سيد الظلال الصامتة الفصل 14 — سيد الظلال الصامتة 14

اقرأ سيد الظلال الصامتة الفصل 14 — سيد الظلال الصامتة 14 باللغة العربية على مانجا تايم.

ابتسم أورلاندو ابتسامة خفيفة، لكنها لم تصل إلى عينيه، وقال بهدوء

"أنا أملك شبكة معلومات واسعة…"

توقف لحظة قصيرة، ثم أكمل

"وسأمنحك أي معلومة تحتاجها… مجانًا لمدة عام كامل."

ثبت نظره على إيثان، يراقب أدق تغير في ملامحه، كأن رده فعله أهم من العرض نفسه.

ثم انحنى قليلًا إلى الأمام، وصوته ينخفض بنبرة تحمل ثقلًا خفيًا

"أسماء… تحركات… أسرار المدن…"

وتابع ببطء، كلمة بعد كلمة

"حتى ما يُهمس خلف الأبواب المغلقة… كله سيكون بين يديك."

ساد صمت قصير، ثقيل، قبل أن يرتسم على شفتيه ظل ابتسامة ذات معنى.

"عامٌ كامل من المعرفة…"

ثم أضاف، وعيناه لا تفارقان إيثان

"مقابل مهمةٍ واحدة."

في عالمٍ تُدار فيه الأمور بالقوة والأسرار، كانت المعرفة سلاحًا لا يقل خطرًا عن أي قدرة.

"عرضك مغرٍ… لدرجة يصعب رفضه."

ثم أضاف بهدوء "في كلتا الحالتين… أقبل."

حين عادا إلى المدينة، كانت السماء ملبدة بغيومٍ رمادية، كأنها تشاركهم ثقل اللحظة.

لم يضطر إيثان إلى حمل المجرفة ولم يساوم على كفنٍ أو قطعة أرض. أورلاندو تكفل بكل شيء… كما وعد.

كان الدفن في المقبرة الجنوبية، حيث تمتد الشواهد الحجرية في صفوفٍ صامتة.

راقب إيثان الرجال وهم ينزلون النعش ببطء، والحبال تنزلق بين أيديهم.

لم يسمع سوى احتكاك الخشب، وصوت التراب يُلقى فوقه.

وقف أمام القبر

عندما بدأ التراب يُسكب فوق النعش، ضاق صدره فجأة وشعر أن أنفاسه انحبست، لكنه لم يتحرك.

كل ضربة من المجرفة كانت تفصل بينه وبين الماضي خطوة أخرى.

وعندما انتهوا، اقترب ببطء من الحافة، وحدق في القبر المغلق.

فقط شاهد حجري، منحوت عليه اسم إيرن وتاريخ قصير… أقصر مما كان يجب أن يكون، كأن الحياة نفسها سرقته قبل الأوان.

شعر قلبه يضيق، وعيناه تثقلان بالدموع التي لم تذرف.

همس إيثان بصوتٍ منخفض

"نم بسلام…."

ثم استدار ببطء.

خرج إيثان ورأى أورلاندو واقفًا خارج أسوار المقابر. قال بهدوء

"لقد جهزت السفينة، والإمدادات الغذائية التي ستحتاجها في رحلتك. ستتحرك غدًا صباحًا."

أومأ إيثان برأسه دون أن يعلق، ثم استدار ومضى.

عاد إيثان إلى الزاوية التي اعتاد أن ينام فيها، زاوية الشارع الباردة التي لم تعد كما كانت. جلس هناك، وأسند ظهره إلى الجدار الحجري،  ثم رفع نظره إلى المكان الذي كان إيرن يجلس فيه دائمًا.

كان فارغًا… بشكلٍ مؤلم.

فكر في قسوة هذا العالم، كيف ينتزع أقرب شخص إليك بلا إنذار.

لم يمضِ وقت طويل منذ أن التقى إيرن… ومع ذلك، كان أول وجه رآه هنا، أول صوت خاطبه دون ريبة، وأول يد امتدت إليه بلا سؤال.

لم يسأله من يكون.

لم يهتم بأصله، ولا بقصته.

لم يطلب شيئًا في المقابل.

