قال بيتر: "كلا! قطعا لا. أجننت تماما؟ يا إدوارد، تبا للنظام، أنت تعلم أنني أعجب بتكتيكاتك وطريقة تفكيرك، لكن هذا حماقة وقد يقود معظم فصيلتنا إلى الإعدام بالكاد يمتلك فاريك وباري الاستقرار الكافي للقاء مسؤولي الجيش العاديين، فما بالك بشخصية رفيعة المستوى مثل تيلوس بيتراي"، بينما كنا نمشي بخطى بطيئة ومسترخية للغاية نحو منزله لتناول الغداء.
هكذا أخبرته بما فعلته بالأمس، وما إن ذكرت اصطحاب باري والآخرين معي لقاء تيلوس بيتراي حتى فقد بيتر صوابه.
"ما مشكلتك مع هذه الفكرة؟ ألم تخبرني أن النزالات شائعة في التجمعات النبيلة؟ لا أرى خطأ في اصطحاب مقاتلي إلى الاجتماع، ولست مدعوا إلى حفلة نبيلة حسبما أخبرك والدي، سيكون الاجتماع رسميا بين نقيب في الجيش الملكي ورفيق في الجيش الملكي تجمعهما صلة عائلية ما. إطلاع النقيب على طبيعة الوحدة التي أودها يكاد يكون واجبي".
قال بيتر مشيرا ببراعة إلى الثغرات في منطقي: "للمرة المئوية، أي صلة بالنبلاء القدامى ليست صلة هينة. أصبح الناس تجارا ناجحين لمجرد معرفتهم بقريب بعيد من النبلاء القدامى، وأنت تلميذ آخر سليل باق من إحدى هذه العائلات. ثم إن منطقك لا يمت للواقع بصلة. باصطحاب أشخاص مثل فاريك، أنت تكاد تضمن جر نفسك إلى مبارزة، أو ما هو أسوأ".
"حسنا! الأمر لا يقتصر على ذلك. أنت تعلم أنهم جزء من فريقي الدائم الآن. بناء على التكليف المستقبلي الذي أناله، قد أصبح ملازما خلال عامين أو ثلاثة. وأدركت مؤخرا أنني ما زلت أجد صعوبة في الثقة بالرجال المفترض أنهم الأقرب إلي وخط دفاعي الأول بعد صيرورتي ملازما. لهذا منحتهم حرية استكشاف البلدة. إن ارادوا حقا فعل شيء شائن، فيمكنهم فعله الآن. وإن أرادوا الفرار، فهذه هي الفرصة المثالية. خلافا للقرية الحدودية، هذه البلدة أشد ارتباطا بأفالون وآمنة بما يكفي لتتحرك فيها وحدات من الفئة الثانية مثلهم بمفردهم. إن التزموا الحدود وعادوا إلى الفصيل، فلن أضطر إلى القلق بشأن نواياهم كثيرا. أما عن اصطحابهم إلى اجتماع مع نبيل، فهذا اجتماعي الأول مع عائلة ذات توجه عسكري. لديهم دراية بكيفية تصرف فرقة الموت، ولن يتوقعوا مني سلوكا مثاليا تماما. يجعل هذا الفرصة المثالية لاختبارهم أمام النبلاء. إن صرت ملازما، قد أصادف أفرادا برتبة نقيب بصورة منتظمة، وباتخاذ هذا اختبارا، يمكنني معرفة ما ينبغي الحذر منه في الاجتماعات المستقبلية".
بدا على بيتر التأمل بعد شرحي. ثم أومأ.
"همم، أكره أن هذا منطقي. لا عجب أنك رقيب وما زلت أنا جنديا".
"لا تخدع نفسك. صرت رقيبا لحظ حظي فحسب. دعك من هذا. حدثني عن عائلتك. من ألقى بالتحديد؟ وهل ينبغي أن أخشى أن يقتلني والدك لعدم الاحترام؟"
سألت مازحا.
"لست متأكد إن كان سيقتلك أم لا"، قال بيتر بنبرة جعلتني حائرا أكان مازحا أم جادا.
