ابتلعت جليك ثلاث وجبات إضافية حتى كادت تتقيأ من كثرتها. لكن المزيد في جوفها يعني شفاءً أفضل فتحملت الأمر. وياللحسرة، كانت تلك آخر مؤونة خزنتها. ومنذ حادثة قلب غراهج التي اضطرت فيها للتخلص من مخزونها بدا الإسراف في الاحتفاظ بالطعام بلا فائدة لا سيما أنها لم تكن تستخدمه. واجهتها هجمة أخرى أصغر هذه المرة من بضع سمكات وتأملت أن تتصدى لها بكفاءة أكبر. ربما لم تستطع القضاء على البيرانا جميعاً لكنها لن تعاني عجزاً في الصحة هذه المرة.
ليتها تغفل عن ثلاثة أدركت في منتصف ضربتها. إلا أن الأسماك لم تبلغها وانغرست في الهواء وتلاشت من الوجود على بُعد بوصات معدودة من جلدها.
"حاولي إبعادهم كي لا يقتربو كثيراً يا جليك"
نادى سيرادو ملوحاً بنشابه سريع الاشتعال.
"فلا أستاطيع المخاطرة بإصابتك أيضاً"
"شكراً لك"
ردت بامتنان مدركة القيمة الحقيقية للرجل لأول مرة.
"غطِّني ثانية ريثما أرتب أمري"
أهْ.. أرتب أمري؟ تفوهت بهذه الكلمات عفواً وخرجت من فمها بلا إرادة مما يعني أن أمرها المسمى أجبرها على النطق بها لسبب ما. ولم تنتهِ قدرتها المزعجة عند هذا الحد إذ سيطران على جسدها وأهوت وجهها نحو الأرض. كانت قد حدثت نفسها بفعل أي شيء للبقاء على قيد الحياة وهو ما فسره الأمر على أنه اتساخ يديها... وأحشائها. ولما لم يعد لديها طعام مسموم لتأكله عنى ذلك لزاماً عليها اللجوء إلى الطبيعة كخيار أخير.
لا بد أن هناك ما هو أفضل كورقة شجر أو ربما فطر سام لمضاعفة قوة الشفاء! لكن كلا. لم يحن وقت التنزه الممتع والقطاف. حفنة تلو الأخرى راحت جليك تحشو التراب في فمها مطلقة تشرباً ساماً مع كل حفنة. ومما يثلج الصدر أن كل ذلك ذهب إلى المعدة الثانية ليمتلئ عن آخره إذ عجزت معدتها الحقيقية عن تحمل المزيد في هذه اللحظة. حاولت أنجليكا ألا تفكر في مظهرها وهي تنحني وتلتهم تراب الغابة القذر كأنه وليمة فاخرة في منتصف معركة.
حشاها الأمر عن آخرها وبدا أنه لم يفرغ من مساعدته بعد. ومع أنه لم يجبرها على خطوتها التالية فقد قدمت القدرة تلميحاً على هيئة ومضة استرجاع لعملية سرقة المتحف تلك الذكريات الرائعة لركضها مرتدية خوذة ضخمة تغطي جسدها. نعم درع. تحتاج إلى درع. فكرة سديدة مني! لكن من أين تأتي بدرع؟ بالطبع كان عليها صنعه. قضمة الصقيع! اتسع محيط جليك بضع بوصات محيطة نفسها بكرة جليدية شبه مكتملة.
وكل ما بدا واضحاً هو قاعدتها لتلامس براعم قدميها الأرض بحرية وتركت فتحات قليلة أمام وجهها للتنفس والرؤية. وهناك فتحات على الجانبين لتخرج منها ذراعاه لكنها أبقتهما للداخل حالياً فلم تبرز سوى كداتها على بعد بوصة بالكاد. ولم يقتصر الدرع على الحماية فحسب. بل هاجم أيضاً! برزت من كل الزاوية أشواك طويلة مدببة لتبدو كأنها ثمرة قوقعة عملاقة مستعدة للالتصاق بساق أحدهم. ومع المسحة السامية الطفيفة للكرة الجليدية بدت وكأنها زينة يعلقها أحدهم على شجرة.
لكن لا بأس. تستطيع أن تبدو سخيفة طالما كانت في مأمان. وما مثّل مشكلة حقاً هو شدة برودة ارتدائه. وسرعان ما خفت ذلك على الأرجح في شكل مستويات مقاومة البرد التي ستكتشفها لاحقاً. وكان خيبة الأمل الأخرى أن هذه المهارة المذهلة لم تأتي في هيئة مهارة مركبة. بدت ابتكارية للغاية وتستحق حقاً أن تكون كياناً خاصاً بها. لكنها في النهاية لم تكن سوى تجسيد جليدي مدموج بقضمة الصقيع متخذة شكل كرة بدلاً من سلاح.