كل ما أراده… كان أن يعيش كأي صبي عادي.

يستيقظ كل صباح، يقضي يومه بسلام، ويعود لينام دون خوف.

أغمض إيثان عينيه، وشعر بثقل الفراغ إلى جواره.

كانت المدينة صاخبة كما اعتاد… لكن زاويته هذه لم تعد كما كانت.

فتح عينيه ببطء، ونظر إلى المكان الخالي بجانبه…

ظل صامتًا لحظة، ثم حرك نظره بعيدًا وقال بهدوء خافت

"هدوء أكثر من اللازم اليوم…"

في الصباح، خرج إيثان وتوجه إلى المرسى.

كانت السفن مصطفة على امتداد الرصيف، أشرعتها مطوية، وحبالها تتمايل مع حركة الماء.

رائحة الملح والخشب المبلل تملأ الهواء، وصوت النوارس يقطع سكون الفجر.

تأمل السفن وهمس لنفسه

"أيها ستكون وجهتي التالية في هذا الطريق الذي لم أختره بالكامل… أو ربما لا فرق، كل الطرق تنتهي بالمتاعب على أي حال."

ضحك على نفسه بخفه " يبدوا أن الحياة تحب المزاح معي."

عندها سمع صوتًا خلفه يقول

"هل أنت السيد إيثان؟"

التفت ببطء، وعيناه ما تزالان تحملان إرهاق الليلة الماضية.

نظر إلى الرجل أمامه… ثم أومأ برأسه بصمت.

انحنى الرجل انحناءة خفيفة وقال

"أنا المكلف بإيصالك، سيدي. السفينة جاهزة كما أُبلغنا."

أشار بيده نحو سفينة متوسطة الحجم راسية في الطرف البعيد من الرصيف، هيكلها داكن وأشرعتها مربوطة بإحكام، وعلى جانبها رمز محفور بالكاد يُرى تحت طبقات الطلاء.

قال الرجل وهو يبدأ بالسير

"سنبحر مع المد الأول. الرحلة لن تكون قصيرة… لكن الرياح ستكون في صالحنا."

تحرك إيثان خلفه، وصوت ألواح الخشب تحت قدميه يصر مع كل خطوة.

توقف عند حافة الرصيف للحظة، وألقى نظرة أخيرة على المدينة خلفه.

الأبراج الحجرية، الأزقة الضيقة، وزاوية الشارع التي اعتاد الجلوس فيها…

كلها بدت بعيدة، كأنها تنتمي إلى حياةٍ أخرى.

شد قبضته قليلًا، ثم صعد إلى السفينة دون كلمة.

ومع أول خيطٍ من ضوء الشمس، بدأت الحبال تفك، وتحركت السفينة مبتعدة عن المرسى ببطء… نحو أزوريث.

ابتعدت السفينة تدريجيًا عن المرسى، وصار صوت المدينة يختفي خلف هدير الماء وصرير الأخشاب.

وقفت الأشرعة وانتفخت مع الريح دافعه السفينة إلى الأمام

وقف إيثان عند حافة السفينة، يراقب الخط الساحلي وهو يبتعد شيئًا فشيئًا.

لم يلوح، ولم يودع. لم يعد هناك أحد ينتظره… ولا أحد يستحق أن ينتظره.

اقترب منه القبطان، رجل عريض الكتفين بوجهٍ أكلته الشمس، وقال

"الوجهة ستكون شرقًا أولًا، ثم ننحرف جنوبًا مع التيار. إن سارت الأمور بهدوء، سنصل خلال أيام."

أومأ إيثان بصمت، لكن ذهنه لم يكن مع البحر.

كان يفكر في المدينة التي تنتظره… في الأمير المتحولين وفي الجوهرة

"أزوريث…" تمتم بينه وبين نفسه.

مرت ساعات، والبحر يمتد بلا نهاية.

في الأفق، تجمعت غيوم خفيفة، بينما السفينة تشق الماء.

نظر إيثان عبر النافذة إلى البحر، ثم إلى الحقيبة أمامه.

انحنى ببطء، وفتحها. حرك يده بين محتوياتها حتى لامست أطراف أصابعه غلافًا جلديًا صلبًا.

