ظللت في مكاني حتى بعد انقضاء الاجتماع، فرسمت العملية وشرحتها للنقيب والملازم كريسبوس. أحضروا لاحقاً مشرف بناء وطاهياً، فاضطررت إلى إعادة شرح العملية برمتها، مع التركيز في هذه المرة على البناء والتحضير الفعليين. أتيح لي الانصراف أخيراً بعد أن أجبت عن أسئلتهم وحسّنت التصميم قليلاً. كان ليف وليلا قد غادرا بحلول ذلك الوقت. عُيّن ليف لدى ملازم آخر، بينما خرجت ليلا لاصطحاب الليدي فلاڤيا.
ما إن خرجت من قاعة الاجتماعات حتى رأيت مساعد النقيب كايسو واقفاً بقرب وحش آل بيت پيترا، على مقربة شديدة من شدقه. كان واقفاً على عمود من تراب وهو يربت على رأسه باستهانة. نظرت إليهما مندهشاً، ولعل نظرتي أزعجت الوحش. تحولت عيناه نحوي، وأخذ يجمع المانا. دفع مساعد النقيب رأس الوحش قليلاً لحسن الحظّ.
قال الملازم: "إنه صديق".
أبعد الوحش عينيه عني وأزاح رأسه قليلاً عن الملازم، كأنه يتأفف. ضحك مساعد النقيب ونزل مستخدماً درجات متكونة من العمود الترابي، وبدت عرجته واضحة وهو يهبط. انضم إلي قرب مدخل القاعة فور وصوله إلى الأرض.
"ماذا، أتُعجبك أونيكس؟"
أجبته: "أم-أوه، لا. كنت أنتظر الليدي فلاڤيا".
ثم سألت وأنا أنظر إلى الوحش: "أأونيكس هو اسمه؟"
"نجل. أطلق عليه ذلك الاسم في اليوم الذي بلغ فيه تيلوس المستوى الرابع وامتزج به. كيف ترى الأمر؟"
ابتسمت وقلت: "إنه جيد".
ثم عدت بنظري إلى الوحش.
"أتداويه؟ كيف سيشفى؟ أظن أننا بالكاد نملك لحماً له، ولا أستطيع حتى تخيل كمية اللحم التي سيتطلبها".
هزّ كايسو رأسه وقال: "لا، عنصري وعنصره غير متطابقين. لهذا السبب دفننا أونيكس نصف دفنة. فهذا يزيد من إمدادات مانا الأرض حوله. إنها الطريقة الوحيدة لشفائه بالشكل المناسب".
ثم ابتسم بخبث.
"أما عن الطعام، فهو لا يأكل اللحم. والشيء الوحيد الذي يحبه هذا الشره هو نوى وحوش عنصر الأرض البلورات السحريّة لعنصر الأرض. لذا، حتى من دون الحصار، لن تستطيع البلدة توفير الطعام له. يحمل تيلوس معه ما لا يقل عن مؤونة ستة أشهر متى ما خرجنا في مهمة".
سألت: "أتعرف ما اسم فصيلته؟"
ظهرت على وجه الملازم ابتسامة ماكرة.
"ستتفاجأ حين تسمعه. تُسمى فصيلته طاغية الحجر، تيرانوس پيترا".
اتسعت عيناي.
"أسميت الفصيلة نسبة إلى آل بيت پيترا؟"
هزّ الملازم رأسه.
"كلا. الأمر العكس تماماً. كان التيرانوس وحوش حراسة آل بيت پيترا حتى قبل أن يصبحوا آل بيت پيترا. وأول شخص امتزج بالتيرانوس هو جدّ أجداد جدّ الكونت الحالي".
فكر لبرهة قبل أن يستطرد: "على حد علمي، هناك أربعة أو خمسة أجيال بين الرئيس الأول والكونت الحالي. وإن لم أكن مخطئاً، فقد فقد جدّ الكونت ومخلوقه الممتزج به حياتهما في الحرب التي أدت إلى تأسيس أڤالون".
هززت رأسي موافقاً، منغمساً تماماً في درس التاريخ الارتجالي عن آل بيت پيترا.
وضع مساعد النقيب يداً على كتفي وأردف: "لا يعرف الكثير من العامة هذا، لكن التنافس بين آل بيت پيترا وعشيرة فجالڤينغر أقدم من أڤالون".
قاطعته قائلاً: "عشيرة فجالڤينغر؟"
"لديهم عشائر في فروستهالو. العشائر الكبرى يتبعها عدد من العشائر الصغرى الموالية لها. ويقع جنوب فروستهالو تحت أراضي عشيرة فجالڤينغر الكبرى. اعتبرهم بمثابة دوقية في أڤالون".
ألقى نظرة سريعة نحو أونيكس.
"بينما يمتلك آل بيت پيترا تيرانوس پيترا، وهي حصون متحركة بالغة الصلابة قادرة على التلاعب بالأرض، تمتلك عشيرة فجالڤينغر تنانين الجبال، والتي يسمونها فجالدريكي. إنها حصون طائرة. وهي تمتلك مانا الأرض أيضاً، لكنها لا تستطيع التلاعب بالأرض بالطريقة التي يستطيع بها تيرانوس پيترا".
