أبواب القصر الضخمة ببطء، وساد الصمت الساحة كستارٍ ثقيل.
خرج الحراس أولًا، ثم تقدّم رجلٌ مقيّد بالسلاسل، ثيابه ممزقة ووجهه متعب لكنه مرفوع الرأس.
همس أحد الواقفين قرب إيثان:
"ذلك هو الثائر."
لكن أعين الجميع لم تبقَ عليه طويلًا.
فمن خلفه…
ظهر الأمير.
نزل درجات القصر ببطء.
ملابسه داكنة فاخرة، وخطواته تنضح بثقةٍ باردة.
حتى من بعيد، بدا وكأنه لا يرى الحشد أمامه… بل يرى ملكه وحده.
رفع يده قليلًا، فتوقفت الهمسات في الساحة على الفور.
وقف إيثان ساكنًا بين الناس، عينيه ثابتتان على الرجل الذي يحكم أزوريث.
ابتسم ابتسامة خفيفة، بالكاد ظهرت على شفتيه.
عيناه ظلّتا على الأمير للحظة، ثم انزلقتا نحو القصر خلفه.
الحشد كله يحدق في المنصة.
الحراس في الساحة يركزون على الثائر.
حتى أنظار النبلاء مرفوعة نحو الأمير.
فكر بهدوء
"أفضل لحظة للتسلل… حين ينظر الجميع إلى شيءٍ آخر."
استدار ببطء، كما لو أنه فقد اهتمامه بالمشهد.
بدأ إيثان يتحرك بين الحشد بهدوء، دون استعجال، حتى وصل إلى أطراف الساحة وابتعد عنها شيئًا فشيئًا.
ما إن ابتعد عن الحشد، حتى تغير اتجاهه.
اتجه نحو الجانب الخلفي للقصر، حيث تقل الحركة ويقل
الفضول.
توقف إيثان عند زاوية مظلمة، وألقى نظرة سريعة حوله.
رأى حارسين فقط يقفان عند بوابة جانبية بعيدة، يتبادلان الحديث بلا اهتمام.
ابتسم إيثان، وبدأ الزمن يتوقف لثوانٍ معدودة فقط…
وفجأة سكن العالم.
تجمد الحارسان في مكانهما، أحدهما في منتصف جملة لم تكتمل، والآخر رافع يده في حركةٍ لم تصل إلى نهايتها. حتى أوراق الشجر القريبة توقفت في الهواء.
تحرك إيثان بسرعة.
مر بينهما، ودفع الباب الجانبي ودخل القصر قبل أن تنتهي الثواني القليلة التي يملكها.
وفي اللحظة التي عبر فيها العتبة
عاد الزمن.
أغلق الباب خلفه بهدوء، وقلبه يخفق بقوة.
ابتسم ابتسامة قصيرة…
"لقد كان الدخول أسهل مما توقعت."
لكن ابتسامته اختفت سريعًا.
وقف إيثان في الممر الحجري الواسع، ينظر إلى الاتجاهات المتفرعة أمامه.
ممرات طويلة… سلالم… أبواب كثيرة.
توقف لحظة، يفكر.
"الآن ماذا؟"
لم يكن يعرف أين يخفون الجوهرة.
القصر أكبر مما تخيّل، ولا توجد أي علامات تدل على شيء.
وقف يفكر
"إن كانت الجوهرة بهذه القيمة… فلن تُترك في مكانٍ عادي."
"ستكون حيث الحراسة مشددة… أو في غرفة الأمير نفسه."
رفع إيثان رأسه ببطء، ونظر نحو أعلى نقطة في القصر.
ثم تمتم بخفوت
"في الأعلى… دائمًا يختارون الطريق الأصعب للآخرين… والأسهل علي."
تحرك عبر الممر، باحثًا عن الطريق الذي يقوده إلى أعماق القصر.
صعد إيثان السلالم وتوقف أمام مجموعة من الأبواب.
نظر إلى الباب الأوسط، وقال لنفسه بهدوء
"الفخاخ غالبًا ما تكون حيث نتوقعها… لأن من يضعها يعرف أن توقعاتنا ستكون ضدنا."
ثم التفت إلى الباب الأيسر وابتسم بسخرية
"أما الأماكن التي لا يخطر على بال أحد… فهناك تقل الفخاخ عادة، لذلك قد تبدو أكثر أمانًا… لكنها قد تخفي مفاجآت من نوع آخر."
تقدم إيثان نحو الباب الأيسر ودخل، فتوقف مذهولًا.
كان المكان خاليًا تمامًا: لا حراس، لا خدم، ولا حتى همسات خطوات بعيدة. مجرد ممر واسع ينتهي بباب ضخم من معدن داكن.
ابتسم لنفسه وقال
"كما توقعت…"
ثم ألقى نظرة فاحصة على الباب الأمامي وأضاف بصوت منخفض
"وربما تكون الجوهرة خلف هذا الباب."