أخرجه بحذر… كتاب قديم، ثقيل بين يديه، حوافه مهترئة قليلًا، وكأن الزمن نفسه مر عليه أكثر مما ينبغي.

تأمل الغلاف لحظة، مرر إبهامه على حافة الغلاف، ثم فتح الكتاب ببطء.

صرير خافت صدر من المفصل الجلدي.

قرأ بصوت منخفض

"قوة العلامة لا تستدعى بالقوة، بل بالإدراك."

توقف عند العبارة، وأعاد قراءتها بصمت.

'إن كانت قوتي هي الزمن… فلابد أن الإدراك هو المفتاح' قالها في ذهنه وهو يفكر.

رفع نظره نحو المرآة المعلقة على الجدار، وتأمل انعكاسه للحظة.

نظر إلى وجهه في المرآة، وفكر "الزمن هو المرآة… وأنا المفتاح."

عاد إلى السطور التالية وقرأ

"أغلق عينيك، ولا تفكر في تحريك الزمن… بل اشعر به يتحرك حولك."

ابتلع ريقه ببطء و أغمض عينيه.

في البداية، لم يحدث شيء.

ثم… بدأ يسمع صوتًا خافتًا.

ليس صوتًا حقيقيًا، بل أشبه بنبضٍ عميق يتردد في أذنيه.

دقة.

ثم أخرى.

شعر بأن الهواء في الغرفة أصبح أثقل

فتح إيثان عينيه، ولاحظ أن ستارة النافذة، التي كانت تتحرك مع الريح منذ قليل… توقفت فجأة في منتصف حركتها.

تجمد كل شيء حوله

تنفسه وحده كان الصوت الوحيد الذي يتحرك.

اتسعت عيناه بذهول.

وفجأة… عاد كل شيء إلى طبيعته.

تحركت الستارة مجددًا، عاد صوت البحر يملأ الغرفة، واهتز جسده فجأة، شعر كأن تيارًا غامضًا مر خلاله.

سقط جالسًا على حافة السرير، أنفاسه متسارعة، قلبه يخفق بسرعة غير معتادة.

نظر إلى الوشم على ذراعه…

كان يتوهج بخفوت، والحرارة تتلاشى تدريجيًا من جلده.

ظل يحدق فيه طويلاً، محاولًا استيعاب ما حدث

همس إيثان لنفسه

"ما حدث… لم يكن تحكمًا كاملًا. كان مجرد إيقاف قصير، هش…"

أعاد المحاولة.

أغمض عينيه، وركز على اللحظة من حوله، صوت البحر، اهتزاز السفينة، حركة الستارة.

دقة.

وفجأة… سكن كل شيء.

تجمد الهواء.

توقفت الستارة في منتصف حركتها.

حتى صوت الأمواج اختفى، كما لو أن العالم حبس داخل صورةٍ ثابتة.

فتح عينيه.

كان وحده من يتحرك.

مرت… ثانية واحدة فقط، وشعر بثقل هائل يضغط على صدره، كما لو أن كل ثانية تمر تقطع جزءًا من جسده.

مرت… ثانية أخرى، بدأ الضوء حوله يتشقق بخيوط دقيقة، كأن الغرفة نفسها تتصدع.

وقبل أن تكمل الثالثة… انكسر السكون فجأة.

عاد الصوت دفعة واحدة، اندفع الهواء في رئتيه بعنف حتى كاد يسقط أرضًا.

تراجع، ممسكًا بحافة الطاولة، أنفاسه متقطعة، قلبه يخفق بسرعة غير معتادة.

نظر إلى الوشم… كان خافتًا الآن، كأنه استُنزف.

أدرك إيثان الحقيقة بوضوح.

"أنا لا أزال مبتدأ."

"أستطيع إيقاف الزمن… لكن لثوانٍ معدودة فقط."

"ثوانٍ قليلة… تكلفني طاقة جسدية هائلة."

مسح العرق عن جبينه، وتمتم بصوت منخفض

"إذن… هذا حدي الآن."

ثم زفر بخفة وأضاف

"مخيب… لكنه ليس سيئًا كبداية."

رفع رأسه ببطء، وعيناه لم تعودا مترددتين.

