بدا المخيم مختلفاً الآن. أشعل إعلان الترتيبات على مستوى المقاطعة نـاراً جديدة في صدور المجندين. علقت أبصار الجميع، وأنا منهم، برقم واحد: المئة. سيذهب المئة الأوائل إلى حصن دارو. يعني ذلك ترقية أسرع لمهننا، وموارد أفضل للارتقاء، وإن بلغناه، فربما تقاعد مريح أيضاً. كنا نُقيَّم بناءً على جودة أداء واجباتنا الفعلية. التدريبات، والتشكيلات، وجري التحمل، ومناوبات الحراسة، والمهام اللوجستية، وكل ما يجعل من المرء جندياً.
لم يكترث الرقيب ثارن بالدرجات. ما أكترث له حقاً هو النجاة. في الأسبوع الأول، بدأ ينسج تدريبات النجاة ضمن روتيننا اليومي. بقيت جرى الصباح وتدريبات المسير. لكننا صرنا نتعلم، بين تلك المتطلبات المألوفة، نجاة البرية. دروس سريعة وقاسية تُلقى بنبرة حادة لا تحتمل الخطأ.
"إن تعثرت في الظلام،مت".
"إن عسكرت في الاتجاه الخاطئ، تجمدت".
"إن جذبت نيرَانُك الوحوشَ، نزفت".
لم يرفع صوته مثلما فعل فاريك، لكن طريقة حديثه جعلت الدروس ترسخ أعمق. مع حلول الأسبوع الثاني، كنا خارج الأسوار من جديد. هذه المرة، بقينا في البرية لنحو أسبوعين كاملين، ولم نعد إلا في أيام الراحة. تعلّمنا كيف ننصب الشباك باستخدام الحلقات السلكية أو العصي المسنونة. وتعلّمنا تمييز سلوك المفترسات من خلال الآثار المكسورة وأنماط الشجيرات. ذات صباح، أشار ثارن إلى مجموعة آثار وسأل عما هو خاطئ فيها.
لاحظ مجند واحد فقط الأثر المزدوج، مفترس يدور حول فريسة. صارت قراءة التضاريس جزءاً من روتيننا اليومي. درسنا أين يتجمع الصقيع مبكراً، وأين يعصف الريح عبر ممرات الجحور، وأين تكثر الطحالب على الأشجار. علّمنا أن ننصت لانعدام الصوت. وأن نجد الماء الجاري بالشم والمنحدر. وأي الجذور نمضغ، وأي الثمار تجعل البطن ينزف. وكل ليلة، كُنا نُطالب بتسجيل ما تعلمناه. حمل كل منا لوح ميدان خشبي صغير محفور عليه شبكة بدائية.
وقبل إطفاء الأنوار، كان علينا رسم خريطة تقريبية للمنطقة. إن نسيت؟ أعدت رسم التضاريس من الذاكرة أمام الجميع. عادت تدريبات المعسكر أيضاً. هذه المرة مع تقييمات اجتياز أو رسوب تعتمد على عمق الخندق، وتناسق الخيام، ودقة مناوبات الحراسة. حفرة نار معوجة أو خيمة سيئة التناسق قد تعني درجة رسوب، أو ما هو أسوأ، خدمة المراحيض بالعتاد الكامل. مع نهاية الأسبوع الثاني، توقفنا عن الجدال حول من يشعل النار أو من ينصب المعسكر.
كانت المهام تنجز بأقل قدر من الكلمات. كنت تعرف دورك وحسب، وتؤديه. جعل موقع ستونغيت كل درس من ثارن يبدو حيوياً. فقد وقف بوصفه آخر معقل حقيقي للحضارة قبل البراري الشمالية. وخلفه تمددت المرتفعات الصخرية المتجمدة، وهي رقعة قاسية ومكسورة من الجحور المخفية، والأرض المتجمدة دائماً. وكلما توغلت شمالاً، قلت الأشجار. تنازل الصنوبر للشجيرات، وتنازل الشجيرات للصخور والجليد. هاجرت الوحوش عبر ممرات الجبال، تتبع الدفء، أو الفريسة، أو الغريزة المحضة.
طُرد بعضها من أعماق البرية على يد مفترسات أقوى. بينما تبع آخرون الدم فحسب. إلى الشمال الغربي، على بعد نحو خمسين كيلومتراً من ستونغيت، بدأت حدود أشجار الغابة المتوحشة. كثيفة، ومتشابكة، ويكاد العبور منها يكون مستحيلاً، وشكلت الغابة حافة العالم المعروف. الوجود العسكري الوحيد في ظلها كان حصن دارو، الذي يقف على بعد خمسة وثلاثين كيلومتراً فقط من ثكناتنا. قيل إن دارو كان خط الاتصال الأول، حيث تلتقي أفالون بالمتوحشة.
كان شمال ستونغيت يضم فروستهالو.
ما كنت أرفضه سابقاً بوصفه "أرضاً بربرية"
كان مملكة حقيقية، قاسية، وعسكرية، ومميتة. حصنهم الحدودي، آيرونوماو، كان مكاناً يكتنفه الأسطورة. وقيل إن كل جندي متمركز هناك كان من رتبة مبتدئ أو أعلى. أما موقعنا الشمالي الأخير فكان حصن دونفايل، وهو حصن صخري نخبوي جلس كتاج على حافة المملكة. لم يحلم معظم الجنود حتى برؤيته. لكن الغرب هو ما جعل ثارن يبدو منطقياً في النهاية. قادتني إحدى رحلاتي في عطلة نهاية الأسبوع إلى مكتبة المدينة لأعثر على سجل مساح قديم وغبار.
وداخل كانت السجلات الطبوغرافية للمرتفعات المكسورة، الجبهة الغربية. كان الأمر أسوأ مما تخيلت. منحدرات شاهقة، وهضاب متكسرة، ووديان مفاجئة ابتلعت قوافل بأكملها. حتى الطقس كان خطيراً. رياح حادة لدرجة أنها تمزق القماش، ومطر يتجمد في منتصف السقوط، ومخلوقات تتحرك كالأشباح عبر التضاريس الوعرة. هناك حيث تدرب ثارن. ذكر الكتاب دوق تلك المنطقة: سييفيريان مورثاس فالينتيس، القائد السابق للمملكة وأحد حاملي رتبة المستوى السابع القلائل في المملكة.
رجل يُخشى لتقاربه مع الموت. بدا كل شيء منطقياً الآن، الندوب، الصمت، والعملية النابعة من صميم العظام. ذات ليلة، خلال مناوبة حراسة هادئة، التفت إلى ليف.
"ألاحظت كيف لا يصيح ثارن مثل فاريك؟"
أومأ ليف ببطء.
"لا يحتاج إلى ذلك. حين يقول أحدهم، احفر خندقك وإلا تجمدت، فأنت لا تجادل. أنت تحفر".
كان محقاً. كان الضغط مستمراً، كالهواء أو الجوع. لم يحتاج ثارن لدفعنا. فعلت الطبيعة ذلك بنفسها. ووسط كل ذلك، واصلت الدراسة. في كل يوم راحة، عدت إلى المكتبة. حفظت مسارات الجداول، وطرق التجارة، وتدفقات الهجرة. تعلمت من أين تنبع الأنهار من القمم الشمالية، وكيف تتفرع غرباً نحو الغابة أو تنحني جنوباً نحو الأراضي الزراعية. بُني كل حصن فوق دفاعات طبيعية، منحدرات، وأنهار، وتلال.
كل موقع من تلك المواقع كان له معنى. إن تمكنت من فهم التضاريس، أمكنني فهم الحرب التي نتدرب لأجلها.