ما هذا المسخ العملاق بحق الجحيم؟! لم يكن الوحش الذي ظهر أمام جليك، مترقّعاً من فوهة نبع الماء الحار، ليُقارب حتى بأي مسخ آخر رأته من قبل. كانت تلك حشرات تُسحق لا أكثر. أمّا هذا فكان شيئاً حقيقياً، مسخاً من المستوى المئة والتسعة والثمانين. حتى الرقم بدا غير معقول. على صعيد الوصف، أقرب ما يمكنها تشبيهه به هو ثعبان سمك، ثعبان سمك ضخم بحجم ناطحة سحاب. لقد انطلق رأسه متجاوزاً إياهما من تحت الأرض، وصار عالياً لدرجة أنها بالكاد استطاعت رؤية فمه، المحجوب بذنبه الضخم.
أكان لثعابين السمك ذنوب؟ المنحنى في أسفل وجهه، أياً ما كان اسمه، كان هائلاً، كسائر جسده. لقد كان ضخماً إلى حد أن جزءاً منه ظل داخل الفوهة. ومن يدري إلى أي مدى امتد جسد مسخ ثعبان السمك في الأسفل. لكن على عكس ثعبان السمك، لم يكن جلده أملس لزجاً. بل كان صخرياً، وينبت من الشقوق ما يبدو شعراً، أو ربما أعشاباً بحرية، أو مرجاناً. وانتشرت على طول جسده قطع من البلورات الكبيرة، يُفتَرَض أنها أحجار روه، وهو ما أثبت على الأقل وجود المنجم.
إذن لم يكن ذلك الجزء مبالغاً فيه على الأقل. والشيء الأخير الجدير بالذكر هو امتداد زعنفتين كبيرتين، نحيلتين نسبياً، على جانبي جسده. وفي أطرافهما مخالب ضخمة، تشبه مخالب الخلد، مما يجعله ملائماً تماماً لحياته تحت الأرض.
قال: "هيا يا إلياه. انقضي عليها يا فتاة!"
مع فك الختم، انطلقت الغول من صندوقها بناءً على أمر سبيرادو. بصراحة، بدا الشيطان بشرياً أكثر مما ينبغي لراحة جليك. بنفس الحجم والبنية تقريباً لأنجليكا البشرية، لكنها كانت منحنية، بعمود فقري ضخم يبرز من جلدها. وكان ذلك الجلد يبدو… غريباً بعض الشيء أيضاً. هذا ما ميزها قطعاً، وجعل استحالة الخطأ فيها كشيطان خارق للطبيعة أمراً واضحاً. كان لون بشرتها أرجوانياً غامقاً لا يبدو أنه يطيق ضوء الشمس.
أو في الواقع، لم يطق أي شيء منها ذلك، فما إن لامستها الأشعة حتى أطلقت إلياه صريراً مرعباً، وكأنها تحترق، لكنها واصلت التقدم باندفاع نحو هدفها. تمايل شعرها الرمادي النحيل وثوبها في الهواء. أمكان ثوباً؟ كانت هناك أشرطة جلدية طويلة متدلية على جذعها ورجليها، كبقايا ممزقة لشيء يغطي جسدها. لم تهتدِ جليك أأكان ذلك لباساً بالياً أم جزءاً حقيقياً من لحمها. أَسأبدو هكذا عندما أصير غولاً؟
تحولت هواجسها الآن إلى الأمور السطحية الأكثر تفاهة، كملهى بسيط عن التايتن العظيم المتربص في الأمام مباشرة. لقد باتت أنجليكا تحب هويتها ككرة قطن، والانتقال من الوجود اللطيف المحبوب الشبه دمية إلى شيء كان بلا شك مصدر إلهام للكثير من وحوش أفلام الرعب، كان أمراً ستخشاه لفترة لا بأس بها قادمة. أدركت الآن سبب ميل إلياه وغيره من الغول لتجنب الاختلاط بالآخرين. كان هناك جانب واحد من مظهر شقيقتها من شيطان آخر وجدته رائعة حقاً: العظام.
كان هناك صف من العظام يبرز من مؤخرة كل ذراع. بدا الأمر أنيقاً للغاية، وبدت تلك العظام محروسة جيداً ومصقولة، كإكسسوار مناسب. تبّاً لكِ يا فتاة، تفاخري وتظاهري بتلك العظام. لعل قواها تنطوي عليها بطريقة ما. كانت الغول سريعة للغاية أيضاً. لم يبدو أنها تستخدم أي نوع من المهارات، بل سرعة خام وغضباً صرفاً. عندما اقتربت من المسخ، قفزت إلياه في الهواء بقفزة جبارة عجز حتى القفز المرتد للعفريت عن منع الإعجاب بها.
تشبثت بالطبقة الصخريّة لثعبان السمك وشرعت في تقطيع جلده وطعنه بأطراف أصابعها المخالبة.