"أما عن باقي عائلتي، فلدي شقيق أصغر يكبرني، وخلافا لي، هو نابغة. إنه وريث العائلة ويدرس حاليا في أكاديمية السحر الملكية. ولدي شيققة صغرى تقارب سنك، وقد تكون مصدر خيبة أمل لوالدي أعظم مني. لا اهتمام لها بالزواج أو الانضمام إلى الجيش. تهتم بإدارة المدن، وهو ما يعده والدي سياسة. وهناك والدتي بالطبع. إنها الأفضل. تدعمنا جميعا بغض النظر عما نود فعله. حتى بالأمس، لم توبخني. كانت قلقة علي فحسب، ولهذا تريد لقاءك. ولدي جدان كذلك. والد أمي أحد كبار التجار في هذه البلدة، ووالد أبي طريح الفراش بسبب الشيخوخة. ولن يحضر أحدهما اليوم".
"كم عمر والد أبيك؟"
سألت.
"حوالي المئة والخمسين. بصراحة، لا يتذكر تاريخ ميلاده. قدرنا عمره بناء على الأحداث التي يتذكرها"، قال بيتر.
أومأت. لم تكن هناك شهادات ميلاد هنا، وكنت واثقا أنه مهما بلغت أهمية يوم اليقظة لأحدهم، فبعد مئة عام، سيبدؤون في نسيانه.
"لا تفهمني خطأ، لكن حسب ما سمعت، متوسط عمر الفئة الثالثة حوالي مئة وأربعين عاما. أكان جدك مقاتلا أيضا؟"
سألت.
"نجل، امتلك تقارب كاف للتقدم إلى الفئة الرابعة، لكنه لعجز ما لم استطع قط تجاوز الحاجز. ولهذا يحمل مانا في جسده أكثر من معظم أهل الفئة الثالثة"، قال بيتر.
بلغنا منزل بيتر أثناء حديثنا. كلا، كان وصفه بالمنزل خطأ. كان قصرا. وقفت بوابة دخول ضخمة أمامنا، يحرسها عدة رجال. حيى الحراس بيتر فور رؤيته وفتحا البوابة. امتد خلف البوابة حديقة وطريق يؤدي إلى القصر. صُنع القصر نفسه من الرخام الأبيض، بنقوش تخالف كل ما رأيته من قبل. المشكلة الوحيدة أن المنظر الجميل تفسد وجه النقيب روسكو العابس، برفقة ابنه، شقيق بيتر، إدموند روسكو، الذي بدا تماما كبيتر.
الفارق الوحيد ارتدائه ملابس نبيلة. ووقفت بجوارهما سيلة نبيلة منتصف العمر، والدة بيتر.
تقدم إدموند وقال: "أهلاً بك، الرقيب إدوارد. رائع لقاؤك أخيرًا".
أومأت، وتقدمت، وصافحته، ثم حييت النقيب روسكو وزوجته.
أخرجت نبتتي الورد الصغيرتين من حقيبتي وقلت: "يا سيدتي، أحضرت نبتتي ورد صغيرتين. قال بيتر إنك تحبين الورد والبستنة. أتمنى أن تنالا إعجابك".
كنت أحاول ترك أفضل انطباع ممكن لدى والدة بيتر. حسب ما سمعت، امتلكت القدرة على صراخ والد بيتر. ربما تستطيع حمايتي هنا.
قالت والدة بيتر متفاجئة: "يا للهول، شكرا لك على هذه الهدية المدروسة. الرقيب إدوارد، أنت شاب للغاية. لم يذكر بيتر عمره لي أبداً. تفضل بالدخول. جهزت طعاما لك. متأكدة أنكما ستستمتعان به أيها الفتيان".
بعد قولها، أخذت بيد بيتر وجرته إلى الداخل. تبعهما إدموند. اعترض طريقي النقيب روسكو قبل أن أتمكن من اللحاق بهم.
