الحياة الثانية كجندي الفصل 24 — عروق القوة

اقرأ الحياة الثانية كجندي الفصل 24 — عروق القوة باللغة العربية على مانجا تايم.

ترددت كلمات ليلا في رأسي. لم أكن أرغب في البقاء وحيداً. كنت أبحث بهدوء وعناد عن مكان أنتمي إليه بعد أن فقدت أبي. مكان لا يكتفي باحتمالي بل يقبلني حقاً. كنت ما زلت أؤمل نفسي بأن يصبح الجيش ذلك المكان رغم أن الأمل كان يذوب يوماً بعد يوم. أندم أحياناً على انعزالي في الأيام الأولى من التدريب. كنت في ذلك الشهر الأول ظلا نحيلا في قاع الترتيب وأحتل المركز الأخير في كل شيء تقريبا.

أكاد أعجز عن مواكبة التدريبات وكان بقية المجندين يلاحظون ذلك. حين تكون في الخامسة عشرة وتصارع الصعاب فلن يغامر أحد بإبطاء سرعته من أجلك. تصير الفتى الذي لا يتطوع أحد ليكون رفيقاً له وتلك الشخصية التي يختلس الآخرون النظر إليها حين يطلب المدرب شخصا يحتاج إلى عمل إضافي. لكن الوقت يغير الأمور. صلب جسدي تحت الضغط المستتمر واستقرت خطواتي وصرت شيئا فشيئا لست الأخير في نهاية كل جري.

وجدت في الطريق قلة بقيت قريبة لييف وهنري وإريك وفاريد وحتى ليلا بطريقتها الهادئة الحذرة. ظل ذلك الشعور المراوغ بالانتماء بعيد المنال. سألت نفسي أخيرا إن كان بيت نبيل قادرا على منح ذلك. مكانا وعائلة وتوجيهات. بقيت هذه الفكرة تلح علي أكثر مما أود الاعتراف به. كنت أتخيلها بوضوح أن أرتدي ألوان بيت وأتدرب في باحته وينادونني باسمي لا مجرد مجند. أن أكل على مائدتهم وأن أجيب من يقدرني.

ثم يتسلل النصف الآخر من الصورة ليعتصرني كالخكين. كان النبلاء في نظري أشبه بالساسة من ذكريات القديمة لا بالأبطال في كتب القصص. كرمهم لا يخلو قط من شروط. الانضمام إلى بيت يعني توقيع عقد لا أستطيع فسخه قط. أداة تبقى حادة حتى تنتفي الحاجة إليها ثم ترمى دون مراسم. إن كان هذا ثمن الاستقرار فأنا أفضل أن أخدم سنوات وأتقاعد بهدوء في أكسسبيل. استقرت الفكرة في نفسي حتى ظهر سؤال آخر بدا أثقل وزنا مما كان عليه قبل أشهر قليلة.

سألت والتفت برأسي: "أيها ليلا ذكرت أن معظم الرتب التي تعلو ملازم يشغلها نبلاء. أتدرين لم ذلك؟".

رفعت رأسها عن كتابها واصطدمت عيناها الخضراوان الباهتان بضوء المصباح.

بدأت تقول بصوت منتظم يشبه إيقاع من يردد شيئاً حفظه عن ظهر قلب: "يُطلب من القادة عموما بلوغ طبقة خبير أو امتلاك القدرة على بلوغها على الأقل. وهناك تبدأ مسؤوليات القيادة الحقيقية كقيادة الفرق وإدارة التموين واتخاذ قرارات ساحة المعركة".

قلت: "هذا لا يفسر تماما لم يحصل النبلاء على تلك المناصب. ألا يملك العامة القدرة على بلوغ طبقة خبير أيضا؟ وماذا عن أولئك الذين ترعاهم جيش الملك لأجل أكاديميات الفرسان أو السحرة؟".

اعترفت وهي تغلق كتابها بالقدر الذي يثبت صفحتها بإصبعها: "يستطيعون. لكن غالبا ما يجند أصحاب القدرات الحقيقية من قبل البيوت النبيلة حتى قبل استيقاظهم. خاصة النبلاء الأرفع. تفعل العائلة المالكة ذلك أيضا ولا يمانع النبلاء دفع غرامات الانسحاب إن وجدوا قيمة في الأمر. لا يشكل ذلك مشكلة حقيقية لهم".