علّقت جليك مرغمة بعد انقضاء ثوانٍ معدودة من الهجوم، بينما كانت تتابع صحة الوحش طوال الوقت بعين التنجيم: "امم… إنها لا تلحق أي ضرر".
كانت لا تزال مستقرة عند مئة بالمئة.
بذل سبيرادو قصارى جهده لتهدئة شكوكه، لكنه اعتبر ذلك مع ذلك إشارة لتولي القيادة، فقال: "حسناً يا إلياه، يكفي عبثاً! اضربيها بحقن العظام!"
جعل ذلك الغول تلتفت وتُصْدِر فحيحاً بوجه سيدها، وكأنها تسأل: "أتمزح بحق الجحيم؟!"
لكن، فعلتها الشيطانة، مطيعة أمرها. تسلقت إلياه إلى أعلى قليلاً وحشرت أطراف أصابعها في أقرب فجوة بين اللحم الصخري. ثم، عبر جسد المسخ بأكمله، برزت عظام عملاقة كأعشاب خزفية في كل مكان وُجد فيه منخفض، وانغرست أضلاعها في كل ثنية وفجوة. أطلقت إلياه صرخة أخيرة بحيوية جعلت كل من حولها يضطرون لتغطية آذانهم. لحسن حظ جليك، خففت الأذن العرافة التأثيرات، فاستطاعت تحمله ومواصلة المراقبة.
غاصت العظام الرائعة الموجودة على ذراعي الغول في لحمها الخاص، ثم فعلت تلك المثبتة في المسخ الشيء نفسه، وكأنها غرست لتوها مئات المسامير العظمية في المسخ دفعة واحدة.
[مسخ المستوى 189 | الصحة 81%]
تبّاً، هذا حجم ضرر هائل حقاً! لعل إلياه قادرة حقاً على قتال هذا الشيء بمفردها. باستثناء، امم، أن الغول لم تكن تبدو بحال جيدة. تلاشت العظام المصنوعة، وارتخى جسدها، بالكاد متمسكة بالمسخ، وكأن نسمة خفيفة ستجعلها تنهار. وتعرضت لضربة بقوة أكبر بكثير. ضربتها إحدى زعانف ثعبان السمك. ربما ظنها الوحش في البداية مجرد حشرة صغيرة، لكن بعد أن تلقت منها عضة حقيقية، أبعدت الغول بضربة راحة نافرة.
راحت إلياه تحلق مبتعدة، ولم تستطع جليك إلا القلق، بدا وكأنها ستتحطم في مكان ما وسط الغابات على أميال من هنا. أيمكن حتى لغول النجاة من هبوط مدمر كهذا، لا سيما حين تكون في قمة ضعفها؟ خمنت أن حقن العظام يرفع تكلفة المانا باطراد مع كمية العظام المنتجة، أو ربما حجم الخصم. وفي هذه الحالة، لعلها استُنزفت حتى الكفاية. أكان لديها حتى ما يكفي من الفائض لأداء أي نوع من المهارات التي قد تنقذ جلدها؟
أدركت جليك عبث الأمر على الأرجح، لكنها قامت بانطلاقة أولية لسلسلة، راغبة في معرفة ما إذا كان بإمكانها اللحاق في الوقت المناسب لإمساك نزول رفيقتها أو إبطائه بطريقة ما. سيتعين عليها التخلص من درعها الجليدي، لكن لا بأس بذلك. غير أن الأمر تبين بالفعل بلا جدوى، ولكن ليس بالطريقة التي توقعتها، إذ لم تعد بحاجة لأي إجراء إضافي. انقض زيندر عبر السماء، خاطفاً الغول من الجو.
ثم حملها عائداً إلى فرقة زيمون بينما ركضت فيستال مقتربة، متسعة العينين بعد رؤية صحيحة لما تواجهانه. ما إن لامست إلياه الأرض، حتى استخدمت فوراً ما تبقى لها من قوة لتتسلل عائدة إلى صندوقها وتقفز إلى داخله، مغلقة الغطاء خلفها. لقد انتهت.
ومع ذلك، واجه مستدعي الغول مشكلة صغيرة في ذلك، فحاول إيقاظها مجدداً، فقيل: "أعلم أن ذلك لابد أنه استهلك الكثير من المانا يا إلياه، لكن المخلوق لم يموت بعد، لذا ما زلنا بحاجة لمساعدتك! هاكِ، سأعطيك حتى كل قطرة مانا أملكها".