"إن كان هذا هو المستوى الأول…فسأصل إلى ما بعده."

في المساء، صعد إيثان إلى سطح السفينة.

كان البحر ممتدًا بلا نهاية، والسماء تشتعل بألوان الغروب

وقف إيثان عند الدرابزين صامتًا، يراقب البحارة الذين يتحدثون غير بعيد عنه، ويسمع ما يقولونه

قال أحدهم وهو يربط الحبال

"إن كنا متجهين فعلًا إلى أزوريث… فالأفضل أن نبقى على حذر."

رد الآخر بصوت منخفض

"وكيف لا؟ مدينة كاملة عائمة في منتصف البحر… ليست مبنية على اليابسة، بل على منصات حجرية هائلة متصلة بسلاسل غارقة في الأعماق. يقولون إنك إن نظرت من الحافة، ترى الظلام تحتها بلا قاع."

أبقى نظره بعيدًا، وتمتم بصوت خافت

"مدينة عائمة… لا بد أن وراءها ما ليس ظاهرًا."

تابع البحار الأول

"أزوريث مشهورة بتجارة اللآلئ السوداء وأحجار المدّ، وحتى الأسلحة المصنوعة من معادن تُستخرج من قاع البحر. لا أحد ينافسها في ذلك."

سكت لحظة، ثم خفض صوته أكثر

"لكن شهرتها الحقيقية… ليست تجارتها."

تبادل الرجال النظرات.

"الأمير."

تنهد أحدهم بامتعاض

"أنهم يقولون ان الامير من قبيلة المتحولين وهو يستطيع تغيير هيئته كما يشاء…"

أضاف آخر

"وهو مغرور… لا يرى سوى نفسه. من يخطئ في حضرته يعدم دون محاكمة. لا يعتبر أهل المدينة رعاياه، بل عبيدًا يخدمون مجده."

شد إيثان قبضته قليلًا، وتمتم لنفسه

"أميرٌ يرى الناس عبيدًا… يبدو أن لقائي به لن يكون مملًا."

أكمل البحار

"يسيطر على كل شيء الميناء، الحراس، الأسواق… حتى أنفاس الناس. لا يُرفع صوت فوق صوته."

صمتت المجموعة للحظة، ولم يبق سوى صوت الأمواج تضرب هيكل السفينة.

نظر إيثان إلى الأفق، حيث البحر يلتقي بالظلام.

مدينة عائمة… أمير متحول متجبر… وجوهرة محروسة لا يستطيع أحد أن يدخل سواه.

شعر بشيء يتحرك داخله… ليس خوفًا، بل استعدادًا.

همس لنفسه

"أزوريث…"

والسفينة تابعت شق طريقها عبر الماء، نحو المدينة

حل الليل، وهدأت الأصوات فوق السطح، لكن كلمات البحارة بقيت عالقة في ذهن إيثان.

مدينة عائمة…

أمير لا يرى في الناس سوى ظلال تخدمه…

وجوهرة محفوظة في مكانٍ لا يدخله أحد.

استند إلى الدرابزين، ونظر إلى انعكاس القمر على سطح البحر.

تساءل إن كانت أزوريث تبدو من بعيد كحلمٍ فوق الماء… أم كفخٍ ينتظر من يقترب.

في اليوم الثالث، تغير لون البحر.

صار أعمق زرقة، والتيار أقوى، كما لو أنهم يقتربون من منطقةٍ لا يجرؤ كثيرون على عبورها.

أشار أحد البحارة فجأة نحو الأفق.

"هناك!"

ضيق إيثان عينيه.

في البداية، ظنها خدعة ضوء…

ثم بدأت الملامح تتضح.

منصات حجرية هائلة تعلو سطح الماء، متصلة بجسور مقوسة، وأبراج ترتفع منها كأنها تنمو من البحر نفسه.

سلاسل ضخمة تغوص من أطراف المدينة إلى الأعماق، مثبتة إياها وسط الأمواج.

كانت أزوريث تبدو كعرشٍ بني فوق المحيط.

"أزوريث…"

ثم قال بصوت خافت

"لنر إن كانت تستحق كل هذا الضجيج."