قال القائد روسكوس بعد أن قرأ الشكوى التي قدّمتها ضد بيت بييتراي: "أمتأكد أنت من هذا؟"
كان قلبي يخفق بعنف عندما قدّمتها. لكن عند سؤال القائد قفز نبضي. عندما قررت للمرة الأولى تقديم الشكوى كنت غاضباً ومفعماً بالأدرينالين. غير أني حين كتبت تفاصيل الحادثة وحوّلتها إلى تقرير رسمّي خفّ ذلك الأدرينالين ببطء. حينها فقط أدركت تماماً ما كنت أفعله. كنت أرفع شكوى ضد بيت يقف على رأسi شخص في الرتبة السادسة ويُعدّ أحد أشرس المقاتلين في المملكة. شخص يمكنه على الأرجح محو هذا التقرير بسهولة وربّما محوي معه.
رغم ذلك مضيت قدماً. كان أحد أسباب الرئيسية للانضمام إلى الجيش الملكي هو اعتقادي بأنه سيمنحني مكاناً لا يُحتقر فيه المرء علانية بلا عقاب. لو سمحت لشيء كهذا بالمرور دون اتخاذ إجراء لتلقى ثقتي في الجيش الملكي ضربة موجعة. لهذا السبب أقلقني سؤال القائد روسكوس إلى هذا الحد. إذا كان حتى ضابط معروف بالالتزام الصارم بالقواعد يعترض على قراري فقد لا أحظى بدعم أحد سوى الملازم شيشيرو.
سألت: "يا سيد، أتعترض على قراري؟"
فأجاب: "لا. قلّما يرفع الجنود الشباب شكاوى رسمية لذا تفاجأت."
وضع المستند داخل أحد أدراج مكتبه.
"سأرسل نسخاً إلى حصن دارو وستونغيت ومقر الجيش الملكي في العاصمة."
تتفاجأت لسماع أن الشكوى ستُرسل إلى العاصمة. أومأ القائد روسكوس طارداً إياي لكن بقي لدي سؤال واحد قبل أن مغادرة.
"يا سيد، أأحتاج إلى القلق بشأن تداعيات؟"
بدل الإجابة فوراً قطّب حاجبيه وفكّر في السؤال لبرهة.
بدأ ببطء وهو يختار كلماته بحذر: "حين يتورط النبلاء يصعب قول أي شيء على وجه اليقين وخصوصاً عندما يكون سندك واهياً في أفضل الأحوال. لو حدث هذا قبل خمسين عاماً حين كنت شاباً لتمكن جندي من رفع شكوى ضد دوق ولم يكن أحد ليُفكر حتى في إيذائه."
توقف قبل أن يتابع.
"لو كنت مكانك لرفعت الشكوى. ما زلت أؤمن بالجيش الملكي ومجلس الجنرالات لذا لا أظن أنك بحاجة للقلق. في الواقع قد تكون شكواك هي جرس الإنذار الذي يحتاجه ضباط الجيش الملكي رفيعو المستوى."
"أما بيت بييتراي فسيكونون حمقى إن تحركوا ضيدك بعد أن رفعت شكوى رسمية. وفقاً للقانون العسكري إن حدث لك أي شيء في منطقة غير قتالية قبل التحقيق تماماً في الشكوى سيصبح يوليوس بييتراي المشتبه به الرئيسي فوراً."
"علاوة على ذلك أنا أعرف تيلوس. لا شيء يعنيه أكثر من سمعة بيته. ما دام هنا سيحرص على ألا يصيبك مكروه."
بعد سماع كلمات القائد أطلقت تنهيدة ارتياح. أومأت. ولم أرد إهدار المزيد من وقته فشكرته فحسب وعدت أدراجي نحو مهاجعي. بينما اقتربت من المبنى لمحت وجهاً مألوفاً آخر يقصد المكان ذاته. ليف. هذه المرة كان وحيداً وبدت طاقة عصبية تنبعث منه. مع ذلك بصراحة لم تكن هيئته هي ما أثر في أكثر. فرؤيته مرتدياً زي بيت بييتراي لسعتني أكثر مما احتملت الاعتراف به.
قلت بقلق: "يا أخي، ما كان يجب أن تكون هنا."