لم يتحرك إيثان فورًا، فقد أثار فراغ المكان شكوكه. ربما كان هناك شيء غير مرئي يحرس الباب.
أخرج عملة من جيبه ورماها نحو الباب. سقطت على الأرض أمامه بلا أن يصيبها أي ضرر.
انتظر لحظة، يراقبها بحذر، وعندما تأكد من خلو المكان من أي فخ أو تهديد أخذ نفسًا عميقًا وتقدم نحو الباب.
اقترب أكثر، حتى أصبح أمام الباب مباشرة.
وقف إيثان أمام الباب، عيناه تتفحصان النقوش الداكنة بعناية.
كانت الرموز مثل دوامات متشابكة تشبه عقارب الساعة
مد إيثان يده ببطء نحو الباب.
ما إن لامس المعدن الداكن يده، حتى شعر بموجةٍ قوية تمر في جسده كأنها عاصفة داخلية.
أحس بألم حاد يسري في كل عضلة، وكأن قوة غير مرئية تعصر جسده بشدة
تراجع إيثان إلى الخلف، يلهث، محاولًا استجماع أنفاسه.
نظر إيثان إلى الباب، وأمعن النظر في النقوش الداكنة والدوامات الغريبة التي تغطي سطحه. نهض ببطء، وتقدم خطوة خطوة، وعيناه تتجهان نحو الوشم على يده.
تمتم لنفسه بصوت منخفض
"بما أن أورلاندو قال إن مستخدم الزمن هو الوحيد الذي يستطيع الدخول…"
أغمض عينيه، وأخذ نفسًا عميقًا، وركز على إدراكه للزمن، مركزًا على الوشم.
شعر بالطاقة تتدفق في جسده، وكأن اللحظة نفسها بدأت تتباطأ حول يده، تستجيب لإرادته.
مد يده نحو الباب مرة أخرى، هذه المرة بوعيٍ وثبات.
وفجأة… شعر بالمعدن يتفاعل معه؛ خفّ الألم الذي أحس به من قبل، وبدأ الباب يستجيب لنبض الوشم.
ابتسم إيثان ابتسامة خفيفة، وأدرك أن قوته هي ما جعلت الباب يستجيب.
دفعه ببطء، فانفتح قليلًا، كأنه يستجيب لإدراكه لقوته.
تقدم خطوة حذرة إلى الداخل، مستعدًا لما ينتظره في الطابق المظلم.
توقف و نظر إلى الداخل، وتوقف تنفسه للحظة.
هناك، في وسط الغرفة… كانت الجوهرة.
تلمع بلونٍ أزرق عميق، يتلألأ كالبحر في ليلةٍ قمرية، وترسل خيوطًا من الضوء تتراقص على الجدران المحيطة بها، كأنها تنسج عالمًا صغيرًا خاصًا بها.
كانت الجوهرة آسرة على نحوٍ يصعب وصفه؛ جمالها يأسر العين منذ النظرة الأولى، وتخفي في توهجها الهادئ سرًا لا يُفصح عنه.
شعر إيثان بأنها تناديه تدعوه للاقتراب.
كل خيطٍ من الضوء المنبعث منها كان يلامس شيئًا في داخله، يوقظ إحساسًا غريبًا… مزيجًا من الفضول والرهبة، وإغراءٍ يصعب تجاهله.
وقف للحظة، مدهوشًا، وأطال النظر إليها لم يستطع أن يبعد عينيه عنها.
تمتم بصوتٍ منخفض
"إنها… أجمل مما توقعت."
فجأة سمع صوتًا خلفه
"أوه، انظروا من هنا…"
التفت إيثان ببطء، فوجد الأمير واقفًا عند مدخل الغرفة، عيناه ثابتتان عليه.
كانت ملابس الامير داكنة وفاخرة، وملامحه هادئة لكن عيناه مليئتان بالغطرسة.
ابتسم الأمير وقال:
"كنت أنتظر منذ زمن أن يأتي أحدهم ويفتح هذا الباب المغلق منذ سنين… لكن، يا للأسف، قد يئست في الانتظار، إذ أن الشخص الوحيد القادر على فتحه هو مستخدم الزمن… سيكون والدي مسرورًا عندما يعرف."
حدق الأمير في إيثان بغرور وقال:
"أنت الآن أمامي… مستخدم الزمن. أظن أن الوقت قد حان لتصبح أداتي، دميتي الخاصة. ستنفذ كل ما أريد، ولن يكون لك أي خيار."
ابتسم إيثان بخفة، وصوته مليء بالسخرية
"أوه… وهل هناك من يرغب حقًا بأن يكون دمية، أمير مدلل مثلك؟"
ابتسم الأمير ببرود وقال
"سأريك… كيف يكون المرء دمية، أمير مدلل."
ابتسم إيثان وهو يراقب الأمير يقترب منه، وفجأة تجمد الزمن لثوانٍ قليلة. توقف جسد الأمير في الهواء، وقبضته متجهة مباشرة نحو وجه إيثان.
