بينما كان جسد أنجليكا طافياً بلا شكل في بحر الوباء الأرجواني، حظيت بلحظات عابرة من التأمل ريثما يُبنى جسدها الجديد. أول ما لاحظته هو زوال ألمها بأسره. ففي غياب الجسد المادي، لا وجود لما يمكن أن يتألم، وكادت تتحسر على العودة إلى شقاء الوجود. على الأقل، سيبلغ جسدها الجديد صحة تامة بنسبة مئة بالمئة. استشعرت ذلك وشيكاً مع استمرار التطور، والشعور المُنشِّط ذاته الذي اختبرته نادرات حين بلغت الحد الأقصى أثناء تناول طعام مسموم.
وثاني ما لاحظته هو صفاء ذهنها المفاجئ، كأنما تبدد ضباب طفولة العفريت ونضجت. لكن رافق ذلك فقدان فطري للدهشة، لتُزجَّ في واقع الرشد الأكثر قسوة وكآبة. حسناً، ربما لم تستطع اعتبار نفسها شيطاناً راشداً بعد، إذ لا تزال في مراتب الجحيم السفلى. أو لعلها فعلت؟ فقد انحرف تطورها عن مساره. ما اللعنة التي تقصدينها بالبوك؟! لم يكن الاسم ليرنّ في مألوف ذهنها البتة. توجهت فكرتها تلقائياً، بطبيعة الحال، نحو القرص الصغير المرتبط بالكلمة في الأذهان.
لكنها احتفظت ببعض الذكريات الغامضة لسماع الكلمة في حكايات خرافية أو عوالم خيالية. ومهما يكن أمر الكائن، فلم يكن المفهوم دارجاً. آه، ربما إنه تطور نادر! أهلاً، نظام نمو الشياطين، هل أطلقتُ شيئاً خاصاً؟!
[لا. من أين لك بهذه الفكرة الجاهلة؟]
مم، لكنني ظننت أن الهليون يأتون بعد العفاريت.
[خطأ. التطورات خطيّة. قد توجد تنوعات نادرة لكل رتبة، لكن لا انحرافات في التسلسل. العفريت يتطور دائماً إلى بوك]
كيف يُعقل هذا؟ لم تكن جيليك قد رأَت بوك قط. بالطبع، لم تستطلع كل شيطان تصادفه، إذ بدا ذلك فظاً ومتسلطاً، شبيه بمعرفتها بالمعلومات الخاصة لكل غريب بشري عابر. مع أنها لم تقابل عفريتاً آخر حتى اليوم على وجه اليقين أيضاً، تتبعاً للمنطق ذاته على الأقل. ربما لم يشهد عالمها الكثير من أدنى رتبتين، ولديها ما بدا نظرية معقولة حول السبب. أولاً، بدا أن العفاريت عموماً لا تحظى بالكثير من وقت المستدعين.
فقد أُرسلوا جميعاً إلى "ذلك المكان"
في البداية، ثم بناءً على نموهم، قد يُسمح لهم بالاستجابة لبعض النداءات البسيطة. وقد يكون البوك في المركب ذاته، لتُقيد استدعاءاتهم عموماً حرصاً على سلامتهم ونموهم. لكن قد يكون هناك سبب ثانٍ. بدا أن بعض العوالم محدودة بمستوى الألسنة، إما باحتياج المستوى الأقصى أو ما يكفي لتسيير الأمر، وغالباً بنطق السكان للغة بعيدة كل البعد عن لغة الشياطين الأساسية —ما أطلقت عليه عشوائياً هذا الاسم— أو لعوالم تزخر بتشكيلة متنوعة من اللغات المنتشرة بين سكانها.
وبإمكان عالمها قطعاً أن يكون أحد تلك العوالم ذات القيود، نظراً لوجود العشرات من اللغات المنطوقة بانتظام. مما يعني احتياجه المرجح لمستوى أعلى، وهو ما يرجح ظهور الهليون فما فوق هناك. أيحتوي كاسنيم على شرط للألسنة؟
[توجهي إلى مكتب خدمات الشياطين المحلي إن رغبتِ في مناقشة قيود العوالم]
العودة إلى انعدام الفائدة. علاوة على ذلك، شعرت بأن شيئاً ما قد تغير في نظام نمو الشياطين. فمنذ أن أطلقت التطور، أو حتى منذ استيفائها للشروط، بدت إجاباته أكثر إسهاباً من المعتاد. أَتطور هو الآخر؟ أو ربما أُزيل قيد ما. وربما ظلت الإجابات القصيرة البسيطة أفضل للعفاريت الحمقاء. امتلكت سؤالاً إضافياً واحد اً علّه يوضح الأمر. أيعني هذا إذن أن الهليون يأتي تالياً بعد البوك؟
[أما كان يجدر بكِ تعلم تسلسل الرتب بحلول الآن؟]
أجل، بلا فائدة. لابد أنها استنفدت رصيدها اليومي من الفائدة، أو ما شابه. أتوفر نسخة مميزة يمكنها الاشتراك بها وتكون مفيدة حقاً طوال الوقت؟ مع أن فكرة تقييد ذلك باشتراك أزعجتها بدرجة أكبر. لكن لم يتسع لها الوقت للتململ، إذ بدأ جسدها المادي الجديد في التجلي. لم تستغرق شجرة الأفكار والحوار تلك سوى ثوانٍ معدودات. عجيب هو مدى سرعة العقل حين يتحرر من قيود الحياة. غاش بصري أنجليكا ليستعيد استقراره.