نظر إليّ بارتباك.
"لقد رفعت للتو شكوى رسمية ضد يوليوس وبيت بييتراي. قد تواجه المتاعب إن رآك أحد معي."
"أجل وكأنني أعبأ بهذا اللعنة. اللعين في طريقه بالفعل إلى ستونغيت. وإلا لكنت وددت لكمه بضع لكمات."
ابتسمت لغضب ليف. كان هذا هو ليف الذي أعرفه الشخص الذي يقفز في الأمور برأسه دون تفكير في العواقب.
سألت مفحصاً إياه من قمة رأسه حتى أخمص قدميه: "إذن ما حكاية تلك النظرة؟"
تنهد ليف.
"أنا آسف يا إدوارد. كان يجب أن أكون هناك. كنت أعرف أي نوع من البشر هو يوليوس. لو كنت هناك لكنت منعته أو حذرتك على الأقل."
هززت رأسي ولففت ذراعي حول عنق ليف ودففعته بخفة بينما بدأنا المشي نحو مهاجعي.
"لم يكن ذنبك. وكأنك كنت تعلم متى سأصل. يقع بعض اللوم عليّ لاندفاعي لكن المذنبين الحقيقيين هم أولئك الأذناب من بيت بييتراي."
ترددت قبل أن أضيف: "أتساءل أحياناً عما إذا كان القائد تيلوس ويوليوس قد دبرا الأمر برمته لاختباري."
لم أظن أن القائد تيلوس أراد موتي. غير أنه كان محتملاً أن النزال نفسه قد جرى كجزء من خطة ما وحسب وقام يوليوس ببساطة بتحويله إلى أمر أخطر بكثير مما قصده القائد.
قال ليف: "أظن أنك مخطئ في ذلك. عادة ما أتجنب التعيين في حراسة يوليوس لذا أقضي أغلب وقتي في الخدمة تحت إمرة ضابط تقاريري وهو أحد ملازمي القائد تيلوس."
"كنت اقف حارساً خارج الغرفة بينما كان ملازمي والقائد تيلوس يعقدان اجتماعاً. بدا جميع الملازمين قلقين عندما غادروا وبعد أقل من عشرين دقيقة رأيت القائد يندفع خارجاً بغضب. علمت لاحقاً أن السبب هو ما حدث لك."
هز ليف رأسه.
"لم أره قط غاضباً إلى هذا الحد. كاد يدمر الجناح الشرقي للقصر."
توقف قبل أن يتابع.
"لهذا السبب أعاد يوليوس إلى ستونغيت بالأمس. قد لا تدرك ذلك لكن هذا سيلحق ضرراً بالغاً بمكانة يوليوس في المدرسة وفي مجتمع النبلاء. حتى إن القائد تيلوس أخبرنا بما حدث بدل محاولة إخفائه وأكد لنا أن يوليوس سينال عقابه الملائم."
أومأت. بدا ذلك التفسير منطقياً بدرجة أكبر بكثير. أدركت أيضاً أنه منذ الأمس كنت أنظر إلى نفسي بوصفى مركز العالم. لقد أصبحت شكاكا لدرجة أنني بدأت أصدق أن حتى قائد بالرتبة الرابعة سيضيع وقته في تدبير المكائد ضدي بدلاً من إدارة كتيبته والاستعداد لغزو محتمل.
"قلت إن يوليوس غادر البلدة. أسيؤثر ذلك على تعيينك أم أنك مغادر أيضاً؟"
أجاب ليف: "لا. لا أحد منا مغادر للبلدة. لم تكن مهام حراستنا سوى مهام مؤقتة وقد مُنحنا جميعاً واجبات مختلفة الآن."
"أين ستكون هذا المساء؟ من المفترض أن ألتقي القائد تيلوس اليوم."
أومأ ليف وقال: "أعلم. طُلب مني حضور الاجتماع. عندما أخبرتهم أنك وأنا صديقان قال القائد إنك قد تشعر براحة أكبر لو وُجد وجه مألوف في الغرفة."
تردد قبل أن يتابع.
"لهذا جئت للقائك بأسرع ما استطعت. أنا لا أفهم السياسة بقدر ما تفهمها وبينما أعتقد أن القائد رجل طيب لم أرد أن تقحم نفسك في أي مفاجآت."