تراجع إيثان قليلًا نحو اليمين، وانتهت الثواني القليلة، فعاد الزمن إلى مجراه الطبيعي.
اصطدمت قبضة الأمير بالجدار، وتحطم الحجر أمامه، وتفاجأ عندما وجد إيثان قد اختفى فجأة من أمامه.
همس إيثان بصوت منخفض
"أنا هنا، أيها الأمير المدلل."
رفع الأمير عينيه، فالتقى مباشرة بابتسامة إيثان المستفزة.
اندفع الأمير نحو إيثان هذه المرة بهجوم أكثر شراسة، جناحاه يلوحان في الهواء، ومخالبه تصدر صوتًا حادًا.
لكن إيثان لم يتحرك من مكانه، بل ابتسم بسخرية، مستمتعًا بغرور خصمه.
توقف الزمن لثوانٍ إضافية، فأُوقفت كل حركة للأمير، وتركه واقفًا في مكانه، غاضبًا وعاجزًا عن التحرك، بينما استمرت ابتسامة إيثان في تحدي غروره.
نظر إيثان إلى عيني الأمير العاجز وقال
"حان الوقت لإنهاء هذه اللعبة."
أخرج إيثان خنجره من الحقيبة، شفرة صغيرة لامعة تعكس لمسة خفيفة من الضوء. لم يكن هذا الخنجر عاديًا؛ كان مصنوعًا من حجر قادر على اختراق الحراشف الصلبة.
انتهى الوقت، لكن إيثان لم يمنح الأمير أي فرصة للهجوم. فجمد الزمن لثوانٍ قليلة، وتحولت الغرفة إلى لوحة ساكنة؛ الجناحان المضاءان للأمير في الهواء، ويده الممدودة تتجه نحو إيثان، لكن لا شيء يتحرك سوى ابتسامة الأخير التي لا تفارق وجهه.
اقترب إيثان بسرعة من الجهة اليمنى، خنجره يلمع بين أصابعه، وكأنه يلتقط الضوء من كل زاوية. عاد الزمن فجأة، واندفعت الشفرة كوميض برق، تقطع الهواء نحو قلب الأمير المتحول. جناحاه يحركان الهواء بصخب، محاولين صد الضربة، لكن إيثان كان أسرع، قدماه تحركتا بخفة على الأرض.
تجمد الزمن مرة أخرى، والإثارة تتصاعد، وإيثان يستغل اللحظة ليقف خلف الأمير. يرفع خنجره، العينان تلمعان بالغضب والسخرية، والظل يمتد خلفه على الحائط، كأنه جزء من الهجوم نفسه.
عاد الزمن لوضعه الطبيعي. الشفرة تخترق الهواء وتصيب هدفها بدقة قاتلة. ارتجف الأمير، وسقط على الأرض، جسده المتحول يتقلص تدريجيًا ليعود شكله البشري، عيناه مفتوحتان في صدمة وغضب عميق، جناحاه الصغيران يتلاشيان مع سقوطه.
وقف إيثان، والعرق يتساقط ببطء على وجهه، يحدق في الأمير ببرود، بينما يلمع الخنجر بين يديه.
وقال بصوتٍ بارد
"أنا… لن أكون دمية أحد."
نظر إيثان إلى الجوهرة، وفجأة سمع وقع خطوات تقترب بسرعة.
أدرك أن الوقت ضيق، فتقدم والتقط الجوهرة بحذر، ثم وضعها داخل حقيبته وأحكم إغلاقها.
اختبأ إيثان خلف عمودٍ عملاق قرب الباب، يراقب بصمت.
اندفع الجنود إلى الداخل، لكنهم تجمّدوا في أماكنهم حين وقعت أعينهم على الأمير، ساقطًا بلا حراك.
اتسعت نظراتهم بالصدمة، بينما كانت عينا الأمير لا تزالان تلمعان بدهشةٍ وغضبٍ مكتوم.
ابتسم إيثان بسخريه وهو يراقبهم، ثم بدأ يتفحص الغرفة بعينيه، حتى لمح ممرًا ضيقًا يظهر فجأة خلف رفوف حجرية، لم يلاحظه أحد قبله.
لم يتردد إيثان، اقترب من ا
لممر ودخل، متحركًا بخفة بين الجدران الضيقة.
مع كل خطوة، كان يقترب أكثر من الخروج إلى الخارج، تاركًا الغرفة وراءه، والأمير وجنوده في صدمة ودهشة خلفه.
خرج إيثان ووقف، لكن توازنه سرعان ما اختل.
شعر بدوار شديد، فقد استنفد كل طاقته في القتال، وكان الإرهاق يثقل جسده لدرجة أنه بالكاد يستطيع الوقوف.
ليسمع صوتًا خلفه، هادئًا لكنه ملئ بالدهشة
"لم أتوقع أن يملك أحدهم الجرأة لقتل الأمير…"
توقف إيثان للحظة والتفت ببطء