نظر إلي بعينين ضيقتين وقال: "أتعلم أن بالأمس، زار تقريبًا كل أعضاء فصيلتك دور اللهو وأمضوا بقية الليل يشربون كالمجانين؟ سمعت أنك كنت في تلك المنطقة أيضا. أهذا هو نوع الرقيب الذي أنت عليه؟"
سألت: "يا نقيب، أخرقوا أي قانون؟"
لم أكن قلقا بشأن زيارتهم لبيوت الدعارة. كنت قلقا من خرقهم لبعض القواعد.
أجاب النقيب: "ليس بعد".
بدل الإجابة، منحته نظرة متسائلة. لم أكن متأكدا عما أراد مني فعله. بصراحة، ألم يكن لدى نقيب في الجيش الملكي ما هو أفضل من تتبع الأنشطة الجنسية لفصيلتي؟
وكأنه قرأ أفكاري، أجاب: "لا يعنيني ما يفعلونه، لكنك قصة مختلفة. أنت الآن ضابط في الجيش الملكي، ويخدم أحد أبنائي تحت إمرتك. تعني سمعتك الكثير لي. لولا عودتك بالأمس، لطالبت بإعادة تعيين بيتر".
بعد قوله، مشى إلى داخل المنزل، تاركاً إياي في حيرة. لم أكن متأكدا أكان ذلك قلق أب أم نقيب جيش ملكي نبيل. كان لدي الكثير لأقوله له. رغبت في مجادلته وإخباره أن يهتم بشؤونه، لكنه بدا مرهبا للغاية، لذا تبعته بارتباك. أدركت أيضا أنني رأيت أخيرًا كيف يكون النبلاء. مع أن عائلة بيتر عائلة عسكرية وأقل شبها بالعائلات النبيلة، إن كان التعامل مع عائلة فرسان بهذا الصءوبة، فلست متأكدا كيف سيكون التعامل مع نبلاء لا ينتمون للجيش.
بدا النقيب روسكو محتملا أكثر بكثير وبدا كإنسان عادي بفضل حضور والدة بيتر. ما إن جلسنا إلى مائدة الغداء حتى شرع الخدم في جلب المقبلات، وسار الحديث بسلاسة، متحكمة به والدة بيتر بلياقة. بعد دقائق، بدأنا جميعنا بالابتسام والضحك. كانت والدة بيتر امرأة ساحرة تظهر عناية بالجميع على المائدة. حرصت على ألا تفقد أي من أطباقنا محتواها، ومن أجلي، شرحت ما كانت الأطباق وكيف صُنعت.
ما فاجأ الجميع على المائدة، أنا أيضا، هو قدرتي على التعامل مع أدوات المائدة. لم أكن برشاقة والدة بيتر أو شقيقه قط، لكن بالنسبة لي، مجرد القدرة على استخدامها بصواب كان جيدا بما يكفي.
سألت والدة بيتر، ممسحة الابتسامات من وجهينا: "بيتر، لمَ لم تدع بقية فصيلتك لتناول الغداء؟"
توقفت شوكاتنا في منتصف الطريق إلى أفواهنا، ونظر بيتر إلي كأنه لا يدري ما يقول.
محاولا مساعدته، تنحنحت وقلت: "يا سيدتي، أظن بقية فصيلتنا قد لا تلائم هذا النوع من التجمعات. معظمهم ليسوا جنودا عاديين ولهم سوابق إجرامية".
عاجلا أم آجلا، ستعلم بالأمر، وكان من الأفضل أن تسمعه منا بدل شخص غريب. عبست والدة بيتر لإجابتي. كانت المرة الأولى التي أرى وجهها يفعل شيئا سوى الابتسام، لذا بدأت أشعر بالقلق فورا. كدت أفزع حين تحدث النقيب روسكو.
"إذن لمَ لم تحاول هدايتهم إلى الطريق القويم، أيها الرقيب؟ أليس هذا ما فعله رقاب فرقة الموت تقليديا؟ معاقبة العنيدين ومكافأة من يمتلكون إمكانية التحسن. لكن حسب ما سمعت، لم تفعل ذلك، الرقيب إدوارد. لمَ؟"