إذن لا بأس يمكن أن تكون رائعة بطريقتها الخاصة دون حاجة لتسمية خاصة. كان عليها ابتكار اسمها الخاص ولم يتبادر أي منها إلى ذهنها فوراً لتعاملها مع تجمد الدماغ المستمر. في الواقع ربما تسلل اسم واحد إلى عقلها. معطف الأسلحة! لأنها ترتدي معطف درع يسسلحها أيضاً. وإن كان أقرب للصدفة من حيث الشكل. وهو نقيض المعطف إذ يمنح البرد بدل الدفء. وربما يكون أفضل كمزحة مع شخص مثل هيمبو الذي يمثل وجوده كاملاً مجموعة أسلحة.
حسناً أياً يكن فقد بدا رائعاً وسيعمل بشكل أفضل عندما تحول لهيئتها البشرية وتتمكن من صنع معطف حقيقي. ههههه نعم نعم لقد نجح! واصل الأشرار الأغبياء قصفها بالهجمات منغرسين في أشواك درعها. ومهما مات منهم استمر تدفقهم. ومن الواضح أنهم لم يكونوا أذكياء للغاية. وفوق ذلك ولسبب ما أصروا على استهدافها وحدها ولم يظهروا أي اهتمام ببقية رفقائها. ربما رأوها وجبة لذيذة أو ربما كرهوا ذوات الشعر الفصيح.
صعب تخمين ما يدور في عقل وحش. حاولت جليك التقاط مطرقتها والتلويح بها لتسريع وتيرة مذبحة الأسماك المتجمدة هذه فوجدتها غير عملية بيد واحدة. ومع درعها تعذّر عليها الإمساك بالسلاح بكلتا يديها على الأقل دون المخاطرة بوخز نفسها بالسم. وحتى لو استطاع مدى حركة سيجعل المحاولة بلا جدوى. لكن ذلك لم يهم إذ واصل الأشرار التضحية بحياتهم متلاطمكين عليها حتى لم يبقَ منهم أحد.
[نظام نمو الشياطين اختار تجاهل مرشحك لإعلامك بأنك حصلت على إنجاز لاعتباره وثيق الصلة بوضعك الحالي]
[تم فتح الإنجاز: مطهر الآفات — المرتبة 3 | تم قتل 50 شريراً بيدك. أنت تتحولين إلى قاتلة صغيرة حقاً أليست كذلك؟ يجب مكافأة إصرارك. وأي طريقة أفضل من منحك الوسيلة لذبح المزيد؟ الجائزة القادمة عند 100 قتيلة وقتل شرير من المستوى 50 أو أعلى كمساهم رئيسي]
[مهارة كامنة: آفة الأشرار تم فتحها | مقابل كل رتبة من مطهر الآفات تلحقين ضرراً أكبر بالأشرار بنسبة 10%. هذه المهارة لا تنمو]
بصراحة لم تستطع إلا الشعور بأنها تحايلت على هذا الإنجاز قليلاً. فقد حوصرت بأعداد هائلة جعلته مقدماً لها على طبق من فضة دون أن توقع الضرر بنفسها. ببساطة كانت صاعقة حشرات جليدية. لكنها لن تتذمر مطلقاً من هذه الهدية المجانية وهي هدية رائعة حقاً. ضرر إضافي بنسبة 30% للأشرار منذ البداية ولن يزداد إلا قوة. أنعش ذلك جليك وأجج روح القتالية لديها. ويا للأسف بدا أن قتلاها السهلين قد جفوا وكان راشتيل يؤدي عمله بكفاءة بالغة مانعاً تفلت أي آخرين.
وهذا يعني إن أرادت المزيد من التقدم والمزيد من الجوهر والمزيد من المجد وجب عليها الانضمام إلى المعركة مباشرة والآن بعد أن توقف استهدافها المباشر توسل إليها أمرها بإلحاح لاتخاذ مزيد من الخطوات. ثلاث وثبات تجريبية حدثت أولاً للتأكد من أن الارتداد المتعدد لن يعيقه معطف الأسلحة. بعد ذلك انطلقت قاطعة المسافة من الأرض مروراً براشتيل مباشرة نحو الحشد المقبل. مدت ذراعيها من قوقعتها الجليدية وأطلقت قضمة الصقيع مرة أخرى.
وفي كل يد نبت سيف رفيع طويل مستعد للطعن. طعنة. طعنة. ضربة جوية. ضربة جوية. طعنة. ضربة جوية. ضربة جوية. ضربة جوية. قضمة الصقيع: الشوك. ضربة جوية. مجاعة. ضربة جوية. ضربة جوية. طعنة. قفزة جيدة. شقت جليك الهيئة ككرة جليدية للموت طريقها عبر ساحة المعركة مندفعة بين الأشرار كأنها محيط جبار تحطم بأمواج القوة وكانوا حطباً عاجزاً أخذته التيارات في طريقها. وكخيار عشوائي وفضولي ألقت مجاعة لترى تأثيرها على أحد خصومها.