"إن لم ترد وجودي هناك يمكنني طلب تعيين في مكان آخر. لم يأمرني القائد بالحضور. بل اقترح ذلك فقط على ملازمي."
هززت رأسي.
"لا أظن أن الأمر يمثل مشكلة. لسنا بصدد دخول مفاوضات حياة أو موت تستدعي قلقي على سلامتك."
قال ليف: "هناك أمر آخر ينبغي أن تعرفه. قد يمهتم القائد بمعرفتك بالرونيات وأبحاثك. لقد طلب من الليدي فلافيا و أحد ملازميه حضور الاجتماع. كلاهما خبير في الرونيات."
حينها كنا قد بلغنا مهاجعي.
قلت وانا أدخل: "تفضل بالدخول. يمكننا مواصلة الحديث بالداخل."
عرضت على ليف الكرسي بينما جلست على حافة السرير.
"أجل توقعت اهتمام القائد تيلوس بأبحاثي. حين التقينا سابقاً لم أذكر شيئاً من ذلك لأن ليلا كانت معك لكنني وجدت نفسي مؤخراً في وضع معقد."
بثثت مانا الخاصة بي في المنطقة المحيطة لأتأكد من عدم وجود أحد بالقرب. ثم خفضت صوتي وتابعت.
"كنت أجري أبحاثاً حول تكوين النواة اللاعنصرية. الملازم شيشيرو رئيسي السابق ينحدر من بيت له تاريخ معقد ينطوي على ذلك النوع من الأبحاث. لقد خشي أن أرتكب خطراً ما أثناء التحقيق في الأمر فأبلغ الرؤساء بما كنت أفعله."
ظهر الغضب فوراً على وجه ليف لكن قبل أن يتحدث رفعت يدي لأوقفه.
"للملازم شيشيرو تاريخه المعقد الخاص مع الموضوع. مع ذلك أراد أيضاً منحني بعض الحماية فاتخذني تلميذاً له. يبدو أن ذلك يجعلني قريباً من نبيل صغير"
قلت ذلك مبتسماً.
"حقاً؟"
هبّ ليف واقفاً بابتسامة عريضة تشق وجهه وجذبني في عناق حار.
"لا شيء مميز. على حد فهمي أنال لقباً لكوني تلميذه وربما أُجرّ إلى اجتماعات كهذه بشكل متكرر في المستقبل."
بالنسبة لي بدت المكانة عديمة الفائدة تماماً بغض النظر عن عدد المرات التي حاول فيها بيتر إقناعي بعكس ذلك. تواصل حديثنا بعض الوقت بينما تقاسمنا فهمنا المنقوص لمجتمع النبلاء. في النهاية رمقت ليف بنظرة عارفة.
قلت مغيرًا الموضوع إلى أمر يستمتع بمناقشته: "إذن..."
"من يفوز في قتال بينك وبين يوليوس؟"
رفع ليف حاجبه.
"بصراحة سأخسر. قد لا يعلم يوليوس الكثير عن أي شيء آخر لكنه مقاتل بارع. أظن أنه يُعد بين أفضل عشرة طلاب في الأكاديمية فيما يتعلق بالقتال. وحسب ما سمعته بوسعه حتى إسقاط وحش من الرتبة الثالثة بمفرده."
سألت: "إذن برأيك من يفوز بيننا نحن الاثنين؟"
قال ليف: "لا تصبح مغروراً. ما زلت أفضل منك رغم أنني سمعت ممن شاهدوا نزالك مع يوليوس أنك قدمت قتالاً جيداً."
أجبت: "أعتقد أنك أنت من تصبح مغروراً. بوسعي هزيمتك ويدي اليمنى مربوطة خلف ظهري."
من هناك واصلنا مبالغة قدراتنا القتالية وكل منا يطلق ادعاءات بالغة السخافة. استشاط ليف حماسة وأراد النزال فوراً لكن جرحي كان ما زل يلتئم ولم أكن في حالة تؤهلني للقتال. بعد قليل غادر لكن بعد أن جعلني أوافق على موعد لنزالنا. في ذلك المساء جمعت فصيلتي مرة أخرى وشققنا طريقنا نحو قصر العمدة.