قطبت حاجبين.

"كيف يعرفون من يملك القدرة قبل الاستيقاظ؟ أليست تلك أموراً تُحدَد عبر طبقتنا وتناغمنا؟".

ترددت ليلا وهي تنقر غلاف كتابها.

"حسنا.. ليست معلومة عامة تماما لكن أصحاب التناغم العالي مع العناصر يبدؤون بإظهار علامات قبل الاستيقاظ. علامات جسدية. كلما قوي التناغم ظهر مبكرا".

شرعت تعددها حقائق من دليل ميداني: "يرتبط تناغم النار عادة بالشعر الأحمر وتملكه غالبية العائلة المالكة. ويظهر تناغم الموت في عيون حمراء وبشرة شاحبة للغاية. ويظهر الطبيعة شعرا أخضر. والبرق شعرا فضيا. والأرض بشرة داكنة. والماء شعرا أزرق. والرياح عيونا خضراء باهتة".

توقف لبرهة وأردفت باستيحاء شديد: "مثل عيني".

التفت نحوها مأخوذا بلا مبالاة. عيناها خضراوان باهتان ومضيئتان حقا كأوراق الربيع المضاءة من الداخل. لم أنتبه قط فمعظم من قابلتهم كانوا بشعر أسود وعيون سوداء. عاميون. منسيون. كانت ليلا مختلفة.

"مهلا.. أأنت.. أأنت لست عامية؟".

خرجت الكلمات متعثرة قبل أن ألحق بها. ابتسمت ابتسامة صغيرة لم تصل تماما إلى عينيها.

"أنا عامية. لكن قائد جيش ملكي يقرب كونت من بعيد لاحظ عيني قبل عامين. قال إني أملك قدرة ومنحني طريقة تنفس مخصصة. ورعى تعليمي أيضا في بلدتي من قراءة وكتابة وتدريب قتالي وكل ذلك".

أنظرت إلى الأسفل برهة تمرر أصابعها على صفحة كتابها ثم رفعت رأسها.

"إن استيقظت بتناغم رياح نسبته ثامنون بالمئة أو أكثر فسأُعيّن حارسة شخصية لابنة الكونت الثالثة. هذا جزء من الاتفاق. إلى ذلك الحين أنا هنا أتعلم تشكيلات الحراسة وتكتيكات المعارك. استيقاظي بعد شهر من نهاية هذا التدريب".

التوى شيء في صدري. بدا الأمر كأن باباً قد أُغلق خلفي دون إنذار.

سألت بنبرة تشبه الهمس: "أطريقة تنفسك هي ذاتها التي منحنا إياها الجيش؟ تلك التي بدأناها في الشهر الخامس؟".

هزت رأسها نفياً.

"لا. ولا تقترب حتى. لم أُسمَح لي باستخدام طريقة الجيش. صُممت طريقتي لتنقيذ المانا دون الإضرار بالتناغم. طريقة الجيش لبناء المحاتلين. تزيد الاستشفاء والقدرة على التحمل والخصائص الجسدية لكنها تضعف تناغم العناصر. ليس كثيرا بخمسة أو عشرة بالمئة ربما. لكنه يكفي".

جلست للخلف وشعرت بدوار مباغت. اعتقدت أثناء التدريب أنني مهندس مستقبلي. وأن التقدم ينبع من الجهد. وأنني إن تدربت بجد ودرست بجدية ونجوت طويلاً بما يكفي فسأستطيع تشكيل مصيري بنفسي. لكن الآن.. حتى تمرين التنفس الذي فخرت به واكتشافي الشخصي والذي ظننت أنه يمنحني ميزة الاستشفاء كان يخرب طريقي بهدوء. تطلب قلب المانا اللازم لتقدم طبقة خبير تناظراً عنصرياً بنسبة ثامنين بالمئة.

وبما أنني لم أُظهر أيا من السمات الجسدية المرتبطة بالتناغم العالي فغالبا ما كان ذلك الطريق مغلقاً في وجهي. الطبقة الثالثة في الصنف. مستوى بارع. الطبقة الثالثة في التزكية. ليس أبعد من ذلك. تلك كانت نهاية المطاف. ولم أدرك حتى أنني كنت أسير نحو جدار.