وتبين لا شيء. كانت كل طعنة أو ضربة جوية أكثر فعالية مصيبة بعضهم على الأقل ورافعَة حصيلة قتلاها بسرعة. لم يكن ذلك كافياً لتقريبها من الرتبة التالية لمطهر الآفات لكنها قامت بدورها حافرة خنادق بين الوحوش. كان هناك الكثير غيرها لكنه كفا لمنح المستدعين استراحة قصيرة. ولهذا توقفّت هابطة وراء أمان راشتيل لأخذ استراحة سريعة. تسبب إرهاق كل تلك المهارات سريعة الطلقات في نهجها جسدياً وأثر بلا شك وبالمثل على نقاط سحرها.
وكمتفسفس على الرغم من تجهيز الترطيب سحبت جليك زجاجة ماء من المعدة الثانية إلى فمها الواسع تاركة إياها هناك لعجزها الفعلي عن إخراجها بسبب درع الجليد. وبعد قضم الزجاجة بأسنانها —حاولت فك الغطاء بلسانها أولاً بلا جدوى— تركت الماء يتدفق في حلقها رغبة في الشعور بالبرودة والبلل بدلاً من مجرد نقله وإطفاء عطشها المجازي ومساعدة هضم الطعام الزائد جداً في معدتها. أما عن ذلك فبدا أن التجديد قد توقف ليعيد صحتها إلى الستينات فأقدمت على تفريغ محتوياتها بالمجاعة.
وشعرت بتحسن فوري وخفة أقل فاتحة مجالاً كافياً لتراب سمّي لاحقاً تأمل ألا تضطر لأكله. وفوق ذلك بدا معطف الأسلحة أضيق بقليل في منطقة بطنها.
"تباً إنهم يستغلون مساراتكم"
علّق سيرادو من فرع شجرة مجاور اتخذه مقراً للحصول على طلقات أفضل. وقفزت جليك ليتبين لها المشهد بوضوح أيضاً. كانت الشياطين تتدفق عبر الخنادق الخالية مؤقتاً من الأشرار لتغوص في الحفرة مستهدفة بلا شك مباغتة الوحوش التي لا تزال في الداخل أو ربما لاستكشاف مبكر لمنجم أحجار الرون الطازجة. أكان عليها فعل المثل؟ لم يُبْدِ رفقاؤها أي إشارة للرغبة في المشاركة بذلك المسار لكنهم قد يكونون متمسكين بأوامر فيستال.
وبما أنها كانت تتبع أمر فيستال أيضاً لا أمرها وحدها فلم تشعر بدافع خاص لكسر التشكيل تماماً. إلا أن المتدرب امتلك تعليقاً لاذعاً إضافياً.
"كان يجب أن نطهر منطقتنا ونتركهم يتدبرون أمر أنفسهم"
بدت كلماته قاسية بعض الشيء لكن لم تظهر أي إزعاج في نبرته وكأنّه ملك الكسل يملك حق الحكم على تصرفات الآخرين. فضلاً عن ذلك كانت هجمتها بمثابة اندفاع مجنون أطلقت فيه الهجمات عمياء نحو أي هدف يبدو ضعيفاً دون تفكير حقيقي في التكوين العام لساحة المعركة. وبينما كانت جليك تفكر في الارتداد مجدداً لجولة ثانية من الفوضى اهتزت الأرض فجأة مرة أخرى. وهذه المرة طالت مدتها مقارنة بالانهيار الأرضي السابق فبدت أكثر استقراراً وأقوى ومتنامية الشدة مع كل لحظة تمر.
"أه.. أيمكن لسخانات الأشرار الثوران أكثر من مرة؟"
تساءلت بصوت عالٍ آملة غفران جهلها.
"لا"
اتسعت عيناها راشتيل مدركاً الموقف بوضوح أكبر. وأسقط مطرقته فوراً مهرولاً نحو صندوق الغول الذي ظل ساكناً طوال المناوشات المبكرة.
"سيرادو حان الوقت. أزح الختم! شيء ضخم قادم!"
"ح...حسناً"
بدا التردد واضحاً في نبرة الرجل لكنه ققفز إلى الأسفل مستعداً رغم ذلك. فهذا كان واجبه الحقيقي الوحيد في النهاية والذي يقضي وقته مسترخياً طوال اليوم من أجله. لحظته وقته لإطلاق الغول. لكن أكان ذلك كافياً؟ لأن ما خرج من تلك الحفرة بدا مستعصياً على الإطاحة حتى بغول عظيم واحد. كلا فكرت جليك فوراً أنهم بحاجة إلى جيش كامل منه.
[شرير المستوى 189]