ثم ابتسم بخبث.
"تجارب القتال بين الكونت پيترا ويوروند فجالڤينغر المختار من التنانين، رئيس عشيرة فجالڤينغر، تكررت مراراً. حتى إن بينهما تنافساً مستمراً. حسناً، هو أقرب للعداوة منه إلى التنافس، لكنه يُحسب في حساباتي".
وقبل أن أتمكن من طرح السؤال الذي بدأ يتشكل على وجهي، أجابني الملازم كايسو قبل أن أسأل.
"في فروستهالو، يُدعى أصحاب المستوى السادس بالمختارين من التنانين".
وقبل أن يمضي حوارنا إلى أبعد من ذلك، وصلت الليدي فلاڤيا برفقة حراسها. وحين رأتها، ربط الملازم على ظهري.
قال وهو يمضي قدماً: "ينبغي لي الرحيل. بالمناسبة، أحسنت صنعاً فيما يخص الحبوب".
ثم انحنى برأسه لليدي فلاڤيا وقال: "ليدي قصيرة القامة".
مرّ بجانبهما مباشرة بينما لفت الليدي فلاڤيا عينيها تبرّماً.
قلت محنياً رأسي قليلاً: "الليدي فلاڤيا".
فردّت قائلة: "الرقيب إدوارد".
ثم انتقلت مباشرة إلى صلب الموضوع.
"أتستطيع إخباري بالتشكيلات التي تعرفها؟"
"نعم. كانت هناك ثلاثة تشكيلات عملت عليها في حصن دارو: شبكة تبديد الصدمات، وتشكيلة استقرار الأرض، وتشكيلة إيجيس. لكني عملت عليها بصفتي متدرب رموز من المستوى الأول. وحين صرت خبير رموز من المستوى الثاني لاحقاً، تعلمت تقريباً كل النظريات الكامنة خلفها. كما أنني صنعت رُميّة خطوة صامتة مستخدماً مبادئ من تشكيلة إيجيس".
أشرقتا عينا الليدي فلاڤيا.
"هذا جيد. لدينا هنا تشكيلة استقرار الأرض وتشكيلة إيجيس ذاتهما تقريباً. قد نتمكن من إصلاحهما. فقد دُمّر نواة التحكم وبعض العقد الرئيسية في الهجوم".
"أم... ليدي فلاڤيا، بوسعي قطعاً تفقد الأضرار، لكني لا أعرف كيف أصنع النوى. كنت سأطلب منك ومن سائر خبارء الرموز أن تعلموني كيف، في الواقع".
سألت الليدي فلاڤيا: "أه، ألا تعرف كيف تصنع النوى؟ ظننت أن الملازم سيسيرو قد علّمك".
عبست قليلاً لدى سماع كلامها. كان الملازم سيسيرو معالجاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى. بل إنه اعترف بنفسه أنني قد تفوقت عليه فيما يخص عمل الرموز. ربما امتلك بيته في يوم ما معرفة واسعة بتشكيل النوى، لكن ذلك لم يكن موضوعاً يرتاح أي منا لمناقشته. وبعد ردّ فعله تجاه أبحاثي وكل ما عرفته عن عائلته، لم يخطر ببالي قط أن أطلب منه أن يعلّمني من معرفة بيت سيسيرو. وبدا أن الليدي فلاڤيا تعرف عن تاريخ بيت سيسيرو أكثر مما تعرف عن الملازم نفسه.
ثم لوحت بيدها ملوّحة بعدم الاكتراث وأردفت: "لا بأس. أعرف من ملفك أن تعاويذ مانا اللاعنصرية في وسعك. وينبغي أن تكون قادراً على صنع نوى صغيرة بسهولة".
خطت الليدي فلاڤيا إلى الأمام وخلفها حراسها.
"تعال. لقد جهزت مختبراً صغيراً. بوسعي إراؤك كيف تصنع نواة اصطناعية".
تبعت الليدي فلاڤيا إلى الجناح الشرقي دون كلمة أخرى. لقد حولوا الغرفة التي عقد فيها النقيب اجتماعه معي إلى المختبر الذي تستخدمه الليدي فلاڤيا. دُمّر معظم الجناح الشرقي ولم يبق صامداً سوى عدد قليل من المباني. وكان كل مبنى باقٍ يُستخدم لأغراض رسمية، والملازمون والجنود يدخلون ويخرجون بلا انقطاع. وجدنا داخل الغرفة أكواماً من الملاحظات وعدة رفوف مليئة بقطع معدنية وحجرية مختلفة.
قالت الليدي فلاڤيا مشيرة نحو الملاحظات: "كنت أحاول فهم تشكيلة الحماية. لكن بوجودك هنا، سيمضي العمل بشكل أسرع".
التقطت قطعة معدنية من رف صغير.