ولمحت لمحاً السائل الذي أذابه وهو ينسحب من الغرفة، إن كان قد وجود من الأساس. وبما أنه كان يتلاشى فحسب، وبما أنها قادرة نظرياً على التطور في أي مكان، فلربما كان الأمر مجازياً، أو مجرد ملء عقلها للثغرات حول تلك العملية. قفزت عيناها فوراً نحو يديها، كأول ما ظهر في حقل رؤيتها. إلا أن... لم تكونا يدين. نعم، مهما تمعنتهما، تعذر وصفهما حقاً باليدين من حيث الشكل، وإن تشابهتا في الوظيفة ربما.
صارتا نتوءات خالية من الأصابع. بل امتلكت مخالب، ثلاثة مخالب مدببة في كل منها بطول بضعة بوصات. استدارت الحواف الخارجية، بينما استقامت الداخليه، فحاولت ضمهما معاً. التئمت الثلاثيات بتمام، مندمجة في شوكة طويلة واحدة. سلاح خطير بلا شك. مؤسف أنهما أقل عملية ووظيفية بلا ريب مقارنة بما اعتدت استخدامه في شؤون حياتها اليومية. أمكنها تحريكهما والمناورة بهما قليلاً، وكأنهما أصابع حادة ممتدة تماماً، لتلتقط الأشياء برفق وتحركها، لكنها ستفتقد حتماً لجانب البراعة.
لا تصفح ولا نقر على هاتفها كما اعتادت في هيئة العفريت. ولا رسم مرجحاً أيضاً، إلا إن لجأت إلى حفر التراب أو الصخور بأصابعها الجديدة المدببة. وبعد نقرات معدودة بالمخالب المعدنية، كتلك التي تطلقها بالملقط قبل الطبخ، استدارت نظرتها أخيراً لتتأمل ذراعيها. وأبرز ما لفت الانتباه هو امتلاكها لذراعين حقيقيتين متميزتين الآن. فمن قبل، شبتا بزوائد قابلة للامتداد، شبيهة بشفتي سموك، تمتد مع جلدها.
وصارتا اليوم شيئاً مستقلاً، تتدليان في العراء تماماً طوال الوقت. رفعت هما ولوحت بهما مراراً، فشعرتا بقربهما الشديد من أذرع البشر. أما التكوين فختلف تماماً. وكالسابق، حين كانت كرة زغب، تعذرت عليها رؤية أي جزء من جلدها، وها هي تعجز اليوم عن رؤية أي شعر، أو ربما كاد يتبدى لها شيء منه. غطى ذراعيها من نتوءات كيديها وصولاً إلى كتفيها ما شابه درعاً غريباً. نغزته بمخلب، فتمتع بمقاومة بلا شك، لكنه لم يكن شديد الصلابة.
أشبه بقشرة لينة نوعاً ما. استخدمت جيليك إحدى القمتين المدببتين لتحاول رفع الدرع حول درز ما، مما منحها فكرة أوضح بكثير. وُجد الشعر مختبئاً تحته، فلم تفقد صفتها الزغبية تماماً، لكنه قلَّ بكثير أيضاً. وشدّت مادة القشرة جلدها بشدة، ملتحمة به بإحكام بلا سبيل لإزالتها. وتلون الجميع ببنفسج الوباء، فصدقت أصوات التوافق في فرض هيمنتها الحقيقية على تطورها. لا أنها كانت تتذمر، فقد بدا المظهر أنيقاً جداً.
وغُطي جذعها بالكامل بطبقة الحماية أيضاً، وهو ما نال إعجابها نوعاً ما. أشعرها بحصانة جيدة، تغنيها عن الاعتماد مستقبلاً على معطف الأسلحة الجليدي أو غيره من سبل الوقاية. ومن خلال ما تبين لها من قوامها، فقد بدا ممشوقاً ومحدد المعالم تماماً، أكثر بشريّة من ذي قبل، وبلمسة أنثوية في الشكل العام. لا مبالغة في الأمر، لكن درع صدرها القشري برز حتماً بأكثر مما يبدو عليه قوام الذكور.
وامتد الدرع على جانبي ساقيها. فلديها ساقان! وحدها هذه مفاجأة، إذ اعتادت المشي بعجزها طوال تلك المدة بصفتها عفريتاً. بدا الس