"لماذا بحق الجحيم أحضرتني إلى هنا؟"
همست لبيتر ونحن نقف أمام أحد أفخم المتاجر التي رأيتها في حياتي قط. كنت قد اشتريت للتو بعض الثياب البسيطة للاستخدام العادي. والآن جلبني بيتر إلى خيّاطة لأشتري ما يناسب لقائي بالنبلاء. المشكلة هي أنني استطعت أن أدسّ في نفسي ودون حتى أن أخطو إلى الداخل أن الثياب المباعة هنا ستكلفني غالياً جداً. زينت تماثيل ذهبية عدة المدخل، وقام بينها زوج من الأبواب الفخمة المنقوشة بعناية.
بيد أن أكثر ما جذب انتباهي هو الراية المعلقة فوقها. صُنعت من قماش أبيض نقي، وحملت اسم الإبرة الذهبية مطرزاً ببراعة وسطها بخيط ذهبي.
"ماذا؟ قد يكون هذا أحد أهم اجتماعات حياتك. يجب أن تبدو في أفضل مظهر. فانت في النهاية تلميذ الملازم سيسيرو، وليس الأمر كأنك لا تستطيع تحمل تكلفته. ألم تتلق للتو مكافأة من القائد؟"
قال بيتر.
ضيقت عيني نحوه: "ألهذا السبب طلبت مني إحضار كل بلورات المانا الخاصة بي؟"
"نجل."
"أه، يا بيتر، لم أكن أتوقع هذا منك. ظننتك اللبيب. لست معارضاً لارتداء ثياب جيدة، لكنني لن ألبس كهيئة نبيل. بالتأكيد، تساعد الثياب في ترك انطباع أول حسن، لكنها تتطلب منك أيضاً أن تعرف كيف تتصرف بناءً على ذلك، ولا أعرف شيئاً من هذا قط. لو لبست كهيئة نبيل فلن أبدُ سوى محتال."
"أه، هيا يا إجورد. حاول على الأقل..."
قُطعت كلمات بيتر حين شعرت بأحد يقترب من جهة اليسار.
"اعذرني على استراق السمع إلى حديثكما، حضرة السيد الصغير رسكو"
قالت العجوز لبيتر وهي تقترب منا من الخلف.
ثم التفتت إليّ متابعة: "قد تبدل الثياب نظرة العالم إلى الرجل، لكنها لا تستطيع تغيير أي نوع من الرجال هو."
نظرت إلى بيتر مندهشاً، ليس بسبب كلمات المرأة —التي وافقتها الرأي— بل لأنها نادته بالسيد الصغير. ومنذ أن وصلنا إلى البلدة لم يعامل أحد بيتر بأي شكل يختلف عن بقية الجنود. حتى أبوه ناداه بالجندي بيتر، لذا كاد يغيب عن بالي أن لبيتر مكانة مهمة هنا. لقد كان ابن أحد أنفذ الرجال في بلدة فيلكار. هز بيتر رأسه وابتسم فقط.
"الجدة غريتا، كم مرة أخبرتك ألا تناديني بالسيد الصغير؟ يمكنك مناداتي ببيتر فحسب."
اكتفت غريتا بالابتسام متجاهلة طلبه تماماً، ومضت تنظر إليّ.
"ومن هذا الشاب؟"
سألت بحرارة وابتسامة جدة تعلو وجهها.
"أه، عذراً. نسيت أن أقدمكما. الجدة غريتا، هذا عريفي، العريف إدوارد."
أثار التقديم نظرة دهشة على وجه العجوز.
"إدوارد، هذه الجدة غريتا. إنها صديقة جدتي، ومربيتي السابقة، وصاحبة الإبرة الذهبية."
"يسعدني لقاؤك يا سيدتي"
قلت مطاطئاً رأسي قليلاً.
"جيد، جيد. لقد جلبت تغييراً لبيتر الخاص بي. لقد مضى وقت طويل منذ رأيته يبتسم بمثل هذه الحرية، وما توقعت قط أن أسمعه ينادي عريفاً باسمه. خشيت أن يتحول إلى أبيه"
قالت العجوز وهي تربت على ظهر بيتر بحنان. بحلول ذلك الوقت كان وجهه قد احمر تماماً.
"إذن يا جدة، مما قلته قبل قليل، أترين أنه لم يكن عليّ إحضار إدوارد إلى هنا؟"
سأل بيتر محاولاً تغيير الموضوع.
"نعم. لم يعد هذا المتجر يحتفظ بثياب تناسب الجنود. لكن بما أنني هنا فلا داعي لأن تقلق بشأن شيء. تعالا. سأوفر لكما أيها الفتيان ما تحتاجانه"
قالت قبل أن تتوفر متجهة نحو المدخل، تاركة إيانا بلا فرصة للجدل. نظر بيتر وأنا أحدنا إلى الآخر، وهززنا كتفينا، وتبِعناها.
بعد قطع خطوات قليلة، ابتسمت بتهكم وهمست لبيتر: "سأخبر باري وبقية الفصيلة بهذا، السيد الصغير بيتر."
سرت نظرة رعب على وجه بيتر.
"أه، هيا يا إدوارد. لوددت أن تقتلني هنا على أن تفعل."
وبينما استمر بيتر في الاحتجاج، شققنا طريقنا إلى داخل المتجر. وما إن دخلت المدام غريتا المتجر حتى تبدل سلوكها بأسره. لم تعد تبدو كامرأة عجوز لطيفة. بل أصبحت تشبه قائدة تصدر الأوامر لكتيبتها. وطفقت توجيه العمال بتتابع سريع بينما تبعتها امرأتان في منتصف العمر عن كثب. كان جوف المتجر بجمال خارجه تماماً، لكن جماله لم يأت من الزخارف المعقدة. بل أتى من الأزياء المعروضة في أرجاء الغرفة كافة.
