جلست أنا وليف فوق السوار، واستند ظهري إلى الشرفة بينما جلس ليف أمامي. أخذت نفسًا طويلاً من سيجارتي التي صنعتها مستخدمًا أعشابًا وجدتها في البلدة. مع تزايد أعداد الأعداء في الخارج، زاد توتري ورغبتي الملحة في التدخين.
قال ليف وهو يلتفت إليّ: "يبدو أن القيادة تثقل كاهلك".
ثم تابع مبتسمًا: "أعطني واحدة أيضًا".
رْميت إليه سيجارة. التقطها ونظر إليّ بعبوس.
"كيف أشعلها؟"
أخرجت قطعة خشبية رسمت عليها رمز لهب. أشعلتها بقليل من المانا ومددتها إلى ليف.
بعد أن أشعل سيجارته، سأل ليف: "هذه تختلف عما يستخدمه الناس في العاصمة. هل تباع في البلدة؟"
"لا، بل صنفتها بنفسي. أضفت بعض الأعشاب التي جمعتها أثناء ترحالي. يمنح أحدها الدخان نكهة أفضل، ويساعد آخر على زيادة التركيز."
"ألا تخشى أن يؤدي خلط أعشاب عشوائية إلى تفاقم الامور؟"
قابلت سؤال ليف بنظرة خاوية لأنه سأل شيئًا بالغ الغباء.
"أعرف أي الأعشاب أخلط، وأيها أتجنب، وكيف تتغير خصائصها بعد التجفيف والاحتراق. كان لدي ملازم يعرف عن الأعشاب أكثر من أي شخص أخر أعرفه. لو لم أتعلم هذه الأساسيات، لما سمح لي أبدًا بمعالجة أي جندي."
"همم، إذن هل تستطيع علاج الأمراض أيضًا؟"
"لا، فهذا أمر لم أجد وقتًا لتعلمه قط. كل ما أعرفه تقريبًا يتعلق بأعشاب الحيوية المستخدمة لعلاج الإصابات."
ثم تابعت بابتسامة: "بعد ذلك، أخذت وقتًا في البحث عن أعشاب تناسب التدخين. كانت سهلة العثور. تحرق بعض مناطق الشرق الأعشاب لأغراض شتى. يستخدم بعضها تهدئة العقل، وبعضها لزيادة التركيز، وبعضها لمجرد رائحتها الطيبة. أجرى الناس هناك أبحاثًا كثيرة في هذا الشأن، لذا أخذت أعشابًا من هناك وعدلت النسب بما يناسب التدخين."
قفز ليف إلى موضوع بدا وكأن لا علاقة له بما سبقه، قائلًا: "أعتقد أن عليك زيارة السيدة فلاڤيا وليلا".
سألت وأنا أخذ نفسًا آخر: "ما الذي تتفوه به بحق الجحيم؟"
"أه، ألا تعلم؟ بِمَا أنك على إلمام بآل پيتراي، ظننتك ستعرف. تنظم السيدة فلاڤيا وليلا نساء البلدة لتقديم الإسعافات الأولية، والمؤونة، وحتى الدعم الطارئ إذا ساءت الأمور."
"آه، إذن هذا ما قصدته إليانور عندما تحدثت عن مساعدة آل پيتراي بتقديمهم لنساء البلدة."
فجأة، عاد إلى ذهني حديث دار بيني وبين إليانور. في ذلك الوقت، كان عقلي مشغولا إلى حد كبير بتدريب الميليشيا والحفاظ على منافسة سليمة بين مجندي بيت التجار ومجندي العوام دون السماح لها بالتحول إلى مواجهة جسدية، لدرجة أنني بالكاد التفتُّ إليها.
"لا أعتقد أن وجودي مطلوب هناك. فالسيدة فلاڤيا تحظى بخدمات كايسو، وهو معالج من المرتبة الرابعة. وهو يعلم في هذه الأمور أكثر بكثير مما أعرف."
الآن بعد أن ذكر ليف دور نساء البلدة في الدفاع، لم استطع إلا أن أتذكر أمرًا ظل يزعجني منذ اللحظة الأولى التي عُيّنت فيها في حصن دارو.
"هي، كنت أتساءل عما آلت إليه حال الفتيات اللاتي تدربن معنا. لقد تساءلت دومًا عن سبب عدم رؤيتي تجنيد نساء في أي من الحصون."
أجاب ليف: "حسب ما تعلمنا في الأكاديمية، توجد كتائب نسائية بالكامل، بكتيبة واحدة على الأقل في كل فيلق. يسمح للنساء والرجال بالخدمة في الكتيبة نفسها، لكن ذلك نادر الحدوث لأن الكتائب النسائية تعاني دائمًا نقصًا في الجنود، لذا تُرسل النساء عادةً مباشرة إلى هناك. أما عن سبب عدم رؤيتك للكثير من الجنديات، فالسبب يعود إلى أن الشمال يضم أقل عدد من النساء في الجيش الملكي. ويحتل الفيلق السابع المرتبة الأدنى من حيث عدد الجنديات."
