بعد الشهر الثالث، سار معظم التدريب بلا عقبات تُذكر. ارتفعت الحدّة الإجمالية قليلاً، لكنها ظلّت ضئيلة القياس بجانب الجحيم الذي أذاقنا إياه فاريك. بدأ برنامجي التدريبي الخاص، لاسيّما تمارين الرشاقة بالأوزان، يؤتي ثماره. مع نهاية الشهر الرابع، صعدت الرشاقة لديّ إلى ثمانية ونصف، والقوة إلى عشرة ونصف، واللياقة البدنية إلى أحد عشر وأربعة من عشرة. كان النمو، رغم استقراره، يتباطأ.
كانت هذه المرة الأولى التي تقل فيها زيادتي الشهرية في اللياقة البدنية عن نصف نقطة. مع ذلك، كان تقدماً. تقدماً ملموساً ومنتزَعاً بعرق الجبين. تواصلت زياراتي المنتظمة للمكتبة، ورغم أن لقاءاتي بليلا ظلّت عادية في الغالب، فقد كان وجودها تذكرة دائمة لشكل الانضباط. نادراً ما كانت تتحدث إلا إن خوطبت، لكنها كانت تقرأ دوماً بقصد واضح. إن وصلتُ مبكراً، كنت أباغتها أحياناً في منتصف كتاب عن التكتيكات أو نظرية العناصر، تقلب الصفحات بتركيز يجعل المرء يشعر بأن كل ثانية يهدرها هي ثانية ضائعة للأبد.
بنهاية الشهر الرابع، ظهر اسمي في المرتبة المئة والثامنة من أصل ثلاثمئة وخمسة. كانت قفزة كبرى. أما المفاجأة؟ فلم يكن تحسّن أدائي نابعاً من الخصائص وحدها. لقد حصدت درجات عالية في تقييمات التدريبات، لاسيّما التشكيلات القتالية، والجغرافيا، وتصنيف الوحوش. كل تلك المواضيع التي دربتُ عليها نفسي في المكتبة، يوماً بعد يوم. تبيّن أن الاستراتيجية لا تقل أهمية عن القدرة على التحمل.
حمل الشهر الخامس تحديات جديدة. ارتفعت حدّة الجانب البدني مجدداً، خصوصاً خلال تدريبات الرشاقة والمنازلة. أصبحت وقفات القدمين المتباعدة والضربات الدقيقة ضمن حدود زمنية أمراً معتاداً. لكن التغيير الأكبر كان أكثر دقة. في منتصف الأسبوع الأول، قُدِّم لنا تمرين تنفس. للوهلة الأولى، بدا نسخة منقحة للتقنية التي كنت أمارسها منذ الشهر الأول، شهيق وزفير عميقان وإيقاعيان يهدفان للمساعدة في التعافي.
لكن هذه النسخة كانت أكثر تنظيماً، مع وقفات محددة وتقلصات عضلية في كل مرحلة من مراحل التنفس. صُمِّم الأمر لسحب المانا المحيطة وتثبيتها داخل الجسد. شعرت بفخر هادئ؛ فقد تعثرتُ بشيء شبيه بمفردي قبل أشهر. لكن بات لديّ الآن نمط أكثر كفاءة أعمل به. معلم لصقل تلك الغريزة. ظهر الفارق. قصرت أوقات تعافي. تحسّنت قدرتي على التحمل خلال التدريبات الليلية. شرعت في إنهاء مسارات الحواجز مبكراً، لا بيسر، بل بتحكم.
ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. العروض. في منتصف الشهر تقريبا، اجتاحت موجة من الاهتمام بين المجندين. بدأ النبلاء، ومعظمهم من البارونات الصغار والفرسان وعائلات التجار الأثرياء، في مد عقود التجنيد. لا شيء فخم. مجرد عروض للعمل كحراس منازل أو مرافقين للقوافل بعد انتهاء خدمتنا العسكرية. الفائدة الفورية الوحيدة؟ مكافأة توقيع متواضعة. جاء أحد أبرز العروض من بارون صغير يحكم بلدة غرب ستونهيت.
حتى أنا تلقيت بضعة عروض، اثنان من عائلات تجارية، وواحد من بيت فرسان. بدت كلها بسيطة بما يكفي. الالتزام بالخدمة في منزلهم بعد انقضاء خدمتك العسكرية التي تبلغ عشر سنوات. في المقابل، تتلقى حفنة من العملات الذهبية الآن ووعداً بالاستقرار المستقبلي. لكنني لم أرد بعد. لماذا؟ لأن العقود تطلبت أيماناً مرتبطة بالمانا. ولأنك بمجرد التوقيع تفقد أهلية الانضمام لكتائب الفرسان. ولأنني لم أكن أثق بابتسامات الأغنياء الذين يعرضون القطع المعدنية على الفتيان الفقراء.