لكنها لم تبتلع الطعم. حتى عندما حاول سبيرادو فتح الصندوق قسراً، كانت تمد يدها فقط لتجذبه مغلقة إياه من جديد. بدا الأمر كمراقبة إحدى تلك الآلات عديمة الفائدة التي تُشغّل مفتاح طاقتها تلقائياً لإيقاف تشغيلها بمجرد أن يشغلها شخص ما. لقد خرجت أقوى ضاربة لديه من الخدمة الآن. لقد فعلت الكثير بمفردها، لكن أسيصها ذلك ليلتقط البقية الباقية العبء؟ سيحتاجون إلى الجميع هناك، أن تجتمع كل الطوائف معاً و…
و… أوه، كانوا يفعلون ذلك بالفعل. في لحظات، امتلأت حافة الأشجار مرة أخرى. أحاط المستدعون وشياطينهم بالمسخ من كل الجهات، مطلقين أقوى هجماتهم. نفذ راستيل وهيمبو وابلاً آخر من المطارق. أخرجت فيستال عصويها وبدأت بالقصف بينما طلق زيندر العنان لوابل من الريش الصخري. وعاد سبيرادو حتى إلى مهامه، متخذة مجاثمه مرة أخرى، وعائداً إلى واجباته كقناص. في كل أنحاء الدائرة، كان هناك صفيف واسع من الأضواء الوميضية والانفجارات، ممطرة الثعبان بتشكيلة من شتى أنواع السحر التي لم تشهدها جليك من قبل.
بصراحة، كان الأمر مفرطاً لدرجة استحال معها فهم كل القوى الفاعلة بحق. أي مستدعي أو شيطان في مستواهم يقع في مرمى تلك النيران الصديقة سيموت فوراً. لقد كان قصفاً مهيباً. نعم، بتوحيد قواهما، سيطيحان بهذا الوحش عاجلاً غير آجل!
[مسخ المستوى 189 | الصحة 80%]
سيستغرق هذا أمداً طويلاً للغاية! أيمكن لمجمع مانا المشترك الخاص بهم أن يصمد طوال تلك المدة حقاً؟ ستكون ساعات حقيقية بهذا المعدل. وكان ذلك مع لطف المسخ، جالساً كهدف ثابت لا يتحرك. أكان عالقاً؟ أكان باقي جسده يبقيه مثبتاً بالمنجم؟ أو ربما لم يكن يعلم بعد أنه ينبغي له المقاومة، أو الفرار. بالنظر إلى وجه ثعبان السمك الضخم، بدا متخندماً بعض الشيء، كأنه لم يستوعب وجوده بعد، وكان أبطأ من باقي الوحوش الأصغر في الاستيقاظ تماماً بالشكل السليم.
حسناً، ليتعين عليهم الاستفادة من ذلك بالتأكيد. يجب أن أستفيد من ذلك أنا! فكرت جليك في نفسها، محاولة حث نفسها على التحرك. لكن ماذا بوسعها أن تفعل؟ حتى أمرها كان متردداً، مدركة أنها لا ناقة لها ولا جمل في قتال ذلك الشيء، بعد أن حدثت نفسها بلعب دور الآمن. لم تكن تملك هجمات بعيدة المدى، وإذا حاولت قتاله وجهاً لوجه، فذلك استدعاء مباشر لتلقي نيران صديقة. مع ذلك، ماذا لو ذهبت حيث لا قتال؟
كانت أعلى الهجمات تصل فقط إلى منتصف جسد المسخ تقريباً، مما يعني أن النصف العلوي يجب أن يكون آمناً نسبياً. قفزة متعددة! صعوداً، صعوداً، وإلى الأعلى! تجاوزت جليك أطول شجرة في ثوانٍ وهي تحلق نحو ما اعتبرته ضبابياً عنق المخلوق. حسناً، كان بأكمله عنقاً تقريباً، لكن الجزء العلوي. أعدت سيفيها، آملة في غرس كليهما وسترة نياشينها في المسخ لتسميم مستمر، مأدية حقاً دور الشوكة السامة.
ما لم تتوقعه هو أن يلتف إحدى عيني ثعبان السمك نحوها قبل لحظات من الاصطدام. لابد أنها حلقت قريباً جداً من الشمس، أوه، رأس الثعبان، ووقعت في مجال رؤيته الجانبية. في الحال، صفعت إحدى زعانف المسخ باتجاهها. فعّلت جليك القفزة الجيدة لتحريف نفسها بعيداً عن صدمة الضربة، لكنها انتهت بكونها إحدى أسوأ الأمور التي يمكنها فعلها. فبدلاً من أن تلطمها زعنفة رفرافة، تعرضت للقطع بمخالب تشبه مخالب الخلد في الأطراف.
تحطم درعها الجليدي على الفور، وأُرسلت متدحرجة نحو الأشجار في قوس سريع ومباشر نحو الأرض. خطفت نظرة خاطفة على زيندر الذي حاول إنقاذها كما فعل مع الغول، لكنها كانت تتحرك بسرعة كبيرة. وعادت عيناها إلى العدو، مرسلة ابتسامة ساخرة خفيفة طغت على وجهها المتألم لولا ذلك. لابد أن زعنفة المسخ قد جرحت بإحدى أشواكها الجليدية، لأنها كانت مسمومة الآن.