وحيثما نظرت، رأيت ثياباً مصنوعة من مواد تشبه الحرير المخمل. كنت متأكداً تقريباً من أنه لو لم أصل برفقة بيتر والمدام غريتا لكان العمال قد طردوني قبل أن أنطق بحرف واحد. وحين انتهت غريتا من إعطاء أوامرها، التفتت إلى المرأتين اللتين تتبعانها.
"أنتما الاثنتان، قيسوا أبعاد ضيف السيد الصغير بيتر"
قالت غريتا مشيرة إليّ.
"بعد زمن طويل، سنصنع زياً لجندي."
"العريف إدوارد، أقترح سترة قطنية رمادية بسيطة. وفوقها، يمكنك ارتداء رداء يحمل شعار جيش أيلون الملكي، مع زوج من السراويل الصوفية الداكنة. سأستخدم خامات عالية الجودة. سيجعلك الزي تبدو مقاتلاً لا نبيلاً"
شرحت المدام غريتا بينما أخذت مساعدتاها قياساتي. لقد كنت مذهولاً بكل ما يجري حولي لدرجة أنني بالكاد فهمت ما كانت تقوله. واثقاً من أن مربية بيتر السابقة تعرف ما تفعله، هززت رأسي فحسب. وبعد لحظات قليلة، وحين جمعت أفكاري، تنحنحت لأحظى بانتباه المدام غريتا.
"سيدتي، أقدر استضافتك لي، لكنني أود معرفة تكلفة كل هذا"
قلت. بالنسبة لبيتر، قد لا يكون إنفاق مكافأته بأكملها على الثياب أمراً جللاً، لكنني لم أكن مثله. فضلاً عن ذلك، كنت قد استخدمت نصف بلورات المانا خاصتي في تجاربي بالفعل. وخشيت ألا يبقى لدي ما يكفي لدفع ثمن الزي حتى.
لوحت بيدها رافضة: "لا. لن آخذ مالك. أنت رئيس السيد الصغير."
"لا، يستحيل أن أقبل بكل هذا مجاناً. أستطيع أن أتبين من الثياب المعروضة هنا أن تكلفة عملك ستكون فلكية، ناهيك عن المواد المطلوبة لصنع الزي"
رددت هز رأساً.
"لأموتن أهون عليّ من أخذ مال من صديق السيد الصغير بيتر. هذه هي المرة الأولى التي يجلب فيها أحداً إلى متجري. إنه واجبي أن أحقق رغباته"
قالت المدام غريتا بإصرار. وبعجز، التفتت إلى بيتر الذي بدا مصدوماً هو الآخر بحجم المودة التي يتلقاها.
"إدوارد، أرجوك دعها تفعلها. لم أدرك كم أثر قراري بالانضمام للجيش في المحيطين بي."
"لا، لم تفعل. كاد جدك وأبوك يقتتلان، ولم تكلم أمك أباك لأكثر من عام. غضب اثناهما منه لأنه شجعك على الانضمام للجيش. أقترح أن تزور عائلتك في أقرب وقت. وإلا فأخشى أن يقتحم جدك قاعة البلدة ويسحبك إلى البيت بنفسه"
قالت المدام غريتا.
"نعم، سأزورهم اليوم"
قال بيتر وقد عبرت وجهه تعابير قلقة. بدا وكأنه كان غافلاً تماماً عن كل ما حدث في عائلته بعد انضمامه للجيش. هبط صمت محرج علينا بعد ذلك. شعرت وكأنني عجلة ثالثة تورطت صدفة في نزاع عائلي بلا سبيل للهروب. مع ذلك، لم أكن خائباً تماماً. قد يكون الموقف محرجا، لكنني كنت أجمع قدراً وافراً من القيل والقال لأشاركه مع فصيلة وأستخدمه لأشاكس به بيتر لاحقاً. وكنت فضولياً بعض الشيء بشأن وضع عائلته أيضاً.
كيف كان جده؟ أكان جده لأمه أم لأبيه؟ مما شاركه بيتر معي، كان جده لأبيه طاعناً في السن ويجد صعوبة في المشي، لذا سأتفاجأ إن استطاع اقتحام قاعة البلدة. غالباً كانت غريتا تتحدث عن أبي أمه. وبينما كنت غارقاً في أفكاري، انتهى أخذ القياسات واختيار الثياب. وبعد مغادرة المتجر، ذهبنا أنا وبيتر إلى حانة لتناول بعض الشراب قبل أن نفترق. توجه بيتر إلى البيت، بينما عدت إلى مقري المخصص ونمت لأكثر من اثنتي عشرة ساعة.
ولأول مرة منذ وقت طويل، كنت أستمتع ببعض السلام النفسي. صحيح أنه وُجد بعض التوتر بشأن لقاء حفيد نبيل، لكنه لم يكن شيئاً مقارنة بالضغط الذي واجهته طوال الأسابيع القليلة السابقة، حين كنت أهرب من أعداء الفئة الرابعة، وأتحمل الاستجوابات، وأقضي ليالٍ بلا نوم في إجراء الأبحاث. في الصباح التالي، وبعد أن انتعشت، شققت طريقبي إلى الثكنات للاطمئنان على فصيلتي. أرشدني أحد الجنود إلى حيث كانوا يقيمون.
وحين اقتربت، استشعرت تسع بصمات مانا. بيد أن إحداهن بدت مختلفة، أكثر كثافة من المعتاد. وما إن حددت مصدرها حتى أدركت ما حدث. تعود بصمة المانا الأكثر كثافة إلى فاريك. لقد ترقى إلى الفئة الثالثة.