لا تزال لسعة احتكاكي السابق بعادات النبلاء عالقة في ذاكرتي. كانت معظم العقود مباشرة. اعمل حارساً. أطع الأوامر. لا تهاجم العائلة. لكن شيئاً ما ظل ينخر في صدري. لم يكن في أي موضع من العقود بند عن الاستقالة. وماذا عن المجندين الآخرين؟ لقد غمرتهم السعادة. بعضهم وافق بالفعل. تنصتُّ إلى محادثات في خيمة الطعام، فتيان يسهبون في الحديث عن مناصبهم المستقبلية، وهيبة الخدمة تحت راية فارس، والذهب الذي سيُرسلونه إلى أهلهم.
لم يكن هناك متسع للشك. بالنسبة لهم، كان اختيار نبيل برهاناً على أنهم مهمون. كنت بحاجة إلى مشورة. لذا، وخلال إحدى جلساتنا المشتركة في المكتبة، للحقتُ بليلا.
قلت وأنا أدركها للتو وهي تعيد كتاباً عن تصنيف الوحوش إلى رفّه: "هياً".
التفتت مندهشة قليلاً: "تبحث عن توصية بكتاب؟"
"ليس اليوم! لكن لدي بضعة أسئلة بخصوص عروض النبلاء هذه، لمَ يوظفونا الآن؟ ماذا لو مات استثمارهم في ساحة المعركة؟"
حدّتا عينيها: "اجلس. أنت عامي، أليس كذلك؟"
لم تحمل نبرتها أي ازدراء. بل حملت، إن صح القول، فخراً هادئاً، ذلك النوع الذي يرافق الحديث عن تقاليد تستحق التكريم.
"إنهم يوظفون الصغار لأنه من الأسهل دفع الأطفال لتوقيع عقود المانا، لا لاستغلالهم، بل لتشكيلهم مبكراً. يستقطب النبلاء من كل مكان: حراس المدن، أكاديميات الفرسان الصغيرة، بلدات الحدود، لأنه يقوي المملكة. معظم المناصب التي تعلو رتبة ملازم في الجيش يشغلها نبلاء لسبب ما. لقد تدربوا طوال حياتهم على القيادة".
توقفت لتلتقط أنفاسها، واسترخت نظراتها.
"وعينما يجلبون العوام، فإن ذلك يساعد ورثتهم الشباب على فهم البشر الذين سيقودونهم ذات يوم. في ساحة المعركة، تلك الروابط قد تقلب دفة القتال. الكتيبة المخلصة درع للجندي والقائد على حد سواء".
أبديت دهشتي: "لمَ لا يجندون المحاربين القدامى فحسب؟ ألن يكون ذلك أكثر أماناً؟"
أقرت بالقول: "ربما، لكن المحاربين القدامى أصلع عوداً على التغيير. المجندون الشباب يتعلمون الطريقة الصحيحة منذ البداية. ينشأون جنوداً يمكن للنبلاء ائتمانهم على حياتهم، وراياتهم".
ابتسمت ابتسامة خفيفة تكاد تكون حانية. بقيت صامتاً لبرهة.
تمتمت: "وهؤلاء الصغار يتفاخرون بذلك".
أومأت بابتسامة رقيقة: "لأن خدمة نبيل تعتبر شرفاً. امتيازاً حقاً. أن يختارك شخص نافذ يعني أنك لم تعد مجرد عامي آخر. يعني أنك ذو قيمة".
علق كلامها في أذني. الطريقة التي تحدثت بها أخبرتني أنها تعني كل كلمة. حمل صوتها إيماناً حقيقياً. بالنسبة لها، كان التفاتة نبيل علامة قدرية. هدية. أرجعت ظهري للخلف، تاركاً ثقل الأمر يستقر في داخلي. على الرغم من كل سخريتي، أدركت شيئاً حينها: كنت الأقلية. لم يرى معظم المجندين القيود. بل رأوا التيجان. وربما، في حياة أخرى، لكنتُ فعلتُ أنا أيضاً. لكن الآن... لم يعد بإمكاني تجاهل ما رأيته.
العقد بلا مفر. الابتسامات ذات الأسنان المخفية. فكرة أن القيمة يُحددها المولد أو المُنعِم. بالنسبة لهم، الولاء يشتر الامان. أما بالنسبة لي، فبدا الأمر كاستبدال قفص بآخر. رفعت ليلا رأسها عن كتابها، وبقيت ومضة أيرة عابرة في عينيها.
قالت: "تعلم، إن آمن بك شخص نافذ، فهذا ليس ضعفاً لتتقبله. إنها فرصة".