قطبت حاجبَيّ عند عبارة ليف الأخيرة.
"لماذا هذا؟ الفيلق السابع يتبع الكونت پيتراي، أليس كذلك؟ يبدو رجلًا طيبًا، إن كان يشبه الكابتن پيتراي في شيء. فلماذا إذن تضم منطقتنا أقل عدد من الجنديات؟"
هز ليف رأسه.
"لا علاقة لآل پيتراي بهذا السبب. كل ما في الأمر أن الشمال يضم الكثير من البيوت الصغيرة. إن لم أكن مخطئًا، فالشمال يضم العدد الأكبر من النبلاء."
ألقى نظرة نحو البلدة خلفنا.
"أترى، بلدة صغيرة مثل ڤيلكار تضم ثلاثة بيوت نبيلة. ورغم أن عائلة العمدة لا تضم أي فارس من المرتبة الرابعة، إلا أنها ما زالت تنحدر من سلالة فرسان ملاكين. يستقطب كل هؤلاء النبلاء الكثير من الجنديات اللاتي دربهن الجيش الملكي، وغالبًا ليعملن حارسات شخصيات مقربات لنساء بيوتهم."
أخذ ليف نفسًا آخر قبل أن يتابع: "علاوة على ذلك، وحسب ما سمعته، تُدفع أحيانًا للحرّاس النساء اللاتي دربهن الجيش الملكي أجور تفوق ما يُدفع للحرّاس الرجال، لذا تتمادى بعض البيوت النبيلة إلى حد توظيف حارسات حصلن بالفعل على تعييناتهن، دافعة غرامات باهظة في سبيل ذلك."
"لماذا؟ هذا لا منطق فيه. لم أسمع قطّ بفعلهن ذلك مع أي جندي كفؤ من الرجال."
"حسنًا، وفقًا لليلا، تمتلك البيوت القديمة الكثير من أساليب التدريب الرائعة للجنود الرجال، لكنها تفتقر إلى مثل هذه الطرق للنساء. يبدو أن أميرة ما هي من ابتكرتها."
ذكّرته: "الأميرة أورورا".
"نجل، هي. لقد ابتكرت البنية والأساليب المستخدمة لتدريب الجنديات. والآن، ورغم معرفة النبلاء بتلك الطرق، إلا أنهم ما زالوا عاجزين عن تحقيق النتائج نفسها التي يحققها الجيش الملكي. وأنا أعرف سبب ذلك"، هكذا تحدث ليف بزهو شديد بشيء ربما تعلمه في الأكاديمية.
"السبب هو نقص المجندات غير المستيقظات في البيوت النبيلة. فالعوام لا يسمحون لبناتهم الصغيرات بالانضمام إلى أي بيت نبيل، سيما كحارسات، بينما يثقون نوعًا ما في أن الجيش الملكي سيعامل فتياتهن المعاملة اللائقة. وفوق ذلك، يحرص الجيش الملكي على إدراج بضع مجندات على الأقل في كل مجموعة، ليتدربن معًا ويمنعن فجوة الإحصائيات الجسدية الأولية بين الأولاد والبنات من التأثير في نموهن."
"همم..."
هززت رأسي موافقًا. بدا ذلك منطقيًا للغاية. حتى لو جنّد كل بيت نبيل عشر حارسات فقط، فسيخلصون في النهاية إلى استقطاب عدد هائل من المجندات من الجيش الملكي. أما عن سبب سماح الجيش الملكي بذلك، فكانت نظريتي تقوم على أن الضغط من قِبل النبلاء واعتبار تلك الغرامات مصدرًا للدخل وراء الأمر. استمر حديثنا فوق السجائر فترة من الوقت، متنقلين من موضوع إلى آخر، من مستقبلنا إلى الأماكن التي زرناها ومواضيع أخرى كثيرة.
وما إن كدنا نغادر نحن الاثنين، حتى استشعرت مقدارًا هائلًا من مانا الأرض المألوفة تحيط بنا. دون تفوه بكلمة، وقف اثنانا ظهرًا لظهر، في أهبة الاستعداد التام.
جاء صوت الكابتن پيتراي هادئًا: "يمكنكما الاسترخاء، الرقيب إدوارد والطالب ليف. إنه أنا، الكابتن پيتراي".