"أترى هذا، أيها الرقيب؟ إنه معدن عادي نقشت عليه بعض خطوط الرموز التي كنت أجربها آنفا".
وضعتها أمامي.
"تشكيل النواة الاصطناعية يكاد يتطابق مع تشكيل النواة الطبيعية داخل الجسد. والفارق الرئيسي الوحيد هو أنك تحتاج، خارج الجسد، إلى إرساء مراسٍ للمانا لتثبيت النواة الاصطناعية في مكانها. أما داخل الجسد فتتصل النواة بصورة طبيعية، بيد أننا نحتاج هنا إلى استخدام خطوط الرموز لأجل ذلك".
هززت رأسي حافظاً كل كلمة في ذاكرتي.
قالت الليدي فلاڤيا: "أنا متأكدة من أنك تعرف ما عقد المانا. ببساطة شديدة، إنها تجمعات من المانا ننشئها عادة باستخدام سائل المانا وبلورات المانا، بينما نواة المانا هي مانا نقية من دون أي مادتة أخرى. ويمكن أن تأتي هذه المانا من بلورة مانا عالية النقاء أو من شخص ذي تقارب عنصري عالٍ".
ألقت نظرة سريعة عليّ.
"ويا للأسف، ليس لديك تقارب عنصري عالٍ بالقدر الكافي، لذا سيتعين عليك الاعتماد على بلورات المانا عالية النقاء".
ثم أخرجت بلورة مانا رياح عالية الجودة.
"نوع المانا العنصرية مهم حقاً لهذه التجربة، لكن تشكيلة إيجيس تستخدم نواة رياح، لذا فهذه أفضل نقطة للبداية".
وضعت البلورة أمامي.
"والآن، أنشئ قمع مانا يسحب مانا الرياح من البلورة. وبما أن هذه بلورة مانا عالية الجودة، فينبغي أن تلاحظ مسحة خضراء فاتحة للغاية. فهذا ما عليك التركيز عليه".
فعلت كما أُمِرت فوصلت قمع المانا الخاص بي بالبلورة العنصرية. وببطء، بدأت مسحة خضراء باهتة تتسرب منها.
"جيد. يمكن سحب المانا العنصرية عالية الجودة من بلورة المانا، لكنها لن تتفاعل بسهولة مع أنواع المانا الأخرى. لذا اسحب أكبر قدر ممكن من المانا، وواصل إرسال مانا الرياح إلى الأمام، وقلل حجم القمع تدريجياً لتركيزها".
اقتربت أكثر.
"وهنا يأتي الجزء الدقيق".
ركزت بجد أكبر.
"سيتعين عليك ضغط المانا لدرجة تجعلها تبدو وكأنها سائل تقريباً، مع الحفاظ في الوقت ذاته على شكل شبيه بالخيط. وينبغي أن تبدو تقريباً كخصلة شعر".
وبينما كنت أنفذ تعليماتها، انقطع تركيزي. نظرت إلى الليدي فلاڤيا خائفاً من أن تحكم عليّ، لكنها هزت رأسها وحسب.
"هذا جيد لمحاولة أولى. فلنحاول مرة أخرى".
هززت رأسي وأخذت نفساً عميقاً وركزت من جديد. وفشلت مرة أخرى. واصلنا المحاولة بضع مرات أخر. وبعد سبع محاولات، قدرت أخيراً على تشكيل خيط سائل أخضر فاتح من المانا.
قالت الليدي فلاڤيا بصوت عالٍ جداً كاد يفقدني تركيزي: "عظيم!"
وقالت بسرعة: "عذراً"، ثم تابعت الشرح.
"هذه هي الخطوة الأخيرة. ومع الحفاظ على الضغط ذاته، عليك ربط ذلك الخيط السائل بخطوط الرموز. وحين تفعل، ستشرع مانا السائل في التصلب قليلاً عبر سحب مانا الرياح من البيئة المحيطة".
أشارت إلى مركز القطعة المعدنية، ثم وضعت بلورة مانا رياح أخرى بجوار لوحة معدنية جديدة.
"ابدأ من المركز، ثم اربط خطوط الرموز الأخرى حسب الحاجة. هذه هي الخطوة التي نزيد فيها تركيز مانا الرياح ونسمح للنواة باتخاذ شكلها".
توقفت للحظة قبل أن تستطرد: "وبينما قد يبدو الأمر فظاً، فما إن يُربط الخيط السائل ويُستخلص معظم مانا الرياح، حتى تتشكل نواة هلامية القوام في المنتصف. وكل ما تحتاجه لإتمامها هو إحداث دوران داخلها ودفعها بمانا الخاص بك، مما يجبرها على التصلب".
حاولت اتباع توجيهاتها، لكن تركيزي انقطع مجدداً قبل أن أتمكن من ربط خيط المانا بكل خطوط الرموز. نظرت إلي الليدي فلاڤيا وابتسمت.
"لقد حققنا تقدماً كالعادة اليوم. فلنواصل التدريب غداً".