لكننا لم نخفض حذرنا حتى توقفت المانا حولنا عن الحركة واتخذت شكل قبة تحيط بنا نحن الاثنين. وحدها تلك اللحظة مكنتني من استشعار المانا بصيحيح العبارة وتأكيد أنها تخص الكابتن پيتراي بالفعل. استرخيت قليلًا.
أبلغت ليف: "بصمة المانا تشبه بصمة الكابتن پيتراي".
ورغم ذلك، واجهت صعوبة بالغة في فهم سبب وجودنا نحن الاثنين داخل قبة مانا الأرض هذه. لو كان لدى الكابتن ما يقوله، لكان بإمكانه استدعاؤنا بكل بساطة.
سأل صوت الكابتن پيتراي: "رقيب، متى تعتقد أن العدو سيهاجم؟"
لم أرد فورًا. بل نظرت إلى ما بعد السوار لمراقبة معسكر العدو. فخلال اليومين الماضيين، تضاعف حجم معسكرهم، وتجمّع جيش يضم نحو عشرين ألف جندي في الخارج.
أجبت: "بما أن أعدادهم توقف عن الازدياد، فأفترض أنهم سيهاجمون في غضون الأيام القليلة القادمة".
قال الكابتن پيتراي بنبرة حازمة: "خمسة أيام. استطاع توركواتوس أخيرًا استشعار المرتبة الخامسة بالأمس، ويقدر أن الساحر يستطيع الحفاظ على النطاق خمسة أيام أخرى".
"لكنني لا أظن أنهم سيشنون هجومًا شاملاً فور زوال النطاق. سنحصل على مزيد من المعلومات حول حال بقية مناطق الشمال بمجرد حدوث ذلك، ولكن بالنظر إلى حجم الجيش الماثل أمامنا، فأفترض أن الأنباء ليست جيدة. وهذا يعني ضآلة فرصة تلقي تعزيزات."
ظلت نبرته هادئة.
"إذن، وبدلًا من مهاجمتنا على عجلة، سيظلون يضايقوننا ويختبرون دفاعاتنا. ثمّة سببان آخران يمنعانهم من الهجوم فورًا. أولاً، سينفد مخزون ساحرهم من المرتبة الخامسة من المانا. وينبغي أن يستغرق تعافيه نحو عشرين يومًا. وثانيًا، وفقًا لتوركواتوس، سيستغرق الأمر خمسة وعشرين يومًا بدءًا من اليوم لتجميع أسلحة الحصار التي أحضروها وشحنها بالمانا."
بينما كان الكابتن يشرح الموقف، أخذت أتساءل عن سبب إطلاعي على كل هذه المعلومات الحساسة. أخيرًا، قدم الكابتن الإجابة عن كل تساؤلاتي.
"السبب في وجودكما تحتي هذه القبة هو أن لدي مهمة لكليكما، ويجب أن تبقى سرية للغاية. فلا ينبغي لأحد سوانا نحن الثلاثة معرفة التفاصيل الدقيقة لهذه المهمة."
اشتد صوته قليلاً.
"أريد منكما إيجاد طريقة للتسلل خارج البلدة مستخدمين أقل قدر ممكن من المانا. وعليكما أيضًا اختيار فرق منفصلة قادرة على شن هجمات سريعة. لست من نوع القادة الذين يجلسون ويكتفون برد الفعل تجاه تحركات العدو. بل أنا ممن يجبرون العدو على الرد على تحركاتهم."
"سأشارككم المزيد من التفاصيل بمجرد زوال النطاق."
وما إن تلفظ بتلك الكلمات، حتى سحب الكابتن مانا الأرض الخاصة به، تاركًا لي وليف مسؤولية جسيمة والكثير من الأسئلة المعلقة. أردت طرح بعضها بصوت عالٍ. هل حسب فروستهالو حساب كل هذا منذ البداية؟ مع كمية الطعام التي امتلكناها مبدئيًا، كانت خمسةو اربعين يومًا هي النقطة المقدرة لنفاد موارد البلدة. ولولا شعيرية النشا، لبدأ العوام يشعرون بالنقص في هذا الوقت تقريبًا. أضف إلى ذلك جيشًا ضخماً خارج الأسوار، لعمّ الفوضى من تلقاء نفسها.
ربما انتصر فروستهالو في هذه المعركة دون تكبد خسائر فادحة. فلربما فتحت مدينة جائعة بواباتها للعدو بمفردها. ولم يكن ذلك سوى الجزء الذي أستطيع رؤيته. فكمية التنسيق المطلوبة لتقييد آل پيتراي وفيلق الجيش الملكي بأكمله ومنعهم من إرسال الدعم إلى ڤيلكار كانت عبثية. التفت ونظرت إلى قوات العدو. الآن، كنت على وشك الخوض في مهمة تهدف إلى تخريب تلك الخطة.